Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
كِتَابُ المَغَازِي
-
وفي ((مراسيل أبي داود)) أن عمر رضيه رأى لاعبًا بالكُرَّج، فقال:
لولا أني رأيت هذا يلعب به على عهد رسول الله وصل لنفيته من
المدينة(١).
وبالمدينة آخر اسمه: هدم، بكسر الهاء ثم دال مهملة ساكنة.
وعند أبي موسى: نفى أبو بكر ماتعًا إلى فدك، وليس بها يومئذ أحد
من المسلمين، وظاهر تعدد المكان المنفي إليه أختلاف الواقعة.
فائدة :
(هيت) مولى عبد الله بن أبي أمية المذكور معه في هذا الحديث،
وعبد الله هذا أخو أم سلمة.
رابعها :
قوله: (تقبل بأربع وتدبر بثمان) إنما قال: (بثمان) ولم يقل:
بثمانية؛ لأنه أراد الأطراف وهي مذكرة، وأراد العكن واحدتها :
عكنة، وهي مؤنثة، وهو من التأنيث المعنوي ولذلك قال أربع، ولم
يقل: أربعة على تأنيث العدد. قال ابن حبيب عن مالك: معناه أن
أعكانها وهي تراكب اللحم في البطن حتى ينعطف بعضها على بعض
فهي في بطنها أربع طوابق وتبلغ أطرافها إلى خاصرتيها في كل جانب
أربع.
ولابن الكلبي أنه قال بعد (وتدبر بثمان): مع ثغر كالأَقْحُوان إن
قعدت تبنت، وإن تكلمت تغنت. وفي لفظ: فإذا أضطجعت تمنت
وإذا قامت أرتجت، هيفاء شموع نجلاء مع ثغر كأنه الأقحوان وتقبل
بأربع وتدبر بثمان. ثم ذكر شعرًا بين رجليها مثل الإناء المكفوف.
(١) ((المراسيل)) (٥١٥).

٤٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ورسول الله وقّلا يسمع فقال: ((لقد (غلغلت)(١) في النظر إليها يا عبد الله))
ثم أجلاه عن المدينة إلى الحمى، فلما فتحت الطائف تزوجها
عبد الرحمن بن عوف فولدت له (بريهة)(٢)، ولما قبض وي أبى أن
يرده الصديق، فلما ولي عمر قيل: إنه قد ضعف وكبر فاحتاج، فأذن
له أن يدخل كل جمعة فيسأل الناس ويرجع إلى مكانه(٣) .
خامسها :
هذا الحديث أصل في نفي كل من يتأذى به. وفي ((صحيح ابن
حبان)) عن عائشة رضي الله عنها: دخل النبي وَّه وهيت ينعت أمرأة
من يهود، فأخرجه وَلّ، فكان بالبيداء يدخل كل يوم جمعة يستطعم (٤).
وفي (صحيح مسلم)): كان يدخل على نساء النبي وّ مخنث وكانوا
يعدونه من غير أولي الإربة من الرجال، قال: فدخل النبي ◌َّ وهو
عند بعض نسائه، وهو ينعت أمرأة. وفيه: ((ألا أرى هذا يعرف
ما ههنا، لا يدخلن علیکم)) قال: فحجبه(٥) .
وفي لفظ عند أبي موسى: لا يرى النبي وَلّ أنه يفطن لشيء من أمر
النساء مما يفطن له الرجال، ولا يرى أنه له في ذلك إربة. وفيه: ((ألا أرى
هذا الخبيث يفطن لما أسمع منه)).
(١) غير واضحة بالأصل والمثبت من (التمهيد)) ٢٧٦/٢٢، وذكر محققه أنه وقع في
بعض الروايات: (حققت). وانظر كذلك: ((الفتح)» ٣٣٦/٩.
(٢) كذا بالأصل. وأعلاها كلمة: كذا.
(٣) حكى قول ابن الكلبي غير واحد منهم: ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٧٦/٢٢،
والباجي في ((المنتقى)) ٦/ ١٨٣.
(٤) ((صحيح ابن حبان)) ٣٤٠/١٠ (٤٤٨٨).
(٥) مسلم برقم (٢١٨١) كتاب: السلام، باب: منع المخنث من الدخول على النساء
الأجانب، من حديث عائشة، وفي آخره أن عائشة هي التي قالت: فحجبوه.

