Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
وقوله: ﴿إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ قال مجاهد: أي: بين البحرين(١)،
وقال أبي بن كعب: إفريقية (٢).
وادعى بعضهم فيما نقله ابن التين أن في قوله: ((لو صبر حتى يقص
علينا من أمرهما)) دلالة أن الخضر قد مات؛ إذ لو كان حَيَّا لمضى
واجتمع به، وما ذكره غير لازم، وقراءة ابن عباس (وكان أمامهم
ملك) كالتفسير للقراءة المشهورة.
وقوله: (يزعمون عن غير (سعيد)(٣) أنه هدد بن بدد، والغلام
جيسور) بالجيم كذا للنسفي والجرجاني، وكذا قيده الدارقطني، وعند
المروزي بالحاء، وكذا لأبي ذر وابن السكن وعند القابسي: جلبتور،
وكذا صححه عبدوس في أصل كتابه، وقال القابسي: في حفظي إنما
(٤)
هو بالنون جنسور
.
و(زكية) قراءة أهل الكوفة، واختار أبو عمرو (زاكية)، وزعم أن
الزكية: التي لم تذنب، وأكثر أهل اللغة على أن معناهما واحد (٥)،
وقد سلف ذلك هناك، وقراءة ابن عباس (زاكية): مسلمة، والأشبه
قراءتها بفتح السين واللام؛ لأنه كان كافرًا، وضبط أيضًا بإسكانها .
و﴿يُرْهِقَهُمَا﴾: يلحقهما أو يكلفهما. (وخشينا): علمنا، وقيل: إنه
من قول صاحب موسى.
(١) ((تفسير مجاهد)) ٣٧٨/١ وهو تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾
[الكهف: ٦١]، ورواه كذلك الطبري ٢٤٧/٨ (٢٣١٧٩).
(٢) انظر: ((معاني القرآن)) للنحاس ٢٦٥/٤.
(٣) في الأصل: (شعبة)، وهو خدأ، والصواب ما أثبتناه.
(٤) ورد بهامش الأصل: الذي أحفظه ورأيته في نسختي ( ... ) حنبتور.
(٥) أنظر: ((الكشف)) لمكي ٦٨/٢.

٥٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقوله: قبل: (قال لي عثمان بن أبي سليمان: على طنفسة
خضراء). القائل: (قال لي). هو ابن جريج.
وقوله: (منهم من يقول: سدوها بقارورة، ومنهم من يقول:
بالقار). أما القار: فهو الزفت، والقارورة لعلها فعلولة من ذلك،
وإلا فالقارورة واحدة القوارير من الزجاج.
قوله: (وزعم غير سعيد بن جبير أنهما أبدلا جارية، وأما داود بن
أبي عاصم، فقال عن غير واحد: إنها جارية) لعل المراد بالغير الكلبي،
فإنه قال ذلك بزيادة: فتزوجها نبي فولدت أنبياء، فهدى الله بهم أمة من
الأمم، وقيل: ولدت سبعين نبيًّا، وقد سلف ذلك في كتاب العلم،
وقيل: ولدت ولدًا صالحًا، وعند مقاتل بلفظ عن رسول الله وَلي أنه
قال: ((إن الله أبدلهما غلاما مكان المقتول)). وقوله: (وأما داود بن
أبي عاصم) فهو قول ابن جريج أيضًا، قال ابن التين: وقوله: (وزعم
غير سعيد) الذي في كتب التفسير أن سعيدًا هذا- وهو ابن جبير-
قال: أبدلا جارية (١)، وكذا قال ابن عباس: أبدلا منه جارية ولدت
نبيًّا (٢). قلت: وهو ما قدمته أنا في كتاب العلم.
(١) رواه الطبري ٢٦٦/٨ (٣٣٢٤٩).
(٢) انظر: ((زاد المسير)) ١٨١/٥.

٥٨٣
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
٤- [باب] قوله:
﴿فَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَنُهُ﴾ [الكهف: ٦٢] إِلَى قَوْلِهِ:
﴿قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٣، ٦٤]
(حِوَلًا) [الكهف: ١٠٨]: تَحَوُّلًا ﴿نُكْرًا﴾ [الكهف: ٧٤]:
دَاهِيَةً ﴿يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]: يَنْقَاضُ كَمَا تَنْقَاضُ السِّنُّ
﴿لَنَّخَذْتَ﴾ [الكهف: ٧٧] وَاتَّخَذْتَ وَاحِدٌ (رُحْمًا) [الكهف:
٨١]: مِنَ الرُّحْمِ، وَهو أَشَدُّ مُبَالَغَةً مِنَ الرَّحْمَةِ، وَتُدْعَى
مَكَّةُ: أُمَّ رُخْمٍ؛ أَيٍ: الرَّحْمَةُ تَنْزِلُ فيها. [فتح: ٤٢٢/٨].

