Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ = نارية، والروح نورية روحانية. وقال بعضهم: الروح لاهوتية والنفس ناسوتية. وقال أهل الأثر: الروح غير النفس. وقولهم النفس بالروح والنفس لا تريد إلا الدنيا والروح تدعو إلى الآخرة وتؤثرها، وقد جعل الهوى تبعا للنفس، فالشيطان مع النفس والهوى، والملك مع العقل والروح. وفي ((التمهيد)) من طريق وهب قال: إن الله خلق آدم وجعل نفسًا وروحًا، فمن الروح عفافه وفهمه وحلمه وسخاؤه، ومن النفس شهوته وغضبه ونحو هذا(١). قال السهيلي: هذا معناه صحيح، وسبيلك أن تنظر في كتاب الله أولًا لا إلى الأحاديث التي تنقل مرة على اللفظ ومرة على المعنى، فيقول: قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ، وَنَفَخْتُ فِهِ مِن رُّوحِى﴾ [الحجر: ٢٩] ولم يقل: من نفسي، فلا يجوز أن يقال هذا، ولا خفاء فإنه من الفرق في الكلام، وذلك يدل على أن بينهما فرقًا في المعنى. وبعكس هذا ﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى﴾ [المائدة: ١١٦] ولم يقل: ما في روحي، فلو كانت النفس والروح أسمين بمعنى واحد كالليث والأسد لصح وقوع كل واحد منهما لصاحبه في آي كثيرة، فأين إذن كون الروح والنفس بمعنى واحد لولا الغفلة عن تدبر القرآن؟ ثم أطال الكلام فيه(٢). وأما أبو محمد بن حزم فإنه قال: هما واحد لقوله القليفي: ((أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك)) وأخذ بروحي ذكره أول ((محلاه))(٣). (١) ((التمهيد)) ٢٤٣/٥. (٢) ((الروض الأنف)) ٦٢/٢ -٦٣. (٣) ((المحلى)) ٥/١-٦، وقوله: (أخذ بنفسي .. ) إنما هو من قول بلال، وكذلك ذكره في ((المحلى)). ٥٦٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقال ابن العربي في ((عواصمه)): الروح معقولة، واختلف في النفس فمنهم من جعلها الدم، ومنهم من جعلها معقولة بمنزلة الروح، وقد يعبر بالروح عن القلب والنفس، وعن القلب بهما، وعن النفس بالروح، وعن الروح والحياة بهما، وقد تتعدى هذه الألفاظ إلى غير العقلاء بل إلى غير الأحياء فتجعل في كل شيء، فيقال لكل شيء قلب ونفس وروح وحياة، واستجازة، وزعم قوم أن الروح استنشاق الهواء، وقال عامة المعتزلة: إنها عرض، وأغرب ابن الراوندي(١) فقال: إنها جسم لطيف يسكن البدن، وقال بعض الحكماء: إن الله تعالى خلقها من ستة أشياء: من جوهر النور والطب والبقاء والحياة والعلم والعلو، ألا ترى أنه ما دام في الجسد كان نوريًّا، قال الواحدي: والمختار أنه جسم لطيف توجد به الحياة(٢). خاتمة : الروح في كتاب الله تنطلق على معان سلفت هناك، ونبه عليها ابن منده أيضا: الرحمة ﴿وَأَتَّدَهُم بِرُوجِ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] ملك من الملائكة السابعة على صورة الإنسان وجسده كجسد الملائكة ١٩٣ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَئِكَةُ صَفَّا﴾ [النبأ: ٣٨] جبريل ﴿نَزَّلَ بِهِ اُلُُّعُ الْأَمِينُ (١) هو أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق بن الراوندي، كان معتزليًّا ثم تزندق، وقيل: كان لا يستقر على مذهب ولا نحلة، ويقال: كان غاية في الذكاء، وقد صنف كتبًا كثيرة يطعن فيها على الإسلام. قال الحافظ في ترجمته: إنما أوردته لألعنه، توفي إلى لعنة الله في سنة ثمان وتسعين ومائتين. انظر: ((وفيات الأعيان)) ٩٤/١، ((سير أعلام النبلاء)) ٥٩/١٤، ((لسان الميزان)) ٤٩١/١ (٩٩٩). (٢) ((الوسيط)) ١٢٥/٣. كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ = = ٥٦٣ [الشعراء: ١٩٣] الوحي. ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَبِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: ٢] عيسى روح الله . أخرى : قال محمد بن نصر المروزي: قد تأول قوم من الزنادقة والروافض في روح آدم ما تأولته النصارى في روح عيسى، وما تأول قوم من أن النور والروح أنفعلا من الذات المقدسة، فصارا في المؤمن، فعبد صنف من النصارى عيسى ومريم جميعًا؛ لأن عيسى عندهم روح صار في مريم، قالوا: ثم صار بعد آدم في الوصي بعد، ثم هو في كل نبي ووصيّ، إلى أن صار في علي، ثم في كل وصيٍّ وإمام، يعلم كل شيء ولا يحتاج أن يتعلم من أحد، وروت فرقة من المتعبدة أن الله أيد أولياءه من المؤمنين بأن أسكن روحًا منه قلوبهم، وذلك إذا اشتغلوا بالله وانقطعوا إليه، فهنالك تتصل تلك الروح بربهم، فيعلموا بزعمهم الغيب، وهؤلاء قوم يسمون الفكرية، وهم ضرب من الزنادقة، ولهم كلام تشيع، واحتجوا بقوله: ﴿وَأَنَّدَهُم بِرُوحٍ مِنْذٌ﴾ ولا خلاف بين المسلمين في أن الأرواح التي في آدم وبنيه وعيسى ومن سواه من بني آدم كلها مخلوقة، الله خلقها وأنشأها ثم أضافها إلى نفسه كما أضاف سائر خلقه، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣](١). تنبيه : جمع ابن التين في الروح في الآية أحد عشر قولًا، فعن ابن عباس: له أحد عشر ألف جناح، وألف وجه يسبح الله إلى يوم القيامة، وقيل: (١) أنظر: ((الروح)) لابن القيم ص ٢٢٧ - ٢٢٨. ٥٦٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = هو