Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
كِتَابُ الأنبياء صلوات الله عليهم
وقوله: (﴿رُخَةَ﴾: طيبة). قال قتادة: هي اللينة. وقال ابن عباس:
مطيعة. وقال الحسن: ليست بعاصفة ولا هينة بين ذلك.
وقوله: (﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ حيث شاء)، حكى الأصمعي أصاب
الصواب فأخطأ الجواب أي أراد الصواب.
وقوله: (﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ بغير حرج) هو قول مجاهد، قال الحسن:
ليس أحد ينعم عليه إلا ويحاسب (على النعمة)(١) إلا سليمان، ثم قرأ
هُذِهِ الآية(٢).
ثم ذكر في الباب أربعة أحاديث:
أحدها :
حديث أبي هريرة ﴾ ((إن عفريتًا من الجن تفلت عليّ)) الحديث تقدم
في الصلاة في باب: ما يجوز في العمل فيها(٣).
ثم قال: عفريت متمرد من إنس أو جان مثل زِبْنِيَة جمع زبانية.
قلت: زِبْنِيَة على مثال عفرية. والزبانية -عند العرب- الشرط،
وسمي بذلك بعض الملائكة لدفعهم أهل النار إليها .
وأصل الزبن الدفع، قال الأخفش: قال بعضهم: واحدها زباني،
وقال بعضهم: زابن، قال: والعرب لا تكاد تعرف هذا، وتجعله من
الجمع الذي لا واحد له مثل أبابيل وعبادید.
(١) من (ص١).
(٢) أنظر: ((تفسير الطبري)) ٥٨٣/١٠ - ٥٨٤، ((معاني القرآن)) للنحاس ١١٤/٦.
(٣) سلف برقم (١٢١٠) كتاب: العمل في الصلاة.

٥٢٢
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الحديث الثاني :
حديث أبي هريرة أيضًا ﴾ في قول سليمان بن داود: لأطوفن على
سبعين أمرأة .. إلى آخره. وقال شعيب وابن أبي الزناد: تسعين. وهو
أصح.
وقد سلف في الجهاد.
الحديث الثالث :
حديث أبي ذر قلت: يا رسول الله وَّل﴾ أي مسجدٍ وضع أول؟
سلف قريبًا .
الحديث الرابع :
حديث أبي هريرة # أنه سمع رسول الله وَل يقول: ((مثلي ومثل
الناس كمثل رجل استوقد نارًا فجعل الفراش وهذه الدواب تقع في
النار)). وقال: كانت امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن
إحداهما فتحاكما إلى داود .. الحديث.
وفيه: ((ائتوني بالسكين أشقه بينكما)). قال أبو هريرة: والله إن
سمعت بالسكين إلا يومئذ وما كنا نقول إلا المدية. وهما حديثان
جمع بينهما، وقد أخرج الثاني في الفرائض، والحديث الأول
مختصر، وتمامه: ((فجعل يزعهن(١) ويغلبنه فيقتحمن فيها فأنا آخذ
بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها))(٢). لا جرم قال ابن التين:
فيه أختصار. ومعناه أنه حذرهم فجعلوا يتهافتون فيما يوضعهم في
النار كما فعلت هذِه إلا من عصم الله .
(١) جاء في هامش الأصل: كذا في أصله: يزعهن. ومعناه يكفهن.
(٢) سياتى برقم (٦٤٨٣) وفي : فجعل ينزعهن ...

