Indexed OCR Text
Pages 641-660
٦٤١ كِتَابُ الأَنْبياء صلوات الله عليهم الحديث الخامس : حديث أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ - بكر بن قيس، وقيل: ابن عمرو - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ◌َُ، عَنِ النَّبِّ وَِّ قَالَ: ((كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رجلاً .. )) الحديث وأخرجه مسلم في التوبة(١) وابن ماجه في الديات(٢) وفي آخره: ((فَوُجِدَ إِلَى هذِه أَقْرَبُ بِشِبْرِ، فَغُفِرَ لَهُ)) .. وقتله الراهب الأول كان لقلة علمه وتجرئه على الفتيا بقوله: ((لا توبة لك))، وهذا جهل منه، وأعان على نفسه إذ أيأس القاتل من التوبة، فلما ساقه الله إلى هذا العالم دله على الخير، وعلى مفارقة الأرض التي أصاب فيها الذنوب، والإخوان المساعدين له على ذلك، ومقاطعتهم، وأن يستبدل بهم صحبة الأخيار، وبهذا يظهر فضل العالم على العابد الذي لا علم عنده؛ لأنه أغتر فأفتى بغير علم فهلك في نفسه، وكاد أن يهلك غيره. ومذهب أهل السنة أن التوبة تكفر القتل كسائر الذنوب كما قاله القاضي، وما روي عن بعضهم من تشديد في الزجر وتورية في القول فإنما ذلك لئلا يجترئ الناس على الدماء(٣). وهذا الحديث ظاهر فيه، وهو أنه كان شرعًا لمن قبلنا، وفي الاحتجاج خلاف، فليس هذا موضع خلاف، وإنما موضعه إذا لم يرد شرعنا بموافقته، فإن ورد کان شرعًا لنا بلا شك، وهذا فقد ورد شرعنا به، وهو قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَن تَابَ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا (١) مسلم برقم (٢٧٦٦) باب: قبول توبة القاتل. (٢) ((سنن ابن ماجه)) رقم (٢٦٢٢) باب: هل لقاتل مؤمن توبة. (٣) قاله القاضي عياض في ((إكمال المعلم)) ٢٦٩/٨. ٦٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ فكل ما دون الشرك يجوز أن يغفره الله. وفي حديث عبادة: ((بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فمن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئًا من ذلك فستره الله عليه فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه))(١) فهذِه حجج صريحة تبين فساد مذهب المكفر بشيء من ذلك. وأما قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ فالصواب في معناه: جزاؤه إن جازاه. وقد لا يجازي بل يعفو عنه، فإن استحل قتله بغير حق ولا تأويل فهو كافر مخلد في النار إجماعًا، وإن لم يستحل وأقدم على ذلك فهو فاسق عاص مرتكب كبيرة جزاؤها جهنم خالدًا فيها، لكن تفضل الله فأخبر أنه لا يخلد من مات موحدًا فيها، فلا يخلد هذا، وقد يعفو عنه فلا يدخلها أصلًا، وقد لا يعفى عنه بل يعذب كسائر عصاة الموحدين ثم يخرج منها إلى الجنة. وقيل: الخلود طول المدة والإقامة لا التأبيد، وقيل: المراد بالآية رجل بعينه قتل رجلًا له عليه دم بعد أخذ الدية منه ثم أرتد(٢). ويحتمل أن قتله الراهب متأولًا إذ قال بغير علم. وفيه: اختصام الملائكة واطلاع ملائكة الرحمة على ما في قلبه من صحة توبته، وأن ذلك خفي على ملائكة العذاب حتى قالت: ((إنه لم يعمل خيرًا قط))، ولو أطلعت على ما في قلبه من توبته لما صح لها قول ذلك ولا تنازع ملائكة الرحمة، لكن شهادة ملائكة الرحمة على (١) رواه البخاري (١٨) كتاب الإيمان، ومسلم (١٧٠٩) كتاب الحدود باب: الحدود كفارات لأهلها. (٢) حكاها ابن أبي حاتم في ((تفسيره) ١٠٣٧/٣ - ١٠٣٨. ٦٤٣ كِتَابُ الأنْبياء صلوات الله عليهم = إثبات، وأولئك على نفي، والمثبت مقدم، فلا جرم أنهما لما تنازعا خرجا عن الشهادة إلى الدعوى بعث الله إليهما ملكًا حاكمًا يفصل بينهما في صورة آدمي، وأخفى ذلك عنهم؛ ليعلموا أن في بني آدم من يصلح للفصل بين الملائكة إذا تنازعوا. وقوله : (((فَنَاءَ بِصَدْرِهِ))) أي: مال ونهض مع ثقل ما أصابه من الموت، وقال ابن التين: تباعد نحوها، يقال: نأى ينأى نأيًا، وذلك دليل على صحة توبته؛ لاجتهاده في القرب من أهل الخير فأعين على اجتهاده. وفيه: أن الندم توبة، وفيه حديث(١). وفيه: دلالة على التحكيم، وهو مذهب مالك(٢) والشافعى(٣) خلافًا لمن قال أن الشافعي خالفه. وقوله: ( ((وَقَالَ قِيسُوا مَا بَيْنَهُمَا. فَوُجِدَ إِلَى هذِهِ أَقْرَبُ بِشِبْرٍ، فَغُفِرَ لَهُ)))، وفي رواية: ((قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له))(٤) فيه دلالة أن الحاكم إذا تعارضت عنده الأقوال وتعددت الشهادات، وأمكنه أن يستدل بالقرائن على ترجيح بعض الدعاوى نفذ الحكم بذلك. (١) رواه ابن ماجه (٤٢٥٢)، وأحمد ٣٧٦/١، ٤٢٣ والحاكم ٢٤٣/٤، وأبو يعلى (٤٩٦٩) والحميدي في ((مسنده)) ١/ ١٠٥ كلهم من طريق -عبد الكريم الجزري، عن زياد بن أبي مريم، عن عبد الله بن معقل، عن ابن مسعود مرفوعا. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه البوصيري في ((مصباح الزجاجة)) ٢٤٨/٤ (١٢٥١) وصححه الألباني في ((صحيح ابن ماجه)) ٢/ ٤١٨ (٣٤٢٩) وانظر ((صحيح الجامع)) رقم (٦٨٠٢). (٢) انظر: ((المفهم)) ٧/ ٩٢. (٣) أنظر: ((روضة الطالبين)) ١٢١/١١. (٤) رواها مسلم برقم (٢٧٦٦) كتاب التوبة، باب: قبول توبة القاتل وإن كثر قتله. ٦٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ووحي الله تعالى إلى هذِه بالقرب وإلى هذِه بالبعد من لطفه به وعنايته. وفيه: أن الذنوب وإن عظمت تصغُر عند عفو الله، وهو حديث عظيم الرجاء أصحاب العظائم. الحديث السادس : حديث أبي هريرة : «بَيْنَما رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إِذْ رَكِبَهَا فَضَرَبَهَا، فَقَالَتْ: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لهذا .)) الحديث. ثم ساقه من طريق آخر إليه. وقد سلف في المزارعة(١). وفيه: أن الله لا يعذب عباده إلا بعد الإعذار إليهم. الحديث السابع : حديث أبي هريرة أيضًا في الذي اشترى العقار فوجد فيه جرة فيها ذهب وتنازعا فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ، فَقَالَ الذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ قَالَ أَحَدُهُمَا: لِي غُلَامٌ. وَقَالَ الآخَرُ: لِي جَارِيَةٌ. قَالَ: أنكح الغُلَامَ الجَارِيَةَ، وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمَا مِنْهُ، وَتَصَدَّقًا . وأخرجه مسلم في القضاء(٢). الشرح : العقار أصل المال. وقيل: المنزل، وقيل: الضياع. وعليه أقتصر ابن التين فقال: العقار ضيعة الرجل. وعبارة القرطبي: أنه أصل المال من الأرض وما يتصل بها، وعقر الشيء: أصله، ومنه عقر الأرض بفتح العين وضمها(٣). والجرة من الفخار ما يصنع من المدر. (١) سلف برقم (٢٣٢٤) باب: استعمال البقر للحراثة. (٢) مسلم (١٧٢١) باب: استحباب إصلاح الحاكم بين الخصمين. (٣) (المفهم)) ١٧٨/٥. ٦٤٥ = كِتَابُ الأنْبياء صلوات الله عليهم = وفيه: التحكيم، وقد سلف في الحديث قبله. وقال أبو حنيفة: إن وافق رأيه رأي قاضي البلد نفذ وإلا فلا(١). وقال شريح: إنه كالقسامة فلا يلزمه حكمه(٢)، ثم إن هذا الرجل لم يحكم على واحد منهما إنما أصلح بينهما، وذلك أن هذا المال ضائع إذ لم يدعه أحدهما، ولعلهم لم يكن لهم في زمانهم بيت مال، فظهر لهذا المحكّم أنهما أحق به؛ لزهدهما وورعهما وحسن حالهما، ولما أرتجى من طيب نسلهما وصلاح ذريتهما . وحكى المازري خلافًا عندهم فيما إذا أبتاع أرضًا فوجد فيها شيئًا مدفونًا هل يكون ذلك للبائع أو للمشتري (٣)؟ وحمله القرطبي على ما يكون من أنواع الأرض كالحجارة والعُمُد والرخام، وأما ما كان كالذهب والفضة فإن كان من دفين الجاهلية فهو ركاز، وإن كان من دفين المسلمين فهو لقطة، وإن جهل ذلك كان مالًا ضائعًا، فإن كان هناك بيت مال حفظ فيه وإلا صرف في الفقراء والمساكين، وفيما يستعان به على أمور الدين، وفيما أمكن من مصالح المسلمين(٤). قال ابن التين: وإنما أخبر الشارع بذلك ليعتبر به ويزهد في الدنيا . قال ابن شهاب: الزاهد من لا يغلب الحرامُ صبره ولا الحلال شكره(٥)، وهذا لعله كان شرعًا لهم، ولو ترك عنده ثلاثًا لنظر المال، فإن كان من دفين الإسلام فهو لقطة، وإن كان من دفين الجاهلية فقال مالك: هو (١) أنظر: ((المبسوط)) للسرخسي ٢٤/ ٣٥٥. (٢) أنظر: ((المفهم)) ١٧٩/٥. (٣) ((المعلم)) ١١٥/٢. (٤) ((المفهم)) ١٧٩/٥ - ١٨٠. (٥) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٣٧١/٣. ٦٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - للبائع. وخالفه ابن القاسم، فقال: إن ما في داخلها بمنزلة ما في خارجها . وقول مالك أحسن؛ لأن من ملك أرضًا باختطاطِ ملكَ ما في باطنها، وليس جهله به حين البيع يسقط ملكه عنه. الحديث الثامن : حديث مالك عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ عن جابر وَعَنْ أَبِي النَّضْرِ (م. الأربعة) -مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ- عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَسْأَلُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ: مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّرُ فِي الطَّاعُونِ؟ فَقَالَ أُسَامَةُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((الطَّاعُونُ رِجْسٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ - أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ- فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ)). قَالَّ أَبُو النَّضْرِ : -أي: واسمه سالم- ((لَا يُخْرِجُكُمْ إِلَّا فِرَارًا مِنْهُ)). وأخرجه أيضًا في ترك الحيل(١) كما سيأتي، وأخرجه مسلم في الطب(٢)، والترمذي في الجنائز(٣)، والنسائي في الطب(٤)، وأهمله ابن عساكر. الحديث التاسع : حديث عائشة رضي الله عنها أَنَّهُ: ((عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ من عباده، وَأَنَّ اللهَ جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ، إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ)) .. (١) سيأتي برقم (٦٩٧٣) باب: ما يكره من الاحتيال. (٢) ((صحيح مسلم)) برقم (٢٢١٨) كتاب السلام، باب الطاعون والطيرة. (٣) (سنن الترمذي)) رقم (١٠٦٥). (٤) ((السنن الكبرى)) ٣٦٢/٤ (٧٥٢٣). ٦٤٧ كِتَابُ الأنْبياء صلوات الله عليهم وحديث عائشة هذا أخرجه في كتاب القدر (١) وفي كتاب الطب(٢) والتفسير(٣) أيضًا كما سيأتي وقال: ((مثل أجر الشهيد)) وحديث أسامة أخرجه مسلم بألفاظ (٤)، ثم قال: وعن سعد بن أبي وقاص وخزيمة بن ثابت، عن النبي وَّ بهذا الحديث(٥). ولم يخرجه البخاري عنهما، وقال في بعض طرقه: ((عذب به بعض الأمم، ثم بقي منه بقية فيذهب المرة ويأتي الأخرى))(٦) وسيأتي عنده حديث عبد الرحمن بن عوف: ((إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها لا تخرجوا فرارًا))(٧) والرجس: العذاب. وهو رحمة لهذه الأمة كما صرح به في الحديث، وقد سلف في الجهاد في باب: الشهادة سبع سوى القتل(٨). وقول أبي النضر: ( ((لا يخرجكم)))، مراده أن الخروج الذي منع منه الشارع هو الذي لا يخرجه إلا الفرار منه، فأما إن خرج لتجارة وغيرها غير فار فلا نهي عليه. وقيل: إنما منع من الخروج فرارًا منه ظنًّا أن الفرار ينجيه من القدر. (١) سيأتي برقم (٦٦١٩) باب ﴿قُل لَّنْ يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾. (٢) سيأتي برقم (٥٧٣٤) باب: أجر الصابر في الطاعون. (٣) لم أجده. (٤) مسلم (٢٢١٨) كتاب السلام، باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها. (٥) هذا الكلام ليس من كلام مسلم ولكنه من كلام الترمذي قاله بعد حديث أسامة. أنظر ((السنن)) رقم (١٠٦٥) كتاب الجنائز، باب: ما جاء في كراهية الفرار من الطاعون. (٦) ((صحيح مسلم)) رقم (٢٢١٨ / ٩٦). (٧) المصدر السابق رقم (٢٢١٩). (٨) سلف برقم (٢٨٣٠). ٦٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقوله: ((لا تقدموا عليه)) يريد: لأن مقامكم بالموضع الذي لا طاعون فيه أسكن لقلوبكم، وفيه المرأة والدار يعرفان بالشؤم فيوافق قدرًا من مكروه فيقع في الأنفس أن ذلك من سببهما. وسئل مالك عن البلد يقع فيه الموت وأمراض هل يكره الخروج إليه؟ قال: ما أرى بأسًا خرج أو أقام، قيل: فهذا شبه ما جاء به الحديث من الطاعون؟ قال: نعم(١). وحديث عائشة رضي الله عنها المراد به ما لم يمت منه كما قاله الداودي، أما من مات منه فهو شهيد جزمًا . وذكر ابن جرير الخلاف عن السلف في الفرار من الوباء، وذكر عن أبي موسى الأشعري أنه كان يبعث بنيه إلى الأعراب من الطاعون، وعن الأسود بن هلال ومسروق أنه کان یفر منه. وعن عمرو بن العاصي أنه قال: (تفرقوا)(٢) في هذا الرجز في الشعاب والأودية ورءوس الجبال، فبلغ معاذًا فأنكره وقال: بل هو شهادة ورحمة ودعوة نبيكم(٣). (١) أنظر ((المفهم)) للقرطبي ٦١٤/٥. (٢) في هامش الأصل: (تفروا) عليها (خ) تعني: من نسخة أخرى، والله أعلم. (٣) رواه أحمد ٢٤٨/٥، والبزار في ((مسنده)) كما في ((كشف الأستار)) ٣٩٧/٣ (٣٠٤٢) في قصة طويلة وفيه قول معاذ بن جبل وشرحبيل بن حسنة: ليس بالطاعون ولا الرجز ولكنها رحمة ربكم ودعوة نبيكم .. الحديث. وأخرجه مطولا بنحو حديث البزار: ابن أبي شيبة ١٦١/٦ وليس فيه كلام شرحبيل ابن حسنة. وأخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٣٠٦/٤ وابن حبان (٢٩٥١) وليس فيهما كلام معاذ بن جبل. قلت: فلعل كلام معاذ وشرحبيل تناقله غير واحد من الصحابة وذلك لتخفيف وقع هُذِه المصيبة على المسلمين. ٦٤٩ كِتَابُ الأَنْبياء صلوات الله عليهم = وكان بالكوفة طاعون فخرج المغيرة منها(١)، فيما ذكره المدائني فلما كان في حصاص(٢) ابن عوف طعن فمات. وأما عمر فرجع من سرغ ولم يقدم عليه(٣)، وذلك لدفع الأوهام المشوشة لنفس الإنسان، وندم على رجوعه. وتأول من فر أنه لم ينه عن الدخول والخروج مخافة أن يصيبه غير المقدور، لكن مخافة الفتنة أن يظنوا أن هلاك القادم إنما حصل بقدومه، وسلامة الفار إنما كانت بفراره. وهذا من نحو النهي عن الطيرة. وعن ابن مسعود: هو فتنة على المقيم الفار فيقول: فررت فنجوت، وأما المقيم فيقول: أقمت فمت، وإنما فر من لم يأت أجله، وأقام من حضر أجله. وقالت عائشة رضي الله عنها: الفرار منه كالفرار من الزحف. ويقال: قلما فر أحد من الوباء فسلم، ويكفي من ذلك موعظة قوله تعالى: ﴿أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أَلُوفُّ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ الآية. قال الحسن: خرجوا حذرًا من الطاعون فأماتهم الله في ساعة واحدة، وهم أربعون ألفًا (٤). وقد ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٣١٢/٢ وقال: رواه البزار وروى أحمد بعضه وفي إسناد البزار شهر بن حوشب وفيه كلام وقد وثقه غير واحد. وقال في موضع آخر ٣١٤/٢: رواه أحمد وأبو قلابة لم يدرك معاذ بن جبل. (١) ذكر هذا الكلام ابن حجر في ((بذل الماعون في فضل الطاعون)) ص ٢٢٣. (٢) هو موضع بالحجاز، أنظر: ((معجم ما استعجم)) ٤٥١/١. (٣) رواه البخاري (٥٧٢٩) كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون ومسلم، (٢٢١٩) كتاب السلام، باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها. (٤) رواه بنحوه عبد الرزاق في ((تفسيره)) ١١٠/١ (٣٠٢). ٦٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = غريبة : وقع في كتاب أبي الفرج الأصبهاني: كانت العرب تقول: إذا دخل بلدًا وفيها وباء فإنه ينهق نهيق الحمار قبل دخولها، فإنه إذا فعل ذلك أمن من الوباء. فصل : إن قلت: عدم القدوم عليه تأديب وتعليم، وعدم الخروج إثبات التوكل والتسليم وهما ضدان، فأمره بالحذر ونهى عنه؟! قلت: أجاب ابن الجوزي أنه لما لم يؤمن على القادم عليه أن يظن أنه إذا أصابه أن ذلك على سبيل العدوى التي لا صنع (للمقدور) (١) فيها نهى عن ذلك، فكلا الأمرين يراد لإثبات القدر، وترك التعرض لما يزلزل الباطن. وقال بعضهم: إنه إنما نهي عن الخروج لأنه إذا خرج الأصحاء وهلك المرضى فلا يبقى من يقوم بأمرهم فخروج هؤلاء لا يقطع بنجاتهم، وهو قاطع بهلاك الباقين، والمسلمون كما جاء في الحديث ((كالبنيان يشد بعضه بعضًا)). وقال ابن العربي: الذي عندي أن الله أذن أن لا يتعرض أحد للحتوف - ولكن هو من باب الحذر الذي أذن فيه؛ لأن الله صانك أن لا تشرك به فتقول: لو لم أدخل لم أمرض (٢). فصل : قول أبي النضر السالف: ( ((لا يخرجكم)(٣) إلا فرارًا منه)) ) كذا هو (١) في (ص١) (للقدر). (٢) ((عارضة الأحوذي)) ٢٨٦/٤. (٣) في الأصل: (يخرجنكم)، والمثبت من اليونينية ١٧٥/٤. ٦٥١ = كِتَابُ الأنبياء صلوات الله عليهم بالنصب، ويجوز رفعه، واستشكلهما القرطبي؛ لأنه لا يفيد بحكم، ظاهره