ملك له تسعون ألف لسان يسبح الله بها ويقدسه، وقيل: هو جبريل، وقيل: هو ملك رجلاه في الأرض السفلى ورأسه عند قائمة العرش، وقيل: هو خلق كخلق بني آدم، له أيد وأرجل، وقيل: عيسى، وقيل: القرآن، وقيل: هو الوحي، وقيل: هو الروح التي تحيا بلا جسد. فسألوه عن كيفية امتزاجه بالجسم واتصال الحياة به، وقيل: هو خلق من خلق الله، لا ينزل ملك إلى الأرض إلا نزل معه، وقيل : -كما في الأصل- لا يعلمه إلا الله، قال: وقيل: هو ملك عظيم، تقوم روحه فتكون صفًّا، وتقوم الملائكة صفًّا، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُُّعُ وَالْمَلَئِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨]. ٥٦٥ كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ ١٤ - باب ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] ٤٧٢٢ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَفِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] قَالَ: نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللهِ وَِّ مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ، كَانَ إِذَا صَلَّى بِأَضْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ فَإِذَا سَمِعَهُ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ، وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ الله تَعَالَى لِنَبِيِّهِ بَلِّ: ﴿وَلَا تَجْهَرُ بِصَلَائِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠] أَيْ: بِقِرَاءَتِكَ، فَيَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ، فَيَسُبُّوا القُرْآنَ، ﴿ وَلَا تُخَفِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا تُسْمِعُهُمْ ﴿ وَأَبْتَخِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]. [٧٤٩٠، ٧٥٢٥، ٧٥٤٧ - مسلم: ٤٤٦ - فتح: ٤٠٤/٨] ٤٧٢٣ - حَدَّثَنِي طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةً رضي الله عنها قَالَتْ: أُنْزِلَ ذَلِكَ فِي الدُّعَاءِ. [٦٣٢٧، ٧٥٢٦ - مسلم: ٤٤٧ - فتح: ٤٠٥/٨] ذكر فيه عن ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أنها نزلت وَرَسُولُ اللهِ وَلِّل مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ، كَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ فَإِذَا سَمِعَهُ المُشْرِكُونَ سَبُّوا القُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ، وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى لِنَبِّهِ وَلَى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠] أَيْ: بِقِرَاءَتِكَ، فَيَسْمَعَ المُشْرِكُونَ، فَيَسُبُّوا القُرْآنَ، ﴿ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] عَنْ أَصْحَابِكَ فَلَا تُسْمِعُهُمْ ﴿ وَأَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]. ويأتي في التوحيد، وأخرجه مسلم أيضا والنسائي والترمذي (١). ثم ذكر عن عَائِشَةَ رضي الله عنها ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ قَالَتْ: أُنْزِلَ ذَلِكَ فِي الدُّعَاءِ. (١) الترمذي (٣١٤٥)، النسائي ١٧٧/٢ -١٧٨. ٥٦٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- أي: فسمت عائشة الصلاة دعاء، قال ابن التين: ولا يكاد يقع ذلك للقراءة، فيقال: إنما قيل صلاة؛ لأنها لا تكون إلا بدعاء، والدعاء صلاة. قلت: لكن أصلها الدعاء. وذكر الواحدي في حديث عائشة -رضي الله عنها- كان أعرابي يجهر فيقول: التحيات لله، والصلوات والطيبات، يرفع بها صوته؛ فنزلت هذه الآية، وقال عبد الله بن شداد: كان أعراب بني تميم إذا سلم رسول الله ◌َ﴾ من صلاته قالوا: اللهم ارزقنا مالًا وولدًا، ويجهرون؛ فنزلت(١). وروى ابن مردويه من حديث أشعث عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت في الدعاء (٢). وعن أبي [السمح] دراج(٣) عن أنصاري له صحبة مرفوعًا: أنها نزلت في الدعاء(٤). وعن إبراهيم الهجري، عن أبي عياض، عن أبي هريرة ﴾: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ﴾ نزلت في الدعاء والمسألة(٥). ورجح النووي رواية ابن عباس، وقال: إنه الأولى والمختار(٦)، وقد علمت أنه روي عنه كمقالة عائشة رضي الله عنها. (١) ((أسباب النزول)) ص ٣٠٤ (٥٩٧ - ٥٩٨). (٢) رواه أيضًا الطبري ١٦٦/٨ (٢٢٨٠٩) من طريق عباد بن العوام، عن أشعث، به. وعزاه السيوطي في ((الدر)) ٣٧٥/٤ لابن أبي شيبة وابن منيع ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن مردويه. (٣) في الأصل: (عن أبي دراج)، والصواب ما أثبتناه. (٤) أورده السيوطي في ((الدر)) ٣٧٥/٤ وعزاه لسعيد بن منصور والبخاري في ((تاريخه)) وابن المنذر وابن مردويه. وهو في ((التاريخ الكبير)) ٢٥٦/٣ (٨٨٢). (٥) رواه الطبري ١٦٧/٨ (٢٢٨١٢) من طريق سفيان، عن إبراهيم الهجري، عن أبي عياض قال: نزلت في الدعاء. (٦) ((صحيح مسلم بشرح النووي)) ٤/ ١٦٥. ٥٦٧ كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ = (١٨) ومن سورة الكَهْفِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿تَّفْرِضُهُمْ﴾ تَتْرُكُهُمْ، ﴿وَكَانَ لَهُمْ ثَمَرٌ﴾ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: جَمَاعَةُ الثَّمَرِ. ﴿بَخِعُ﴾ مُهْلِكٌ ﴿أَسِفًا﴾. نَدَمًا. الكَهْفُ: الفَتْحُ فِي الجَبَلِ. وَالرَّقِيمُ: الكِتَابُ، مَرْقُومٌ مَكْتُوبٌ مِنَ الرَّقْمِ. ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أَلْهَمْنَاهُمْ صَبْرًا. ﴿لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾. ﴿شَطَطًا﴾ إِفْرَاطًا. ﴿بِالْوَصِيدِ﴾ الفِنَاءُ جَمْعُهُ وَصَائِدُ وَوُصُدٌ وَيُقَالُ: الوَصِيدُ البَابُ. ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مُطْبَقَةٌ آصَدَ البَابَ وَأَوْصَدَ ﴿بَعَثْنَهُمْ﴾ أَحْيَيْنَاهُمْ ﴿أَزْكَى﴾ أَكْثَرُ، وَيُقَالُ: أَحَلُّ، وَيُقَالُ: أَكْثَرُ رَيْعًا. قَالَ ابن عَبَّاسِ: ﴿أَكْلَهَا وَلَمْ تَظْلِ﴾ لَمْ تَنْقُصْ. وَقَالَ سَعِيدٌ عَنِ ابن عَبَّاسٍ: الرَّقِيمُ اللَّوْحُ مِنْ رَصَاصٍ، كَتَبَ عَامِلُهُمْ أَسْمَاءَهُمْ ثُمَّ طَرَحَهُ فِي خِزَانَتِهِ، فَضَرَبَ اللهُ عَلَىْ آذَانِهِمْ فَنَامُوا. وَقَالَ غَيْرُهُ: وَأَلَتْ تَئِلُ تَنْجُو. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَوْبِلًا﴾ مَحْرِزًا ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ لَا يَعْقِلُونَ. هي مكية إلا قوله: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٢٨] فإنها مدنية، وقال مقاتل: إلا ثلاث آيات. قال السخاوي: ونزلت قبل النحل و(بعد)(١) الغاشية(٢)، وفي أفراد مسلم من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: ((من حفظ عشر آيات من سورة الكهف عصم من الدجال)) وفي لفظ: ((من (١) في الأصل: قبل. (٢) ((جمال القراء)» ص٨. ٥٦٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- آخر الكهف)) (١) وغريب من الحاكم استدراكه عليه(٢) وهو فيه، وفي الترمذي مصححًا: ((من قرأ ثلاث آيات من أول الكهف عصم من فتنة الدجال))(٣) نعم صحح الحاكم إسناد حديث أبي سعيد مرفوعًا: ((من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين)) (٤). (ص) (قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿تَّقْرِضُهُمْ﴾: تَتْرُكُهُمْ) هذا أسنده ابن أبي حاتم من حديث ابن أبي نجيح عنه(٥) كما سلف في أحاديث الأنبياء. (ص) (﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾: ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ) هو من تفسير قول مجاهد(٦)، وقد أخرجه ابن عيينة في ((تفسيره)) عن ابن جريج عن يزيد: بضم الثاء والميم(٧)، قال: وكل ما في القرآن من ثمر فهو المال، وقيل: الثمر: الشجر، وقال أبو عمران الجوني: الثمر: أنواع المال. (ص) (وَقَالَ غَيْرُهُ: جَمَاعَةُ الثَّمَرِ) هو قول ابن عباس، كما أخرجه ابن المنذر من حديث قتادة عنه(٨)، ومراده أنه قد جمع ثمرة على ثمار ثم جمع ثمار على ثمر. (١) ((صحيح مسلم)) (٨٩) كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضل سورة الكهف وآية الكرسي. (٢) ((المستدرك)) ٣٦٨/٢. (٣) الترمذي (٢٨٨٦). (٤) ((المستدرك)) ٣٦٨/٢. (٥) أورده السيوطي في ((الدر)) ٣٩١/٤ وعزاه لابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (٦) رواه الطبري ٢٢٢/٨ (٢٣٠٥٦). (٧) قرأها عاصم بفتح الثاء والميم، وأبو عمرو بضم الثاء وإسكان الميم، وقرأ باقي السبعة بضم الثاء والميم. أنظر ((الكشف)) لمكي ٥٩/٢. (٨) رواه الطبري ٢٢٣/٨ (٢٣٠٥٨) من طريق قتادة، عن ابن عباس قال: يعني أنواع المال، وزاد السيوطي عزوه في ((الدر)) ٤/ ٤٠٣ لأبي عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم. ٥٦٩ كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ = (ص) [﴿بَخِعُ﴾](١) مهلك ﴿أَسَفاً﴾ نَدَمًا . الكَهْفُ: الفَتْحُ فِي الجَبَلِ. وَالرَّقِيمُ: الكِتَابُ، مَكْتُوبٌ مِنَ الرَّقْم ﴿أَمَدًا﴾: غاية ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: أَلْهَمْنَاهُمْ صَبْرًا ﴿لَوْلَا أَنْ رَّبَطْنَا عَلَىَ قَلْبِهَا﴾. ﴿شَطَطًا﴾: إِفْرَاطًا ﴿مِرْفَقًا﴾: كل شيء أرتفقت به، ﴿َّزَوَرُ﴾ : تميل من الزور، والأزور: الأميل، ﴿فَجْوَةٍ﴾: متسع، والجمع: فجوات وفجاء، كقولك ركوة وركاء. ﴿بِالْوَصِيدِ﴾: الفِنَاءُ، جَمْعُهُ: وَصَائِدُ وَوُصُدٌ وَيُقَالُ: الوَصِيدُ: البَابُ. مُوصَدَةٌ: مُطْبَقَةٌ، آصَدَ البَابَ وَأَوْصَدَ، ﴿بَعَثْنَهُمْ﴾: أَحْيَيْنَاهُمْ، ﴿أَزْكَى﴾: أَحَلُّ، وَيُقَالُ: أَكْثَرُ رَيْعًا . قَالَ ابن عَبَّاسِ ﴿أَكْلَهَا وَلَمْ تَظْلِ﴾: لَمْ تَنْقُصْ. وَقَالَ سَعِيدٌ عَنِ ابن عَبَّاسٍ: الرَّقِيمُ اللَّوْحُ مِنْ رَصَاصٍ، كَتَبَ عَامِلُهُمْ أَسْمَاءَهُمْ ثُمَّ طَرَحَهُ فِي خِزَانَتِهِ، فَضَرَبَ اللهُ عَلَىْ آذَانِهِمْ فَنَامُوا ﴿قَوْبِقًا﴾: مهلكًا . وَقَالَ غَيْرُهُ: وَأَلَ يَئِلُ: يَنْجُو. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَوْبِلًا﴾: مَخْرِزًا ، ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾: لَا يَعْقِلُونَ). الشرح : هُذِهِ الألفاظ سلف أكثرها في باب: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ اُلْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ في أواخر: أحاديث الأنبياء. وقول: ابن عباس: (﴿وَلَمْ تَظْلِرِ﴾: لم تنقص) أخرجه ابن أبي حاتم من حديث عطاء عنه (٢)، وأثر سعيد عنه في الرقيم، أخرجه ابن المنذر بلفظ: إن الفتية طلبوا فلم يجدوهم، فرفع ذلك إلى الملك فقال: ليكونن لهؤلاء شأن. فدعا بلوح من رصاص فكتب أسماءهم فيه وطرحه في خزائنه. قال: والرقيم: هو اللوح الذي كتبوا فيه. (١) ساقطة من الأصل. (٢) أورده السيوطي في ((الدر)) ٤٠٣/٤ وعزاه لابن أبي حاتم، وابن المنذر. ٥٧٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وروى ابن مردويه من حديث قيس، عن سماك، عن عكرمة قال: ما في القرآن شيء إلا وأنا أعلمه إلا أربعة أحرف: ﴿وَالَرَّقِيِ﴾ فإني لا أدري ما هو، وسألت عنه كعبًا، فقال: هو القرية التي خرجوا منها .. الحديث، وعند السهيلي: ﴿وَالَرَّقِيمِ﴾: اسم كلبهم، وقيل: اسم علم للوادي(١)، وقول مجاهد: ﴿مَوپلًا﴾ محرزًا أخرجه سفيان، عن ابن جريج، عنه (٢). (١) أنظر: ((تفسير مبهمات القرآن)) للبلنسي ١٤١/٢- ١٤٢، و((الروض الأنف)) ٥٤/٢. (٢) رواه الطبري ٢٤٤/٨ (٢٣١٦١) عن حجاج، عن ابن جريج، به. ٥٧١ كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ ١- [باب] قوله: وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] ٤٧٢٤ - حَذَّثَنَا عَلَيِّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِ عَلِيّ بْنُ حُسَيْنِ أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَلِيّ ◌َِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةً قَالَ: ((أَلَا تُصَلَِّانٍ؟)). ﴿َرَهْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢] لَمْ يَسْتَبِنْ. ﴿فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]: نَدَمًا ﴿سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]: مِثْلُ السُّرَادِقِ، وَالْحُجْرَةِ التِي تُطِيفُ بِالْفَسَاطِيطِ، ﴿يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف: ٣٧] مِنَ المُحَاوَرَةِ ﴿لَّكِنَّأْ هُوَ اللَّهُ رَبِ﴾ [الكهف: ٣٨] أَيْ: لكن أَنَا هُوَ اللهُ رَبِّي، ثُمَّ حَذَفَ الأَلِفَ وَأَدْغَمَ إِحْدى النُّونَيْنِ فِي الأُخْرِى. ﴿زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] لَا يَثْبُتُ فِيهِ قَدَمٌ. ﴿هُنَالِكَ الْوَلَيَةُ﴾ [الكهف: ٤٤]: مَصْدَرُ الوَلِيِّ. ﴿عُقْبًا﴾ [الكهف: ٤٤]: عَاقِبَةٌ وَعُقْبَى وَعُقْبَةٌ وَاحِدٌ، وَهْيَ الآخِرَةُ قِبَلًا وَ﴿قُبُلًا﴾ [الكهف: ٥٥] وَقَبَلًا: أَسْتِثْنَافًا ﴿لِيُدْحِضُواْ﴾ [الكهف: ٥٦]: لِيُزِيلُوا، الدَّحْضُ: الزَّلَقُ. ساق فيه حديث صَالِحٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ الحسين أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِّيٍّ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَلِيٍّ ◌ُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّه طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ فَقَالَ: ((أَلَا تُصَلِّيَانٍ؟)). سلف أطول من هذا في الصلاة، في باب: التحريض على صلاة الليل من حديث شعيب عن الزهري، وفيه الاستشهاد بهُذِه الآية، وكأنه أحاله عليه، ويأتي في الاعتصام والتوحيد(١). (١) سلف برقم (١١٢٧)، وسيأتي برقم (٧٣٤٧)، (٧٤٦٥). ٥٧٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - قال الدارقطني: رواه الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن علي بن حسين، عن الحسين، فلما نبه على الصواب رجع. ورواه معمر، عن الزهري، عن علي مرسلًا، وكذلك رواه مسعر، عن عتبة بن قيس، عن علي(١). قال ابن أبي شيبة: أصح الأسانيد كلها الزهري، عن علي بن حسين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب(٢). ومعنى (طرقه): أتاه ليلًا كما سلف هناك، واحتج بهذا الحديث من قال: الآية عامة، على من قال: المراد هنا بالإنسان: الكفار خاصة. (ص) (﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ لَمْ يَسْتَبِنْ) سلف في الباب المشار إليه قريبًا . (ص) (﴿أَعْثَرْنَا﴾: أظهرنا)، أي: واطلعنا عليهم. (﴿فُرْطًا﴾: نَدَمًا) قلت: وقيل: أشراطًا، وقال مجاهد: ضياءًا(٣). وقال السدي: هلاكًا، وأفرط فرطًا: تهاون به، أصله من التفريط، وهو تقديم العجز، ومن قدم العجز في أمره أضاعه وأهلكه(٤)، وقال الفراء: متروكًا، تركت فيه الطاعة، قيل: هو عيينة بن حصن، قال: أنا أشرف مضر وأجلها(٥). (ص) (﴿سُرَادِقُهَا﴾: مِثْلُ السُّرَادِقِ، وَالْحُجْرَةِ التِي تُطِيفُ (١) ((علل الدارقطني)) ٩٨/٣-١٠٠. (٢) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٣٧٥/٤١ -٣٧٦ من طريق أبو عبد الله الحاكم، عن أبي بكر بن أبي دارم يحكي عن بعض شيوخه، عن أبي بكر بن أبي