٥٢٣
كِتَابُ الأَنْبياء صلوات الله عليهم
=
ولمسلم عن جابر رضي الله عنه مرفوعًا: ((مثلي ومثلكم كمثل رجل
أوقد نارًا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبهن عنها وأنا آخذ
بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي)) (١). وأخرج مسلم حديث
المرأتين في القضاء(٢).
فصل :
الفراش: بفتح الفاء. قال الخليل: يطير كالبعوض. وقيل: هو
كصغار البق. وقال الفراء: هو غوغاء الجراد الذي ينفرش ويتراكب
ويتهافت في النار. واستوقد: أوقد. والسين والتاء زائدتان.
وهذا مثل لاجتهاده وحرصه على تخليصنا من الهلاك وغلبة شهواتنا
وظفر عدونا اللعين بنا صرنا أحقر من الفراش.
والجنادب: الجراد. واحدها جندب مثلث الدال. والتقحم:
الإقدام والوقوع في الأمور الشاقة من غير تثبت.
والحجز: جمع حجزة، وهو معقد الإزار والسروايل و(آخِذ): بكسر
الخاء وتنوين الدال على المشهور على أنه اسم فاعل، وروي بضم الخاء
بغير تنوين على أنه فعل مضارع. وادعى ابن العربي أن الخلق لا يأتون
ذلك على قصد الهلكة، وإنما يأتونه بقصد النجاة والمنفعة. كالفراش
الذي يقتحم الضياء ليس مرداه الهلاك ولكنها لتأنس به، وهي لا تبصر
بحال حتى قال بعضهم: إنها في ظلمة فتعتقد أن الضياء كوة يستطير فيها
النور فتقصدها لأجل ذلك، فتحرق وهي لا تشعر، وذلك هو الغالب من
أحوال الخلق أو كله (٣).
(١) مسلم (٢٢٨٥) كتاب: الفضائل، باب: شفقته وَله على أمته.
(٢) مسلم (١٧٢٠) كتاب: الأقضية، باب: بيان أختلاف المجتهدين.
(٣) أنظر ((عارضة الأحوذي)) ٣٢٥/١٠.

٥٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
فصل :
حديث المرأتين أشكل على كثير من الشراح حتى قال بعضهم: إن
هُذا لم يكن من داود حكمًا وإنما كان فتيا. قال الدوادي: الذي كان من
قصة داود وسليمان إنما هو كالتشاور. وليس كما ظن فإنه نص على
الحكم، وفتيا النبي كحكمه إذ يجب تنفيذه. وادعى بعضهم أن ذلك
من شرع داود أن يحكم به للکبری أي من حيث هي کبری.
وهو غلط؛ لأن اللفظ ليس نصًّا فيه؛ ولا الكبر والصغر طرد محض
عند الدعاوى كالطول والقصر، والسواد والبياض، فلا يوجب شيء من
ذلك ترجيحًا لأحد من المتداعيين حتى يحكم له أو عليه، والذي ينبغي
أن يقال -كما نبه عليه القرطبي -: أنه إنما حكم به للكبرى لمرجح عنده
لم يذكره هنا، فيمكن أن يقال: إن الولد كان في يدها وعلم عجز
الأخرى عن بينة فقضى به لها. وهو حسن.
وفعل سليمان ليس نقضًا لحكم والده وإنما ظهر له من القرينة في
الصغرى دون الكبرى، أو لعله كان ممن يسوغ له أن يحكم بعلمه،
ولعلها أعترفت عند ذلك، وهو من باب تبدل الأحكام لسبب تبدل
الأسباب(١)، وذكر النووي أنه فعل ذلك تحيلًا على إظهار الحق،
فلما أقرت به الصغرى عمل بإقرارها، وإن كان الحكم قد نفذ كما
لو أعترف المحكوم له بعد الحكم أن الحق لخصمه(٢).
قال ابن الجوزي: وإنما حكما بالاجتهاد إذ لو كان بنص لما ساغ
خلافه(٣)، وهو دال على أن الفطنة والفهم موهبة، ولا التفات - كما قال
(١) («المفهم)) ١٧٥/٥ - ١٧٦.
(٣) ((زاد المسير)) ٣٧٢/٥.
(٢) ((شرح مسلم)) ١٨/١٢.

