Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ كِتَابُ المَنَاقِبِ = وقال معاوية: أتركوا الرافضة ما تركوكم -يعني: الترك- فإنهم سيخرجون حتى ينتهوا إلى الفرات فيشرب منه أوائلهم، ويجيء آخرهم فيقولون: قد كان هاهنا ماء، وأمر غلاماً له أستنقذ منهم شيئاً فإني سمعت: أخذوه لا يعودون لمثلها ولا يحركهم بشيء ولا يستنقذ منهم شيئاً؛ فإني سمعت رسول الله وجّهه يستلحقوا بمنابت الشيح. وكان عمر بن الخطاب ه يقول: للمسلمين عدو وجوههم كالدرق وأعينهم كالودع فاتركوهم ما تركوكم. وعن أبي قبيل قال: حدثني غير واحد من الصحابة قال: تخرج الروم في الملحمة العظمى ومعهم الترك ورجان والصقالبة. وعن ابن سيرين: كأني بالترك قد أتتكم على براذين مخذمة الآذان حتى يربطوها بشط الفرات(١). وعن الحسن: قال رسول الله وَل: ((من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما وجوههم المجان المطرقة، وأن تقاتلوا قوماً نعالهم الشعر)) قد رأينا الأول وهم الترك، ورأينا هؤلاء وهم الأكراد. قال الحسن: فإذا كنت في أشراط الساعة فكأنك قد عاينت(٢)، كان أول خروج هذا الجيش في جمادى الأولى سنة سبع عشرة وستمائة(٣) فعاثوا في البلاد وأظهروا فيها الفساد، وخربوا جميع المدائن حتى معقل الإسلام بغداد، وربطوا خيولهم إلى السواري، وعبروا الفرات، وملكوا (١) رُوي الأثر عن ابن سيرين عن ابن مسعود وليس من قول ابن سيرين أنظر ((المصنف)) لعبد الرزاق ٣٨٠/١١ (٢٠٧٩٨)، ((الفتن)) ٦٨٣/٢ (١٩٢٨)، ((المعجم الكبير)) ١٧٣/٩ (٨٨٥٩)، ((المستدرك)) ٤٧٥/٤. (٢) ((الفتن)) ٦٧٨/٢ - ٦٨٤ بتصرف. (٣) ورد بهامش الأصل: جاء هؤلاء إلى بغداد سنة ست وخمسين وستمائة. وأما دخولهم فسنة ثمان وخمسين وستمائة وفيها كسرتهم بعين جالوت من المظفر قطز. ١٨٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == الشام في أيسر مدة على التوالي، وعزموا على دخول مصر فثار إليهم ملكها المظفر، فالتقوا بعين جالوت، فانجلوا عن الشام منهزمين -ورأوا مالم يشاهدوه منذ زمان- ولا جئين خائبين خاسرين، ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ [الأنعام: ٤٥]. ٤٥ اُلْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ثم في سنة ثمان وتسعين ملك عليهم رجل يسمى محمود غازان زعم أنه من أهل الإيمان، ملك جملة من بلاد الشام وعاث جيشه فيها عيث عباد الأصنام، فخرج إليهم الملك الناصر محمد بن قلاوون فكسرهم كسرًا ليس معه أنجبار، وتغلل جيش التتار وذهب بعضهم إلى الهاوية وبئس القرار. الحديث السابع عشر: حديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: ((تُقَاتِلُكُمُ اليَهُودُ .. )) الحديث سلف في الجهاد في باب قتال اليهود. الحديث الثامن عشر : حديث أَبِي سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِّ وَِّ قَالَ: ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَغْزُونَ، فَيُقَالُ: هل فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ الرَّسُولَ بَّهِ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يَغْزُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ مَنْ صَحِبَ الرَّسُولَ وَِّ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ لَهُمْ)) هذا الحديث سلف في الجهاد في باب من استعان بالضعفاء وسيأتي في باب فضائل أصحاب النبي ◌َ﴾ كما ستعلمه هناك(١). الحديث التاسع عشر: حديث عَدِيِّ بْنِ حَاتِم ﴾: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ بَّهِ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا (١) سيأتي برقم (٣٦٤٩). ١٨٣ - كِتَابُ المَنَاقِبِ إِلَيْهِ الفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ .. الحديث بطوله. ذكره من طريقين عنه. و(الظعينة): المرأة. وهو من باب الاستعارة، فأما الظعائن فالهوادج كان فيها نساء أم لا، وقيل: لا تسمى ظعينة إلا إذا [كان] (١) فيها أمرأة. و(الكعبة): البيت الحرام، وكل شيء علا وارتفع هو كعب، وبه سميت الكعبة، قاله الهروي وقال ابن فارس والداودي سمي بذلك لتربيعه(٢) . و(الدعار) بالدال المهملة جمع داعر وهو الرجل الخبيث المفسد وهي قبيلة من