٤٨٣
ـ كِتَابُ المَغَازِي
وفي (مسند سعد بن أبي وقاص)) أنه خطب امرأة بمكة وهو مع النبي
وَّة، فقال: ليس عندي من يراها ولا من يخبرني عنها، فقال هيت: أنا
أنعتها: إذا أقبلت أقبلت بستٍّ وإذا أدبرت أدبرت بأربع. وكان يدخل
على سودة، فقال رسول الله وَل﴾: ((ما أراه إلا منكرًا)) فمنعه ولما قدم
المدينة نفاه(١).
ولأبي داود من حديث أبي هريرة # أتي النبي وَلّ بمخنث قد
خضب يديه ورجليه، فقيل: يا رسول الله، هذا يتشبه بالنساء فنفاه
إلى (النقيع)(٢)، فقيل: ألا تقتله؟ فقال: ((إني نهيت عن قتل
المصلين))(٣).
سادسها :
﴿َغَيْرِ أُوْلِى الْإِرْبَةِ﴾ في الآية: هو المخنث الذي لا يقوم (له)(٤) كما
ذكره عكرمة(٥)، وقيل: الشيخ الهرم والخنثى والمعتوه والطفل والعنين.
سابعها :
أسلفنا أن مخنثًا قال الكلام السالف لعبد الله بن أبي أمية ولعبد
الرحمن بن عوف وفي ((تاريخ أبي الفرج الأصبهاني)) قيل ذلك لعمر بن
أبي سلمة ابن أم سلمة، أو لأخيه سلمة، وذكر يونس بن بكير، عن ابن
(١) خبر سعد رواه ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٧٥/٢٢.
(٢) قال أحد رجال الإسناد عن أبي داود وهو أبو أسامة: والنقيع: ناحية في المدينة،
وليس بالبقيع.
(٣) أبو داود (٤٩٢٨)، قال المنذري: في إسناده: أبو يسار القرشي. سئل عنه
أبو حاتم فقال: مجهول ((مختصر السنن)) ٢٤٠/٧، وذكره الألباني في ((ضعيف
الترغيب والترهيب)) (١٢٦٠) وقال: منكر.
(٤) كذا بالأصل، وفي ((تفسير الطبري)): زُبِّه.
(٥) رواه عنه الطبري في ((التفسير)) ٣٠٩/٩ (٢٦٠٠٧).

٤٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
إسحاق: أنه كان مع رسول الله وَّليل مولى لخالته يقال له: ماتع، وكان
يكون بمنزله فسمعه يقول لخالد بن الوليد: إن فتح الله عليكم غدًا الطائف
أدلك على ابنة غيلان، فذكره، وذكر ابن حبان عن ماتع. قاله.
الخالة أسمها فاختة بنت عمرو بن عائذ(١). قال الواقدي: فغربه وَال
هو وهيت إلى روضة خاخ، فلما توفي رسول الله وحّ دخلا مع الناس،
فلما ولي الصديق أخرجهما، فلما توفي دخلا، فلما ولي عمر
أخرجهما، فلما قتل دخلا. وفي ((معرفة الصحابة)) لأبي منصور
الباوردي من حديث إبراهيم بن مهاجر عن أبي بكر بن حفص، قال:
قالت عائشة رضي الله عنها لمخنث كان بالمدينة -يقال له: أنه-
ألا تدلنا على أمرأة نخطبها على عبد الرحمن بن أبي بكر؟ قال:
بلى، إذا أقبلت فوصف كذا، وإذا أدبرت فوصف كذا. فسمعه النبي
وَ* فقال: ((يا أنه أخرج من المدينة إلى حمراء الأسد، فليكن بها
منزلك، ولا تدخل المدينة)).
ثامنها :
فيه كما قال المهلب: حجة لمن أجاز بيع الأعيان الغائبة على الصفة
كما قاله مالك خلافًا للشافعي، و[لو] (٢) لم تكن الصفة في هذا الحديث
تعني: الرؤية؛ لم ينهه رسول الله وَله عن الدخول على النساء، وقد يقاس
عليه الخصي والمجبوب.
وفيه: زجر من تشبه بالنساء وردعه، وتشبه الرجال بالنساء وعكسه
عند القصد حرام.
(١) ((السيرة)) لا بن حبان ص٣٥٤.
(٢) ليست في الأصل، والمثبت من ((شرح ابن بطال)) ٣٦٢/٧ - ٣٦٣، ويقتضيه
السياق.

٤٨٥
كِتَابُ المَغَازِي
=
تاسعها :
قوله: ( ((لا يدخلن هؤلاء عليكم)) ) هل هو على التنزيه أو التحريم؟
قيل بالأول؛ لأنه لم يظهر فيه ما يدل أنه أراد ذلك لنفسه، وإنما ظهر منه
الوصف فقط، وقيل بالثاني.
الحديث الثاني:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، نَا سُفْيَانُ - هو ابن عيينة، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ
أَبِي العَبَّاسِ - هو السائب بن فروخ الشَّاعِرِ الأَعْمَىُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ
ابْنِ عَمْرِو قَالَ: لَمَّا حَاصَرَ النبىِ وَِّ الظَّائِفَ فَلَمْ يَنَلْ مِنْهُمْ شَيْئًا قَالَ:
((إِنَّا قَافِلُونَ إِنْ شَاءَ اللهُ)). فَكَقُلَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: نَذْهَبُ وَلَا نَفْتَحُهُ
-وَقَالَ مَرَّةً: ((نَقْفُلُ))- فَقَالَ: ((اغْدُوا عَلَى القِتَالِ)). فَغَدَوْا فَأَصَابَهُمْ
جِرَاحٌ، فَقَالَ: ((إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللهُ)). فَأَعْجَبَهُمْ، فَضَحِكَ
النَّبِيُّ وَِّهِ. وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: فَتَبَسَّمَ. قَالَ الحُمَيْدِيُّ: ثَنَا سُفْيَانُ بِالْخَبَر
كُلِهِ. أي: أخبرنا بجميع الحديث بلفظ: أنا وأخبرني، لا بغيره.
وكان مدة المحاصرة ثمانية عشر يومًا، فيما ذكره ابن سعد(١)،
ويقال: خمسة عشر يومًا، وقال ابن هشام سبعة عشر يومًا (٢). وعن
مكحول أنه القليل نصب المنجنيق على أهل الطائف أربعين يومًا (٣)،
وفي ((الجمع بين الصحيحين)) لأبي نعيم الحداد: حصار الطائف كان
أربعين ليلة.
(١) ((الطبقات)) ١٥٨/٢.
(٢) ((سيرة ابن هشام)) ٤/ ١٢٧.
(٣) رواه أبو داود في ((المراسيل)) (٣٣٥) دون ذكر المدة، وقد روى مسلم
(١٠٥٩) من حديث أنس مطولًا، وفيه: ثم أنطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم
أربعين ليلة.
,