٥٢٥
كِتَابُ الأنبياء صلوات الله عليهم
=
القرطبي - لقول من يقول: إن الاجتهاد إنما يسوغ عند فقد النص،
والأنبياء لا يفقدون النص، فإنهم متمكنون من استطلاع الوحي
وانتظاره. والفرق بينهم وبين غيرهم قيام العصمة بهم عن الخطأ.
وعن التقصير في الاجتهاد بخلاف غيرهم.
فصل :
فيه من الفقه استعمال الحكام الحيل التي تستخرج بها الحقوق،
وذلك يكون عن قوة الذكاء والفطنة وممارسة أحوال الخلق، وقد
يكون في أهل التقوى فراسة دينية، وتوسمات نورية.
فصل :
قولها: (لا تفعل يرحمك الله) جاء في رواية: (لا، يرحمك الله)(١)
وينبغي أن يقف على (لا) دقيقة حتى يتبين للسامع أن ما بعده كلام
مستأنف؛ لأنه إذا وصل ما بعد (لا) توهم السامع أنه دعاء عليه كما
قال الصديق لرجل قال له: لا يرحمك الله: لقد علمتم لو علمتم قل :
لا، ويرحمك الله.
فصل :
فيه حجة لمن يقول باستلحاق الأم، وهو خلاف مشهور مذهب
مالك، ولا يلحق عنده بأحدهما إلا ببينة(٢).
فائدة: المدية مثلثة الميم، سميت بذلك لأنها تقطع مدى الحياة.
والسكين يذكر ويؤنث، ويقال سكينة؛ لأنها تسكن حركة الجيوان.
(١) ورد في هامش الأصل: هي في مسلم.
مسـ
(٢) ((المفهم)) ١٧٦/٥ -١٧٧.

٥٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٤١ - باب قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى:
﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَاَ لُقْمَنَ اُلْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾
إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَخُورُ﴾ [لقمان: ١٢- ١٨]
﴿وَتُصَعِرْ﴾ [لقمان: ١٨]: الإِعْرَاضُ بِالْوَجْهِ.
٣٤٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ
عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: لَا نَزَّلَتِ: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيَمَنَهُمْ بِظُلْمٍ﴾
[الأنعام: ٨٢] قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ◌ََِّّ: أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْم؟ فَنَزَّلَتْ: ﴿لَا تُشْرِكِ
بِاَللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. [انظر: ٣٢ - مسلم: ١٢٤ - فتح:
٤٦٥/٦]
٣٤٢٩ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، عَنْ
إِنْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ عَ﴾ قَالَ: لَا نَزَلَتِ: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوَأْ
إِيَمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّنَا
لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: ((لَيْسَ ذَلِكَ، إِنَّمَا هُوَ الشِّرْلُكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ لُقْمَانُ
لاِبْنِهِ وَهْوَ يَعِظُهُ: ﴿يَبُنِىَّ لَا تُشْرِكَ بِلَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
ثم ذكر حديث عبد الله ضه لما نزلت: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيَمْنَهُم
بِظُلْمٍ﴾ الحديث من طريقين، وقد سلف قريبًا(١)، وأنه سلف في
الإيمان.
وشيخه في الثاني: (إسحاق) هو ابن إبراهيم كما صرح به أصحاب
الأطراف.
و(لقمان) قيل: هو ابن باعور بن ناحر بن تارح وهو آزر أبو إبراهيم.
(١) سلف برقم (٣٣٦٠) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى ﴿وَأَتَّخَذَ اَللَّهُ
إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾.

