Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
كِتَابُ المَغَازِي
وقوله: (حتى كأني أنظر إلى البيدر الذي عليه رسول الله ولو كأنها
لم تنقص تمرة واحدة)، هذا من بركة آثاره. وادعى الداودي أن هذا
ليس في أكثر الروايات.
الحديث الرابع :
حديث سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﴾: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَوْمَ أُحُدٍ،
وَمَعَهُ رَجُلَانِ يُقَاتِلَانِ عَنْهُ، عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، كَأَشَدِّ القِتَالِ،
مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ.
هما من الملائكة كما قاله ابن التين، وانفرد به، وفيه معنى كتاب
مسلم أنهما جبريل وميكائيل(١). وفي ((الجمع)) لأبي نعيم الحداد (٢)
(أشد) بحذف الكاف، ونقل الداودي أن ابن عوف هو الرائي الذي
رآهما، والذي في الكتاب أن سعد بن أبي وقاص هو الذي رآهما .
الحديث الخامس :
حديث هَاشِم بْنِ هَاشِم السَّعْدِيِّ، جده عتبة بن أبي وقاص، (نسب
هاشم لسعد بن أبي وقاص لأنه سيد أمر قبيلتهم)(٣) قال: سمعت
سعيد بن المسيب يقول: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: نثل لي
النبي ◌َّير كنانته يوم أحد وقال: ((ارم فداك أبي وأمي)).
معنى (نثل): نثر، يقال: نثلت كنانتي نثلاً إذا استخرجت ما فيها من
(١) رواه مسلم (٢٣٠٦ / ٤٦) كتاب: الفضائل، باب: في قتال جبريل وميكائيل ...
(٢) هو الإمام الحافظ أبو نعيم عبيد الله بن الحسن بن أحمد الأصبهاني الحداد، قال
الذهبي: فيه دين وتقوى وخشية، ومحاسنه جمة، جمع أطراف الصحيحين،
وانتشرت عنه، واستحسنها الفضلاء، مات سنة سبع عشرة وخمسمائة. أنظر ((سير
أعلام النبلاء)) ٤٨٦/١٩ (٢٨٣)، ((شذرات الذهب)) ٥٦/٤.
(٣) كلام غير واضح في الأصل، أقرب ما يشبهه ما أثبتناه والله أعلم.

١٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
نبل وكذلك إذا نفضت ما في الجراب ( ... )(١) وهو بنون، ثم مثلثة،
وضبطها بعضهم بمثناة أي: قدمها إليه تقول: استنتل فلان من الصف
إذا تقدم أصحابه، واستنتل للأمر: استعد له. والكنانة التركاش الذي
يجمع فيه النبل.
وقوله: ( ((فداك أبي وأمي))) هي كلمة تقولها العرب على الترغيب
أي: إن كان إلى الفداء سبيل فديتك بهما أجمعين، هما يكبران عندي،
وجمعه لأبويه سلف في باب مناقبه (٢)، وأنه جمعهما للزبير أيضًا(٣).
الحديث السادس :
ويجمع أحاديث سعد، عن يحيى بن سعيد قال: سمعت سعيد بن
المسيب يقول: سمعت سعدًا يقول: جَمَعَ لِي رسول الله ◌َّلَ أَبَوَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ.
هذا سلف في مناقبه، ثم ساقه أيضًا من هذا الوجه: جمع لي يوم
أحد أبويه كليهما يريد حين قال: ((فداك أبي وأمي)) وهو يقاتل.
قوله: (كليهما) كذا هو في البخاري وهو الصواب، وادعى ابن التين
أنه وقع فيه كلاهما وأن صوابه كليهما .
ثم ساق عن عَلِيٍّ ◌ُ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ جَمَعَ أَبَوَيْهِ لأَحَدٍ غَيْرَ سَعْدٍ.
ولا يرد حديث الزبير؛ لأنه نفى السماع فقط، ثم ساقه أيضًا عن
عَلِيٍّ ◌ُ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َ جَمَعَ أَبَوَيْهِ لأَحَدٍ إِلَّا لِسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ،
فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ أَحُدٍ ((يَا سَعْدُ، أَرْمِ، فِدَاكَ أَبِي وَأَمِّي)) .
(١) كلام غير واضح في الأصل، ولعله (من الزاد. وتناثل الناس إليه، أي: أنصبوا).
كما في ((الصحاح)) ١٨٢٥/٥ مادة (نثل).
(٢) سلف برقم (٣٧٢٥) كتاب: فضائل الصحابة.
(٣) سلف برقم (٣٧٢٠) كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب الزبير بن العوام ظ