٤٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وروى يونس عن ابن إسحاق: ثلاثين ليلة أو قريبًا من ذلك. وفي
رواية الكلبي: بضعًا وعشرين ليلة.
وفي ((السير)) لسليمان بن طرخان أبي المعتمر: حاصرهم شهرًا.
وعند ابن حبان والزهري: بضع عشرة ليلة(١).
وصححه ابن حزم(٢).
وفي ((الاكتفاء)) لأبي الربيع بن سالم: عشرين يومًا.
فائدة :
اختلف الحفاظ في هذا الحديث هل هو عن عبد الله بن عمر بن
الخطاب أو ابن عمرو؟(٣).
قال الحاكم في ((إكليله)): رواية الحفاظ عن سفيان على الأول وهو
الصواب.
ورواه المتأخرون من أصحابه على الثاني.
(١) «السيرة)) لابن حبان ص٣٥٤.
(٢) ((جوامع السيرة)) ص ٢٤٣.
(٣) قلت: مما يرفع كل خلاف ويقطع كل شك رواية الإمام أحمد في ((المسند)) ١١/٢
حيث قال: حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، عن أبي العباس عن عبد الله بن عمر - قيل
لسفيان: ابن عمرو؟ قال: لا ابن عمر .. ثم ذكر الحديث في مسند ابن عمر بن
الخطاب؛ هذا وقد قال الشيخ الفذ الشيخ أحمد شاكر معقبًا بكلام نفيس ماتع :
ومن البين الواضح أنهم كلهم لم يتنبهوا إلى رواية الإمام أحمد هنا، وهو من
أحفظ أصحاب ابن عيينة إن لم يكن أحفظهم، وإثباته بالقول الصريح الواضح أن
ابن عيينة سئل: ابن عمرو؟ -يعني: ابن العاص - فقال: لا، ابن عمر -يعني: ابن
الخطاب- فهذا يرفع كل خلاف، ويقطع بأن من روى بفتح السين أخطأ جدًّا،
سواء كان ممن روى عن سفيان ابن عيينة أم كان ممن بعدهم، أم كان من أصحاب
نسخ الصحيحين. اهـ
أنظر تعليقه على ((المسند)) (٤٥٨٨).

٤٨٧
كِتَابُ المَغَازِي
وقد شفا الحميدي حيث قال في حديث عبد الله: ابن عمر بن
الخطاب(١). وأبو العباس الشاعر بالثاني أشهر(٢)، إلا أن هذا
الحديث عن عبد الله بن عمر، ثم رواه (٣) من طريق: الدارمي، عن
علي بن المديني، ثنا سفيان غير مرة، [عن عمرو بن دينار] (٤)، عن
أبي العباس الشاعر، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
وأما مسلم فأخرجه على الوهم عن جماعة من المتأخرين عن
سفيان، وقال: عبد الله بن عمرو (٥) .
وقال الجياني: وقع عند الأصيلي والنسفي: عبد الله بن عمرو وقرئ
على أبي زيد فرواه بضم العين وهو الصواب [وقد غلط في](٦) هذا كثير
من الناس منهم ابن المديني، وخُطّيءَ فرجع، ولما ذكر الدارقطني
القولين قال: الصواب ابن الخطاب.
وفي مسند ابن عمر خرجه أبو مسعود وغيره في ((الأطراف))(٧) .
(١) ((مسند الحميدي) ٥٦٢/١ (٧٢٣)، والمعنى - كما قال ابن حجر في ((الفتح)) ٨/
٤٤ -: أن الحميدي قد بالغ في إيضاح ذلك فقال في ((مسنده)) في روايته لهذا
الحديث: عبد الله بن عمر بن الخطاب.
(٢) قال الحافظ في ((الفتح)) ٤٥/٨: قال المفضل العلائي عن يحيى بن معين:
أبو العباس عن عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر في الطائف، الصحيح ابن
عمر.اهـ
(٣) أي: الحاكم، وعنه رواه البيهقي في (الدلائل)) ١٦٧/٥.
(٤) ما بين المعقوفين زيادة ليست في الأصل، والمثبت من مصدر التخريج، وكذا
كتب التراجم.
(٥) ((صحيح مسلم)) (١٧٧٨) كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة الطائف.
(٦) من ((تقييد المهمل)) وبه يستقيم السياق.
(٧) (تقييد المهمل)) ٦٨٩/٢ - ٦٩٠، ٨٧٨/٣.