٥٢٧
= كِتَابُ الأَنْبياء صلوات الله عليهم
وقيل: ابن عنقا بن سرون ذكره السهيلي(١)، عاش ألف سنة، وأدرك
داود وأخذ عنه العلم، وكان يفتي قبل مبعث داود، فلما بعث داود
قطعها، وكان من أهل أيلة، وقيل: كان تلمذ ألف نبي.
واختلف في نبوته فقال ابن المسيب: كان من سودان مصر ذو مشافر
وكان نبيًّا، وعنه: أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة، وعنه: أنه كان
خياطًا، وعن عكرمة -فيما ذكره الحوفي -: كان نبيًّا، وقيل: كان
عبدًا صالحًا مملوكًا لبني الحسحاس من الأزد.
وعن ابن أبي حاتم عن مجاهد: كان عبدًا أسود عظيم الشفتين مشقق
القدمین .
وقال ابن عباس: كان عبدًا حبشيًا نجارًا .
وفي ((المعاني)) للزجاج: نجادًا. بالدال المهملة، وقيل: كان راعيًا
ووقف عليه إنسان وهو في مجلسه، فقال له: ألست الذي كنت ترعى في
مكان كذا وكذا؟ قال: بلى قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق
الحديث، والصمت عما لا يعنيني (٢).
(١) أنظر كلام السهيلي في ((تفسير مبهمات القران)) للبلنسي ٣٢٨/٢.
(٢) ورد بهامش (ص١): قال القسطلاني: روي أنه كان نائمًا فنودي: هل لك أن
يجعلك الله خليفة في الأرض فتحكم بين الناس بالحق؟ فأجاب: ( ... ) وقال: إن
خيرني ربي قبلت العافية ولم أقبل البلاء، وإن عزم علي فسمعًا وطاعة، فإني أعلم
أنه إن فعل بي ذلك أعانني، فقالت الملائكة: ( ... ) قال: لأن الحاكم راشد
المنازل وأكثرها يغشاه الظلم من كل مكان، ومن يكن في الدنيا ذليلًا خيرٌ من أن
يكون شريفًا، فتعجبت الملائكة فنام نومة، فأعطي الحكمة، فانتبه وهو يتكلم بها ،
والحكمة كما في ((الأنوار)) استكمال النفس الإنسانية في اقتباس العلوم النظرية،
واكتساب الملكة الباقية على الأفعال الفاضلة على قدر فضلها. انتهى، يختص
برحمته من يشاء.

٥٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقال جابر بن عبد الله: كان قصيرًا أفطس من النُّوبة، وقيل: كان
نوبيًّا لرجل من بني إسرائيل فأعتقه (١).
وقال ابن قتيبة: لم يكن نبيًّا في قول أكثر الناس، أي بل كان عبدًا
صالحًا. وقال الواقدي: كان يحكم ويقضي في بني إسرائيل، وزمنه
ما بين عيسى ومحمد ◌َّ وقال وهب: كان ابن أخت أيوب، وقال
مقاتل: زعموا أنه ابن خالته، وكان في زمن داود، ومر يومًا وداود
يصنع درعًا، وكانت للدروع قبل ذلك صفائح، فلم يدر لقمان ما يصنع
فوقف حتى أتم داود الدرع ولبسها، عرف لقمان ما يراد به فقال له:
الصمت حكمة، وقليل فاعله.
وقالوا له: ما بلغ ما نرى؟ يريدون الفضل، قال: صدق الحديث،
وأداء الأمانة، وترك ما لا يعنيني. وقال وهب: قرأت من حكمته أرجح
من عشرة آلاف باب. وقال مجاهد: الحكمة التي أوتيها العقل والفقه
والصواب من الكلام من غير نبوة.
ويذكر أنه قال لابنه، واسم ابنه داران: يا بني إذا نزل بك ما تحب
أو تكره فليكن المضمر من نفسك أن الذي نزل خير. فكان ابنه يقول له :
قد ينزل كذا؟ فيقول: هو ما أقول لك. فسافر مرة مع قوم، فلما كانوا
بفلاةٍ من الأرض فني زاد لقمان وعطب ظهره وانكسرت رجل ابنه وذهب
القوم وتركوه، فجعل لقمان ينكر على ابنه، فقال: يا أبة ألم تكن تقول:
لا ينزل بك من الأمر ما تحب أو تكره إلا كان المضمر من نفسك أن
الذي نزل خير؟ قال: نعم هو كذلك. قال: ألا ترى ما نحن فيه؟
فنودي لقمان، وابنه يسمع: يا لقمان إن الله إنما فعل بك هذا؛ لأنه
(١) أنظر: ((تفسير الطبري)) ٢٠٨/١٠ - ٢٠٩، و((تفسير ابن كثير)) ٤٩/١١ - ٥١.