العرب يجعلون لغتهم في ذو بمعنى الذي. وقوله: (فأين دعار طيئ الذين سعروا البلاد) يعني سعروا: أوقدوا نار الشر والفتنة، واستدل به من يوجب الحج على المرأة وإن لم يكن معها ذو محرم. إذا كانت مع جماعة نساء وهو مذهبنا وبه قال مالك ومنعه غيره(٣). وقوله: (ولو بشق تمرة) أي نصفها، وفيه غير واحد من أعلام نبوته. فائدة : عدي بن حاتم بن سعد بن الحشرج(٤) ولد حاتم الموصوف بالجود، كان نصرانيًّا فأتى النبي وّله مسلما، مات زمن المختار عن مائة وعشرين سنة. (١) زيادة يقتضيها السياق. (٢) ((مجمل اللغة)) ٢ /٧٨٧. (٣) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٥٧/٢. (٤) ورد بهامش الأصل: هو عدي بن حاتم عبد الله بن سعد بن الحشرج. فلعله سقط من النسخة المنقول منها. ١٨٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - الحديث العشرون : حديث أَبِي الخَيْرِ - واسمه مرثد بن عبد الله اليزني المصري مات سنة تسعين قاضي إسكندرية- عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - وهو ابن عبس بن عمرو الجهني - كان من أحسن الناس صوتا بالقرآن: أَنَّ النَّبِيَّ وَّ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى المَيِّتِ .. الحديث. ويأتي في غزوة أحد(١)، وفيه: (أعطيت مفاتيح خزائن الأرض)). وفي الرقاق(٢)، وأخرجه مسلم في الفضائل. وفيه: ((مفاتيح خزائن الأرض)) أو ((مفاتيح الأرض)) وهو الوجه. واختلف في معناه فقيل: ودع الأحياء والأموات، وقيل: صلى عليهم؛ لأنه لم يكن صلى عليهم حين ماتوا وهو ظاهر قوله: (صلاته على الميت)، وقيل دعا لهم. وقوله: (إني فرطكم) أي سابقكم وكذلك الفارط. وفيه: الدعاء للصبي الميت: ((اللهم فرطا لأبويه)) أي أجرًا متقدمًا . الحادي بعد العشرين : حديث أُسَامَةَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ ◌َّه عَلَى أُظُم مِنَ الآطَام، فَقَالَ: ((هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى إِنِّي لأَرى الفِتَنَ تَقَعُ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ مَوَاقِعَ القَطْرِ)). سلف في الحج وفي المظالم ويأتي في الفتن(٣). والأطم: الحصن جمعه آطام، وقال الداودي: الأطم: القصور والمواضع المرتفعة. فكأنه جعل الأُطم جمعا. (١) سيأتي برقم (٢٠٤٢). (٢) سيأتي برقم (٦٤٢٥) باب: ما يُحذر من زهرة الدنيا. (٣) سلف برقم (٢٤٦٧)، ويأتي برقم (٧٠٦٠). ١٨٥ -- كِتَابُ المَنَاقِبِ الحديث الثاني والثالث بعد العشرين : حديث زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رضي الله عنها: أنه التَّ دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ: ((لا إله إِلَّ اللهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرِّ قَدِ أُقْتَرَبَ، فُتِحَ الَيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هذا)). وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ وَبِالَّتِي تَلِيهَا. فَقَالَتْ زَيْنَبُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ)). وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قال حَدَّثَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ الحَارِثِ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتِ: أَسْتَيْقَظَ رسول الله ◌ََّ فَقَالَ: ((سُبْحَانَ اللهِ! مَاذَا أَنْزِلَ مِنَ الخَزَائِنِ؟ وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الفِتَنِ؟)) وقد سلف. وفزعه الكَّ خوفا مما أخبر به أنه يصيب أمته. و(ويل): كلمة تقال لمن وقع في هلكة يترحم عليه، وقد سلف، وقوله: ((للعرب)) يعني: للمسلمين؛ لأن أكثر المسلمين العرب وموالیھم. وفيه: قول: لا إله إلا الله عند أمر ينزل، وقوله: (أنهلك وفينا الصالحون؟) أي: يدعون بصرف الفتن، قال الداودي: قال ابن التين: أرادت: يقع الهلاك بقوم فيهم من لا يستحق ذلك. وقوله: ( ((نعم إذا كثر الخبث)) ) أي: الزنا، وقيل: إذا عمَّ الأشرار وقل الصالحون. وقوله: ( ((ماذا أنزل من الخزائن والفتن؟!) ) قال الداودي: الخزائن الكنوز، والفتن هاهنا: القتال الذي يكون بين المسلمين، وقيل: خزائن الله: علم غيوبه التي لا يعلمها إلا