٤٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الحديث الثالث :
شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِم: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ: سَمِعْتُ سَعْدًا - وَهْوَ أَوَّلُ مَنْ
رَمَىْ بِسَهْمِ فِي سَبِيلِ اللهِ- وَأَبَا بَكْرَةَ - وَكَانَ تَسَوَّرَ حِصْنَ الطَّائِفِ فِي
أُنَاسٍ، فَجَاءَ إِلَى النَّبِّ نَّهِ- فَقَالَا: سَمِعْنَا رسول الله ◌َّهُ يَقُولُ: ((مَنِ
أَذَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِهِ وَهْوَ يَعْلَمُ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ)).
معنى (تسور حصن الطائف): صعد من أعلاه، مثل: ﴿إِذْ سَوَّرُواْ
اَلْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١].
قال البخاري: وَقَالَ هِشَامٌ: نَا مَعْمَرٌ، عَنْ عَاصِم، عَنْ أَبِي العَالِيَةِ
-أي: زياد بن فيروز- أَوْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: سمعت سَعْدًا وَأَبَا
بَكْرَةَ، عَنِ رسول الله وَهِ.
قَالَ عَاصِمٌ: قُلْتُ: لَقَدْ شَهِدَ عِنْدَكَ رَجُلَانِ حَسْبُكَ بِهِمَا. قَالَ:
أَجَلْ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَأَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْم فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَمَّا الآخَرُ:
فَنَزَلَ إِلَى النَّبِيِّ بَّهِ ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ مِّنَ الطَّائِفِ.
قلت: قد سُمي بعضهم، ذكر ابن سعد في (طبقاته)) أنه خرج إليه
منهم بضعة عشر رجلاً(١). قال السهيلي: منهم الأزرق -عبد الحارث
ابن كلدة المتطبب زوج سمية مولاة الحارث وأم زياد- والمنبعث
وكان أسمه المضطجع فبدل رسول الله وَ﴾ أسمه، ومنهم: يحنَّس
النبال ووردان جد الفرات بن زيد بن وردان، وإبراهيم بن جابر وجعل
رسول الله و ولاء هؤلاء العبيد لسادتهم حين أسلموا، ومنهم:
نافع بن مسروح، ونافع مولى غيلان(٢).
(١) ((الطبقات)) ١٥٩/٢.
(٢) ((الروض الأنف)) ٤/ ١٦٤.

٤٨٩
كِتَابُ المَغَازِي
=
وأما موسى بن عقبة فقال: لم يخرج أحد من الطائف غير أبي بكرة
فأعتقه، وتبعه الحاكم والبيهقي (١) وغيرهما، ويحمل على أنه خرج
وحده أولاً، وهو مبين كذلك في كتاب: الجهاد، ثم خرج بعده
جماعة، وعن الزهري: لم یخرج إليه ( ... )(٢) زياد.
فائدة: (أبو بكرة) أسمه نفيع بن الحارث، كناه رسول الله وعلى
بذلك؛ لأنه تدلى ببكرة من حصن الطائف وأخبره بذلك(٣).
الحديث الرابع:
حديث أَبِي مُوسَى ﴾ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ نَّهِ وَهْوَ نَازِلٌ بِالْجِعْرَانَةِ
بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَتَى النَّبِيَّ ◌َِّ أَعْرَابِيٍّ فَقَالَ: أَلَا تُنْجِزُ لِي
مَا وَعَدْتَنِي؟ فَقَالَ لَهُ: ((أَبْشِرْ)). فقال: قد أكثرت علي من أبشر الحديث.
أعترض الداودي، فقال: قوله: (بين مكة والمدينة) وهم، وإنما هو
بين مكة والطائف (٤).
الحديث الخامس :
حديث يعلى في الجبة، للمتضمخ بالطيب، سلف في: الحج(٥).
(١) ((دلائل النبوة)) ١٥٧/٥.
(٢) طمس بالأصل، ولعله: (غير أبي بكرة، أخي) كما ذكره ابن كثير عن الزهري في
((البداية والنهاية)) ٧٤٦/٤، وسماه: أبو بكرة بن مسروح أخو زياد بن أبي سفيان
لأمه.
(٣) أنظر ترجمته في: ((طبقات ابن سعد)) ١٩٠/٧، ((ثقات ابن حبان)) ٧٧/٥،
و(تهذيب الكمال)) ٥/١٧.
(٤) ونقله ابن حجر أيضًا في ((الفتح)) ٨/ ٤٦ عن القاضي عياض والفاكهي وغير واحد،
ثم قال: وكذا جزم النووي.اهـ.
قلت: وهو ما قاله الحموي في ((معجم البلدان)) ٢/ ١٤٢.
(٥) سلف برقم (١٥٣٦).

٤٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الحديث السادس :
حديث عبد الله بن زيد بن عاصم: لما أفاء الله على رسول الله وَله
يوم حنين قسم في الناس .. الحديث بطوله، والعالة: الفقراء، عال: إذا
افتقر، يعيل.
الحديث السابع :
حديث أنس مثله سلف أيضًا في أواخر الخمس(١).
وقوله: (فجمعهم في قبة من أدم) جمع: أديم، وهو الجلد الذي تم
دباغه .
قال السيرافي: لم يجمع فعيل على فعل إلا أديم وأدم، وأفيق
وأفق، وقضيم وقضم، والقضم: الصحيفة، والأفق: الجلد الذي تم
دباغه .
وقوله: (فقال: ((إن قريشًا حديث عهد بجاهلية)) ) كذا وقع.
والوجه: حديثو، كما نبه عليه الدمياطي بخطه(٢).
الحديث الثامن : -بعد ما سلف -:
حديث أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﴾ قَالَ: لَمَّا قَسَمَ النَّبِيُّ وَّ قِسْمَةَ
حُنَيْنِ، قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: مَا أَرَادَ بهذا وَجْهَ اللهِ. فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ
وَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ وقَالَ: ((رَحْمَةُ اللهِ عَلَى مُوسَى، لَقَدْ أُوذِيَ
بِأَكْثَرَ مِنْ هذا فَصَبَرَ)). ثم ذكر بعده حديث أبي وائل أيضًا عنه قال:
لما كان يوم حنين آثر النبي وم ناسًا، أعطى الأقرع مائة من الإبل،
وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى ناسًا، فقال رجل: ما أريد بهذِه
(١) سلف برقم (٣١٤٦).
(٢) قال الحافظ في ((الفتح)) ٥٤/٨: فيه نظر.

٤٩١
=ِ كِتَابُ المَغَازِي
القسمة وجه الله. فقلت: لأخبرنَّ رسول الله وَ لَه فقال: ((رحمة الله على
موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر)).
وقد سلف في الخمس(١).
قوله: (قال رجل من الأنصار): هو غريب، وأما التميمي الذي قال
له: أعدل. فهو ذو الخويصرة كما ذكره في الحديث، كما نبه عليه
السهيلي(٢) -وهو غير ذي الخويصرة اليماني الذي بال في المسجد،
وقال: اللهم أرحمني ومحمدًا(٣) - وقد سلف قريبًا في باب علامات
النبوة أيضًا(٤). ويذكر عن ابن سعد كاتب الواقدي: أنه حرقوص بن
زهير السعدي من سعد تميم، وكان لحرقوص هذا مشاهد كثيرة
محمودة في حرب العراق مع الفرس أيام عمر، ثم كان خارجيًّا،
ولقد قال رَّر فيه: ((إنه سيكون من ضئضئ هذا قوم تحتقرون صلاتكم
إلى صلاتهم)) وذكر صفة الخوارج(٥)، وليس ذو الخويصرة هذا هو
ذو الثدية الذي قتله علي بالنهروان، ذلك أسمه نافع ذكره أبو داود(٦)،
أي: مترجمًا له على من سماه حرقوصًا، والذي ذكره جماعة أنه
حرقوص، وروي أن قائل ذلك كان أسود يوم خيبر، وقد أخبر وليه-
أنه لا يدخل النار من شهد بدرًا والحديبية حاشا رجلاً معروفًا منهم،
قيل : هو حرقوص السعدي.
(١) سلف برقم (٣١٥٠).
(٢) ((الروض الأنف)) ١٦٨/٤.
(٣) سيأتي برقم (٦٠١٠) كتاب: الأدب، باب: رحمة الناس والبهائم.
(٤) سلف حديث ذي الخويصرة التميمي برقم (٣٦١٠).
(٥) سلف برقم (٣٣٤٤) وهو عند مسلم برقم (١٠٦٤).
(٦) ((سنن أبي داود)) (٤٧٦٩ - ٤٧٧٠).