٥٢٩
= ڪِتَابُ الأَنْبياء صلوات الله عليهم
يريد عذاب القوم الذين أردتهم فأراد نجاتك. أو نحو هذا، قال:
أسمعت يا بني؟ قال: بلى. قال: وأيقنت؟ قال: بلى.
وقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أصل الظلم وضع الشيء في
غير موضعه، قاله الأصمعي وغيره، قال غيره: المشرك ينسب نعمة
الله إلى غيره، وقيل: هو ظالم لنفسه.
وقوله: ﴿وَوَضَّيْنَا الْإِسَنَ﴾ الآية فيها تقديم وتأخير، والمعنى ووصينا
الإنسان أن أشكر لي ولوالديك. ثم قال: ﴿وَإِن جَهَدَاكَ﴾ قيل: نزلت في
سعد بن أبي وقاص.
وقوله: ﴿يَبُنَىَّ إِنَّهَ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ هذا على التمثيل كما قال:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾﴾ [الزلزلة: ٧] قال سفيان: بلغني
أنها الصخرة التي عليها الأرضون.
ويروى أن لقمان سأله عن حبة وقعت في مغاص البحر فأجابه
بذلك.
قال مالك ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ أي: يعلمها فإنه لطيف خبير.
قال أبو العالية: لطيف باستخراجها خبير بمكانها .
وقوله: ﴿وَلَ تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ﴾ هي قراءة الجحدري أي: لا تكسر
أو تشدق.
قال أبو الجوزاء: يقول بوجهه هكذا ازدراءً بالناس وأصله من
الصعر وهو داء يأخذ الإبل تلوي منه أعناقها(١).
(١) أنظر: ((معاني القرآن)) للنحاس ٢٨٣/٥ - ٢٨٨.

٥٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٤٢ - باب:
﴿وَأَضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَبَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ
١٣
إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ أَثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّرْنَا﴾
قَالَ مُجَاهِدٌ: شَدَّدْنَا. وَقَالَ ابن عَبَّاسِ: ﴿طَبِرُكُمْ﴾ [يس:
١٩]: مَصَائِيُكُمْ.
القرية - فيما ذكره عكرمة وغيره - أنطاكية، قال السهيلي: نسبت إلى
أنطنفس وهو اسم الذي بناها غُيِّرَ لما عُرِّب(١). وقد اختلف أهل العلم
في هؤلاء الرسل فعن قتادة أرسلهم عيسى أثنين من الحواريين فكذبوهما
فعززنا بثالث، وكذا ذكره ابن عباس ومقاتل.
وقال وهب: كان بأنطاكية فرعون من الفراعنة يقال له: أنطبجنين
يعبد الأصنام فبعث الله إليه ثلاثة: صادق وصدوق وسلوم حكاه
(٢)
ابن جرير (٢) .
وقال غيره: أثنين ثم بثالث، قال ابن التين: وهو قول الجماعة،
وقال مقاتل: هم تومان وبولس والآتي ثالثًا شمعون وكان من
الحواريين ووصي عيسى وَل﴾ .
قال ابن عباس: فجعلهم الله بعد عيسى أنبياء، وذكر السهيلي فيهم:
يوحنا(٣).
(١) انظر: ((تفسير مبهمات القران)) للبلنسي ٣٩٣/٢، وفيه أن أسمه: (أنطيخس).
وأنظر: ((معجم البلدان)) ٢٦٦/١.
(٢) ((تفسير الطبري)) ٤٣١/١٠ (٢٩٠٨٤).
(٣) إنما ذكره ابن عساكر في ((التكملة)) ص١٦١.