١٦٣
كِتَابُ المَغَازِي
=
وشيخ البخاري (يسرة بن صفوان) وهو بالمثناة تحت أوله وجده
جميل لخمي دمشقي ثقة ثبت مات سنة ست عشرة ومائتين وهو من
أفراده وابنه صفوان روى عن إسماعيل بن عياش وزاد الترمذي في
هذا ((ارم أيها الغلام الحزور(١))) (٢) قال الزهري: رمى سعد يومئذ
ألف سهم. وفي ((شرف المصطفى)): فما من سهم رمى به إلا قال
الَّا: ((هيا سعد فداك أبي وأمي)). قلت: وكان سعد حينئذ يرمي،
وقال له التَّا ((ارم رمى الله لك))، ووقع في ((الجمع بين الصحيحين))
لأبي نعيم الحداد أنه وُّل جمع له أبويه يوم الخندق، كذا قال.
العاشر :
حديث مُعْتَمِرٍ، عَنْ أَبِهِ قَالَ: زَعَمَ أَبُو عُثْمَانَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ وَه
فِي بَعْضِ تِلْكَ الأَيَّامِ التِي يُقَاتِلُ فِيهِنَّ غَيْرُ طَلْحَةَ وَسَعْدٍ عَنْ حَدِيثِهِمَا .
وهذا قد أسلفته وأنه لما ولَّى المسلمون يوم أحد تحيز الكئي إلى
الجبل فلف طلحة فصحبه، وذكر أنه كان معهما اثنا عشر رجلاً من
الأنصار فلحقهم المشركون فاستأذن طلحة رسول الله ◌َ في قتالهم
فلم يأذن له، فاستأذن طلحة فلم يأذن له، واستأذنه أنصاري فأذن،
ومضى العليّ بمن معه فلبثوا ساعة ثم جدوا في الطلب فلحقوهم
فاستأذنه أنصاري فأذن ومضى ول بمن معه فلبثوا معه ساعة، ثم
جدوا في الطلب فلحقوهم، فاستأذن طلحة فلم يأذن له، واستأذنه
أنصاري فأذن له، فلم يزل كذلك حتى قتل الاثنا عشر ولحق العليا
بالجبل ومعه طلحة. ذكره كذلك ابن التين.
(١) ورد في هامش الأصل: الحزور: الذي قارب البلوغ.
(٢) رواه الترمذي (٢٨٢٩)، (٣٧٥٣) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وقال الألباني
في ((ضعيف الترمذي)) (٥٣٥): منكر بذكر ((الغلام الحزور)).

١٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الحديث الحادي عشر :
حديث السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: صَحِبْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ،
وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ، وَالْمِقْدَادَ، وَسَعْدًا فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ يُحَدِّثُ
عَنِ النَبِّ وَِّ، إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ طَلْحَةَ يُحَدِّثُ عَنْ يَوْم أُحُدٍ.
سببه أن القوم فيهم من يكفي الناس بما عنده، وخشي هؤلاء السهو
فحذروا أن يقعوا في قوله: ((من كذب علي فليتبوَّأ معقده من النار))(١).
وقوله: (إني سمعت طلحة يحدث عن يوم أحد) فيه ذكر المرء لعمله
الصالح ليؤدي ما علم مما لم يعلم غيره؛ لأنه انفرد مع رسول الله وَله
حينئذ.
الحديث الثاني عشر:
حديث إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: رَأَيْتُ يَدَ طَلْحَةَ شَلَّاءَ، وَقَى بِهَا
النَّبِيَّ ◌َّهِ يَوْمَ أُحُدٍ .
الشلاء: اليابسة. رجل أشل من شلت يده، تشل بالفتح شللًا،
وأشلها الله، وفي رواية أخرى: قطعت أصبعه، فقال: حس. فقال
وَالر: ((لو ذكرت الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك))(٢)
والحديث سلف أنه بقي معه سعد أيضًا فلعله لحق بهما ويحتمل أن
يكون قتال طلحة قبل تحيزه إلى الجبل.
الحديث الثالث عشر:
حديث أَنَسِ عَهُ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ أَنْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ رَسُولِ اللهِوََّ
(١) سبق برقم (١٠٧) كتاب: العلم، باب: إثم من كذب على النبي ◌ُّ من حديث
عبد الله بن الزبير.
(٢) رواه الطبراني في ((الأوسط)) ٣٠٤/٨ (٨٧٠٤)، ومن طريقه أبو نعيم في ((معرفة
الصحابة)) ٩٦/١ (٣٧١) من طريق أبي الزبير، عن جابر. مرفوعًا.