٤٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فصل(١):
ينعطف على غزوة الطائف: لما خرج التقلي من حنين يريد الطائف،
وقدم خالد بن الوليد على مقدمته، وقد كانت ثقيف رموا حصنهم
وأدخلوا فيه ما يصلحهم لسنةٍ، فلما أنهزموا من أوطاس دخلوا
حصنهم وأغلقوا عليهم وتهيأوا للقتال. وسار رسول الله وَل فنزل
قريبا من حصنه وعسكر هناك، فرموا المسلمين بالنبل رميا شديدًا .
كأنه رجل جراد حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة، وقتل منهم
اثنا عشر رجلاً، فارتفع رسول الله وقّة إلى موضع مسجد الطائف
اليوم، وكان معه من نسائه أم سلمة وزينب، فضرب لهما قبتين،
وكان يصلي بين القبتين حصار الطائف كله، فحاصرهم ثمانية عشر
يومًا -كما سلف- ونصب عليهم المنجنيق، وهو أول ما رمى به في
الإسلام، فيما ذكر ابن هشام.
قال ابن إسحاق: حتى إذا كان يوم الشدخة عند جدار الطائف،
دخل نفر من أصحاب رسول الله ◌َلا تحت دبابة(٢) ثم زحفوا إلى
جدار الطائف؛ ليخرقوه فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة
بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف بالنبل، فقتلوا منهم رجالاً،
فأمر التقنية بقطع أعناب ثقيف فوقع الناس فيها يقطعون(٣).
(١) تنبيه: من هذا الفصل إلى بداية الباب الذي بعده: كُتب في الأصل بخط غير
واضح، وفيه كلمات كثيرة غير مقروءة، أثبتناها اعتمادًا على صورتها التقريبية،
ومصادر التخريج، كما سيأتي.
(٢) الدبابة: التي تُتُخذ للحروب وهي آلة من الجلد والخشب يدخل فيها الرجال،
ويقربونها من الحصن المحاصر لينقبوه وهم في جوفها، سميت بذلك لأنها تدفع
فتدب. ((لسان العرب)) مادة: (دبب) ١٣١٥/٣.
(٣) ((سيرة ابن هشام)) ١٢٨/٤.

٤٩٣
كِتَابُ المَغَازِي
=
قال ابن سعد: ثم سألوه أن يدعها لله وللرحم، فقال الشيئة: ((إني
أدعها لله وللرحم)).
ونادى مناديه: أيما عبد نزل من حصن وخرج إلينا فهو حر. فخرج منهم
بضعة عشر رجلاً - كما سلف- فأعتقهم رسول الله ودفع كل رجل منهم
إلى رجل من المسلمين يمونه (١)، فشق ذلك على أهل الطائف مشقة
شديدة فاستشار العليا نوفل بن معاوية الديلي، فقال: ((ما ترى؟)).
قال: ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك.
فأمر رسول الله وَلّ عمر بن الخطاب، فأذن في الناس بالرحيل فضج
من ذلك الناس فقالوا: نرحل ولم تفتح علينا الطائف؟ فقال العليها:
((فاغدوا غدًا على القتال)) فغدوا فأصابت المسلمين جراحات فقال
التَّة: ((إنا قافلون إن شاء الله)) فسروا بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرحلون
ورسول الله وَي يضحك. وقال لهم: ((قولوا: لا إله إلا الله وحده
صدق وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)) فلما ارتحلوا واستقلوا
قال: ((قولوا: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون)) وقيل: يارسول الله،
ادع الله على ثقيف. فقال: ((اللهم اهد ثقيفا وائت بهم))(٢).
فائدة: أستشهد بالطائف مع رسول الله وَّل سعيد بن سعيد بن
العاص، وعرفطة بن الحباب(٣)، وعبد الله بن أبي بكر الصديق، رمي
بسهم فمات منه بالمدينة بعد وفاة رسول الله وَلقه ، وخلق.
(١) مانه يمونه مونًا: إذا أحتمل مؤونته وقام بكفايته، فهو رجل ممون. ((اللسان)) مادة:
(مون).
(٢) ((الطبقات)) ١٥٨/٢ - ١٥٩.
(٣) سمَّاه ابن إسحاق في عَدِّه شهداء الطائف: عرفطة بن جنّابٍ. أنظر: ((سيرة ابن
هشام)) ٤/ ١٣١ - ١٣٢.

٤٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
فصل :
خرج رسول الله ﴿ من الطائف إلى الجعرانة، وبها قسم غنائم حنين.
قال ابن سعد: ثم بعث رسول الله (18 هلال المحرم سنة تسع
المصدقين يصدقون العرب، فبعث عيينة بن حصن إلى بني تميم،
وبريدة بن الحصيب إلى أسلم وغفار وغيرهما، وأمر بأخذ العفو منهم
وتوق كرائم أموالهم.
قال ابن إسحاق: بعث المهاجر بن أبي أمية إلى صنعاء، فخرج عليه
العنسي وهو بها، وفرق صدقات بني سعد على رجلين: الزبرقان بن بدر
على ناحية، وقيس بن عاصم على ناحية، والعلاء بن الحضرمي على
البحرين، وبعث عليًّا على نجران؛ ليجمع صدقاتهم ويقدم عليه
بجزیتهم .
ثم بعث عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم في خمسين فارسًا من
العرب ليس فيهم قرشي ولا أنصاري وكانوا فيما بين السُّقيا وأرض بني
تميم في المحرم سنة تسع فغنموا، ورد إليهم فأسلموا، وأهلَّ خواصهم.
فصل :
قال ابن سعد: وسرية قطبة بن عامر إلى خثعم في صفر سنة تسع في
عشرين رجلاً فغنمها، ثم سرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني
كلاب في ربيع الأول سنة تسع، وسلفت سرية علقمة بن مُجزِّز،
وكانت إلى الحبشة في شهر ربيع الآخر سنة تسع كما سلف، وسلفت
سرية عليّ أيضًا وكانت إلى القُلْس: صنم طيء؛ ليهدمه في التاريخ
المذكور فهدموه وغنموا، وفي السبي أخت عدي، وهرب عدي إلى
الشام - كما سلف هناك.