٥٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
٥- [باب قولهُ:
أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣]]
٤٧٢٧ - حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِبْنِ عَبَّاسِ: إِنَّ نَوْفَا البَكَالِيِّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى
بَنِي إِسْرَائِيلَ لَيْسَ بِمُوسَى الَخَضِرِ. فَقَالَ كَذَبَ عَدُوُ اللهِ، حَدَّثَنَا أَبِيُّ بْنُ كَغْبٍ، عَنْ
رَسُولِ اللهِ وَلّ قَالَ: (قَامَ مُوسَى خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقِيلَ لَّهُ: أَيُّ النَّاسِ
أَعْلَمُ؟ قَالَ: أَنَا، فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَيْهِ، وَأَوْحَى إِلَيْهِ: بَلَى،
عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ، هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ قَالَ: أَبْ رَبِّ، كَيْفَ السَّبِيلُ
إِلَيْهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُ حُوتًّا فِي مِكْتَلِ فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَاتَّبِعْهُ. قَالَ: فَخَرَجَ
مُوسَى، وَمَعَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَمَعَهُمَا الحُوتُ حَتَّى أَنْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ،
فَزَلَا عِنْدَهَا. قَالَ: فَوَضَعَ مُوسَى رَأْسَهُ فَنَامَ. قَالَ سُفْيَانُ: وَفِي حَدِيثٍ غَيْرِ عَمْرِو
قَالَ: وَفِي أَصْلِ الصَّخْرَةِ عَيْنٌ يُقَالُ لَهَا: الحَيَاةُ، لَا يُصِيبُ مِنْ مَائِهَا شَيْءٌ إِلَّا
حَيِيَ، فَأَصَابَ الحُوتَ مِنْ مَاءِ تِلْكَ العَيْنِ. قَالَ فَتَحَرََّكَ، وَانْسَلَّ مِنَ المِكْتَلِ،
فَدَخَلَ البَحْرَ فَلَمَّا أَسْتَيْقَظَ مُوسَى ﴿قَالَ لِفَتَنْهُ ءَائِنَا غَدَاءَنَا﴾ الآيَةَ [الكهف: ٦٢].
قَالَ: وَلَمْ يَجِدِ النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ مَا أُمِرَ بِهِ، قَالَ لَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ :
﴿أَرَعَيْتَ إِذْ أَوَيِّنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّى نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٦٣]. قَالَ: فَرَجَعَا
يَقُصَّانِ فِي آثَارِهِمَا، فَوَجَدَا فِي البَحْرِ كَالطَّاقِ مَمَرَّ الحُوتِ، فَكَانَ لِفَتَاهُ عَجَبًا،
وَلِلْحُوتِ سَرَبًّا، قَالَ: فَلَمَّا أَنْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، إِذْ هُمَا بِرَجُلِ مُسَجَّى بِثَوْبٍ،
فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى. قَالَ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ فَقَالَ: أَنَّا مُوسَى. قَالَّ:
مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، ﴿هَلْ أَتَبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشِدًا﴾
[الكهف: ٧٠]. قَالَ لَهُ الخَضِرُ: يَا مُوسَى، إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَكَهُ
اللهُ لَا أَعْلَمُهُ، وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ اللهُ لَا تَعْلَّمُهُ. قَالَ: بَلْ أَتَّبِعَُ.
قَالَ: ﴿فَإِنِ أَتَّبَعْتَنِ فَلَا تَسْتَلَِّى عَن شَىءٍ حَتَّىَ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠]،