٥٣١
كِتَابُ الأنبياء صلوات الله عليهم
ومعنى ﴿وَأَضْرِبْ لَمُ مَّثَلًا﴾: أذكر، وذكر ابن التين عن الفراء أن
الثالث أرسل قبل الأثنين فيه(١)، وفي التلاوة كأنه أرسل بعدهما قال:
ومعنى ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ فعززنا بتعليم الثالث، وفي قراءة ابن مسعود:
(فعززنا بالثالث)، وقرأ عاصم (فعززنا) خفيفة. قال: وهذا مثل
شدَّدنا وشَدَدنا، قال ابن التين: والمعروف في اللغة أن عززنا: قهرنا
وغلبنا والمستقبل يعز بالضم.
قال الطبري: القراءة عندنا التشديد؛ لإجماع الحجة من القَرَأَةِ عليه
ومعناه إذا شدد: فقوينا، وإذا خفف: فغلبنا وليس لغلبنا في هذا الموضع
کبیر معنى(٢).
وقوله: (﴿طَبِرُكُمْ﴾: مصائبكم)، وقال ابن عباس: الأرزاق
والأقدار تتبعكم.
وأثر مجاهد أخرجه الطبري من طريق ابن أبي نجيح عنه، وفي رواية
عنه: زدنا .
وأثر ابن عباس أخرجه الطبري أيضًا من حديث ابن إسحاق فيما بلغه
عن ابن عباس، وعن كعب ووهب ﴿طَبِّكُم مَعَكُمْ﴾ أي: أعمالكم(٣).
وورى الضحاك عن جويبر، عن ابن عباس يعني: شؤمكم معكم.
(١) ((معاني القرآن)) للفراء ٣٧٣/٢.
(٢) ((تفسير الطبري)) ١٠/ ٤٣١.
(٣) (تفسير الطبري)) ٤٣٣/١٠ (٢٩٠٩١).

٥٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٤٣ - باب: قَوْله تَعَالَى:
﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِنَّا
إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٢-٧]
قَالَ ابن عَبَّاسٍ: مِثْلًا. يُقَالُ: ﴿رَضِيًّا﴾: مَرْضِيًّا.
﴿عِتِيًّا﴾: عَصِيًّا عنا يَعْتُو. ﴿قَالَ رَبِّ أَّى يَكُونُ لِ عُلَمٌ﴾
إِلَى قوله: ﴿عِيًّا﴾ قَوْلِهِ: ﴿ثَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ٨-
١٠] يُقَالُ: صَحِيحًا، ﴿َرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىّ
إِلَيْهِمْ﴾ [مريم: ١١]: فَأَشَارَ. إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يُبْعَثُ حَيَّ﴾
[مريم: ١٢-١٥] ﴿حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]: لَطِيفًا، ﴿عَاقِرًا﴾
[مريم: ٨] الذَّكَرُ وَالأُنْثَى سَوَاءٌ.
٣٤٣٠ - حَدَّثَنَا هُذْبَةُ بْنُ خَالِدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَخْيَى، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَسِ
بْنِ مَالِكِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ بِّهِ حَدَّثَّهُمْ عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ: ((ثُمَّ صَعِدَ
حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هذا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ
مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا خَلَصْتُ، فَإِذَا
يَحْيَى وَعِيسَى وَهُمَا ابنا خَالَةٍ، قَالَ: هذا يَحْيَى وَعِيسَى فَسَلَّمْ عَلَيْهِمَا.
فَسَلَّمْتُ، فَرَدَّا ثُمَّ قَالَا: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ)). [انظر: ٣٢٠٧ -
مسلم: ١٦٤ - فتح: ٦ / ٤٦٧]
ثم ذكر قطعة من حديث الإسراء من حديث أنس عن مالك بن
صعصعة، فيه ذكر عيسى ويحيى في السماء الثانية وهما ابنا خالة،
وقد سلف. وأثر ابن عباس رواه ابن إسحاق، عن يوسف بن مهران عنه.
وزكريا هو ابن آوي بن برخيا بن مسلم بن صدوق بن بخشان بن
داود بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن برخيا بن صفاينا بن ناحور بن