أنه لا يجوز لأحد أن يخرج من الوباء إلا من أجل الفرار وهذا محال، وهو نقيض المقصود من الحديث، لا جرم قيده بعض رواة ((الموطأ)): الإفرار منه بهمزة مكسورة ثم فاء ساكنة يوهم أنه مصدر، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه لا يقال: أفرَّ رباعيًا، وإنما: يقال: فر، ومصدره فرار ومفر، قال تعالى: ﴿أَيْنَ الْغَرُّ﴾ وقال جماعة من العلماء: إدخال (إلا) فيه غلط، قال بعضهم: إنها زائدة كما تزاد (لا) في مثل قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ أي: أن تسجد، وقال بعض النحويين: (إلا) هنا للإيجاب، لأنها تعوض ما نفاه من الجملة، ونهاه عن الخروج، فكأنه قال: لا تخرجوا منها إذا لم يكن خروجكم إلا فرارًا، فأباح الخروج لغرض آخر. والأقرب أن تكون زائدة، والصحيح إسقاطها كما قد صح في الروايات الأخر(١). وقال القاضي عياض: خرج بعض محققي العربية لرواية النصب وجهًا فقال: منصوب على الحال، قال: فلفظة (إلا) هنا للإيجاب لا للاستثناء، قال: وتقديره لا تخرجوا (إذا)(٢) لم يكن خروجكم إلا فرارًا منه(٣). فائدة : الطاعون وزنه فاعول من الطعن غير أنه عدل عن أصله، ووضع دالاً على الموت العام بالوباء، وهي قروح تخرج في الجسد فتكون في المراق أو الآباط أو الأيدي أو الأصابع وسائر البدن، ويكون معه (١) ((المفهم)) ٦١٤/٥ - ٦١٥. (٢) في الأصل: (إلا) والمثبت من (إكمال المعلم). (٣) ((إكمال المعلم)) ٧/ ١٣١. ٦٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح : ورم وألم شديد وتخرج تلك القروح مع لهب، ويسود ما حوله أو يخضر أو يحمر حمرة بنفسجية كدرة، ويحصل معه خفقان القلب والقيء. وقال الخليل: الوباء هو الطاعون(١)، وقيل: هو كل مرض عام يقع بكثير من الناس نوعًا واحدًا، بخلاف سائر الأوقات فإن أمراضهم فيها مختلفة، فقالوا: كل طاعون وباء، وليس كل وباء طاعونًا، وجمعه طواعين. ونقل ابن التين عن الداودي أنه حبة تخرج في الأرفاغ، وفي كل طي في الإنسان ثم قال: والصحيح أنه كالوباء. الحديث العاشر: حديث عائشة رضي الله عنها: أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ المَرْأَةِ المَخْزُومِيَّةِ التِي سَرَقَتْ، (فَقَالُوا)(٢): مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللهِ وَلِّ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللهِ وََّ؟ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودٍ اللهِ؟!)) .. الحديث ويأتي في موضعه بعد(٣). وايمن جمع يمين، ثم كثر في كلامهم فحذفوا النون كما حذفوا من لم يكن، فقالوا: لم يك. وقيل: هي إيم الله بكسر الهمزة، واختلف في ألف أيمن هل هي ألف وصل أو ألف قطع. واسم هذِه المرأة فاطمة بنت الأسود ابن عبد الأسد بنت أخي أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد، وكان ذلك في غزوة الفتح وقتل أبوها كافرًا يوم بدر، وكان حلف ليكسرن (١) ((العين)) ٤١٨/٨. (٢) كذا في الأصل وفي هامشها: (فقال) وعليها علامة تشير إلى أنها نسخة. (٣) سيأتي برقم (٣٧٣٣) كتاب فضائل الصحابة، باب: ذكر أسامة بن زيد ه وبرقم (٦٧٨٧) كتاب الحدود، باب: إقامة الحدود على الشريف والوضيع ومواضع أخرى أنظر رقم (٢٦٤٨). ٦٥٣ كِتَابُ الأنْبياء صلوات الله عليهم = حوض رسول الله وَله، فقاتل حتى وصل إليه، فأدركه حمزة وهو يكسره، فقتله، فاختلط دمه بالماء(١). الحديث الحادي عشر: حديث ابن مسعود : سَمِعْتُ رَجُلًا قَرَأَ، وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ وَ يَقْرَأْ خِلَافَهَا، فَجِئْتُ بِهِ النَّبِيَّ ◌َّهِ فَأَخْبَرْتُهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الكَرَاهِيَةَ، وَقَالَ: ((كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ، لَا تَخْتَلِفُوا، فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ أُخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا)). وقد سلف في الإشخاص والملازمة(٢)، وفيه النهي عن الاختلاف في القراءات، وأن لا يقول أحد لشيء قرئ: ليس هو كذا. الحديث الثاني عشر: حديث شقيق قال: قَالَ عَبْدُ اللهِ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َّهِ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، وَهْوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: ((اللَّهُمَّ أَغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)). ويأتي في استتابة المرتدين(٣)، وأخرجه مسلم(٤)، وابن ماجه(٥). وسيدنا رسول الله وَلل هو الحاكي والمحكي عنه، وكأنه أوحي إليه بذلك قبل وقوع قصته يوم أحد، ولم يعين له ذلك النبي ◌ّ فلما وقع له ذلك تعين أنه (هو)(٦) المعنيُّ بذلك، نبه عليه القرطبي (٧). (١) أنظر ((سيرة ابن هشام)) ٢٦٤/٢ - ٢٦٥. (٢) سلف برقم (٢٤١٠) كتاب الخصومات. (٣) سيأتي برقم (٦٩٢٩) باب: إذا عرض الذمي وغيره بسب النبي ◌َليّ. (٤) مسلم (١٧٩٢) كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة أحد. (٥) (سنن ابن ماجه)) (٤٠٢٥) كتاب: الفتن، باب: الصبر على البلاء. (٦) ليست في الأصل. (٧) ((المفهم)) ٦٥١/٣. ٦٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قال ابن التين: وفيه أنه كان يرجو إنابتهم كاستغفار إبراهيم لأبيه، ودعاء نوح قومه، فلما تبين لابنه أن أباه لا يؤمن تبرأ منه، ولما أخبر الله نوحًا أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن قال: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى اُلْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ودعا رسول الله بَّ على قريش حين عتوا وسمى قومًا قتلوا يوم بدر(١). وقال: ((كيف يفلح قوم دمَّوا وجه نبيهم)) فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ اٌلْأَمْرِ شَىْءُ﴾ [آل عمران: ١٢٨](٢) فعلم أن منهم من يؤمن. وقال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ يَبْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةٌ ﴾ [الممتحنة: ٧] قال ابن عباس: وذلك تزويجه وقلّ لأم حبيبة بنت أبي سفيان(٣). الحديث الثالث عشر: حديث أبي سعيد الخدري ﴿ عَنِ النَّبِّ وَّرِ: ((أَنَّ رَجُلًا كَانَ قَبْلَكُمْ رَغَسَهُ اللهُ مَالَّا، فَقَالَ لِبَنِيهِ لَمَّا حُضِرَ: أَّ أَبِ كُنْتُ لَكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرَ أَب. قَالَ: فَإِنِّي لَمْ أَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَإِذَا مُتُّ فَّأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي، ثُمَّ ذَرُّونِي فِي يَوْمِ عَاصِفٍ. فَفَعَلُوا، فَجَمَعَهُ اللهُ وَ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ؟ قَالَ: مَخَافَتُكَ، فَتَلَقَّاهُ بِرَحْمَتِهِ)) . وَقَالَ مُعَاذٌ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ قال سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الغَافِرِ، سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِّ ◌َ. وقد سلف الكلام عليه قريبًا في ثاني حديث في هذا الباب، أعني (١) رواه البخاري رقم (٢٤٠) كتاب الوضوء، باب إذا ألقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته. (٢) مسلم (١٧٩١) كتاب: الجهاد، باب: غزوة أحد. (٣) مسلم (٢٥٠١) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي سفيان بن حرب ﴿. وانظر ((أسباب النزول)) للواحدي ص٤٤٣. ٦٥٥ = كِتَابُ الأَنْبياء صلوات الله عليهم باب ما ذكر عن بني إسرائيل(١)، ويأتي في الرقاق(٢) والتوحيد(٣)، وأخرجه مسلم(٤). و( ((رغسه))) براء مهملة مفتوحة ثم غين معجمة ثم سين مهملة ثم هاء أي: كثر ماله، فالرغس البركة والنماء والخير، ورجل مرغوس: كثير الخير، ورغسه الله: أكثر ماله وبارك له، وتقول: كانوا قليلًا فرغسهم الله أي: كثرهم، وروي (راسه الله) وهو غلط كما قاله ابن التين، فإن صح فهو بشين معجمة، والريش والرياش: المال. وقيل: رغس كل شيء أصله، فكأنه جعل له أصلًا من كل مال. وقوله: ( ((في يوم عاصف)) ) أي: عاصف ريحه. وقوله: ( («فتلقاه))) هو بالقاف عند أبي ذر، قال ابن التين: ولا أعلم للفاء وجهًا إلا أن يكون أصله من تلففته رحمته، أي: كفرته وغشيته فلما اجتمع ثلاث فاءات أبدلت الآخرة (ألفًا)(٥). ثم ذكر البخاري بعده حديث