٥٨٥
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَعُرِفَ الخَضِرُ فَحَمَلُوهُمْ
فِي سَفِينَتِهِمْ بِغَيْرِ نَوْلٍ - يَقُولُ: بِغَيْرٍ أَجْرٍ - فَرَكِبَا السَّفِينَةَ. قَالَ: وَوَقَعَ عُصْفُورٌ
عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَغَمَسَ مِنْقَارَهُ البَحْرَ، فَقَالَ الخَضِرُ لِمُوسَى: مَا عِلْمُكَ
وَعِلْمِي وَعِلْمُ الخَلَائِقِ فِي عِلْمِ اللهِ إِلَّ مِقْدَارُ مَا غَمَسَ هذا العُصْفُورُ مِنْقَارَهُ.
قَالَ: فَلَمْ يَفْجَأْ مُوسَى، إِذْ عَمَّدَ الخَضِرُ إِلَى قَدُوم فَخَرَقَ السَّفِينَةَ، فَقَالَ لَهُ
مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا ﴿لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا
لَقَدْ جِئْتَ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٧١] فَانْطَلَقَا إِذَا هُمَا بِغُلَامٍ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ
الخَضِرُ بِرَأْسِهِ فَقَطَعَهُ. قَالَ لَهُ مُوسَى: ﴿أَقَلْتَ نَفْسًّا زَكِيَّةٌ بِغَيْرِ نَفْسِ لَّقَدْ جِثْتَ
[الكهف: ٧٤،
قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا ◌َـ
شَيْئًا نُّكْرًا *
٧٥] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأَبَوْ أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا حِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنْقَضَّ﴾ [الكهف:
٧٧] فَقَالَ بِيَدِهِ: هَكَذَا فَأَقَامَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّا دَخَلْنَا هَذِهِ القَرْيَةَ، فَلَمْ
يُضَيِّقُونَا وَلَمْ يُطْعِمُونَا، ﴿لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]. قَالَ:
﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَبَيْنِكَ سَأُنِبِتُكَ بِنَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعِ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨].
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ مَّهِ: ((وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا)). قَالَ:
وَكَانَ ابن عَبَّاسِ يَقْرَأُ: وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِةٍ غَصْبًا، وَأَمَّا الغُلَامُ
فَكَانَ كَافِرًا. [انظر: ٧٤ - مسلم: ٢٣٨٠ - فتح: ٨ / ٤٢٢]
ثم ساق حديث الخضر أيضا بطوله.
وضبط (تنقاض) مشددة الضاد ومخففة، ومعناه مخالف لمعنى
الأول، فإن معنى ينقض: ينكسر وينهدم ويسقط بسرعة، وينقاض
ينقلع من أصله، وقال ابن فارس: أنقاضت البيضة انشقت(١). ومن
قرأ ينقاص بالصاد المهملة، قيل: معناه أنشق طولًا، وقيل: ينشق
وينقلع من أصله.
(١) ((مجمل اللغة)) ٧٣٩/٢ مادة [قيض].

٥٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقال ابن دريد: أنقاص غير معجمة: ولم يَبِنْ(١)، وبالمعجمة أنكسر
وبان(٢)، وأراد به ميله. ومثله حديث: ((لا تتراءى نارهما))(٣) أي: لو
وقف إنسان في موضع إحدى النارين لم ير نار الأخرى.
وقوله: (وفي حديث غير عمرو قال: وفي أصل (الصخرة) (٤) عين
يقال لها الحياة لا تصيب من مائها شيئا إلا حيي).
قال الداودي: لا أرى هذا يثبت، وإن كان محفوظًا فذلك كله من
خلق الله وقدرته إذا أراد إحياء ميت أنشره، قال: وفي دخول الحوت في
العين دلالة على أنه حَيٌّ قبل دخوله فيها، لو كان كما في هذا الحديث
فلا يحتاج إلى العين، والله تعالى قادر أن يحييه بلا عين.
قال: وقوله: (فلما استيقظ موسى قال لفتاه آتنا غداءنا). وهم، إنما
قال له بعد أن ساروا يومًا وليلة. قال: وكذلك قوله: (وجدناه عند
الصخرة). وهم.
واعترض ابن التين فقال: قوله: إن الحوت دخلها وهو حي، إنما
قال: (وأصاب الحوت من ماء تلك العين فتحرك). وتوهيمه الثاني قد
سلف في الحديث السالف مثله أيضا .
وقراءة ابن عباس: (سفينة صالحة). وافقه عليها عثمان أيضًا.
(١) يعني: (انصدع ولم يَبِنْ).
(٢) ((جمهرة اللغة)) ٨٩٦/٢.
(٣) رواه أبو داود (٢٦٤٥)، من حديث جرير بن عبد الله، وقد روي مرسلًا، وسبق
تخريجه.
(٤) في الأصل: الشجرة، والمثبت هو الصحيح كما في المتن.