١٦٥
= كِتَابُ المَغَازِي
وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَي رَسُولِ اللهِ وَّهُ مُجَوِّبٌ عَلَيْهِ بِحَجَفَةٍ لَهُ، وَكَانَ
أَبُو طَلْحَةَ رَجُلاً رَامِيًّا شَدِيدَ النَّزْعِ، كَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ..
الحديث .
معنى (مجوب عليه بحجفة) ستره بها؛ لأن الجوب: الترس، وقد
جاء مفسرًا: تترس مع رسول الله {قَل بترس واحد.
و(الحجفة): الترس الصغير من الجلود ليس فيه خشب ولا عقب،
وهي الدرقة، والجمع حجف، وقال الداودي: مجوب عليه. أي:
ينحني عليه بها. قال: والنزع: شدة الرمي؛ لأنه كان شديد النزع،
والجعبة -واحدة الجعاب- النشاب، وهي الكنانة التي تجعل فيها
السهام، والنبل السهام العربية، وهي مؤنثة، وقال ابن دريد: أصل
[الجعب] (١) الجمع يقال جَعَبْتُ الشيء جَعْبًا، قال: وإنما يكون ذلك
في الشيء اليسير(٢). وسلف بقية الحديث في الجهاد في باب غزو
النساء .
ومعنى (تنقزان) سلف. وقال غيره: تنقلان، وقال الداودي: هو
مثل تنقلان والذي ذكر أهل اللغة أن النقز الوثب فلعلهما (كانتا)(٣)
تنهضان بالحمل وتنقزان وأنكره الخطابي، وإنما هو توقران أي:
تحملان(٤).
(١) في الأصل (الجعبة)، والمثبت من ((الجمهرة)).
(٢) ((جمهرة اللغة)) ٢٦٨/١ .
(٣) في الأصل: (كان) والمثبت هو الموافق للسياق.
(٤) قال الخطابي في ((أعلام الحديث)) ٢/ ١٣٨٥: قوله (تنقزان) معنى النقز: الوثب،
وأحسبه تزفران، والزَّفر: حمل القرب الثقال.

١٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
والأفواه جمع فِيّ، كما قال الداودي، والفم لا جمع له من لفظه،
والذي ذكر أهل اللغة أن أصل الفم فوه فأبدل من الواو ميمًا والجمع يرد
الشيء إلى أصله، كما أن ماء أصله موه، ولذلك قالوا في جمعه أمواه.
وقوله: (وقع السيف من يد أبي طلحة) أي: لأجل النعاس الذي
ألقى الله عليهم أمنة منه.
الحديث الرابع عشر:
حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها: لَمَّا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ هُزِمَ المُشْرِكُونَ،
فَصَرَخَ: أَيْ عِبَادَ اللهِ، أُخْرَاكُمْ. فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ، فَاجْتَلَدَتْ هِيَ
وَأُخْرَاهُمْ، فَبَصُرَ حُذَيْفَةُ فَإِذَا هُوَ بِأَبِهِ الْيَمَانِي فَقَالَ: أَيْ عِبَادَ اللهِ، أَبِي
أَبِي. فَقَالَ: فَوَاللَّهِ مَا أَحْتَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: يَغْفِرُ اللهُ
لَكُمْ. قَالَ عُرْوَةُ: فَوَاللَّهِ مَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ بَقِيَّةُ خَيْرِ حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ.
معنى (بَصُرَ): عَلِمَ، مِنَ البَصِيرَةِ فِي الأَمُورِ، وَأَبْصَرْتُ مِنْ بَصَرِ
العَيْنِ، وَيُقَالُ بَصُرْتُ وَأَبْصَرْتُ وَاحِدٌ.
وسبب قتل اليماني: ما رواه ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن
قتادة، عن محمود بن لبيد قال: فلما خرج رسول الله ويلهم إلى أحد
رُفِعَ حُسَيل بن جابر - وهو اليماني أبو حذيفة بن اليماني - وثابت بن
وقش في الآطام مع النساء والصبيان فقال أحدهما: لصاحبه، وهما
- شيخان كبيران: لا أبا لك ما تنتظر؟ فوالله إن بقي لواحد منا من
عمره إلا ظِمُْ حمار(١)، إنما نحن هامة اليوم أو غد، أفلا نأخذ
أسيافنا ثم نلحق برسول الله وقّ﴾ لعل الله يزرقنا شهادة مع رسول الله
وَلّ فأخذا أسيافهما، ثم خرجا حتى دخلا في الناس ولم يُعلم بهما،
(١) أي: لم يبق منه إلا اليسير. أنظر: ((الصحاح)) ١/ ٦١، مادة: ظمأ.

١٦٧
كِتَابُ المَغَازِي
=
فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون، وأما اليماني فاختلفت عليه أسياف
المسلمين فقتلوه ولا يعرفونه، فقال حذيفة: أبي والله. قالوا: والله إن
عرفناه، وصدقوا، فقال حذيفة: يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين.
فأراد رسول الله وَ لجلال أن يديه فتصدق حذيفة بديته على المسلمين،
فزاده عند رسول الله وَ له خيرًا (١).
وقوله: (فصرخ إبليس: أخراكم (٢)) يخبرهم أن أخراهم صافوا
العدو، وأنهم يخشى عليهم فرجعوا فتطاعنوا، وكل فرقة تحسب
الأخرى عدوها، ولم يذكر في الحديث أنه ◌َ ل ◌ّ أراد أن يديه فتصدق
بها حذيفة على المسلمين.
(١) (سيرة النبي ◌َّ)) لابن هشام ٣٦/٣ - ٣٧.
(٢) في الأصل: (أخراهم) والمثبت من ((صحيح البخاري)).

١٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١٩ - باب قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْ مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَىَ الْجَمْعَانِ﴾
إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورُ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥]
٤٠٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ
حَجَّ البَيْتَ، فَرَأىُ قَوْمًا جُلُوسًا، فَقَالَ: مَنْ هؤلاء القُعُودُ؟ قَالُوا: هؤلاء قُرَيْشٌ. قَالَ:
مَنِ الشَّيْخُ؟ قَالُوا: ابن عُمَرَ. فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِّ سَائِلُكَ عَنْ شَىءٍ؟ أَّحَدِّثُنِي؟ قَالَ: أَنْشُدُكَ
بِحُزْمَةِ هذا البَيْتِ، أَتَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّنَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَتَعْلَمُهُ
تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَتَعْلَمُ أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَةِ الرُّضْوَانِ فَلَمْ
يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَبَِّ. قَالَ ابن عُمَرَ: تَعَالَ لِأُخْبِرَكَ وَلأْبَيِّنَ لَكَ عَمَّا سَأَلْتَنِي
عَنْهُ، أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَشْهَدُ أَنَّ اللهَ عَفَا عَنْهُ، وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَ تَحْتَهُ بِنْتُ
رَسُولِ اللهِ ◌ِ ﴿ وَكَانَتْ مَرِيضَةً، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ
بَدْرًا وَسَهْمَهُ)). وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الزُّضْوَانِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ
عُثْمَانَ بْنِ عَقَّنَ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ، فَبَعَثَ عُثْمَانَ، وَكَانَ بَيْعَةُ الرُّضْوَانِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ عُثْمَانُ
إِلَى مَّةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: ((هذِهِ يَدُ عُثْمَانَ)). فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ فَقَالَ:
((هذِه لِعُثْمَانَ)). اذْهَبْ بهذا الآنَ مَعَكَ. [انظر: ٣١٣٠ - فتح: ٣٦٣/٧]
معنى ﴿أَسْتَزَلَّهُمُ﴾: أستدعى أن يزلوا، كما يقال: استعجلته أي:
استدعيت أن يعجل.
صِے
وقوله: ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ روي أن الشيطان ذكرهم خطاياهم
قيل: هو القتل قبل التوبة، ولم يكرهوا القتل معاندة ولا نفاقا، فعفاه
الله عنهم، ویوم الجمعان يوم أحد.
وقوله: ﴿يَوْمَ اٌلْفُرْقَانِ يَوْمَ اٌلْنَقَى اُلْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] هو يوم
بدر .

١٦٩
- كِتَابُ المَغَازِي
ثم ساق البخاري حديث أبي حمزة -بالحاء المهملة والزاي وهو
محمد بن ميمون المروزي السكري لحلاوة كلامه، أو لحمله له في
كمه- عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ ابن عُمَرَ فِي فِرَارٍ عُثْمَانَ مَلُه
يَوْمَ أُحُدٍ، وتَغَيُّبِهِ عَنْ بَدْرٍ، والجواب عن ذلك، وكذا عن غيبته عَنْ
بَيْعَةِ الرضوان.
وقد سلف في ترجمة عثمان بطوله(١) قال الداودي: قوله: (تغيب
عن بدر) خطأ، إنما يقال: تغيب لمن تعمد التخلف وأما من تخلف
لعذر فلا يقال: تغيب. وفيه نظر فلا مانع من أن يقال: تغيب لعذر،
وإنما يمنع أن يقال تغيب لمن غاب ساهيًا .
(١) سلف برقم (٣٦٩٩) كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب عثمان بن عفان

١٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٢٠ - باب
﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيَّ أُخْرَكُمْ﴾
الآية [آل عمران: ١٥٣]
﴿تُصْعِدُونَ﴾: تَذْهَبُونَ، أَصْعَدَ وَصَعِدَ فَوْقَ البَيْتِ.
٤٠٦٧ - حَذَّثَنِي عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ
البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ نََّ عَلَى الرَّجَالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ عَبْدَ
اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ، وَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ، فَذَاكَ إِذْ يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ فِي أَخْرَاهُمْ. [انظر: ٣٠٣٩ -
فتح: ٣٦٤/٧]
ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ: جَعَلَ رَسُولُ
الله ◌َّ عَلَى الرَّجَالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ عَبْدَ اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ، وَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ، فَذَاكَ
إِذْ يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ فِي أَخْرَاهُمْ.
الشرح :
ذكر المفسرون أن معنى أصعد: أبتدأ المسير، ومعنى (﴿تُصْعِدُونَ﴾)
بالفتح الرقي، من صعد الجبل إذا رقيه، ومعنى ﴿تَلْوُونَ﴾: تعرجون.
و﴿أُخْرَكُمْ﴾ قال أبو عبيد: آخركم (١).
وقوله: ﴿فَأَثَبَكُمْ غَمَّا بِغَمِّ﴾ قال مجاهد: الغم الأول القتل
والجراح، والثاني أنه صاح صائح: قتل محمد فأنساهم الغم الآخرُ
الأول (٢)، فالمعنى إذًا: فأثابكم غما بعد غم، وقيل: إنهم غموا
(١) نقل النحاس في ((معاني القرآن)) ٤٩٦/١ هذا التفسير عن أبي عبيدة. وهو في
((مجاز القرآن)) ١٠٥/١.
(٢) رواه الطبري ٤٧٩/٣ (٨٠٦١) عن قتادة، وروى نحوه (٨٠٥٩)، (٨٠٦٠) عن
مجاهد، وانظر (معانى القرآن)) للنحاس ٤٩٦/١.