٤٩٥
= ڪِتَابُ المَغَازِي
فصل :
وكانت سرية عكاشة بن محصن إلى الجناب: أرض عذرة وكانت
في ربيع الآخر أيضًا سنة تسع(١).
فصل :
خبر كعب بن زهير مع رسول وقلّ وقصيدته المشهورة: بانت سعاد،
كان بين رجوعه من الطائف وغزوة تبوك وقد ساقها ابن إسحاق
بعدها(٢).
(١) ((الطبقات)) ١٦٠/٢ - ١٦٤.
(٢) ساق ابن إسحاق قصيدة كعب بعد غزوة الطائف، كما في ((سيرة ابن هشام)) ٤/
١٥٢ - ١٦٩.

٤٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٥٧- باب السَّرِيَّةِ التِي قِبَلَ نَجْدٍ
٤٣٣٨- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ
رضي الله عنهما قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ ◌َّلِ سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْدٍ، فَكُنْتُ فِيهَا، فَبَلَغَتْ سِهَامُنَا
اثْنَى عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِّلْنَا بَعِيرًا بَعِيرًا، فَرَجَعْنَا بِثَلَاثَةً عَشَرَ بَعِيرًا. [انظر: ٣١٣٤ - مسلم:
١٧٤٩ - فتح: ٥٦/٨]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما بَعَثَ النَّبِيُّ وَّهِ سَرِيَّةً قِبَلَ
نَجْدٍ، فَكُنْتُ فِيهَا، فَبَلَغَتْ سِهَامُنَا أَثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِّلْنَا بَعِيرًا بَعِيرًا،
فَرَجَعْنَا بِثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا .
هذا الحديث سلف في: الخمس وفي لفظ: أو أحد عشر بعيرًا(١).
وفي مسلم: ونفلوا بعيرًا بعيرًا، فلم يغيره رسول الله وَّر. وفي أبي داود:
فنفلنا أميرنا بعيرًا بعيرًا لكل واحد، فلما قدمنا لم يغير رسول الله وَليله
ما صنع (٢). وهذا هو المراد برواية: فنفلنا رسول الله وَل بعيرًا
بعيرًا(٣) أي: أقرنا على ما نفلنا أميرنا .
وهذِه السرية ذكر ابن سعد أنها كانت في شعبان سنة ثمان(٤)، وأن
الأمير: أبو قتادة، أرسله وَليل إلى خضرة: أرض محارب بنجد، ومعه
خمسة عشر رجلاً، فغنموا مائتي بعير وألفي شاةٍ وسبوا سبايا كثيرة
وكانت غيبتهم خمس عشرة ليلة، وجمعوا الغنائم وأخرجوا الخمس
فعزلوه وقسموا ما بقي على السرية(٥).
(١) هذا اللفظ هو الذي في رواية الخمس (٣١٣٤) التي أشار لمضِّيها المصنف.
(٣) رواه مسلم (١٧٤٩/ ٣٧).
(٢) أبو داود (٢٧٤٤).
(٤) ورد بهامش الأصل: وفي حاشية النسخة التي نقلت منها ما لفظه: وذكرها النووي
قبل مؤتة.
(٥) ((الطبقات)) ١٣٢/٢ - ١٣٣.

٤٩٧
ـ كِتَابُ المَغَازِي
قال ابن التين: وروي أنهم كانوا عشرة وأنهم غنموا مائة وخمسين
بعيرًا وأنه وَلِّ أخذ ثلاثين منها، قال: فلو كان النفل من خمس الخمس
لم يعمهم ذلك، وقد ذكرنا ذلك أيضًا هناك.

٤٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٥٨- باب بَعْثِ النّبيّ وَّ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ
إِلَى بَنِي جَذِيمَةً
٤٣٣٩ - حَدَّثَنِي ◌َحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ.
وَحَدَّثَنِي نُعَيْمٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالم، عَنْ أَبِيهِ
قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ◌َ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَلَمْ
يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا. فَجَعَلُوا يَقُولُونَ صَبَأْنَا صَبَأْنَا. فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ
وَيَأْسِرُ، وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّ أَسِيرَةُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمَّ أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ
مِنَّا أَسِيرَهُ؛ فَقُلْتُ: والله لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي، وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ. حَتَّى
قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ نَِّ فَذَكَزْنَاهُ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ ◌َِّ يَدَهُ فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ
مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ)). مَرَّتَيْنِ. [٧١٨٩ - فتح: ٥٦/٨]
ذكر فيه حديث سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ وَّهِ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ
إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ، فَدَعَاَهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا :
أَسْلَمْنَا. فَجَعَلُوا يَقُولُونَ صَبَأْنَا .. الحديثَ.
وقد سلف قبل بدء الخلق(١) واضحًا.
قال الداودي: لم ير التفي القود في ذلك؛ لأنه تأول ولم يذكر فيه دية
ولا كفارة؛ فإما أن يكون قبل نزول الآية أو شُبِّه على المحدث، أو سكت
عنه؛ لعلم السامع، وقال الخطابي: إنما نقم القَيّ على خالد في
استعجاله بشأنهم وترك التثبت في أمرهم إلى أن يستبرئ المراد من
قولهم: صبأنا؛ لأن الصبأ مقتضاه الخروج من دين إلى دين، يقال:
صبأ الرجل فهو صابئ إذا خرج من دين؛ ولذلك دعا المشركون نبينا
(١) سلف معلقًا بعد حديث (٣١٧٢) كتاب: الجزية، باب: إذا قالوا: صبأنا ولم
يحسنوا أسلمنا.