٥٨٧
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
٥- [باب] قوله:
﴿قُلْ هَلْ نُنِئَهُ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا
صنعًا: عملًا.
[الكهف: ١٠٣]
٤٧٢٨- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَغْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
[الكهف:
عَمْرٍو، عَنْ مُضْعَبٍ قَالَ سَأَلْتُ أَبِي ﴿قُلْ هَلْ نُِثُ بِلْأَخْتَرِينَ أَعْمَلًا
١٠٣ أَهُمُ الَحَرُورِيَّةُ؟ قَالَ: لَا، هُمُ اليَهُودُ وَالنَّصَارِىُ، أَمَّا اليَّهُودُ فَكَذَّبُوا مُحَمَّدًا ◌َةِ، وَأَمَّا
النَّصَارِىُّ كَفَرُوا بِالْجَنَّةِ وَقَالُوا لَا طَعَامَ فِيهَا وَلَ شَرَابَ، وَالْحُرُورِيَّةُ الذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ
اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ، وَكَانَ سَعْدٌ يُسَمِّيهِمُ: الفَاسِقِينَ. [فتح: ٨ /٤٢٥]
ذكر فيه حديث مُصْعَبٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبِي ﴿قُلْ هَلْ تُِئُكُمْ بِلْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا
[الكهف: ١٠٣] هُمُ الحَرُورِيَّةُ؟ قَالَ: لَا، هُمُ اليَهُودُ وَالنَّصَارىُ،
١٠٣
أَمَّا الْيَهُودُ فَكَذَّبُوا مُحَمَّدًا وَّهِ، وَأَمَّا النَّصَارِىْ فَكَفَرُوا بِالْجَنَّةِ فَقَالُوا
لَا طَعَامَ فِيهَا وَلَا شَرَابَ، وَالْحَرُورِيَّةُ الذِينَ يَنْقُصُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ
مِيثَاقِهِ، وَكَانَ سَعْدٌ يُسَمِّيهِمُ: الفَاسِقِينَ.
الشرح:
هذا الحديث من أفراده. ووالد مصعب هو سعد بن أبي وقاص.
وفي ((مستدرك الحاكم)) مصرحًا به على شرطهما عن مصعب بن
سعد قال: لما خرجت الحرورية قلت لأبي -سعد (١): هؤلاء الذين
أنزل الله فيهم ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِ الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ قال: أولئك أهل الصوامع،
وهؤلاء زاغوا فأزاغ الله قلوبهم(٢).
(١) ورد في هامش الأصل: سعد بدل من أبي، وهو سعد بن أبي وقاص مالك بن
الليث وكتبه أبو إسحاق.
(٢) ((المستدرك)) ٣٧٠/٢.

٥٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ولابن مردويه عن أبي الطفيل سأل ابن الكواء عليًّا عن هذه الآية
فقال له: إن بعضهم الحرورية (١). وفي رواية: فجرة قريش الأخسرين
أعمالًا، والذين يحسبون أنهم يحسنون (صنعًا)(٢) منهم أهل حرورة،
قال: ولم يقل حروراء(٣).
وعن ابن عون عن مصعب بن سعد قال: قال رجل من الخوارج
لسعد: هذا من أئمة الكفر، فقال سعد: كذبت، بل أنا قابلت أئمة
الكفر. فقال رجل للخارجي: هذا ممن قال الله: ﴿قُلْ هَلْ تُسَتَكُم
بِلْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا (٣)﴾، فقال سعد: كذبت ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِئَايَتِ
رَبِّهِمْ وَلِقَّآبِهِ،﴾ الآية.
وعن علي: أنهم الرهبان(٤).
فصل :
وإنما خسر اليهود والنصارى لأنهم يعبدوا على غير أصل صحيح،
فخسروا الأعمال والأعمار، والحرورية لما خالفوا عهد الله إليهم في
القرآن من طاعة أولي الأمر بعد إقرارهم به كان ذلك نقضًا منهم له.
والحرورية نسبة إلى قرية تعاقدوا فيها. قيل: والآية دالة على أن
الأصول لا يعذر فيها المؤول بخلاف الفروع لقوله: ﴿يَحْسَبُونَ أَهُمْ
يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ .
(١) رواه الطبري ٨/ ٢٩٤ (٢٣٣٩٤).
(٢) طمس بالأصل.
(٣) انظر: ((الدر المنثور)) ٤٥٦/٤.
(٤) رواه الطبري ٨/ ٢٩٣ (٢٣٣٨٥).

٥٨٩
= كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
٦- [باب] قوله:
﴿ أُوْلِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِئَايَتِ رَبِّهِمْ وَلِقَّبِهِ،﴾
الآيَةَ [الكهف: ١٠٥]
٤٧٢٩- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَزْيَمَ، أَخْبَرَنَا المُغِيرَةُ قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُ عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ قَالَ: ((إِنَّهُ لَيَأْتِي
الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ وَقَالَ: أَقْرَءُوا
﴿فَلَا نُقِيُ لَهُمْ يَوَّمَ اُلْقِيَامَةِ وَزْنَا﴾ [الكهف: ١٠٥])).
وَعَنْ يَخْيَى بْنِ بُكَثِرٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِ الزِّنَادِ مِثْلَهُ. [مسلم:
٢٧٨٥ - فتح: ٤٢٦/٨]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، ثنا المُغِيرَةُ حَدَّثَنِي
أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌ّه عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ قَالَ: ((إِنَّهُ
لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ
وَقَالَ: أَقْرَءُوا إن شئتم ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ اُلْقِيَمَةِ وَزْنَا﴾ [الكهف: ١٠٥])).
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ
مِثْلَهُ.
شيخ البخاري محمد بن عبد الله: هو محمد بن يحيى بن عبد الله بن
خالد الذهلي، نسبه إلى جده كما قاله الجياني، قال: ونسبه الحاكم
والكلاباذي(١).
وقوله: (وعن يحيى بن بكير إلى آخره). قال الجياني أيضا: إنما
يرويه البخاري عن الذهلي عنه، وكذا ذكر أبو مسعود الدمشقي، حيث
(١) أنظر: ((الجمع بين رجال الصحيحين)) ٤٦٥/٢.