شيبة. وذكره أيضًا المزي في ((تهذيب الكمال)) ٣٨٨/٢٠. (٣) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٢١٥/٨-٢١٦ (٢٣٠٢٤). (٤) انظر: ((تفسير الوسيط)) ١٤٦/٣. (٥) ((معاني القرآن)) ١٤٠/٢. ٥٧٣ كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ = بِالْفَسَاطِيطِ) قلت: فهو كل ما أحاط بالشيء واشتمل عليه من ثوب أو حائط، وقيل: أراد به الدخان الذي يحيط بالكفار يوم القيامة. (ص) (﴿يُحَاوِرُ﴾ مِنَ المُحَاوَرَةِ) أي: يراجعه الكلام. (ص) (﴿لَّكِنَّأْ هُوَ اللَّهُ رَبِّ﴾ أَيْ: لكن أَنَا هُوَ اللهُ رَبِّي، ثُمَّ حَذَفَ الأَلِفَ وَأَدْغَمَ إِحْدى النُّونَيْنِ فِي الأُخْرى) هو كما قال، ومن قرأ بإثبات ألف أنا فإنه أثبت الألف في الوصل كما تثبت في الوقف على لغة من يقول: أنا قمت (١)، وهو غير مختارٍ في القراءة (٢). (ص) (﴿زَلَقًا﴾ لَا يَثْبُتُ فِيهِ قَدَمٌ) قلت: أو لا ثبات فيه، والزلق: المكان الزلقة، والمعنى: أنها تصير جرداء لا نبات فيها . (ص) (﴿هُنَالِكَ الْوَلَيَةُ﴾: مَصْدَرُ الوَلِيِّ) سلف في البقرة الكلام عليه، وقرئ بالفتح وبالكسر(٣)، والوجه الفتح، وعليه أكثر القراء؛ لأن الكسر الإمارة، والمراد هنا: (التولية) (٤)، أي: يومئذ يتولون الله ويتبرءون مما كانوا يعبدونه. (ص) (﴿عُقْبًا﴾: عَاقِبَةٌ وَعُقْبَى وَعُقْبَةٌ وَاحِدٌ، وَهو الآخِرَةُ) أي: خير عقب الطاعة وإثابة، ثم حذف المضاف إليه. (ص) (﴿قُبُلًا﴾ وَقَبَلًا: أُسْتِثْنَافًا) قال ابن التين: ما أعرف استئنافا، إنما هو أستثقالا، وهو يعود على الآخر منهما بفتح القاف والباء. وقال (١) قرأها كذلك ابن عامر. انظر: ((الحجة)) للفارسي ١٤٥/٥، ((الكشف)) لمكي ٦١/٢. (٢) أنظر ((تفسير الوسيط)) ١٤٩/٣. (٣) قرأها حمزة والكسائي بكسر الواو، والباقون بفتحها. أنظر: ((الحجة)) ١٤٩/٥، ((الكشف)) ٢/ ٦٢. (٤) في الأصل: (التونيه) غير منقوطة، ولعل الصواب ما أثبتناه. ٥٧٤ =ِ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - مجاهد: فجأة(١)، وقال الكسائي: عيانًا، وأكثر أهل اللغة على الضم فيهما جمع قبيل، أي: أبوابًا وضروبًا، وقيل: معناه: تقابلهم، كما جاء من قبل. ومعنى قبلًا: استئنافًا، كما قال في الأصل: بفتح القاف والباء، يقال: لا أكلمك إلى عشرين ذي قبل. (ص) (﴿لِيُدْحِضُواْ﴾: لِيُزِيلُوا، الدَّحْضُ: الزَّلَقُ) أي: ليبطلوا ما جاء به محمد ◌َّة، يقال: دحضت حجته إذا بطلت، وأدحضت حجته إذا أبطلتها . (١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٢٤٢/٨ (٢٣١٥٦). ٥٧٥ كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ = ٢- [باب] قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَنْهُ لَآ أَبْرَحُ حَتَّ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ # [الكهف: ٦٠] أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا زَمَانًا، وَجَمْعُهُ: أَحْقَابٌ. ٤٧٢٥- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَذَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ لِبْنِ عَبَّاسِ: إِنَّ نَوْفًا البَكَالِّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الَخَضِرِ لَيْسَ هُوَ مُوسَى صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَقَالَ ابْن عَبَّاسِ: كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ حَدَّثَنِي أَبِيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ◌َّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا. فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ؛ إِذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: إِنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ، هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ، فَكَيْفَ لِي بِهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلِ، فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَهْوَ ثَمَّ، فَأَخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَلِ ثُمَّ أَنْطَلَقُّ، وَانْطَلَقَ مَعَهُ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، حَتَّى إِذَا أَتَيَا الصَّخْرَةَ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا فَنَامَا، وَاضْطَرَبَ الحُوتُ فِي المِكْتَلِ، فَخَرَجَ مِنْهُ، فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ ، فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَبًا، وَأَمْسَكَ اللهُ عَنِ الحُوتِ جِرْيَةَ المَاءِ فَصَارَ عَلَيْهِ مِثْلَ الطَّاقِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ، نَسِيَ صَاحِبُهُ أَنْ يُخْبِرَهُ بِالْحُوتِ، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتَهُمَا، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الغَدِ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: ﴿َاِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَفِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢] قَالَ: وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ المَكَانَ الذِي أَمَرَ اللهُ بِهِ. فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ: ﴿أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَأَتَّخَذَ سَمِلَهُ فِىِ الْبَحْرِ عَمَا﴾ قَالَ: فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا وَلِمُوسَى وَلِفَتَاهُ عَجَبًا. فَقَالَ مُوسَى: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغَّ فَأَرْتَذَا عَ ءَثَارِهِمَا قَصَصًا ﴿3﴾﴾ [الكهف: ٦٤] قَالَ: رَجَعَا يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا حَتَّى أَنْتَهَيَا إِلَى ٥٧٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - الصَّخْرَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ مُسَجّى ثَوْبًا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى. فَقَالَ الخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى. قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَتَيْئُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّ عُلِّمْتَ رَشَدًا. قَالَ: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧]، يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْم مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَكَ اللهَ لَا أَعْلَمُهُ. فَقَالَ مُوسَى: ﴿سَتَجِدُنِىّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَاِرًا * وَلَ أَعْصِى لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩]. فَقَالَ لَهُ الخَضِرُ: ﴿فَإِنِ أُتَّبَعْتَنِ فَلَا تَسْتَلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّىٌ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠]، فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ ، فَمَرَّتْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ، فَعَرَفُوا الخَضِرَ، فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأْ إِلَّ وَالْخَضِرُ قَدْ فَلَعَ لَوْحًا مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ بِالْقَدُومِ. فَقَالَ لَهُ مُوسَى قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ ﴿أَخَقْنَهَا لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف: ٧١]. قَالَ: ﴿أَمَّ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٢]. قَالَ: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِ مِنْ أَمْرِى عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣]. قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َلِّ: ((وَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا)) قَالَ: ((وَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ فِي البَحْرِ نَقْرَةً، فَقَالَ لَهُ الخَضِرُ: مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ إِلَّ مِثْلُ مَا نَقَصَ هذا العُصْفُورُ مِنْ هذا البَحْرِ. ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ، فَبَيْنَا هُمَا يَمْشِيَانٍ عَلَى السَّاحِلِ، إِذْ أَبْصَرَ الخَضِرُ غُلَامًا يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ فَقَتَلَهُ. فَقَالَ لَهُ مُوسَى: ﴿وَلَا أَعْصِى لَكَ أَمْرََّ * قَلَ فَإِ أَتَّبَعْتَنِى فَلَا تَسْشَلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ﴿ فَانْطَلَقَا حَتَّىَ إِذَا رَكِبَا فِ السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْنَهَا لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ٨ قَالَ أَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا ﴿ قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُشْرًا ٧٣ فَنَطَلَقَا حَتََّ إِذَا لَقِيَا نُلَمَا فَقَنَلَهُ قَالَ أَقَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ بِغَيْرِ نَفْسِ لَّقَدْ جِثْتَ شَيْئًا نُكْرًا [الكهف: ٦٩ -٧٥] قَالَ : (٧٥) قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا ٧٤١ ٥٧٧ = كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ وهذا أَشَدُّ مِنَ الأُولَى، قَالَ: ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَحِبْنِّ قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّمُنِ عُذْرًا﴾ [الكهف: ٧٦] ﴿فَانْطَلَقَا حَقََّ إِذَا أَنَيَا أَهْلَ قَرْبَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا حِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] - قَالَ مَائِلٌ - فَقَامَ الخَضِرُ ﴿فَقَامَةٌ﴾ [الكهف: ٧٧] بِيَدِهِ. فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا، وَلَمْ يُضَيِّفُونَا، ﴿لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]. قَالَ: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعِ غَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢]. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ اللهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا)). قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: فَكَانَ ابن عَبَّاسِ يَقْرَأُ: وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِةٍ غَصْبًا، وَكَانَ يَقْرَأُ وَأَمَّا الغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ. [انظر: ٧٤- مسلم: ٢٣٨٠ - فتح: ٤٠٩/٨] (﴿حُقُبًا﴾: زمانًا، وجمعه أحقاب)، قلت: هو عند أهل اللغة ثمانون سنة، وقيل: سبعون خريفًا، وقيل: هو دهر أو زمان، كما في الأصل. ثم ساق البخاري حديث الخضر مع موسى بطوله. وقد سلف في العلم، وأحاديث الأنبياء(١)، و﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ قيل: هما بحر الأردن وبحر القلزم، وقيل: بحر المغرب وبحر الزقاق، وقيل غير ذلك كما سلف في كتاب العلم، فهما بحران اجْتمعا بمجمع البحرين، أحدهما أعلم بالظاهر، وهو علم الشرعيات، وهو موسى، والآخر أعلم بالباطن وأسرار الملكوت، وهو الخضر، وفي أسمه أقوال سلفت في العلم، وكذا حاله أيضا فراجعه. (١) سلف برقم (٣٤٠٠) باب: حديث الخضر مع موسى عليهما السلام. ٥٧٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٣- [باب] قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوْتَهُمَا فَأْتَّخَذَ سَبِيلَهُ ﴾ [الكهف: ٦١] فِى الْبَحْرِ سَرَبًا ﴿سَرَبًا﴾: مَذْهَبًا، يَسْرُبُ: يَسْلُكُ، وَمِنْهُ ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠] ٤٧٢٦- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابن جُرَئِجِ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَبِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ -يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، وَغَيْرَهُمَا قَدْ سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُهُ عَنْ سَعِيدٍ - قَالَ إِنَّا لَعِنْدَ ابن عَبَّاسِ فِي بَيْتِهِ، إِذْ قَالَ: سَلُونٍ. قُلْتُ: أَيْ أَبَا عَبَّاسٍ -جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ - بِالْكُوفَةِ رَجُلٌ قَاصِّ يُقَالُ: لَهُ نَوْفٌ، يَزْعُمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. أَمَّا عَمْرُو فَقَالَ لِي: قَالَ: قَدْ كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ، وَأَمَّا يَعْلَى فَقَالَ لِي: قَالَ ابْن عَبَّاسٍ: حَدَّثَنِي ◌ُبُّ ننُ کَغبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مُوسَى رَسُولُ اللهِ - الَّْهُ - قَالَ: ذَكَّرَ النَّاسَ يَوْمًا حَتَّى إِذَا فَاضَتِ العُيُونُ، وَرَقَّتِ القُلُوبُ وَلَّى، فَأَدْرَكَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَيْ رَسُولَ اللهِ، هَلْ فِي الأَرْضِ أَحَدٌ أَعْلَمُ مِنْكَ؟ قَالَ: لَا. فَعَتَبَ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَى اللهِ. قِيلَ: بَلَى. قَالَ: أَيْ رَبِّ، فَأَيْنَ؟ قَالَ: بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ. قَالَ: أَيْ رَبِّ، اجْعَلْ لِي عَلَمَّا أَعْلَمُ ذَلِكَ بِهِ». فَقَالَ لِي عَمْرَو قَالَ: ((حَيْثُ يُفَارِقُكَ الحُوتُ)). وَقَالَ لِي يَعْلَى قَالَ: ((خُذْ نُونًّا مَيَِّا حَيْثُ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، فَأَخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَل، فَقَالَ لِفَتَاهُ: لَا أُكَلِّفُكَ إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنِي بِحَيْثُ يُفَارِقُكَ الحُوتُ. قَالَ مَا كَلَّفْتَ كَثِيرًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَنْهُ﴾ [الكهف: ٦٠] : يُوشَعَ بْنِ نُونٍ - لَيْسَتْ عَنْ سَعِيدٍ - قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ فِي ظِلِّ صَخْرَةٍ فِي مَكَانٍ ثَرْيَانَ، إِذْ تَضَرَّبَ الحُوتُ، وَمُوسَى نَائِمٌ، فَقَالَ فَتَاهُ: لَا أُوقِظُهُ. حَتَّى إِذَا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ أَنْ يُخْبِرَهُ، وَتَضَرَّبَ الحُوتُ، حَتَّى دَخَلَ البَحْرَ فَأَمْسَكَ اللهُ عَنْهُ ٥٧٩ كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ جِرْيَةَ الْبَحْرِ حَتَّى كَأَنَّ أَثَرَهُ فِي حَجَرٍ - قَالَ لِي عَمْرُو هَكَذَا كَأَنَّ أَثَرَهُ فِي حَجْرٍ، وَحَلَّقَ بَيْنَ إِنِهَامَيْهِ وَاللَّتَيْنِ تَلِيانِهِمَا- ﴿لَقَدْ لَفِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢] قَالَ: قَدْ قَطَعَ اللهُ عَنْكَ النَّصَبَ - لَيْسَتْ هَذِهِ عَنْ سَعِيدٍ - أَخْبَرَهُ، فَرَجَعَا فَوَجَدَا خَضِرًا. قَالَ لِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: عَلَى طِنْفِسَةٍ خَضْرَاءَ عَلَى كَبِدٍ البَحْرِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُسَجَّى بِثَوْبِهِ قَدْ جَعَلَ طَرَفَهُ تَحْتَ رِجْلَيْهِ، وَطَرَفَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، وَقَالَ: هَلْ بِأَرْضِي مِنْ سَلَام؟ مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى. قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: جِئْتُ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا. قَالَ: أَمَا يَكْفِيَكَ أَنَّ التَّوْرَاةَ بِيَدَيْكَ، وَأَنَّ الوَحْيَ يَأْتِيَكَ؟ يَا مُوسَى، إِنَّ لِي عِلْمًا لَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَعْلَمَهُ، وَإِنَّ لَكَ عِلْمًا لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَعْلَمَهُ. فَأَخَذَ طَائِرٌ بِمِنْقَارِهِ مِنَ الْبَحْرِ ، وَقَالَ: والله مَا عِلْمِي وَمَا عِلْمُكَ فِي جَنْبٍ عِلْمِ اللهِ إِلَّا كَمَا أَخَذَ هذا الطَّائِرُ بِمِنْقَارِهِ مِنَ الْبَحْرِ. حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ وَجَدَا مَعَابِرَ صِغَارًا تَحْمِلُ أَهْلَ هذا السَّاحِلِ إِلَى أَهْلِ هذا السَّاحِلِ الآخَرِ عَرَفُوهُ، فَقَالُوا: عَبْدُ اللهِ الصَّالِحُ - قَالَ: قُلْنَا لِسَعِيدٍ: خَضِرٌ؟ قَالَ: نَعَمْ - لَا نَحْمِلُهُ بِأَجْرٍ. فَخَرَقَهَا وَوَتَدَ فِيهَا وَتِدًا. قَالَ مُوسَى ﴿أَخَرَقْنَهَا لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف: ٧١] - قَالَ بُجَاهِدٌ: مُنْكَرًا- قَالَ: ﴿أَمَّ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٢] - كَانَتِ الأُولَى نِسْيَانًا، وَالْوُسْطَى شَرْطًا، وَالثَّالِثَةُ عَمْدًا- قَالَ: ﴿لَا نُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣]، ﴿لَقِيَا غُلَمَا فَقَتَلَهُ﴾ [الكهف: ٧٤]- قَالَ يَغْلَى: قَالَ سَعِيدٌ: وَجَدَ غِلْمَانًا يَلْعَبُونَ، فَأَخَذَ غُلَامًا كَافِرًا ظَرِيفًا فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ. قَالَ: ﴿أَقَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ بِغَيْرِ نَفْسِ﴾ [الكهف: ٧٤] لَمْ تَعْمَلْ بِالْحِنْثِ- وَكَانَ ابن عَبَّاسِ قَرَأَهَا: زَكِيَّةَ زَاكِيَةً مُسْلِمَةً. كَقَوْلِكَ: غُلَامًا زَكِيًّا- فَانْطَلَقَا، فَوَجَدَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ- قَالَ سَعِيدٌ بِيَدِهِ: هَكَذَا، وَرَفَعَ يَدَهُ فَاسْتَقَامَ. قَالَ يَغْلَى: حَسِبْتُ أَنَّ سَعِيدًا قَالَ: فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ فَاسْتَقَّامَ، ﴿لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧] - قَالَ سَعِيدٌ: أَجْرًا نَأْكُلُهُ. ﴿وَكَانَ ٥٨٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وَرَآءَهُمْ﴾ [الكهف: ٧٩]، وَكَانَ أَمَامَهُمْ - قَرَأَهَا ابن عَبَّاسِ: أَمَامَهُمْ مَلِكُ - يَزْعُمُونَ عَنْ غَيْرِ سَعِيدٍ أَنَّهُ هُدَدُ بْنُ بُدَدٍ، وَالْغُلَامُ المَقْتُولُ اسْمُهُ - يَزْعُمُونَ -: جَيْسُورٌ. ﴿مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] ، فَأَرَدْتُ إِذَا هِيَ مَرَّتْ بِهِ أَنْ يَدَعَهَا لِعَيْبِهَا، فَإِذَا جَاوَزُوا أَصْلَحُوهَا فَانْتَفَعُوا بِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: سَدُّوهَا بِقَارُورَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بِالْقَارِ، كَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنٍ، وَكَانَ كَافِرًا ﴿فَخَشِينَآ أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَنًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: ٨٠]، أَنْ يَحْمِلَهُمَا حُبُّهُ عَلَى أَنْ يُتَابِعَاهُ عَلَى دِينِهِ فَأَرَدْنَا أَنْ يُبَدِّلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً لِقَوْلِهِ: ﴿أَقَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ﴾ [الكهف: ٧٤] ﴿وَأَقْرَبَ رُهُمَا﴾ [الكهف: ٨١]: هُمَا بِهِ أَزْحَمُ مِنْهُمَا بِالأَوَّلِ الذِي قَتَلَ خَضِرٌ، وَزَعَمَ غَيْرُ سَعِيدٍ أَنَّهُمَا أُبْدِلَا جَارِيَةً، وَأَمَّا دَاوُدُ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ فَقَالَ عَنْ غَيْرٍ وَاحِدٍ: إِنَّهَا جَارِيَةٌ. (﴿سَرَبًا﴾: مذهبا، يسرب: يسلك، ومنه: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾) سلف قريبا في باب حديث الخضر مع موسى. ثم ساق قطعة منه وفيه. ( (في مكان ثريان)) ) أي: فيه بلل وندى، نعت المذكر، ونعت المؤنث ثروى، تصغيره ثُريًّا . وقوله: ﴿فَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ قيل: كان نسيان موسى أن يقدم إلى يوشع شيء في أمر الحوت، ونسيان يوشع أن يخبر بتسربه، لكنه قال بعد أن قال لفتاه: ( ((لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت، قال: ما كلفت كثيرًا)))، وقيل: نسبة النسيان إليهما مجازًا كما في العمرين. والطنفسة -بكسر الطاء وفتح الفاء وكسرها- بساط له خمل. و(كبد البحر): وسطه -بفتح الكاف وكسر الباء- ويجوز غير ذلك. وقوله: ( ((فخرقها ووتد فيها وتدًا))) يقال: وتدت الوتد، أتده وتدًا، والأمر منه تِدْ، والوتد بالكسر والفتح لغة، وكذلك أتود، والقدوم مخففة قال الداودي: الفأس الصغيرة.