حذيفة وعقبة مثله وسلفا . وفيه ( ((ثم أوروا نارًا)) ) أي: أقدحوا وأشعلوا، وفيه: ( ((فذروني في اليم في يوم حار أو راح)) ) كذا للمروزي والأصيلي وأبي ذر (حاز) بتشديد الزاي المعجمة يحز بحره وبرده، وعند أبي الهيثم (حار)(٦) بالراء، وأشار بعضهم إلى تفسيره بالشدة أي: بشدة ريحه. (١) سلف برقم (٣٤٥١ - ٣٤٥٢) من حديث حذيفة بن اليمان. (٢) سيأتي برقم (٦٤٨١)، باب: الخوف من الله. (٣) سيأتي برقم (٧٥٠٨) باب: قوله تعالى ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَلَمَ اللَّهِ﴾﴾. (٤) مسلم رقم (٢٧٥٧) كتاب التوبة، باب: في سعة رحمة الله تعالى. (٥) في الأصل: فاء وهو تصحيف. (٦) ليست في الأصل. ٦٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -= وجاء في بعض الروايات ((في يوم حان)) بالنون، وللنسفي (حار أو راح) على الشك قاله عياض، ورواه البخاري بعده عن عبد الملك، وقال ( ((في يوم راح)) ) واقتصر ابن التين على رواية (حان) بالنون، ثم نقل عن ابن فارس: (الحنون)(١): ريح [تحن](٢) كحنين الإبل(٣)، قال: فعلى هذا يقرأ ((في يوم حان)) بتشديد النون يريد حان ريحه، وتبعه بعض شيوخنا فاقتصر عليه في شرحه وأهمل ما ذكرناه. ثم ذكر البخاري بعده حديث أبي هريرة : «كَانَ رجل يُدَايِنُ النَّاسَ .. )) الحديث من طريقين عنه، وقد سلف قريبًا تأويله، وفي البيوع أيضًا(٤). ثم ذكر حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: ((عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ .. )) وقد سلف أيضًا(٥) . وحديث أبي مسعود : ((إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ: إِذَا لَمْ تَسْتَحِي فاصنع مَا شِئْتَ)). أخرجه عن آدم ثنا شعبة، عن منصور سمعت ربعيًا يحدث عن أبي مسعود فذكره، وهذا هو المحفوظ، ورواه ابن سعد عن منصور، عن ربعي، عن حذيفة (٦) . (١) في الأصل: الحون والمثبت هو الصحيح من ((مجمل اللغة). (٢) زيادة من ((مجمل اللغة)). (٣) ((مجمل اللغة)) ٢١٩/١ مادة [حنن]. (٤) سلف برقم (٢٠٧٨) كتاب البيوع، باب: من أنظر معسرًا. (٥) سلف برقم (٢٣٦٥) كتاب المساقاة، باب فضل سقي الماء. ورقم (٣٣١٨) كتاب بدء الخلق، باب: خمس من الدواب فواسق، يقتلن في الحرم. (٦) ذكره ابن حجر في ((الفتح)) ٦/ ٥٢٣ فقال: رواه إبراهيم بن سعد، عن منصور .. الحديث، وعزاه إلى الدارقطني، ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٣٧٠/٤ - ٣٧١ من طريق إبراهيم بن طهمان عن الثوري عن منصور عن ربعي عن حذيفة .. الحديث. ٦٥٧ كِتَابُ الأنْبياء صلوات الله عليهم = قال الدارقطني: وكذا رواه أبو مالك الأشجعي عن ربعي، وروي عن ربعي، عن حذيفة قوله(١) . وذكر الطرقي أن عبد الله بن مسلمة لم يسمع من شعبة غير هذا الحديث(٢) وسيأتي أيضًا في الأدب(٣). ومعنى الحديث: أن الحياء أمره ثابت منذ زمان النبوة الأولى، فإنه ما من نبي إلا وقد ندب إلى الحياء وبعث عليه، ولم يُبَدَّل فيما بُدِّل منها . وذلك أنه أمر قد علم صوابه، وبان فضله، ولم ينسخ فيما نسخ من شرائعهم . وقوله: ( ((فاصنع ما شئت)) ) هو أمر معناه الخبر -يقال: استحى يستحي، واستحيا يستحيي- لأن المستحي ينقطع بحيائه عن المعاصي، وإن لم تكن له بقية. وحکوا فيه أوجهًا : أحدها: إذا لم تستحي من العتب وتخشى العار، فافعل ما تحدثك به نفسك قبيحًا كان أو حسنًا، لفظه أمر، ومعناه التوبيخ. الثاني: أن يحمل (على)(٤) الأمر على بابه، تقول: إذا كنت آمنًا في فعلك أن تستحي منه بجريك على الصواب، وليس من الأفعال التي يستحى منها فاصنع ما شئت، وعبارة ابن التين: إذا لم ترتكب ما تستحي منه مما ینهى عنه فاصنع ما شئت. (١) ((العلل)) ١٨٠/٦. (٢) قال المزي في ((تهذيب الكمال)) ١٦/ ١٣٧: عبد الله بن مسلمة روى عن شعبة بن الحجاج حديثًا واحدًا. قلت: هذا الحديث رواه أبو داود برقم (٤٧٩٧). (٣) سيأتي برقم (٦١٢٠) باب: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت. (٤) كذا في الأصل، ولعها زائدة. ٦٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ثالثها: معناه الوعيد أي: افعل ما شئت تجازى به لقوله تعالى: أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ . رابعًا: لا يمنعك الحياء من فعل الخير، خامسها: أنه على طريق المبالغة في الذم، أي: تركك الحياء أعظم مما تفعله . ثم ذكر بعده حديث ابن عمر رضي الله عنهما : ((بَيْنَمَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ مِنَ الخُيَلَاءِ خُسِفَ بِهِ، فَهْوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الأَرْضِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)). تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ. يعني : تابع یونس، عن الزهري، عن سالم، عنه، وأخرجه النسائي في الزينة(١)، وأخرجه هو والنسائي من طريق أبي هريرة ◌ّ أيضًا(٢) ووقع في ابن عساكر من أن النسائي أخرجه من طريق سالم، عن ابن عمر، عن أبي هريرة، والذي وجد فيه عن سالم عن أبي هريرة. والخيلاء: التبختر والإعجاب، وهو كقوله: ((لا ينظر الله إلى من جر إزاره))(٣) فإن أختال مع قصر ثيابه دخل في هذا الوعيد، لا أن جر الإزار هو الموجب للوعيد. ومعنى يتجلجل: يتحرك في الأرض، والجلجلة حركة مع صوت، أي: يسوخ فيها حين يخسف به، قاله النضر بن شميل، وقال ابن دريد: كل شيء خلطت بعضه ببعض فقد جلجلته(٤)، وقال ابن فارس: جلجلت (١) (سنن النسائي)) ٢٠٦/٨. باب التغليظ في جر الإزار. (٢) سيأتي برقم (٥٧٨٩) كتاب اللباس، باب من جر ثوبه من الخيلاء، وفي ((السنن الكبرى)» ٤٨٣/٥. (٣) سيأتي برقم (٥٧٨٨) ورواه مسلم (٢٠٨٧) في اللباس والزينة، باب: تحريم جر الثوب خيلاء، وبيان حد ما يجوز إرخاؤه إليه .. من حديث أبي هريرة. (٤) ((جمهرة اللغة)) ١٨٤/١ مادة (جلجل). ٦٥٩ كِتَابُ الأنبياء صلوات الله عليهم = الشيء إذا حركته بيدك (١)، وقيل: يتجلجل يهوي، وقيل: التجلجل أن يسيخ في الأرض مع اضطراب شديد وتدافع من شق إلى شق(٢)، وزعم بعضهم أن هذا الرجل قارون. فائدة : عبد الرحمن بن خالد هذا هو أبو خالد الفهمي مولى الليث بن سعد من فوق، روى عنه الليث، وكان واليًا لهشام على مصر سنة ثماني عشرة وعزل سنة تسع عشرة، وتوفي سنة سبع وعشرين ومائة(٣). وشيخ البخاري بشر بن محمد: هو أبو محمد المروزي، مات سنة أربع وعشرين ومائتين. ثم ذكر بعده حديث أبي هريرة : ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد كل أمة أوتوا الكتاب .. )) الحديث سلف في الصلاة(٤). ومعناه نحن آخر الأنبياء، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، وأول من يدخل الجنة. وبعض أصحابه أول خصمين يوم القيامة، قال علي: أنا أول من يجثو للخصام يوم القيامة، يعني: أنه يأتي هو وحمزة وعبيدة بن الحارث وشيبة وعتبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة وهم الذين تبارزوا يوم بدر يوم الفرقان، وفيهم أنزلت ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ (٥) (١) ((مجمل اللغة)) ١٧٤/١. (٢) قاله الخطابي في ((أعلام الحديث)) ١٥٧٥/٣. (٣) أنظر ترجمته في ((التاريخ الكبير)) للبخاري ٢٧٧/٥ (٩٠٠)، و((الجرح والتعديل)) ٢٢٩/٥ (١٠٨٣)، ((تهذيب الكمال)» ٧٦/١٧. (٤) سلف برقم (٢٣٨) باب: البول في الماء الدائم. (٥) سيأتي برقم (٣٩٦٦) كتاب المغازي، باب: قتل أبي جهل، ومسلم برقم (٣٠٣٣) كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمّ﴾. ٦٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - الآية [الحج: ١٩] ورأى النبي ◌َل أبا دجانة يتبختر بين الصفين في قتال العدو فقال: ((إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموضع))(١) ومعنى ( ((بيد))): غير، يقال: هو كثير المال بيد أنه بخيل، وبمعنى إلا، وبمعنى لكن. فائدة : في إسناده وهيب وهو ابن خالد بن عجلان أبو بكر مات سنة خمس وستين ومائة، ثم ذكر فيه حديث معاوية الذي في الباب، وهو الحديث الثالث منه، فراجعه . (١) رواه الطبراني ٧/ ١٠٤ (٦٥٠٨) من طريق محمد بن طلحة، عن خالد بن سليمان، عن سماك بن خرشة عن أبيه عن جده به، ومن طريقه رواه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) ٣/ ١٤٣٧ وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ١٠٩/٦ وقال: وفيه من لم أعرفه.