٥٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قال: رواه محمد، عن محمد بن عبد الله، عن سعيد ويحيى بن بكير(١).
ورواه مسلم أيضًا عن محمد بن إسحاق الصغاني، عن يحيى بن
بكير، عن مغيرة بن عبد الرحمن.
(١) ((تقييد المهمل)) ١٠٥٠/٣.

٥٩١
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
(١٩) ومن سورة كهيعُص
قَالَ ابن عَبَّاسٍ: أَبْصِرْ بِهِمْ وَأَسْمِعْ اللّهُ يَقُولُهُ، وَهُمُ اليَوْمَ لَا يَسْمَعُونَ
وَلَا يُبْصِرُونَ ﴿فِىِ ضَكَلِ تُبِينٍ﴾ يَعْنِي قوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾، الكُفَّارُ
يَوْمَئِذٍ أَسْمَعُ شَيْءٍ وَأَبْصَرُهُ، ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ لأَشْتِمَنَّكَ ﴿وَرِهْيَا﴾، مَنْظَرًا .
[وَقَالَ أَبو وَائِلِ: عَلِمَتْ مَرْيَمُ أنَّ الَّقِيَّ ذُو نُهْيَةٍ حَتَّى قالت: ﴿إِنَّ أَعُوذُ
بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنْتَ تَفِيًّا﴾] [مريم: ١٨]. وَقَالَ ابن عُيَيْنَةَ: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزَّ﴾
تُزْعِجُهُمْ إِلَى المَعَاصِي إِزْعَاجًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِذَا﴾ عِوَجًا. قَالَ
ابن عَبَّاسِ ﴿وِرْدًا﴾ عِطَاشًا ﴿أَثَنَا﴾ِ مَالًا ﴿إِذَا﴾ قَوْلًا عَظِيمًا ﴿رِكْزًا﴾.
صَوْتًا. [وَقَالَ مُجَاهدٌ: ﴿فَيَمْدُدْ﴾ [مريم: ٧٥]: فَلْيَدَعْهُ]. ﴿غَيًّا﴾ خُسْرَانًا
وَيُكِيَّ﴾ جَمَاعَةُ بَاكٍ ﴿صِلِيًّا﴾ِ صَلِيَ يَصْلَىْ ﴿نَدِيَّ﴾ وَالنَّادِي مَجْلِسًا.
قال مقاتل: هي مكية إلا سجدتها، وفيه فيما حكاه القرطبي: نزلت
بعد المهاجرة إلى أرض الحبشة(١)، قال السخاوي: نزلت بعد فاطر،
ج
وقبل طه(٢)، وعن الكلبي: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] نزلت
بالمدينة في عبد الله بن رواحة، وقصته لا تدل على ذلك(٣).
(ص) (قَالَ ابن عَبَّاسٍ: أَبْصِرْ بِهِمْ وَأَسْمِعْ اللهُ يَقُولُهُ، وَهُمُ اليَوْمَ
لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يُبْصِرُونَ ﴿فِ ضَلٍ تُبِينٍ﴾ يَعْنِي: قَوْلَهُ: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ
وَأَبْصِرْ﴾، الكُفَّارُ يَوْمَئِذٍ أَسْمَعُ شَيْءٍ وَأَبْصَرُهُ) وهذا أخرجه ابن المنذر
من حديث عطاء عنه (٤).
(١) (تفسير القرطبي)) ١١/ ٧٢ -٧٣.
(٢) ((جمال القراء)) ص٨.
(٣) أنظر: ((سيرة ابن هشام)) ٤٢٧/٣ - ٤٢٨.
(٤) عزاه السيوطي في ((الدر)) ٤٨٩/٤ لابن المنذر، وابن أبي حاتم .