١٧١
كِتَابُ المَغَازِي
=
رسول الله ﴿ بمخالفتهم إياه، وأثابهم بذلك الغم غمهم به، ومعنى
أثابهم: أنزل بهم ما يقوم مقام الثواب كقوله ﴿فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
[التوبة: ٣٤] أي: الذي يقوم مقام البشارة عذاب أليم.
ومعنى ﴿لَّكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ أنهم طلبوا الغنيمة،
وذكر في الباب بعده قوله ﴿أَمَنَةً تُّعَاسًا﴾ الآية، وأمنة وأمن واحد اسم
المصدر فقال: وقعت الأمنة في الأرض، وكذا قال ابن قتيبة: هي
الأمن. وغيره فرق فقال: الأمنة تكون مع بقاء أسباب الخوف،
والأمن زوال أسباب الخوف. ومعنى الآية: أعقبكم مما نالكم من
الرعب أمنًا تنامون معه؛ لأن الشديد الخوف لا يكاد ينام وقرئ (أمْنَة)
كأنها المرة من الأمن. وفي امتنانه بالنعاس لأمنهم بعد خوفهم حتى
ناموا فاستراحوا وقدروا بعد النعاس على القتال. قال ابن مسعود:
النعاس في [القتال](١) أمنة، وهو في الصلاة من الشيطان(٢).
وقوله: ﴿ُّعَاسًا﴾ هو بدل من ﴿أَمَنَةً﴾ أو مفعول من أجله.
ومعنى ﴿يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنْكُمْ﴾ يعني المؤمنين ﴿ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ
أَنْفُسُهُمْ﴾ يعني المنافقين، ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ أي: يظنون أن أمر
النبيِ وَ﴿ أَضمحل، ﴿ظَنَّ الْجَهِلِيَّةِ﴾ أي: هم في ظنهم بمنزلة الجاهلية.
وقوله ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ أي: لصاروا على برازٍ من
الأرض.
وحديث البراء يأتي في التفسير بزيادة (٣)، ورواه هنا وهناك عن
(١) في الأصل: الصلاة، والصواب ما أثبتناه.
(٢) رواه عبد الرزاق ٤٩٩/٢ (٤٢١٩)، والطبري ٤٨٤/٣ (٨٠٨٢)، والطبراني ٩/
٢٨٨ (٩٤٥٢).
(٣) سيأتي برقم (٤٥٦١) باب: قوله تعالى ﴿ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيَ أُخْرَانِكُمْ﴾

١٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
عمرو بن خالد بن فروخ بن سعيد بن عبد الرحمن بن واقد بن ليث بن
واقد بن عبد الله أبو الحسن التميمي الحنظلي الجزري الحراني، نزيل
مصر ثبت ثقة من أفراد البخاري مات سنة سبع وعشرين ومائتين.

١٧٣
كِتَابُ المَغَازِي
- باب ﴿ثُمَّ أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًاً
إلى قوله: ﴿وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]
٤٠٦٨ - وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَنِعِ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ
أَنَسٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ رضي الله عنهما قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ تَغَشَّاهُ النُّعَاسُ يَوْمَ أُحُدٍ،
حَتَّى سَقَطَ سَيْفِي مِنْ يَدِي مِرَارًا، يَسْقُطُ وَآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ فَآَخُذُهُ. [٤٥٦٢ - فتح: ٧ /
٣٦٥]
(١)
وقد سلف شرحها
وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ،
عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ﴾ قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ تَغُّشَّاهُ النُّعَاسُ يَوْمَ أُحُدٍ، حَتَّى سَقَطَ
سَيْفِي مِنْ يَدِي مِرَارًا، يَسْقُطُ وَآَخُذُهُ، وَيَسْقُطُ وآخُذُهُ.
وقد سلف قريبا في ﴿إِذْ هَمَّت طَائِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ من طريق
آخر عن أنس مصرحًا بالسماع، وهذا مذاكرة.
(١) في هامش الأصل: الجادة: تفسيرها.

١٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٢١ - باب
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ
[آل عمران: ١٢٨]
فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ
قَالَ حُمَيْدٌ وَثَابِتٌ: عَنْ أَنَسِ ﴾: شُجَّ النَّبِيُّ ◌َهِ يَوْمَ أُحُدٍ،
فَقَالَ: ((كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ)). فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ
مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ [آل عمران: ١٢٨].
٤٠٦٩ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ السُّلَمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سَالَمٌ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِوَ لَهَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الزَّكُوعِ مِنَ
الزَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنَ الفَجْرِ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ العَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا)). بَعْدَ مَا يَقُولُ:
((سَمِعَ اللهُ لَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ)). فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ اُلْأَمْرِ شَىْءُ﴾ إِلَى
قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. [٤٠٧٠، ٤٥٥٩، ٧٣٤٦ - فتح: ٣٦٥/٧]
٤٠٧٠ - وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ: سَمِعْتُ سَالمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ
اللهِ بََّ يَدْعُو عَلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرِوَ، وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَزَلَتْ:
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. [انظر:
٤٠٦٩ - فتح: ٣٦٥/٧]
أما تعليق حميد فأخرجه الترمذي مسندًا عنه أنه القَّ كسرت رباعيته
وشج وجهه. الحديث ثم قال: حسن صحيح (١). وأخرجه عنه من
حديث عَبيدة بن حميد، عن حميد به(٢) .
(١) الترمذي (٣٠٠٢ -٣٠٠٣).
(٢) هكذا في الأصل، وإنما أخرجه الترمذي عن عبد بن حميد، عن يزيد بن هارون،
عن حميد، به. ومن طرق أخرى، وليس فيها ذكره عبيدة بن حميد.

١٧٥
كِتَابُ المَغَازِي
=
وأما تعليق ثابت فأخرجه مسلم من حديث حماد بن سلمة عنه به (١).
ثم ساق البخاري حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه أنه سمع
رسول الله العلي إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر
يقول: ((اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا)) بعدما يقول: ((سمع الله لمن
حمده، ربنا ولك الحمد)) فأنزل الله تعالى ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾
الآية.
وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ: كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَّ﴿ يَدْعُو عَلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو،
وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَام، فَتَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ الآية.
حديث ابن عمر ذكره في التفسير مع حديث أبي هريرة مثله، وروى
المحاملي الحسين بن إسماعيل القاضي عن أبي الأشعث، ثنا خالد بن
الحارث، ثنا محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما
أن النبي وَّ كان يدعو على أربعة نفر فأنزل الله وَكَ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ
شَىْءُ﴾ الآية. قال: ثم هداهم الله للإسلام.
وحاصل ما ذكره البخاري في سبب النزول روايتان وقيل: استأذن
في أن يدعو باستئصالهم فنزلت، فعلم أن فيهم من سيسلم، وأكد
ذلك بالآية التي بعدها، فمن قال هو معطوف بـ(أو) على قوله ﴿لِيَقْطَعَ
طَرَفًا﴾ فالمعنى عنده: ليقتل طائفة أو يخزيهم بالهزيمة أو يتوب
عليهم أو يعذبهم، وقيل: (أو) هنا بمعنى حتى.
وقوله: (بعدما يقول: ((سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد))) هذا
إحدى الروايات الثابتة فيه بالواو.
(١) مسلم (١٧٩١) كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة أحد.

١٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فائدة :
روى البخاري هذا الحديث عن (يحيى بن عبد الله) وجده زياد بن
شداد أبو سهل السلمي، سكن مرو، ويعرف بخاقان، أخو جمعة
وزنجويه أنفرد به البخاري وهو ثقة، ولم أر له وفاة.
و(حنظلة) روى له مسلم وأبو عوانة، ثبت، مات سنة إحدى
وخمسين ومائة .

١٧٧
كِتَابُ المَغَازِي
٢٢ - باب ذِكْرٍ أُمِّ سَلِيطٍ
٤٠٧١ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، وَقَالَ
ثَغْلَبَةُ بْنُ أَبِي مَالِكِ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الَخَطَّابِ عَُّ قَسَمَ مُرُوطًا بَيْنَ نِسَاءٍ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ
المَدِينَةِ، فَبَقِيَ مِنْهَا مِزْطٌ جَيِّدٌ، فَقَالَ لَهُ بَغْضُ مَنْ عِنْدَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَعْطِ هذا
بِثْتَ رَسُولِ اللهِ وَ ◌َّ التِي عِنْدَكَ. يُرِيدُونَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ. فَقَالَ عُمَرُ: أُمُّ سَلِيٍ
أَحَقُّ بِهِ. وَأُّ سَلِيطٍ مِنْ نِسَاءِ الأَنَّصَارِ مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ وَهِ. قَالَ عُمَرُ: فَإِنَّهَا كَانَتْ
تُزْفِرُ لَنَا القِرَبَ يَوْمَ أُحُدٍ. [انظر: ٢٨٨١ - فتح: ٣٦٦/٧]
ذكر فيه حديث عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﴾ أَنَّهُ فَسَمَ مُرُوطًا، فَأَعْطَى مِرْطاً
جَيِّداً لَهَا دُونَ زَوْجَتِهِ أُمِّ كُلْتُومٍ بِنْتِ عَلِيٍّ. وَقَالَ: إِنَّهَا أَحَقُّ بِهِ. وَأُمُّ سَلِيطِ
مِنْ نِسَاءِ الأَنْصَارِ .. الحديث.
وقد سلف في الجهاد في باب حمل النساء القرب، وفيه أن الفاروق
كان يحرم من يقرب منه، ولذلك قال: أتعب عمر من بعده. وكان يبعث
إلى بنته حفصة آخر ما يبعث إلى أزواج رسول الله وَلّ، وسلف هناك
الكلام على (تزفر) فقال: زفر الحمل يزفر زفرًا أي حمله، وازدفر
أيضًا والزفر بالكسر الحمل والجمع أزفار، وذكره في ((المنتهى))
وغيره، قال عياض: تزفر بحملها ملأى على ظهرها تسقي الناس
منها، والزفر الحمل على الظهر. والزفر: القربة أيضًا. قال: كلاهما
بفتح الزاي وسكون الفاء، وقال: منه زفر وأزفر. وجاء تفسيره في
البخاري (تزفر)(١) تخيط (٢)، وهو غير معروف في اللغة.
(١) في الأصل: (تفسر) والمثبت هو الملائم للسياق.
(٢) سلف برقم (٢٨٨١).

١٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٢٣ - باب قَتْلُ حَمْزَةَ
٤٠٧٢ - حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ اُثَنَّى، حَدَّثَنَا
عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الفَضْلِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارِ،
عَنْ جَغْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الخِيَارِ،
فَلَمَّا قَدِمْنَا حِمْصَ قَالَ لِي عُبَيْدُ اللهِ: هَلْ لَكَ فِي وَحْشِيِّ نَسْأَلُهُ عَنْ قَتْلِ حَمْزَةَ؟ قُلْتُ:
نَعَمْ. وَكَانَ وَحْشِيٍّ يَسْكُنُ حِمْصَ. فَسَأَلْنَا عَنْهُ، فَقِيلَ لَنَا: هُوَ ذَاكَ فِي ظِلِّ قَصْرِهِ. كَأَنَّهُ
حَمِيثٌ. قَالَ: فَجِتْنَا حَتَّى وَقَفْنَا عَلَيْهِ بِيَسِيٍ، فَسَلَّمْنَا، فَرَذَّ السَّلَامَ. قَالَ: وَعُبَيْدُ اللهِ
مُعْتَجِرٌ بِعِمَامَتِهِ، مَا يَرى وَحْشِيٍّ إِلَّ عَيْنَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: يَا وَحْشِيُّ،
أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: لَا والله، إِلَّ أَنِي أَعْلَمُ أَنَّ عَدِيَّ بْنَ الخِيَارِ تَزَوَّجَ أَمْرَأَةً
يُقَالُ لَهَا أُّ قِتَالٍ بِنْتُ أَبِيِ العِيصِ، فَوَلَدَتْ لَهُ غُلَامَا بِمَكَّةَ، فَكُنْتُ أَسْتَرْضِعُ لَهُ،
فَحَمَلْتُ ذَلِكَ الغُلَامَ مَعَ أُمِّهِ، فَنَاوَلْتُهَا إِيَّاهُ، فَلَكَأَنَّ نَظَرْتُ إِلَى قَدَمَيْكَ. قَالَ: فَكَشَفَ
عُبَيْدُ اللهِ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَا تُخْبِرُنَا بِقَتْلِ حَمْزَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ ◌َمْزَةَ قَتَلَ
طُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ بِبَدْرٍ، فَقَالَ لِي مَوْلاىُ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِم: إِنْ قَتَلْتَ حَمْزَةَ
بِعَمِّي فَأَنْتَ حُرٍّ. قَالَ: فَلَمَّا أَنْ خَرَجَ النَّاسُ عَامَ عَيْنَيْنِ - وَعَيْنَيْنِ جَبَلٌ بِحِيَالٍ أُحُدٍ،
بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَادٍ - خَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ إِلَى القِتَالِ، فَلَمَّا أَصْطَقُّوا لِلْقِتَالِ خَرَجَ سِبَاعٌ
فَقَالَ: هَلْ مِنْ مُبَارِزِ؟ قَالَ: فَخَرَجَ إِلَيْهِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ: يَا سِبَاعُ يَا ابن أُمّ
أَنْمَارٍ مُقَطِّعَةِ البُظُورِ، أَّحَادُّ اللهَ وَرَسُولَهُ بََّ. قَالَ: ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهِ فَكَانَ كَأَمْسِ الذَّاهِبِ.
قَالَ: وَكَمَنْتُ لَحِمْزَةَ تَحْتَ صَخْرَةٍ، فَلَمَّا دَنَا مِنِّي رَمَيْتُهُ بِحَرْبَتِي، فَأَضَعُهَا فِي ثُنَّتِهِ
حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنٍ وَرِكَيْهِ. قَالَ: فَكَانَ ذَاكَ العَهْدَ بِهِ، فَلَمَّا رَجَعَ النَّاسُ رَجَعْتُ
مَعَهُمْ فَأَقَمْتُ بِمَكَّةَ، حَتَّى فَشَا فِيهَا الإِسْلَامُ، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى الطَّائِفِ، فَأَزْسَلُوا إِلَى
رَسُولِ اللهِ بَ﴿ رَسُولاً، فَقِيلَ لِي: إِنَّهُ لَا يَهِيجُ الرُّسُلَ. قَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَهُمْ حَتَّى
قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَلَّهِ، فَلَمَّا رَآنٍِ قَالَ: ((أَنْتَ وَحْشِيٍّ؟)). قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ:
((أَنْتَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ)). قُلْتُ: قَدْ كَانَ مِنَ الأَمْرِ مَا بَلَغَكَ. قَالَ: ((فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ

١٧٩
= كِتَابُ المَغَازِي
تُغَيِّبَ وَجْهَكَ عَنِّي؟)). قَالَ: فَخَرَجْتُ، فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ وَ لَ فَخَرَجَ مُسَيْلِمَةُ
الكَذَّبُ قُلْتُ: لِأَخْرُجَنَّ إِلَى مُسَيِلِمَةَ لَعَلِّي أَقْتُلُهُ فَأُكَافِئَ بِهِ حَمْزَةَ. قَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَ
النَّاسِ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ. قَالَ: فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي ثَلْمَةِ جِدَارٍ، كَأَنَّهُ جَمَلٌ أَوْرَقُ
ثَائِرُ الرَّأْسِ. قَالَ: فَرَمَيْتُهُ بِحَرْبَتِي، فَأَضَعُهَا بَيْنَ ثَلْيَيْهِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ.
قَالَ: وَوَثَبَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الأَنَّصَارِ، فَضَرَبَّهُ بِالسَّيْفِ عَلَى هَامَتِهِ. قَالَ: قَالَ عَبْدُ
اللهِ بْنُ الفَضْلِ: فَأَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: فَقَالَتْ
جَارِيَّةٌ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ وَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَتَلَهُ العَبْدُ الأَسْوَدُ. [فتح: ٣٦٧/٧]
ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ الفَضْلِ - وهو كما نسبه ابن إسحاق، وهو
ابن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث -يعني: ابن عبد
المطلب، وأسقط بعضهم عبد الرحمن - عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ
جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ
عَدِيِّ بْنِ الخِيَارِ، فَلَمَّا قَدِمْنَا حِمْصَ قَالَ لِي عُبَيْدُ اللهِ: هَلْ لَكَ فِي
وَحْشِيٍّ نَسْأَلُهُ عَنْ قَتْلِ حَمْزَةَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فذكره بطوله وهو من
أفراده، بل لم يخرج مسلم في ((صحيحه)) عن وحشي شيئًا، و(عبيد الله)
هُذا ولد في حياة رسول الله وَّر ومات في خلافة الوليد بن عبد الملك،
وله دار بالمدينة عند دار علي بن أبي طالب ، يروي عن عثمان بن
عفان وله حديث في ((الموطأ)) في كتاب الصلاة (١) وأرسل عنه.
و(حمص) غير مصروف بلد معروف، دخلتها، ويجوز صرفها،
وعلله ابن التين بقلة حروفها وسكون وسطها، مثل عاد، وهود،
ونوح، ودعد.
وقوله عن وحشي أنه (هو ذاك في ظل قصره كأنه حميت): هو بفتح
(١) ((الموطأ)) ص١٢٤ (٨٧).

١٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الحاء(١)، وهو الزق كالقلة والجمع: الحمت، وهو النِّحْي أيضًا وجمعه
أنحاء وأكثر ما يقال ذلك في أوعية السمن والزيت. وقيل: هو الزق
مطلقًا، قال أبو عبيدة: أما الزق الذي يجعل فيه اللبن فهو الوطب
وجمعه أوطاب، وما كان للشراب فهو الذواريع واسم الزق يجمع
ذلك كله .
وقوله: (عبد الله معتجر بعمامته) أي: لفها على رأسه من غير
تحنيك، وكذلك الأعتجار بالثوب إنما هو التلفف به.
وقوله: (ما يرى وحشي إلا عينيه ورجليه) يعني: أنه تخرطم.
وفيه: نباهة وحشي لمعرفته بالقدمين على طول عهد وصغر
المحمول.
وقوله: (إن عدي بن الخيار تزوج بامرأة يقال لها أم قتال بنت أبي
العيص) كذا وقع هنا، وإنما هي أم قتال بنت أسيد بن أبي العيص بن أمية
أخت عتاب. ووقع في السيرة النبوية أنها سعدية (٢) وهي قرشية.
وقوله: (إن حمزة قتل طعيمة بن عدي بن الخيار) صوابه كما قال
الدمياطي: طعيمة بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، والمطعم والخيار
ابنا عدي أخواه، وعدي بن الخيار بن عدي بن نوفل ابن أخيه.
وقوله: (فخرج إليه حمزة فقال: يا سباع، يا ابن أم أنمار مقطعة
البظور) يعني: أنها كانت خافضة التي تخفض النساء أي: تختن لهن.
والبظر: هنة بين الإسكتين لم تخفض وكذلك البظارة، وامرأة
بظراء: بينة البظر.
(١) في هامش الأصل: يعني المهملة.
(٢) ((سيرة ابن هشام)) ١٦/٣.