هو. ١٨٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح الحديث الرابع بعد العشرين : حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﴾، قَالَ: قَالَ لِي: إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَتَتَّخِذُهَا، فَأَصْلِحْهَا وَأَصْلِحْ رُعَامَهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رسول اللهِ وَّهَ يَقُولُ: ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تَكُونُ الغَنَمُ (فِيها)(١) خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ، يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ - أَوْ سَعَفَ الجِبَالِ - فِي مَوَاقِعِ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ)). وقد سلف في الصلاة (٢)، وعبد الرحمن ومحمد ابنا عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي صعصعة عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار انفرد بهما البخاري. والرعام بالعين المهملة والراء المضمومة: المخاط، وشاة رعوم: بها داء يسيل من أنفها، والشعفة بالتحريك والشين المعجمة: رأس الجبل، وبالمهملة: غصن من النخل، قاله الجوهري(٣)، وقال ابن التين: بالشين المعجمة ثم العين المهملة وقد شك في الحديث في العين من الغين، واللغة ما قدمناه بإعجام ثم إهمال وهو رؤوس الجبال وأعاليها، واحدها: شعفة. الحديث الخامس والسادس بعد العشرين : حديث ابن شِهَابٍ، عَنِ ابن المُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عن أَبي هُرَيْرَةَ عَهُ: ((سَتَكُونُ فِتَنٌ، القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمْ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ المَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا (١) كذا بالأصل، وفي اليونينية: فيه. (٢) سلف برقم (٦٠٩) باب: رفع الصوت بالنداء. (٣) ((الصحاح)) ٤/ ١٣٨١. ١٨٧ كِتَابُ المَنَاقِبِ = (تُشرفه)(١) وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأَ - أَوْ - مُعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ). وَعَنِ ابنِ شِهَابٍ قال: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُطِيعِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ مِثْلَ حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ هذا، إِلَّا أَنَّ أَبًا بَكْرٍ يَزِيدُ: ((مِنَ الصَّلَاةِ صَلَةٌ مَنْ فَاتَتْهُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ)). المراد بالفتن: التي لا يعلم المحق فيها من المبطل، ويقاتل فيها على الدنيا . وقوله: ( ((من يشرف لها تستشرفه)) ) يريد من طلع لها شخصه طالعته، يقال: استشرفت الشيء إذا رفعت رأسك فنظرت وحقيقته أصابته بعينها . وقوله: ( ((ملجأً أو معاذً)) ) هما واحد، تقول: هو عياذي: أي ملجأي. والصلاة المرادة صلاة العصر، وأتى بعده بهذه الزيادة ليأتي بالحدیث على وجهه. الحديث السابع بعد العشرين: حديثٍ ابن مَسْعُودٍ: (سَتَكُونُ أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا)). فقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: ((تُؤَدُّونَ الحَقَّ الذِي عَلَيْكُم، وَتَسْأَلُونَ اللهَ الذِي لَكُمْ)). الظاهر أن المراد بالحق السمع والطاعة، ولا يخرج عليهم. الحديث الثامن بعد العشرين : حديث أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَبِي زُرْعَة، وفي رواية: سمعت أبا زرعة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((يُهْلِكُ النَّاسَ هذا الحَى مِنْ قُرَيْشٍ)). قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: ((لَوْ أَنَّ النَّاسَ أَعْتَزَلُوهُمْ)). (١) كذا بالأصل. ١٨٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == أبو التياح بمثناة فوق ثم من تحت؛ اسمه: يزيد بن حميد الضبعي مات سنة ثمان وعشرين ومائة، كنيته أبو حماد ولقبه أبو التياح. وأبو زرعة هرٍم بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي. وفيه: الإخبار بالمغيبات وهو أحد أعلامه. الحديث التاسع بعد العشرين: حديث أَبَي هُرَيْرَةَ : ((هَلَاكُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ غِلْمَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ)). فَقَالَ مَرْوَانُ: غِلْمَةٌ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنْ شِئْتَ أَنْ أُسَمِّيَهُمْ بَنِي فُلَانٍ وَبَنِي فُلَانٍ. (غلمة) بكسر الغين: جمع غلام وكذلك غلمان، والغلام: الطار الشارب(١) . وفي إسناده عمرو بن يحيى بن سعيد الأموي، عن جده. وعمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاصي بن سعيد بن العاصي بن أمية، أخو محمد وإسماعيل وموسى وأمية بنو عمرو، أتفقا عليه، وانفرد البخاري بابن ابنه أبي أمية عمرو، وانفراد مسلم بعمه يحيى بن سعيد بن العاصي. الحدیث الثلاثون : حديث حُذَيْفَةَ ﴾: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي .. الحديث. يريد مما يكون في الدنيا من الفتن ومن عقوبات ذلك في الآخرة. وقوله: (فجاءنا الله بهذا الخير)) يعني: صلاح حالهم. وقوله: ( ((وفيه دخن)) ) أي: دخان. يريد أن الخير الذي يلي الشر لا يكون خالصاً لكن يكون معه شوب وكدورة بمنزلة الدخان في النار. (١) انظر: ((تهذيب اللغة)) ٢٦٩١/٣. ١٨٩ = كِتَابُ المَنَاقِبِ وقيل: الدخن: الأمور المكروهة، قاله ابن فارس(١). ومنه حديثه: ((على دخن)) (٢). وهو بفتح الدال والخاء وقيل: أراد أن النفوس لا تعاود ما كانت عليه قبل ما دخلها بسبب الفتنة. وقال صاحب ((العين)): الدخن: الحقد، ويوم دخنان: شديد الغيم، وكذا ذكر ابن سيده أن الدخن: الحقد(٣). وقال أبو عبيد بن سلام تفسيره في الآخر، وهو قوله: لا ترجع بقلوب قوم على ما كانت عليه، وأصله أن يكون في لون الدابة كدورة إلى سواد. فوجه الحديث: تكون القلوب هكذا لا يصفو بعضها لبعض ولا ينصح حبها على ما كانت عليه (٤). وعبارة ((الصحاح): سكون لعلة لا للصلح(٥). وفي ((الجامع)): هو فساد في القلب، وهو مثل الدغل. وقوله: ( ((هم من جلدتنا)) ) يعني من أنفسنا، أو من قومنا. وقال الداودي: من بني آدم. وذكر عن الشيخ أبي الحسن أنه قال: أراد أنهم في الظاهر (مثلنا)(٦) معنا، وهم في باطن الأمور هم مخالفون لنا، وجلدة الشيء ظاهره، قلت: والجلد: غشاء البدن، وإنما أراد به القرب، فظن السمرة غالبة عليهم، واللون إنما يظهر في الجلد. (١) ((مجمل اللغة)) ٣٤٩/١. (٢) روى هذِه الرواية أبو داود (٤٢٤٦)، أحمد ٣٨٦/٥، ابن حبان ٢٩٩/١٣ (٥٩٦٣). (٣) ((العين)) ٢٣٣/٤، ((المحكم)) ٨٨/٥. مادة: دخن. (٤) ((غريب الحديث)) ٣٥١/١. (٥) ((الصحاح)) ٢١١١/٥. (٦) في الأصل: (ومثلنا) ولعل الصحيح ما أثبتناه وهو الملائم للسياق. ١٩٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وقوله: (فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام) أي: لم يجمعهم إمام فاعتزل تلك الفرق كلها . وقوله: ( ((ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)) ) العض بالأسنان، وأصله عضض بعض مثل: مس يمسُّ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان: ٢٧] وفيه لغة أخرى بضم العين مثل شد يشد، حكاها أبو عبد الله القزاز، وسنبسط الكلام عليه في باب الفتن إن شاء الله تعالى. فائدة : في إسناده ابن جابر، وهو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. وفيه: بُسر بن عبد الله الحضرمي بضم الباء الموحدة وإسكان السين المهملة. وفيه أبو إدريس الخولاني واسمه عابد الله بن عبد الله. الحديث الحادي بعد الثلاثين : حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ (فئتان)(١) دعواهما واحدة)) يقول: يَكُونُ بَيْنَهُمَا جميعًا قصد الحق والقتال عليه، وهم الصحابة. الحديث الثاني بعد الثلاثين : حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أيضًا: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ (فِئتانٍ)، فَيَكُونَ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبًا مِنْ ثَلاثِينَ، كُلَّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ)). قد وقع كل ذلك، وهو من أعلامه. (١) كذا بالأصل، وفي اليونينية: فتيان. ١٩١ كِتَابُ المَنَاقِبِ = الحديث الثالث بعد الثلاثين : حديث أَبَي سَعِيدِ الخُدْرِيَّ ﴾ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَ ◌ّهِ وَهْوَ يَقْسِمُ قَسْمًا أَتَاهُ ذُو الخُوَيْصِرَةِ - وَهْوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيم - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْدِلْ .. الحديث. ذكره في الأدب واستتابة المرتدين كما سيأتي(١)، وأخرجه مسلم في الزكاة. ومعنى: ((يقرون القرآن لا يجاوز تراقيهم)) وفي أخرى: ((حناجرهم)): لا يرتفع إلى الله منه شيء يعلمه باعتقادهم. والتراقي: جمع ترقوه، وهو فعلوه، وهو عظم واصل بين ثغرة النحر والعنق، والمروق: الخروج أي: سرعة نفوذ السهم من الرمية حتى يخرج من الطرف الآخر. والدين هنا: طاعة الأئمة، ويحتمل أن يكون أراد الإيمان. والرمية: ما يرُمى من الصيد لا يعلق به شيء من دمها، وهي فعيلة بمعنى مفعولة وبهذا سميت الفرقة مارقة، وبقوله: ( ((يخرج فیکم)) ) سموا خوارج. والنصل: السن، وقال القزاز: عود السهم تقول: نصلت السهم: جعلت له نصلًا وأنصلته إذا نزعت نصله، ولهذا قيل لرجب: منصل الأسنة؛ لأن العرب كانت لا ترى فيه القتال، فكانت تقلع الأسنة من الرماح والنبال. والرصاف بالصاد المهملة: العقب الذي يلوى فوق مدخل النصل في السهم، واحدها: رصفة، وقيل: هي العقب تشد فوق السهم، وهو الرُّصاف بضم الراء أيضاً. (١) سيأتي برقم (٦١٦٣)، (٦٩٣٣). ١٩٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقوله: (ثم ينظر إلى نَضِيّه -وهو قدحه- فلا يوجد فيه شيء). القدح: السهم بلا قذذ ولا نصل، ونضيّ بفتح النون على وزن فعيل، وروي بضمها. قال القزاز: نضي السهم: عوده قبل أن يراش وينصل، قال: ويسمى بذلك بعد نصله، وقال الخطابي: النضي ما بين النصل والريش من القدح(١)، وقال ابن فارس نحوه قال: نضو السهم قدحه، وهو ما جاوز الريش إلى النصل، قال: وسمي بذلك؛ لأنه بُري حتى عاد نضوًا (٢) وعن أبي عمرو: النضي: النصل، ذكره الجوهري (٣). والقذذ: جمع قذه، وهي واحدة الريش الذي على السهم، يقال: هو أشبه به من القذة بالقذة؛ لأنها تجري على مثال واحدة. والفرث: ما يجتمع في الكرش مما يأكله ذوات الكرش، وقيل إنما يقال له: فرث مادام في الكرش. والعضد (٤): ما بين المرفق إلى الكتف، يقال: عضُد بضم الضاد وسكونها مع ضم العين وفتحها وضمهما، وقيل: إن أهل تهامة يقولون: عضد وعجز ويؤنثون، وتميم يقولون: عضد وعجز ويذكرون فعلى قول أهل الحجاز يكون قوله: (إحدى عضديه) صحيحاً. و((البضعة)) بفتح الباء: القطعة من اللحم، و((تدردر)) أصله تتدردر، ومعناه: تتحرك وتجيء وتذهب، ومنه دردور الماء. قال ابن الأنباري: فالدردرة صوت، إذا أندفع سمعت له صوتاً، (١) ((أعلام الحديث)) ١٦٠٥/٣. (٢) ((مجمل اللغة)) ٨٧١/٢. (٣) ((الصحاح)) ٦/ ٢٥١١. (٤) ورد بهامش الأصل: وفي ((الصحاح)) أربع لغات: عَضُد وعَضِد مثل: حَذُر وحَذِر، وعَضْد وعُضد مثال: ضَعْف وضُعْف. ١٩٣ كِتَابُ المَنَاقِبِ = وقيل: يدر ويفتح مثل يدر ضرع الشاة باللبن. وقوله: (على حين فرقة) هو بالحاء المهملة، وروي: (خير) بالخاء المعجمة والراء، ويجوز أن يكون قالهما جميعاً، وما وقع هنا أن قائل (الكلام)(١) السالف ذو الخويصرة هو المعروف ولما ذكره السهيلي عقَّبه بأن قال: ويذكر عن الواقدي، فيما حكاه ابن الطلاع في ((أحكامه)) وهو في ((طبقات)) ابن سعد، وهو صاحب الواقدي أنه حرقوص بن زهير السعدي من سعد تميم، وكان لحرقوص هذا مشاهد كثيرة محمودة في حرب العراق مع الفرس أيام عمر ثم كان خارجياً قال: وليس ذو الخويصرة هذا هو ذو الثدية الذي قتله علي بالنهروان، ذاك أسمه نافع ذكره أبو داود(٢). قلت: المعروف أن ذا الثدية اسمه حرقوص، وهو الذي حمل على علي ليقتله فقتله. وفي (تفسير الثعلبي)): بينا رسول الله وَلا يقسم غنائم هوازن جاءه ذو الخويصرة التميمي - أصل الخوارج - فقال: أعدل .. الحديث. قلت: وهذا هو غير ذي الخويصرة اليماني الذي بال في المسجد، وسلف في الطهارة (٣) . فصل : هذِه الطائفة حكمت أهواءها وخالفت جماعة المسلمين وتعلقت بظاهر الكتاب بزعمها، ونبذت القول بالرأي الذي أمر الله به، وأجمعت الصحابة على صحته، فقالت: لا حكم إلا لله وللرسول، فقال علي : كلمة حق أريد بها باطل، وناظرهم في ذلك الحبر (١) من (ص١). (٢) أبو داود (٤٧٧٠)، وانظر: ((الروض الأنف)) ١٦٩/٤. (٣) سلف برقم (٢٢٠). ١٩٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ابن عباس فقال: الله حكم بين الزوجين وفي جزاء الصيد، ولأن يحكم بين طائفتين من المسلمين أولى، ووافقهم في هذِه المقالة أهل الظاهر فضللوا السلف، في الرأي بالقول بالرأي والقياس ورجعوا عن الاستقامة إلى الانتكاس. الحديث الرابع بعد الثلاثين : حديث سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: قَالَ عَلِيٍّ ﴾: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ فَلَأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، فَإِنَّ الحَرْبَ خِدْعَةٌ، سَمِعْتُ النبي ◌َّهِ يَقُولُ: ((يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمُ حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فإذا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ قَتْلَهُمْ خِيرٍ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ)). و(خدعة) بفتح الخاء على أفصح اللغات، أي: مقضي أمرُها بخدعة واحدة. ومعنى: ( ((يقولون من خير قول البرية)) ) أي: يجيدون القول ویسیئون العمل. وقوله: ( ((فإن قتلهم هو لمن قتلهم خير .. ))) إلى آخره يريد؛ لأنهم يشغلون عن الجهاد؛ ولفسادهم، وسعيهم في افتراق كلمة المسلمين. وظاهر قوله: ( ((لا يجاوز)) ) إلى آخره أنهم غير مؤمنين؛ لأن محل الإيمان القلب، واحتج من نفى ذلك بقوله: ( ((وتتمارى في الفوق)))(١) يدل على أنهم لم يخرجهم من الإيمان جملة. (١) رواه مالك في ((الموطأ)) ص (١٤٤)، ابن حبان ١٣٢/١٥ (٦٧٣٧) من حديث أبي سعيد الخدري. ١٩٥ كِتَابُ المَنَاقِبِ = الحديث الخامس بعد الثلاثين : حديث خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ وَهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ، فَقُلْنَا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا، أَلَا تَدْعُو اللهَ لَنَا؟ قَالَ: ((كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ كان قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ (بالميشَارِ)(١) فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، والله لَيُتِمَّنَّ هذا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَ مَوْتَ، لَا يَخَافُ إِلَّ اللهَ أَوِ الذِّتْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ)). أخبرهم الشارع بذلك؛ ليقوى صبرهم على الأذى. والمنشار: روي بالنون، من نشرت الخشبة وبالياء مهموز تقول: أنشرت الخشبة بالميشار ومفعال من ذلك، ويصح أن يقرأ بغير همز ذكره كله ابن التين: وصنعاء وحضرموت بلدان بالشام(٢) وصنعاء باليمن. الحديث السادس بعد الثلاثين: حديث مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ: أنه الَِّهِ اُفْتَقَدَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ، فَقَالَ رَجُلٌ (٣): يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا أَعْلَمُ لَكَ عِلْمَهُ. فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ جَالِسًا فِي بَيْتِهِ مُنَكِّسًا رَأْسَهُ، فَقَالَ: مَا شَأُنُكَ؟ فَقَالَ: شَرٌّ، كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ﴿ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ، وَهْوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَأَتَّى (١) في اليونينية: بالمنشار. (٢) ورد بهامش الأصل نصه: أما حضرموت بلد لا أعرفها إلا باليمن وأما صنعاء ففي اليمن وفي دمشق أيضاً. (٣) ورد بهامش الأصل: هذا الرجل هو سعد بن معاذ كما رواه مسلم في ((صحیحه))، وقال ابن السكن: هو سعد بن معاذ، ذكره إسماعيل .. في ((أحكامه))، وقيل: عاصم بن عدي البخاري ذكره الطبري، وقيل: هو أبو مسعود البدري ذكره الواقدي في ((إملائه)) انتهى. ١٩٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = الرَّجُلُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ مُوسَى بْنُ أَنَسِ: رَجَعَ المَرَّةَ بِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ، فَقَالَ: ((اذْهَبْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: إِنََّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، ولكن مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ)). والبشارة بكسر الباء وضمها(١)، وفي كتاب ابن فارس والهروي الضبط بالكسر، تقول: بشرت فلاناً أبشره تبشيرًا وهي بالخير والشر(٢)، [النساء: ١٣٨] فإذا ٣٨ قال تعالى: ﴿بَشْرِ اَلْمُنَفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا أطلقت فللخير خاصة، النذارة لغيره، وفي غير هؤلاء قال ثابت: أخشى أن أكون قد هلكت. فقال النبي وَله: (((وما ذاك؟))) فقال: نهانا الله أن نرفع صوتنا فوق صوتك وأنا جهير، ونهيت عن الخيلاء وأنا رجل أحب الجمال، ونهيت عن الحسد وما أحب أن يفوقني رجل بشسع نعلي، فقال له النبي وَّير: ((أما ترضى أن تعيش سعيداً وتموت شهيدا وتدخل الجنة))(٣) ولعله كان يرفع صوته طبعاً لا يريد الجهر عليه ولا التكبر، ويحب الجمال؛ ليتأهب للوقوف بين يدي الرب ليس يحقر من دونه وما يحب أن يفوقه أحد، وقال الداودي: يذهب إلى ما في الذهن ((لا حسد إلا في اثنتين .. )) الحديث(٤)، وقال تعالى ﴿وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ اَلْمُنَنَفِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]. الحديث السابع بعد الثلاثين : حديث البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما: قَرَأَ رَجُلٌ الكَهْفَ وَفِي الدَّارِ (١) ورد بهامش الأصل: الضم والكسر في ((الصحاح)) أيضاً. (٢) ((مجمل اللغة)) ١٢٦/١. (٣) رواه الطبراني في ((الأوسط)) ٣٦٣/٢ (٢٢٤٣)، والحاكم في ((المستدرك)) ٢٣٤/٣. (٤) سلف برقم (٧٣) كتاب: العلم، باب: الاغتباط في العلم والحكمة، ورواه مسلم (٨١٦) كتاب: الصلاةن باب: فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه. ١٩٧ - كِتَابُ المَنَاقِبِ الدَّابَّةُ، فَجَعَلَتْ تَنْفِرُ، فَسَلَّمَ، فَإِذَا ضَبَابَةٌ - أَوْ سَحَابَةٌ - غَشِيَتْهُ، فَذَكَرَهُ لرسول الله وَّ، فَقَالَ: ((اقْرَأْ فُلَانُ، فَإِنَّهَا السَّكِينَةُ نَزَلَتْ لِلْقُرْآنِ)). هذا الرجل هو أسيد بن الحضير بن سماك بن عتيك بن أمرئ القيس بن عبد الأشهل الأشهلي أحد النقباء ليلة العقبة. الضبابة: قال ابن فارس: كل شيء كالغبار (١)، وقال الداودي: قريب من السحاب، وهو الغمام الذي لا يكون فيه نظر، وإنما شك المحدث أي اللفظين قال. وفيه: أن من سوى بني آدم يسمعون القرآن. وقوله: ( ((فإنها السكينة نزلت)) ) قيل: هي ريح لفافة ولها وجه، وقد يريد الملائكة نزلت وعليهم السكينة، ويأتي في التفسير أيضاً. الحديث الثامن بعد الثلاثين : حديثه أيضاً قال: جَاءَ أَبُو بَكْرِ عَه إِلَى أَبِي فِي مَنْزِلِهِ، فَاشْتَرِى مِنْهُ رَحْلًا، فَقَالَ لِعَازِبِ: أَبْعَثِ ابنكَ .. الحديث. ومعنى: (أسرینا ليلتنا): سرنا ليلًا، يقال: سرئ وأسرئ بمعنى، قال: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ،﴾ [الإسراء: ١] وقال: (والليل إذا يسري)(٢) [الفجر: ٤]. (١) ((مجمل اللغة)) ٢ /٥٦٠. (٢) قرأ ابن كثير (يسري) بالياء وصلًا ووقفًا، وقرأها نافع بالياء وصلًا، وبغير ياء في الوقف، وقرأها ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: (يسر) بغير ياء وصلًا ووقفًا. انظر: ((الحجة للقراء السبعة)) للفارسي ٤٠٣/٦، ((السبعة في القراءات)) لابن مجاهد ص٦٨٣. ١٩٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقوله: (من الغد) أي: سرنا من الغد وقوله: (حتى قام قائم الظهيرة) يعني: نصف النهار. وقوله: (وخلا الطريق) يدل أنه كان في زمن الحر، وقد قيل في قوله: ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [القصص: ١٥] أي نصف النهار، وقوله: (فرفعت لنا صخرة طويلة) أي: ظهر لنا أعلاها، ثم ظهر جميعها، والفروة: التي تلبس من جلود. وقوله: (وأنا أنفض لك ما حولك) أي: أحرسك وأطوف هل أرى أحداً من الطلب يقال: نفضت المكان واستنفضته ونفضته: نظرت جميع ما فيه، ويقال: إذا تكلمت ليلًا فاخفض وإذا تكلمت نهاراً فانفض، أي: التفت هل ترى من تكره، واستنفض القوم: بعثوا النفيضة وهي الطليعة، والنفضة بالتحريك: الجماعة يبعثون في الأرض لينظروا هل فيها عدو أو خوف. وقوله: (فقال لرجل من أهل المدينة أو مكة) في غير هذِه الرواية: لرجل من قریش(١). وقوله: (انفض الضرع من التراب والشعر والقذى) القذى: في العين، يقال: قذيت عينه إذا صار فيها القذى، كأنه شبه ما يصير في الضرع من الأوساخ بالقذى في العين. وقوله: (فحلب في قعب كثبة من لبن) القعب: القدح الضخم، والكثبة: القليل من اللبن وقال ابن فارس: هي القطعة من اللبن ومن التمر. قال: سميت بذلك؛ لاجتماعها(٢). وقال الداودي ( ... )(٣) كالقدح ونحوه. (١) سلف برقم (٢٤٣٩) كتاب: في اللفطة. (٢) ((مجمل اللغة)) ٧٧٩/٢. (٣) كلمة غير واضحة بالأصل. : ١٩٩ =ِ كِتَابُ المَنَاقِبِ وقال أبو زيد في ((الصحاح)): مثل القدح. وقيل وهي قدر الحلبة(١). وقال الهروي والقزاز: كل ما جمعته من طعام أو لبن أو غيرهما فهي كثبة. قال الهروي بعد أن يكون قليلًا(٢). وقال الخطابي في باب الهجرة: قوله: كنفة من لبن هكذا قال في هذا الحديث، وهو غلط إنما هو: كثبة من لبن. يريد القليل منه، وقد ذكرناه قبل(٣). والإداوة: تعمل من جلود يستعملها المسافر. وقوله: (فشرب حتى رضيت) أي: طابت نفسي لكثرة ما شرب. وقوله: (ألم يأن للرحيل) أي: ألم يحن وقته. وقوله: (فارتطمت به فرسه إلى بطنها) أي ساخت قوائمها كما تسوخ في الوحل، ورطمت الشيء إذا أدخلته فارتطم بالطاء المهملة. وفي رواية: كان لها في ذلك كالدخان، وأنه الكئي أمر الصديق فكتب له في أديم أحمر. وفي البخاي بعد هذا: كتبه له عامر بن فهيرة(٤). قال غيره بعثه بها يوم فتح مكة بالجعرانة، فكان في أول النهار يطلبها وفي آخره يكتنف الناس عنها(٥). وذكر في آخره هنا نحوه. وقوله: (أُرى في جلد من الأرض) الجلد: الأرض الصلبة المستوية المتن الغليظة وهي بفتح الجيم واللام. الحديث التاسع بعد الثلاثين : حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ وََّ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٌّ (١) ((الصحاح)) ٢٠٩/١. (٢) ((غريب الحديث)) ٢٧٤/١. (٣) ((أعلام الحديث)) ١٦٩٦/٣. (٤) سيأتي برقم (٣٩٠٦) كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي. (٥) أنظر: ((سيرة ابن هشام)) ١٠٣/٢ - ١٠٤. ٢٠٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - يَعُودُهُ - قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ بَّهِ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضِ يَعُودُهُ قَالَ له: ((لَا بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ الله)) - . قَالَ: قُلْتَ: طَهُورٌ! كَلَّا بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ - أَوْ تَثُورُ- عَلَىْ شَيْخِ كَبِيرٍ، تُزِيرُهُ القُبُورَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ((فَنَعَمْ إِذَّا)» . قوله: ( ((لا بأس طهور)) ) فيه" دلالة أن الطهور هو المطهر خلافًا لأبي حنيفة في قوله: الطهور هو الطاهر. وقوله: ( ((إن شاء الله)) ) بمعنى الدعاء فأبى الأعرابي وسخطه، فصدقه الشارع أنه يموت من ذلك. ويجوز أن يكون الشارع علم أنه سيموت من مرضه قبل قوله له: ((طهور)) فدعا له بتغفير ذنوبه. ويحتمل أن يكون أخبر بذلك قبل موته وبعد قوله. الحديث الأربعون: حديث عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ وَقَرَأَ البَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، فَكَانَ يَكْتُبُ لرسول الله وَّةِ، فَعَادَ نَصْرَانِيًّا، فَكَانَ يَقُولُ: مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ إِلَّا مَا كَتَبْتُ لَهُ. فَأَمَاتَهُ اللهُ، فَدَفَنُوهُ، فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ، ثم عادوا فلفظته الأرض، ثم عادوا وأعمقوا فلفظته فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ فَأَلْقَوْهُ. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضاً من حديث ثابت عن أنس ﴾ قال: كان منا رجل من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب لرسول الله ◌َ. نقل نحوه في كتاب المنافقين. (لفظته الأرض) -بكسر الفاء وفتحها - أي طرحته ورمته. وقال القزاز في ((جامعه)): كل ما طرحته من يدك فقد لفظته. لا تقال بكسر الفاء إنما تقال بالفتح.