٥٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
(ص) (﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾: لأَشْتِمَنَّكَ) أخرجه ابن المنذر عن ابن عباس
أيضًا بهذا السند (١).
(ص) (﴿وَرِعْيَا﴾: مَنْظَرًا) أخرجه الحنظلي من حديث أبي حسان عن
ابن عباس، الأثاث: المتاع، والرئي: المنظر، وقيل: الأثاث: المال،
والرئي: المنظر الحسن، قيل: واحد الأثاث أثاثة، وقيل: لا واحد له
من لفظه .
(ص) (وَقَالَ ابن عُيَيْنَةَ: ﴿تَؤُزُهُمْ أَزَّ﴾: تُزْعِجُهُمْ إِلَى المَعَاصِي
إِزْعَاجًا) هذا أخرجه ابن عيينة في ((تفسيره)).
(ص) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِذَّ﴾: عِوَجًا) هُذا أخرجه ابن المنذر من
حدیث ابن جريج.
(ص) (قَالَ ابن عَبَّاسِ (وِرْدًا): عِطَاشًا ﴿أَثَثَا﴾: مَالًا) هذا سلف،
زاد الواحدي فيه: مشاة. قال قتادة: سيقوا إليها وهم ظماء، والورد:
الجماعة التي ترد الماء، ولا يرد أحد الماء إلا بعد العطش(٢).
(ص) (﴿إِذَّا﴾: قَوْلًا عَظِيمًا) أي: كما قال: ﴿إِنَّكُمْ لَنَقُولُونَ قَوْلًا
عَظِيمًا﴾ [الإسراء: ٤٠].
(ص) (﴿رِكْزًا﴾: صَوْتًا) هذا رواه الحنظلي(٣) عن أبيه، عن أبي
صالح، حدثني معاوية، عن علي، عنه (٤).
(١) عزاه السيوطي في ((الدر)) ٤٩١/٤ لابن المنذر، وابن أبي حاتم .
(٢) ((الوسيط)) للواحدي ١٩٦/٣.
(٣) هو ابن أبي حاتم.
(٤) عزاه السيوطي في ((الدر)) ٥١٤/٤ لابن المنذر، وابن أبي حاتم .

٥٩٣
كِتَابٌ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
(ص) ((غَيًّا): خُسْرَانًا) قلت: وقال ابن مسعود: وغيره عن
ابن عباس: هو واد في جهنم. وقال ابن مسعود: هو نهر في جهنم
بعيد خبيث الطعم، وليس معنى ﴿يُلْقُونَ﴾: يرون فقط؛ لأن اللقيا
معناه: الاجتماع والملابسة معها(١).
(ص) (﴿وَبُّكِيَّ﴾: جَمَاعَةُ بَاكِ) سُجَّدًا لله متفرغين إليه، قال الزجاج:
قد بين الله أن الأنبياء كانوا إذا سمعوا آيات الله سجدوا وبكوا(٢).
(ص) (﴿صِلِيًّا﴾: صَلِيَ يَصْلَى) أي: دخلها وعاش حرها .
(ص) (﴿نَدِيَّ﴾ وَالنَّادِي مَجْلِسًا) قلت: هو مجلس القوم ومجمعهم،
ومنه: ﴿وَتَأْتُونَ فِى نَادِيَكُمُ الْمُنكَرِّ﴾ [العنكبوت: ٢٩].
(ص) (وَقَالَ مُجَاهدٌ: ﴿فَيَمْدُدْ﴾ [مريم: ٧٥]: فَلْيَدَعْهُ)(٣) قلت:
وقال ابن عباس: يريد بأن الله يمد له فيها حتى يستدرجه(٤).
(١) ((تفسير الوسيط)) ١٨٨/٣.
(٢) نقله عنه ابن الجوزي في ((تفسيره)) ٢٤٥/٥.
(٣) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٣٧٣/٨.
(٤) انظر: ((الوسيط)) ١٩٣/٣.

٥٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
١- [باب] قوله:
﴿ وَأَنْذِرُهُمْ يَوْمَ اٌلْحَسْرَةِ﴾ الآية [مريم: ٢٩]
٤٧٣٠- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَغَمَشُ، حَدَّثَنَا
أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ ﴾ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((يُؤْتَى بِالْمَوْتِ
كَهَيْئَةٍ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ. فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ:
هَلْ تَعْرِفُونَ هذا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هذا المَوْتُ- وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ- ثُمَّ يُنَادِي:
يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هذا؟ فَيَقُولُونَ نَعَمْ
هذا المَوْتُ- وَكُلَّهُمْ قَدْ رَآهُ- فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، خُلُودٌ فَلَا
مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ فَلَ مَوْتَ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنَذِرُهُمْ يَوْمَ الَْسْرَةِ إِذْ قُضِىَ
اُلْأَمْرُ وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ﴾ [مريم: ٣٩] وهؤلاء فِي غَقْلَة أَهْلُ الدُّنْيَا ﴿ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾)).
[مسلم: ٢٨٤٩- فتح: ٤٢٨/٨]
ساق فيه حديث أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله :
(يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةٍ كَبْشِ أَمْلَحَ فَيُنَادِى: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ. فَيَشْرَئِبُونَ
وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِّفُونَ هذا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هذا المَوْتُ
-وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ- ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ
تَعْرِفُونَ هذا؟ فَيَقُولُونَ نَعَمْ، هذا المَوْتُ -وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ- فَيُذْبَحُ، ثُمَّ
يَقُولُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، خُلُودٌ فَلَ مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ،
ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَذِرُهُمْ يَوْمَ الَْسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ﴾ [مريم: ٣٩]
وهؤلاء فِي غَقْلَة أَهْلُ الدُّنْيَا ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ .
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، وأخرجاه أيضا من حديث
ابن عمر (١)، ولفظ الترمذي في حديث أبي سعيد: ((أتي بالموت
(١) سيأتي برقم (٦٥٤٨)، ورواه مسلم (٢٨٥٠).

