Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ = [باب] قوله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِىِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ ١٠ [الدخان: ١٠] قَالَ قَتَادَةُ: فَارْتَقِبْ: فَانْتَظِرْ. ٤٨٢٠- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبي حَمْزَةَ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: مَضَى خَمْسٌ: الدُّخَانُ، وَالرُّومُ، وَالْقَمَرُ، وَالْبَطْشَّةُ، وَاللَّزَامُ. [انظر: ١٠٠٧- مسلم: ٢٧٩٨ - فتح: ٨/ ٥٧١] ثم ساق حديث مَسْرُوقٍ، عن عبد الله قَالَ: مَضَى خَمْسٌ: الدُّخَانُ، وَالرُّومُ، وَالْقَمَرُ، وَالْبَطْشَةُ، وَاللِّزَامُ. وقد سلف، وساقه في: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ﴾ أيضًا(١). (١) سيأتي برقم (٤٨٢٥). ٢٢٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = [باب] قوله: ﴿يَغْشَى النَّاسَّ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [الدخان: ١١] ٤٨٢١- حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: إِنَّمَا كَانَ هذا؛ لأَنَّ قُرَيْشًا لَّمَا أَسْتَغْصَوْا عَلَى النَّبِيِّ ◌َيِّ دَعَا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، فَأَصَابَهُمْ فَخْطُ وَجَهْدٌ، حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرِىُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا کَھَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنَ الَجَهْدِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَارْتَقِبُ ﴾﴾ [الدخان: يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ يَوْمَ تَأَتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ ١٠، ١١ ] قَالَ: فَأَتِيَّ رَسُولُ اللهِ إِ لهَ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَسْتَسْقِ اللهَ لُمِضَرَ، فَإِنَّهَا قَدْ هَلَكَتْ. قَالَ: (لِمُضَرَ؟! إِنَّكَ لَجَرِيءٌ)). فَاسْتَسْقَى فَسُقُوا. فَنَزَلَتْ ﴿إِنَّكُمْ عَِّدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] فَلَمَّا أَصَابَتْهُمُ الرَّفَاهِيَةُ عَادُوا إِلَى حَالِهِمْ حِينَ أَصَابَتْهُمْ [الدخان: الرَّفَاهِيَةُ. فَأَنْزَلَ اللهُ رَّقَ ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىَ إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ١٦] قَالَ: يَغْنِي: يَوْمَ بَدْرٍ. [انظر: ١٠٠٧ - مسلم: ٢٧٩٨ - فتح: ٨ / ٥٧١]. ذكر فيه حديث مسروق، عن عبد الله أيضًا قال: إِنَّمَا كَانَ هذا؛ لأَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا أَسْتَعْصَوْا عَلَىْ رسول الله وَّلِ دَعَا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، فَأَصَابَهُمْ قَحْطٌ وَجَهْدٌ .. الحديث، وقد سلف في الاستسقاء أيضًا. والجهد: بفتح الجيم وضمها لغتان مثل الفرق. فبالضم: الجوع، والفتح: المشقة. ثم ساقه في قوله: ﴿رَّبَّنَا أَكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ﴾ وقوله: ﴿أَنََّ لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ وقال: الذِّكْرُ وَالذِّكْرى وَاحِدٌ. ثم ساقه في قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَوْاْ عَنْهُ وقوله في هذا: (فدعا) ثم قال: ( (تعودون) وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ تَجْنُنُ ﴾﴾ بعد هذا) كذا في الأصول ((تعودون)) وساقه ابن التين بلفظ: (تعودوا))، ثم قال: كذا وقع والصواب: ((تعودون)). ٢٢٣ = كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ باب ﴿رَبَّنَا أَكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ [الدخان: ١٢] ٤٨٢٢ - حَدَّثَنَا يَخْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعَ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ فَقَالَ: إِنَّ مِنَ العِلْمِ أَنْ تَقُولَ لَمَا لَا تَعْلَمُ: اللهُ أَعْلَمُ، إِنَّ اللهَ ﴾ [ص: ٨٦] إِنَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ بَّهِ ﴿قُلْ مَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَهَا أَنَاْ مِنَ الْتَكَلِّفِينَ قُرَيْشَا لَّمَا غَلَبُوا النَّبِيَّ ◌َلَ وَاسْتَغْصَوْا عَلَيْهِ قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعِ كَسَبْعِ يُوسُفَ)). فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ أَكَلُوا فِيهَا الْعِظَامَ وَالَّيْتَةَ مِنَ الَجَهْدِ، حَتَّى جَعَلَ أَحَذَّهُمْ يَرى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنَ الْجُوعِ. قَالُوا ﴿رَبَّنَا أَكْشِفْ عَنَا الْعَذَابَ إِنَّا [الدخان: ١١] فَقِيلَ لَهُ: إِنْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَادُوا. فَدَعَا رَبَّهُ فَكَشَفَ مُؤْمِنُونَ عَنْهُمْ، فَعَادُوا، فَانْتَقَمَ اللهَ مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَذَلِكَ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِى السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١١] إِلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦]. [انظر: ١٠٠٧- مسلم: ٢٧٩٨ - فتح: ٨ / ٥٧٢] ٢٢٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = باب ﴿أَنَّ لَهُمُ الذِّكْرَ وَقَدْ جَاءَ هُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ [الدخان: ١٣] الذِّكْرُ وَالذِّكْرِى وَاحِدٌ. ٤٨٢٣- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بنُ حَازِمٍ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَا دَعَا قُرَيْشًا كَذَّبُوهُ وَاسْتَغْصَوْا عَلَيْهِ فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعِ كَسَبْعِ يُوسُفَ)). فَأَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ - يَغْنِي - كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى كَانُوا يَأْكُلُونَّ الَيْتَةَ فَكَانَ يَقُومُ أَحَدُهُمْ فَكَانَ يَرِىُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ مِثْلَ الدُّخَانِ مِنَ الَجَهْدِ وَالْجُوعِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ﴿ يَغْشَى النَّاسَّ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [الدخان: ١٠، ١١] حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِنَّا كَاشِقُوْ اُلْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَبِدُونَ # [الدخان: ١٥ ١٥] قَالَ عَبْدُ اللهِ: أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ: وَالْبَطْشَةُ الكُبْرِىُ يَوْمَ بَدْرٍ. [انظر: ١٠٠٧ - مسلم: ٢٧٩٨ - فتح: ٨ / ٥٧٣]. ٢٢٥ = ڪِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ باب تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ فَجُنُ ١٤ [الدخان: ١٤] ٤٨٢٤- حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ وَمَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا أَّهِ وَقَالَ: ﴿قُلْ [ص: ٨٦] فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صَ لَا مَا أَسْلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنْ مِنَ الْتُكَلِّفِينَ رَأْىُ قُرَيْشًا أَسْتَغْصَوْا عَلَيْهِ فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعِ كَسَبْعِ يُوسُفَ)). فَأَخَذَتْهُمُ السَّنَةُ حَتَّى حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الِعِظَامَ وَالْجُلُودَ -فَقَالَ أَحَدُهُمْ حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ وَالَميْتَةَ- وَجَعَلَ يَخْرُجُ مِنَ الأَرَضِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ، فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: أَيْ نُحَمَّدُ، إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فَادْعُ اللهَ أَنْ يَكْشِفَ عَنْهُمْ فَدَعَا ثُمَّ قَالَ: (تَعُودُوا بَعْدَ هذا)). في حَدِيثِ مَنْصُورٍ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ [الدخان: ١] إِلَى: ﴿عَبِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] أَيُكْشَفُ عَذَابُ الآخِرَةِ؟ مُبِينٍ فَقَدْ مَضَى الدُّخَانُ وَالْبَطْشَةُ وَاللَّزَامُ وَقَالَ أَحَدُهُمُ: القَمَرُ. وَقَالَ الآخَرُ: الزُّومُ. [انظر: ١٠٠٧- مسلم: ٢٧٩٨ - فتح: ٨ / ٥٧٣]. ٢٢٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == باب ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىّ إِنَّا مُنْتَقِمُونَ [الدخان: ١٦] ٤٨٢٥- حدنا يحيى، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد الله قال: خمس قد مضين: اللَّزَامُ، والروم، والبطشة، والقمر، والدُّخان(١). [انظر: ١٠٠٧ - مسلم: ٢٧٩٨ - فتح: ٨ / ٥٧٤]. (١) تنبيه: هُذِه الأحاديث لم يذكرها المصنف في الأصل، وقد أشار إليها أثناء شرحه لحديث رقم (٤٨٢٠، ٤٨٢١). ٢٢٧ كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ = (٤٥) ومن سورة الجَاثِيَةِ ﴿جَائِيَةٌ﴾ [الجاثية: ٢٨]: مُسْتَوْفِرِينَ عَلَى الرُّكَبِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿نَسْتَنْسِخُ﴾ [الجاثية: ٢٩]: نَكْتُبُ. ﴿نَسَنَكُمْ﴾ و و. [الجاثية: ٣٤]: ککمْ. هي مکیة. (ص) (مُسْتَوْفِزِينَ عَلَى الرُّكَبِ)(١) أي: من هول ذلك اليوم. (ص) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿نَسْتَنِخُ﴾: نَكْتُبُ) هُذا أخرجه عبد بن حميد، عن عمر بن سعد، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح عنه (٢) . (ص) (﴿نَسَنَّكُمْ﴾: نَتْرُكُكُمْ) أي: في النار(٣). (١) قاله مجاهد، ورواه عنه الطبري في ((تفسيره)) ٢٦٥/١١ (٣١٢١٣). (٢) قلت: قد أخرج ابن أبي حاتم معناه عنه كما في ((الفتح)) ٨/ ٥٧٤. (٣) روي ذلك عن ابن عباس كما في ((تفسير ابن أبي حاتم)) ١٠/ ٢٣٩٢، وبه قال أبو عبيدة في ((مجاز القرآن)) ٢١١/٢. ٢٢٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح [باب] قوله: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرٌ﴾ الآيَةَ [الجاثية: ٢٤] ٤٨٢٦- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ بِّهِ: ((قَالَ اللهُ رَىَ: يُؤْذِينِي ابن آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمَرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)). [٦١٨١، ٦١٨٢، ٧٤٩١ - مسلم: ٢٢٤٦ - فتح: ٨ / ٥٧٤] ذكر في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((قَالَ اللهُ تعالى: يُؤْذِينِي ابن آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)). الشرح : هذا الحديث أخرجه أيضًا مسلم وأبو داود والنسائي(١). قيل: معناه: صاحب الدهر ومدبر الأمور المنسوبة إلى الدهور (٢). وقيل: المعنى: إنكم تسبون الدهر؛ لما ينزل بكم، والفعل إنما هو الله، فمن سب الدهر لما يطوي عليه دخل في هذا الحديث، لا لما يرى من المنكر فيه، وكانت العرب إذا أصابتهم مصيبة يسبون الدهر، ويقولون عند ذكر موتاهم: أبادهم الدهر، ينسبون ذلك إليه، ويرونه الفاعل لهُذِه الأشياء، ولا يرونها من قضاء الله وقدره، وأنه أزلي لا أول له، فأعلمهم الله أنه محدث، يقلب ليله ونهاره، لا فعل له، (١) أبو داود (٥٢٧٤)، والنسائي في ((الكبرى)) ٦/ ٤٥٧ (١١٤٨٧). (٢) قاله الخطابي في ((أعلام الحديث)) ٣/ ١٩٠٤. ٢٢٩ كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ = إنما هو ظرف للطوارئ(١). وكان أبو بكر بن داود الأصبهاني(٢) يرويه بفتح الراء من الدهر، منصوب على الظرف، أي: أنا طول الدهر، بيدي الأمر، وكان يقول: لو كان مضموم الراء لصار من أسماء الله تعالى، وقال القاضي عياض: نصبه بعضهم على التخصيص. قال: والظرف أصح(٣). وقال أبو جعفر النحاس: يجوز النصب، أي: بأن الله باق معهم أبدًا لا يزول(٤). وأما ابن الجوزي فقال: هو باطل من وجوه: أحدها: أنه خلاف أهل النقل، فإن المحدثين المحققين لم يضبطوها إلا بالضم، ولم يكن ابن داود من الحفاظ ولا من علماء النقل. ثانيها: أنه ورد بألفاظ صحاح تبطل تأويله، وهي: ((لا تقولوا: يا خيبة الدهر؛ فإن الله هو الدهر)»(٥). أخرجاه. (١) قلت: وأحسن ما قيل في تفسيره -كما قال الحافظ ابن كثير - ما قاله الشافعي وأبو عبيد وغيرهما من الأئمة: كانت العرب في جاهليتها إذا أصابهم شدة أو بلاء أو نكبة قالوا: يا خيبة الدهر. فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله، فكأنهم إنما سبوا الله ؛ لأنه فاعل ذلك في الحقيقة، فلهذا نهي عن سب الدهر بهذا الاعتبار؛ لأن الله هو الدهر الذي يعنونه ويسندون إليه تلك الأفعال. قال ابن كثير: هذا أحسن ما قيل في تفسيره وهو المراد والله أعلم، وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدّهم الدهر من الأسماء الحسنى : أخذ من هذا الحديث !! ((تفسير ابن كثير)) ٣٦٤/١٢ . (٢) ورد بهامش الأصل: هو أبو بكر بن داود بن علي بن خلف، وهو إمام أهل الظاهر، مشهور الترجمة. (٣) ((إكمال المعلم)) ٧/ ١٨٣. (٤) ((معاني القرآن)) ٤٢٩/٦-٤٣٠. (٥) سيأتي برقم (٦١٨٢) كتاب: الأدب، باب: لا تسبوا الدهر، ومسلم (٤/٢٢٤٦) كتاب: الألفاظ من الأدب، باب: النهي عن سب الدهر. ٢٣٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ولمسلم: ((لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر))(١) . ثالثها: تأويله يقتضي أن تكون علة النهي لم تذكر؛ لأنه إذا قال: ((لا تسبوا الدهر فأنا الدهر، أقلب الليل والنهار)) وكأنه قال: لا تسبوا الدهر فأنا أقلبه. ومعلوم أنه يقلب كل شيء من خير وشر، وتقليبه للأشياء لا يمنع ذمها، وإنما يتوجه الأذى في قوله: ((يؤذيني ابن آدم)) على ما أشرنا إليه. وقال القرطبي: أي: يخاطبني من القول بما يتأذى به من يصح في حقه التأذي، لا أن الله تعالى يتأذى؛ لأن التأذي ضرر وألم، والرب تعالى منزه عن ذلك، وهذه توسعات يفهم منها أن من يعامل الله بتلك المعاملات تعرض لعقابه ومؤاخذته، ولا شك في كفر من نسب تلك الأفعال -يعني: الممدوحة والمذمومة- أو شيئًا منها للدهر حقيقة أو أعتقد ذلك، وأما من جرت على لسانه ولا يعتقد صحتها فليس بكافر، ولكنه تَشبَّه بأهل الكفر، وارتكب ما نهاه عنه الشارع، فليتب وليستغفر(٢). (١) مسلم (٥/٢٢٤٦). (٢) ((المفهم)) ٥٤٧/٥-٥٤٨. ٢٣١ كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ = ٠ (٤٦) ومن سورة الأَحْقَافِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿تُفِيضُونَ﴾: تَقُولُونَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَثَرَةِ وَأُثْرَةٍ وَأَثَارَةٍ: بَقِيَّةُ عِلْمٍ. وَقَالَ ابنِ عَبَّاسِ: ﴿بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ﴾: لَسْتُ بِأَوَّلِ الرُّسُّلِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿أَرَيْتُمْ﴾ هذِهِ الأَلِفُ إِنَّمَا هِيَ تَوَعُّدُ إِنْ صَحَّ مَا تَدَّعُونَ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ، وَلَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿أَرَيْتُمْ﴾: بِرُؤْيَةِ العَيْنِ؛ إِنَّمَا هُوَ أَتَعْلَمُونَ أَبَلَغَكُمْ أَنَّ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ خَلَقُوا شَيْئًا . هي مكية كما جزم به الثعلبي، وفيها آيتان مدنيتان قال: ﴿أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ﴾ قال ابن عباس: نزلت في ابن سلام وابن يامين النضري وعمير بن وهب. وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَاً إِلَيْهِ﴾ قال الكلبي: نزلت بالمدينة، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أسد وغطفان وحنظلة بن مالك، ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ جهينة ومزينة وأسلم(١)، وقال مقاتل: قوله: ﴿فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ نزلت بالمدينة، والأحقاف: رمال مستطيلة باليمن في حضر موت. (ص) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿تُفِيضُونَ﴾: تَقُولُونَ) أسنده: ابن أبي حاتم، عن حجاج، عن شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عنه(٢). (ص) (أَثَرَةٍ وَأُثْرَةٍ وَأَثَارَةٍ: بَقِيَّةٌ من عِلْمٍ). هو قول أبي عبيدة(٣)، (١) ذكره الماوردي في ((تفسيره)) ٢٧٤/٥. (٢) رواه الطبري ٢٧٥/١١ (٣١٢٣٢). (٣) ((مجاز القرآن)) ٢١٢/٢. ٢٣٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وقال الحسن: الشيء يثار أي: يستخرج. وقال ابن عباس: هو الخط. ورفعه عن رسول الله وَطي(١)، وقال قتادة: خاصة من علم (٢)، يقال: لفلان عندي أثرة وأثرة، أي: شيء أخصه به، ومنه: أثرت فلانًا على فلان، وقيل: خبر عن بعض الأنبياء، من أثرث الحديث (ص) (وَقَالَ ابْن عَبَّاسِ: ﴿بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ﴾ أي: لَسْتُ بِأَوَّلِ الرُّسُلِ) أسنده ابن المنذر، عن غيلان، عن ابن أبي صالح، عن معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عنه (٣). (ص) (وقال غيره: ﴿أَرَّيْتُمْ﴾ هذِه الألف إنما هي توعد ان [صح](٤) ما تدعون لا يستحق أن يعبد، وليس قوله: ﴿أَرَيْتُمْ﴾، برؤية العين، إنما هو: أتعلمون أبلغكم أن ما تدعون من دون الله خلقوا شيئا)؟! قلت: وجواب الشرط محذوف، التقدير: إن كان هذا القرآن من عند الله وكفرتم به ألستم ظالمين؟ ويدل على هذا المحذوف قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ الظَّلِينَ﴾. (١) رواه الطبري ٢٧٢/١١ (٣١٢٢٣) موقوفًا، ورواه أحمد ٢٢٦/١ مرفوعًا. (٢) الطبري ٢٧٢/١١ (٣١٢٢٥). (٣) أنظر: ((الدر المنثور)) ٤/٦. (٤) ليست بالأصل، والمثبت من ((اليونينية)). ٢٣٣ كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ - [باب] قوله: ﴿ وَاُلَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُفٍ لَّكُمَا: الآية [الأحقاف: ١٧] ٤٨٢٧- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ قَالَ: كَانَ مَزْوَانُ عَلَى الِحِجَازِ اَسْتَعْمَلَهُ مُعَاوِيَةُ، فَخَطَبَ فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، لِكَى يُبَايِعَ لَهُ بَعْدَ أَبِيهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ شَيْئًا، فَقَالَ: خُذُوهُ. فَدَخَلَ بَيْتَ عَائِشَةَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ فَقَالَ مَزْوَانُ إِنَّ هذا الذِي أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ ﴿ وَاُلَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُنِّ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِىّ﴾ [الأحقاف: ١٧]. فَقَالَتْ عَائِشَةُ مِنْ وَرَاءِ الِحِجَابِ: مَا أَنْزَلَ اللهُ فِينَا شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ، إِلَّ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ عُذْرِي. [فتح: ٨/ ٥٧٦] . ذكر فيه حديث يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، قَالَ: كَانَ مَرْوَانُ عَلَى الحِجَازِ اسْتَعْمَلَهُ مُعَاوِيَةُ، فَخَطَبَ فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ؛ لِكَىْ يُبَايِعَ لَهُ بَعْدَ أَبِيهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ شَيْئًا، فَقَالَ: خُذُوهُ. فَدَخَلَ بَيْتَ عَائِشَةَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ فَقَالَ مَرْوَانُ: إِنَّ هُذا الذِي أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ ﴿وَأَلَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُفٍ لَّكُمَا﴾ [الأحقاف: ١٧]. فَقَالَتْ عَائِشَةُ مِنْ وَرَاءِ الحِجَابِ: مَا أُنْزَلَ فِينَا شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ، إِلَّا أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ عُذْرِي. أوضح هذا الإسماعيلي، فروى أن معاوية أراد أن يستخلف يزيدَ، فكتب إلى مروان، وكان على المدينة، فجمع مروان الناس فخطبهم وقال: إن أمير المؤمنين قد رأى رأيا حسنًا في يزيد، ودعا إلى بيعة يزيد، فقال عبد الرحمن: ما هي إلا هرقلية، إن أبا بكر والله لم يجعلها في أحد من ولده، ولا من أهل (بلده)(١) ولا من أهل بيته. (١) عليها في الأصل: كذا. ٢٣٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح فقال مروان: ألست الذي قال الله فيه: ﴿وَأَلَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا﴾؟ فقال عبد الرحمن: ألست ابن اللعين الذي لعنه رسول الله وَله؟ قال: فسمعتنا عائشة فقالت: يا مروان أنت القائل لعبد الرحمن كذا وكذا والله ما أنزلت إلا في فلان بن فلان الفلاني، وفي لفظ: لو شئت أن أسميه سميته، ولعن رسول الله ◌َ﴾ أبا مروان ومروان في صلبه، فمروان فضض، أي: قطعة من لعنة الله، فنزل مروان مسرعًا حتى أتى باب عائشة، فجعل يكلمها وتكلمه، ثم أنصرف. وفي لفظ: فقالت عائشة: كذب والله، ما نزلت فيه. ويبين ما أوردناه الشيءَ الذي قاله عبد الرحمن لمروان، وذكره أيضًا ابن التين فقال: الذي ذكر أنه قال له: أهرقلية؟ بيننا وبينكم ثلاث سبقن: توفي رسول الله ◌َّ وفي أهله من لو جعل الأمر إليه لكان أهلًا لذلك، فلم يفعل، وتوفي أبو بكر وفي أهله من لو جعل الأمر إليه لكان أهلًا، وكذلك عمر. وقولها: (ما أنزل فينا شيئًا من القرآن، إلا أن الله أنزل عذري) تريد : في (بني)(١) أبي بكر، وأما أبو بكر فنزل فيه: ﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠] وقال: ﴿تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] وقال: ﴿وَالسَّبِقُونَ اُلْأَوَّلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٠] في آي كثيرة(٢). (١) في الأصل: (ابني) وكتب بهامشها (لعله: ابن) ولعل المثبت أنسب من كليهما للسياق. (٢) قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) ٨/ ٥٧٧: وقد شغب بعض الرافضة فقال: هذا يدل على أن قوله ﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ﴾ ليس هو أبا بكر. وليس كما فهم هذا الرافضي، بل المراد بقول عائشة: (فينا) أي: في بني أبي بكر، ثم الاستثناء من عموم النفي وإلا فالمقام يخصص والآيات التي في عذرها في غاية المدح لها. اهـ ٢٣٥ كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ = [باب] قوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِمْ قَالُواْ هَذَا عَارِضٌ﴾ الآية [الأحقاف: ٢٤] قَالَ ابن عَبَّاسِ: العارض: السَّحَابُ. ٤٨٢٨- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا ابن وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرَو أَنَّ أَبَا النَّصْرِ حَدَّثَهُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها - زَوْجِ النَّبِيِّ ◌َِّ- قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ ضَاحِكًا حَتَّى أَرَىْ مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ. [٦٠٩٢- فتح: ٥٧٨/٨]. ٤٨٢٩ - قَالَتْ: وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمَا أَوْ رِيحًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الغَيْمَ فَرِحُوا، رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ المَطَرُ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عُرِفَ فِي وَجُهِكَ الكَرَاهِيَّةُ. فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، مَا يُؤْمِنِّي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ؟ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمُ العَذَابَ فَقَالُوا: ﴿هَذَا عَارِضُ تُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤])). [انظر: ٣٢٠٦ - مسلم: ٨٩٩ - فتح: ٥٧٨/٨] (قَالَ ابن عَبَّاسِ: العارض: السَّحَابُ) هذا أخرجه ابن المنذر، عن غيلان كما سلف، وهؤلاء هم قوم ثمود، فلما رأوا العذاب مستقبلًا لهم، مستقبل أوديتهم وأنهارهم استبشروا وقالوا: هذا عارض ممطرنا، أي: سحابة تمطر. قال ابن هشام في ((تيجانه)): حبس الله القطر عن عاد أربع سنين فتلفت زروعهم وجناتهم، وأسرع الموت فيهم وفي البهائم فأمرهم ملكهم بالاستسقاء، فقصدوا إلى شيخ منهم يقال له: قيل، وكان خطيبًا، فقدموه وخرجوا يستسقون فلم يسقهم الله شيئًا، فشكوا إلى هود، فقال: إن الله يرسل عليكم ثلاث سحابات، فاختاروا لأنفسكم ٢٣٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ما شئتم، فلما أصبحوا رأوا ثلاث سحابات صفراء وحمراء وسوداء، فأقامت تلك السحب عليهم ثلاثة أيام متعلقة من جهة المغرب، فاتفق رأيهم علي السوداء، فلما أخبروا هودًا فأرسل الله عليهم من السوداء ريحًا صرصرًا حسمت الشجر ولوحت الزرع، ولم تدع منهم أحدًا في الثمانية الأيام المذكورة في القرآن العزيز إلا ميسعان بن عفير وبنوه الذين آمنوا معه، وإنهم لعلى الدنيا إلى يوم القيامة. ثم ساق البخاري فقال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، ثَنَا ابن وَهْبٍ، أبنا عَمْرٌو أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ ضَاحِكًا حَتَّى أَرَىْ مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ .. الحديث . وأخرجه في بدء الخلق(١) والأدب أيضًا، ومسلم وأبو داود(٢). وأبو النضر هذا أسمه: سالم بن أبي أمية مولى عمر بن عبيد الله وكاتبه. وأحمد شيخ البخاري هو: أحمد بن عيسى المصري كما قاله أبو مسعود وخلف، وعرفه ابن السكن بأنه أحمد بن صالح المصري، وغلط الحاكم قول من قال: إنه ابن أحي ابن وهب. وقال ابن منده: كلما قال البخاري في ((جامعه)): حدثنا أحمد، عن ابن وهب. فهو ابن صالح، وإذا حدث عن ابن عيسى نسبه(٣). (١) ورد بهامش الأصل: حاشية: يحرر هل أخرجه في بدء الخلق أم لا؟ [قلت: أخرجه فيه برقم (٣٢٠٦) بمعنى الشطر الثاني منه: كان النبي إذا رأى مخيلة في السماء .. ] (٢) أبو داود (٥٠٩٨). (٣) قلت: نسبه أحمد بن عيسء في رواية أبي ذر كما في هامش ((اليونينية و((الفتح)) ٨/ ٥٧٨. ٢٣٧ كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ = و(لهواته) جمع لهاة: وهي اللحمة الحمراء المتدلية من الحنك الأعلى، وجمعها : لَهَوات ولُهى ولهيات. وقولها: (عرفت الكراهة في وجهه) وهي من أفعال القلوب التي لا ترى، ولكنه إذا فرح القلب تبلج الجبين وإذا حزن أربد الوجه، فعبرت عن الشيء الظاهر في الوجه بالكراهية؛ لأنها ثمرتها، كما يعبر عن الشيء بثمرته، وهذا أحد قسمي المجاز. ٢٣٨ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٤٧) ومن سورة مُحَمَّدٍ ﴾ ﴿أَوْزَارَهَا﴾: آثَامَهَا، حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا مُسْلِمٌ. (عَرَّفَهَا): بَيَّنَهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾: وَلِيُّهُمْ. ﴿عَزَمَ الْأَمْرُ﴾: جَدَّ الأَمْرُ. ﴿فَلَا تَهِنُواْ﴾: لَا تَضْعُفُوا. وَقَالَ ابن عَبَّاسِ: ﴿أَضْغَنَهُمْ﴾: حَسَدَهُمْ. ﴿،َاسِنٍ﴾: مُتَغَيِّرٍ . وهي مدنية كما جزم به الثعلبي، وعزاه في ((الكشاف)) لمجاهد، وقال الضحاك وسعيد بن جبير: وهي سورة القتال(١)، وقال الضحاك والسدي: إنها مكية (٢). وعن ابن عباس وقتادة أن قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِّن قَرْيَةٍ﴾ نزلت بعد حجة النبي ◌َّ حين خرج من مكة، كذا حكاه ابن النقيب (٣)، والذي في الثعلبي عن ابن عباس أنها نزلت حين خرج من مكة، وأنه التفت إلى مكة وقال: ((أنت أحب بلاد الله إلى الله، وأحب بلاد الله إليَّ ولو أن المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك)) فنزلت(٤). قال أبو العباس: ما حكي عن السدي الإجماع على خلافه؛ لأن هُذِه السورة فيها ذكر القتال والمنافقين من أهل المدينة على أن في سياقة تفسير السدي لهُذِه السورة بيانًا أنها مدنية. (ص) (﴿أَوْزَارَهَاْ﴾: آثَامَهَا، حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا مُسْلِمٌ) أعترض ابن التين، فقال: قوله: آثامها لم يذكره أحد غيره والذي قيل: إنها (١) ((الكشاف)) ٤/ ٢١٠. (٢) ((زاد المسير)) ٣٩٤/٧. (٣) ذكره الماوردي في ((تفسيره)) ٢٩٠/٥،. وابن الجوزي في ((زاد المسير)) ٣٩٤/٧. (٤) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٣١٣/١١ (٣١٣٧٢) عن ابن عباس. ٢٣٩ كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ = السلاح أو حتى ينزل عيسى. قلت: قد ذكره الثعلبي حيث قال أولًا: أي: أثقالها فلا يكون حرب. قال: وقيل: آثامها وإجرامها. فترتفع وتنقطع؛ لأن الحرب لا تخلو من الإثم في أحد الجانبين والفريقين. وقيل: حتى يضع الأعداء المحاربون أوزارها وآثامها بأن يتوبوا من كفرهم ویؤمنوا بالله ورسوله. (ص) ((عَرَّفَهَا): بَيَّنَهَا): أي: بين لهم منازلهم حتى يهتدوا إلى مساكنهم، ودرجاتهم سكانها مذ خلقوا، وقيل: طيبها لهمَّ. والعرف: الريح الطيبة . (ص) ([وَقَالَ](١) مُجَاهِدٌ: ﴿مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾: وَلِيُّهُمْ) أي: ناصرهم وحافظهم. وقرأ ابن مسعود: (ولي الذين آمنوا)(٢). (ص) (﴿عَزَمَ اُلْأَمْرُ﴾: جَدَّ الأَمْرُ) أي: وعزم عليه وأمروا بالقتال. وهذا من قول مجاهد وقد أخرجه ابن أبي حاتم من حديث ابن أبي نجيح عنه(٣) . (ص) (﴿فَلاَ تَهِنُواْ﴾: لَا تَضْعُفُوا) هو كما قال: وقد عطف على قول مجاهد أيضًا . (ص) (وَقَالَ ابْن عَبَّاسِ: ﴿أَضْغَنَهُمْ﴾: حَسَدَهُمْ) أخرجه ابن المنذر، عن غيلان، عن أبي صالح، عن معاوية، عن علي، عنه (٤). (ص) (﴿ءَاسِنٍ﴾: متغير) قلت: وفيه القصر والمد. (١) ليست في الأصل، والمثبت من متن ((اليونينية)). (٢) الطبري ١١/ ٣١٢ (٣١٣٦٩). (٣) أنظر: ((تفسير مجاهد)) ٥٩٩/٢. (٤) انظر: ((الدر المنثور)) ٥٤/٦. ٢٤٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - (ص) ﴿ وَتُقَطِّعُوْ أَرْحَامَكُمْ ٤٨٣٠- حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرَّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ بََّ قَالَ: ((خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ لَهَا: مَهْ. قَالَتْ: هذا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ. قَالَ: أَلَاتَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ. قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَذَاكِ لَكِ)). قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِى اُلْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوْ أَرْحَامَكُمْ ٢٢ [ ٤٨٣١، ٤٨٣٢، ٥٩٨٧، ٧٥٠٢ - مسلم: ٢٥٥٤ - فتح: ٥٧٩/٨]. ٤٨٣١- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي أَبُو الْحُبَابِ سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بهذا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَالَ: «اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ [محمد: ٢٢])). [انظر: ٤٨٣٠- مسلم: ٢٥٥٤ - فتح: ٨ / ٥٨٠] ٤٨٣٢- حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبي المزَرَّدِ بهذا قَالَ رَسُولُ اللهِ وَثّلِ: ((وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ [محمد: ٢٢])). [انظر: ٤٨٣٠- مسلم: ٢٥٥٤ - فتح: ٥٨٠/٨] ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾: ((خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ .. )) الحديث، وفي آخره: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ الآية. ثم رواه بعد بلفظ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلّهِ: ((اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾)) من طريق معاوية بن أبي المزرد، عن عمه أبي الحباب سعيد بن يسار، عن أبي هريرة به، وهو صدوق أخرج له مسلم أيضًا، وأخرجه في بدء الخلق(١) والأدب. (١) لم أجده في بدء الخلق، وكذلك لم يعزه إليه المزي في ((التحفة)) ٧٦/١٠ (١٣٣٨٢).