٤٩٩
= كِتَابُ المَغَازِي
وَلّ الصابئ، وإنما تأول خالد في قولهم فيما يرى أنه كان مأمورًا بقتالهم
إلى أن يسلموا، وقولهم: (صبأنا) يحتمل أن يكون معناه: خرجنا من
ديننا إلى دين آخر غير الإسلام، فلما لم يصرحوا بالدخول في
الإسلام نفذ خالد الأمر الأول في قتالهم إذ لم يجد شريطة حقن الدم
بصريح الأسم، ويحتمل أنه إنما لم يكف عنهم من قبل أنه ظن إنما
عدلوا عن اسم الإسلام إليه أنفة من الاستسلام والانقياد، فلم ير
ذلك القول إقرارًا بالدين .
وقد روي أن ثمامة بن أثال لما أسلم دخل مكة معتمرًا، فقال له كفار
قريش: أصبأت؟ فقال: لا، ولكن أسلمت. وهو مثل حديثه الآخر أنه
بعثه وَّةٍ إلى أناس من خثعم، فاعتصموا بالسجود فقتلهم فوداهم النبي
وَالر بنصف الدية(١)، وإنما كان عذر خالد في هذا؛ لأن السجود
لا تمحض دلالته على قبول الدين؛ لأن كثيرًا من الأمم يعظمون
رؤساءهم بالسجود ويظهرون لهم الخضوع بأن يخروا على وجوههم.
قال: وفيه دليل أن الكافر إذا لاذ بالصلاة لم يكن ذلك منه إسلامًا
حتى يصف الدين قولاً بلسانه(٢). وقيل: لما قتل الله مسيلمة وقتل
خالد بني جذيمة، قال له مالك بن نويرة وكان قد أسلم: ما قال
صاحبك في كذا -يعني: رسول الله وَلّ- فقال له خالد: وليس
(١) رواه الطبراني ١١٤/٤ (٣٨٣٦) عن قيس بن أبي حازم، عن خالد بن الوليد به،
وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٥٣/٥: رجاله ثقات.اهــ وكذا قال الألباني في
((الإرواء)) ٣١/٥. وبنحوه لكن فيه: أن رسول الله وَّل بعث سرية دون تعيين
خالد بن الوليد، ورواه أبو داود (٢٦٤٥)، والترمذي (١٦٠٤) كلاهما عن قيس بن
أبي حازم عن جرير بن عبد الله مرفوعًا.
انظر: ((الإرواء)) (١٢٠٧).
(٢) هنا أنتهى قول الخطابي من ((أعلام الحديث)) ١٧٦٥/٣ - ١٧٦٦.

٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
بصاحبك؟ فأمر به فقتل، فشكي ذلك منهم إلى أبي بكر، وأشار عليه
عمر أن يقيد من خالد، فسكت عنه، فلما أكثر عليه، قال له أبو بكر:
ليس ذلك عليه، هبه تأول فأخطأ .
وفيه دليل أن مفهوم الخطاب يجري مجرى الخطاب، وأن من تكلم
بكلام في معنى كلام الإیمان یرید به الإيمان کان مؤمنًا . قاله الداودي؛
لأنه العَيْه لم يرض بصنع خالد وإنما عذره في ذلك. وقد أسلفنا عن
الخطابي أن الكافر إذا لاذ بالصلاة لم يكن ذلك منه إسلامًا .
فصل :
أسلفنا هذِه السرية عند ابن سعد قبل حنين وأنها في شوال سنة
ثمان، قال: وكانوا بأسفل مكة على ليلة ناحية يلملم وهو يوم
الغميصاء بعد رجوع خالد من هدم العزى، أرسله بَّ داعيًا إلى
الإسلام لا مقاتلاً في ثلاثمائة وخمسين رجلاً من المهاجرين
والأنصار وبني سليم، فخرجوا إليهم وعليهم السلاح، وكانوا أسلموا
وبنوا المساجد وأذنوا وصلوا، فقال: ما هذا السلاح؟ قالوا: ظننا
أنكم عدو، فقال: ضعوا السلاح، فوضعوه، فاستأسرهم وقتل منهم،
فلما قتلهم أرسل التقنية عليًّا يودي لهم قتلاهم وما ذهب منهم(١).
وجذيمة هو ابن عامر بن مناة بن كنانة.
(١) ((الطبقات)) ١٤٧/٢ - ١٤٨.