٥٩٥
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
كالكبش الأملح، فيوقف بين الجنة والنار فيذبح، فلو أن أحدًا مات فرحًا
لمات أهل الجنة، ولو أن أحدًا مات حزنًا لمات أهل النار)). ثم قال:
حسن صحيح(١)، وأخرجه البخاري أيضًا عن أبي هريرة: الخلود(٢)،
وأخرجه ابن ماجه من هذا الوجه بلفظ ((يجاء بالموت فيوقف على
الصراط فيقال: يا أهل الجنة فيطلعون خائفين أن يخرجوا من
مكانهم، ثم يقال: يا أهل النار فيطلعون مستبشرين فرحين أن يخرجوا
من مكانهم، فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت،
فيؤمر به فيذبح على الصراط))(٣).
وأخرجه الترمذي بلفظ: ((وأتي بالموت مُلَبَّبًا فيوقف على السور
الذي بين الجنة والنار، فيضجع فيذبح ذبحًا على السور))، ثم قال:
حسن صحيح (٤).
وقال عبد الله فيما أسند ابن مردويه في الآية، قال: ذبح الموت(٥).
ومعنى ((فيشرئبون)) هو بالهمز: يرفعون رءوسهم إلى المنادي،
والأملح: الذي فيه بياض كثير وسواد، قاله الكسائي. وعند
ابن الأعرابي: هو الأبيض الخالص(٦)، والحكمة في كونه أسود
وأبيض فيما قاله علي بن حمزة (٧): أن البياض من جهة الجنة والسواد
من جهة النار.
(١) الترمذي (٢٥٥٨).
(٢) سيأتي برقم (٦٥٤٥).
(٣) ابن ماجه (٤٣٢٧).
(٤) الترمذي (٢٥٥٧).
(٥) عزاه السيوطي في ((الدر)) ٤٩٠/٤ لابن أبي حاتم وابن مردويه.
(٦) انظر: ((تهذيب اللغة)) ٣٤٤٢/٤.
(٧) هو أبو الحسن الكسائي.

٥٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقال المازري: الموت عند أهل السنة عرض من الأعراض يضاد
الحياة، وزعم بعض المعتزلة: أنه ليس بعرض، بل معناه عدم
الحياة، وهو خطأ لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوَةَ﴾ [تبارك: ٢] فأثبته
مخلوقًا. وعليهما ليس الموت بجسم، فيتأول الحديث على أن الله
تعالى يخلق هذا الجسم مثالًا؛ لأن الموت لا يطرأ على أهل
الآخرة(١).
وإن كان ابن عباس ومقاتل والكلبي قالوا: إن الموت والحياة
جسمان، فالموت في هيئة كبش لا يمر بشيء ولا يجد ريحه إلا مات،
وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلقاء، وهي التي كان جبريل
والأنبياء يركبونها، خطوها مد البصر فوق الحمار ودون البغل لا تمر
بشيء ولا يجد ريحها إلا حيى، وهي التي أخذ السامري من أثرها
فألقاه على العجل.
وفيه: دلالة على أنهم يعاينون ملك الموت في هذِه الصورة.
ثم هذا الحديث وغيره من الأحاديث نص في الخلود لأهل الدارين
لا إلى أمد ولا غاية، فمن قال: أنهم يخرجون منها وأن النار تبقى خالية
وأنها تفنى وتزول، فهو خروج عن مقتضى المعقول ومخالف لما جاء به
الرسول وما أجمع عليه أهل السنة والعدول، وإنما تخلى جهنم وهي
الطبقة العليا التي فيها عصاة أهل التوحيد، وهي التي ينبت على
شفيرها الجرجير، وقد بين ذلك موقوفُ عبدِ الله بن عمرو بن العاصي:
يأتي على النار زمان تخفق الرياح أبوابها ليس فيها أحد من الموحدين(٢).
(١) ((المعلم بفوائد مسلم)) ٤٣١/٢-٤٣٢.
(٢) رواه البزار في ((مسنده)) ٦/ ٤٤٢ (٢٤٧٨).

٥٩٧
ـ كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
وهذا وإن [كان](١) موقوفا فإن مثله لا يقال بالرأي.
وإنما يؤتى بالموت في صورة كبش؛ لأنه جاء أن ملك الموت أتى
آدم في صورة كبش أملح قد نشر من أجنحته أربعة آلاف جناح، والذي
يذبحه يحيى بن زكريا بين يدي النبي ◌ّ﴾. وقيل الذي يذبحه جبريل.
ذكره في ((التذكرة))(٢).
(١) زيادة يقتضيها السياق.
(٢) ((التذكرة)) ص٥١١-٥١٣.

٥٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =-=
٢- [باب] قوله:
الـ
﴿وَمَا نَثَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية [مريم: ٦٤]
٤٧٣١- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسِ عَّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَه ◌ِجِبْرِيلَ: ((مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا
أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا؟)) فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا نَتَغَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِكٌ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِيْنَا وَمَا خَلْفَنَا﴾.
[مريم: ٦٤]. [فتح: ٤٢٨/٨]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النبي
لِجِبْرِيلَ: ((مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا؟)) فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا نَشَغَزَّلُ
إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤].
وسلف في باب: ذكر الملائكة، ويأتي في التوحيد(١).
(١) سلف برقم (٣٢١٨)، وسيأتي برقم (٧٤٥٥).

٥٩٩
كِتَابٌ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
٣- [باب] قَوْلِهِ:
﴿أَفَرَءَّيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالَا وَوَلَدًا
[مريم: ٧٧]
٤٧٣٢- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ أَبِيِ الضُّحَى، عَنْ
مَشْرُوقٍ، قَالَ: سَمِعْتُ خَبَّابًا قَالَ: حِثْتُ العَاصِيَ بْنَ وَائِلِ السَّهْمِيَّ أَتَّقَاضَاهُ حَقًّا لِي
عِنْدَهُ، فَقَالَ: لَا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. فَقُلْتُ: لَا، حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ. قَالَ:
وَإِيّ ◌َيِّتْ ثُمَّ مَبْعُوثٌ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّ لِي هُنَاكَ مَالًا وَوَلَدًا فَأَقْضِيكَهُ. فَنَزَلَتْ هذِه
الآيَةُ ﴿أَفَرَءَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بَِايَتِنَا وَقَالَ لَأُوْتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (®﴾ [مريم: ٧٧].
[انظر: ٢٠٩١ - مسلم: ٢٧٩٥ - فتح: ٤٢٩/٨]
رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، وَشُعْبَةُ، وَحَقْصٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعُ، عَنِ الأَغْمَشِ.
ذكر فيه حديث سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ
مَسْرُوقٍ، عن خبابٍ .. الحديث، ثم قال: رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، وَشُعْبَةُ،
وَحَفْصٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَّةً، وَوَكِيعُ، عَنِ الأَعْمَشِ.
قد سلف في البيوع في باب القين والحداد من حديث شعبة،
وأخرجه أيضا في المظالم والإجارة (١). وأخرجه مسلم والترمذي(٢).
وقال في السند الأخير: حدثنا يحيى، عن وكيع، عن الأعمش(٣)،
ذكر الجياني عن الكلاباذي أن يحيى بن موسى الحداني ويحيى بن
جعفر البلخي يرويان جميعًا عن وكيع في ((الجامع)) (٤).
(١) سلف برقم (٢٢٧٥)، (٢٤٢٥).
(٢) مسلم (٢٧٩٥)، والترمذي (٣١٦٢).
(٣) سيأتي برقم (٤٧٣٥).
(٤) ((تقييد المهمل)) ٣/ ١٠٦٠.

٦٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٤- [باب] قوله:
﴿أَطَلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا
[مريم: ٧٨]
قَالَ: مَوْثِقًا .
٤٧٣٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى،
عَنْ مَشْرُوقٍ، عَنْ خَبَّابٍ قَالَ: كُنْتُ قَيْنَا بِمَكَّةَ، فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِي بْنِ وَائِلِ السَّهْمِيِّ
سَيْفَا، فَجِئْتُ أَتَّقَاضَاهُ فَقَالَ: لَا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. قُلْتُ: لَا أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ
وَةِ، حَتَّى يُمِيتَكَ اللهِ، ثُمَّ يُحِبِيَكَ. قَالَ إِذَا أَمَاتَنِي اللهُ ثُمَّ بَعَثَنِي، وَلِي مَالٌ وَوَلَدٌ.
أَطَلَعَ الْغَيَّبَ أَمِ
فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿أَفَرَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِهَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوتََّ مَالًا وَوَلَدًا (٣)
أَتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (®﴾ [مريم: ٧٧، ٧٨]. قَالَ: مَؤْثِقًا. لَمْ يَقُلِ الأشْجَعِيُّ عَنْ
سُفْيَانَ: سَيْفًا وَلَا مَؤْثِقًا. [انظر: ٢٠٩١ - مسلم: ٢٧٩٥ - فتح: ٨ /٤٣٠]
ذكر فيه أيضًا الحديث المذكور من حديث سفيان عن الأعمش به،
وفيه: فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِي بْنِ وَائِلِ السَّهْمِيِّ سَيْفًا. وفي آخره: ﴿عَهْدًا﴾ :
موثقًا .