٥٣٣
كِتَابُ الأَنْبياء صلوات الله عليهم
=
شلوم بن نهشافاط بن أسا بن رجيعم بن سليمان بن داود.
قال ابن إسحاق: كان زكريا وابنه آخر من بعث في بني إسرائيل من
أنبيائهم، قال ابن إسحاق: عدت بنو إسرائيل عليه ليقتلوه، فمر بشجرة،
فانفلقت له، فدخل فيها، فاصطكت عليه، فأدركه الشيطان، فأخذ بهدبة
ثوبه، فبرزت من ساق الشجرة، فلما جاءوا أراهم إبليس إياها، فوضعوا
المنشار على الشجرة فنشروه حتى قطعوه من وسطه في جوفها .
قال: وبعض أهل العلم يقول: إن زكريا مات مونًا والذي فُعِلَ به
ما ذكرنا هو أشعيا الذي كان قبل زكريا .
وأما يحيى فذكر عبد الله بن الزبير أن قتله كان بأمر بغي أسمها أزيل
بنت إحاب، وكان ملكًا في بني إسرائيل أرادت أن يتزوجها أبوها، قال
ابن إسحاق: وكان قتله قبل رفع عيسى وقبل قتل أبيه، وقتل بختنصر على
دمه سبعين ألفًا، فلم يسكن حتى جاء الذي قتله، فقال: أنا قتلته، فقتله
عليه فسكن .
فصل :
قال يونس: كان الحسن يرى أن يدعو الإمام في القنوت، ويؤمن من
خلفه من غير رفع صوت، وتلا يونس: ﴿إِذْ نَادَى رَبَُّ نِدَآءَ خَفِيًا
وقوله: ﴿وَ إِنِىِ خِفْتُ الْمَوَلِىَ مِن وَرَآءِى﴾ قال أبو صالح: الكلالة،
وقال مجاهد: العصبة(١)، وقال أبو عبيدة: يعني: بني العم. قال:
وقوله: ﴿مِن وَرَآءِى﴾ أي: من قدامي(٢)، وقال أهل التفسير: من
بعدي .
(١) رواهما الطبري في ((تفسيره)) ٨/ ٣٠٧ (٢٣٤٨٧)، (٢٣٤٨٨).
(٢) ((مجاز القرآن)) ١/٢.

٥٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال سعيد بن العاصي: أملى علي عثمان بن عفان (خفَّت الموالي)
بتشديد الفاء وكسر التاء، وقال: معناه: قلَّت(١).
وقوله: ﴿وَكَانَتِ آَمْرَأَتِى عَاقِرًا﴾ أي: لا تلد كأن بها عقرًا يمنعها
من الولادة، وقوله: ﴿يَرِثُنِ وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبِ﴾ قال أبو صالح:
يكون نبيًّا كما كانوا أنبياء، قال مجاهد: كانت وراثته علمًا، وكان
زكريا من آل يعقوب (٢).
وقال الحسن ﴿يَرِثُنِى﴾ أي: يرث مالي ﴿وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبِ﴾
النبوة، أنكره [أبو] (٣) إسحاق وقال: يبعد أن يكون نبي يشفق أن
يورث ماله لحديث: ((إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا)) (٤) وما ذكره
عن ابن عباس في قوله: ﴿سَمِيًّا﴾: (مِثْلًا) روي عنه أيضًا: لم نُسَمِّ
أحدًا قبله بیحیی.
وقوله: (عتا يعتو)، قال مجاهد: هو نحول العظم(٥)، ويروى أن
ابن مسعود قرأ (عتيا)، وقال: عتا يعتو، وعسا يعسو إذا بلغ النهاية
في الشدة والكبر، قال قتادة: كان ابن بضع وسبعين سنة(٦).
وأصل عتا يعتو بالواو فجعل بالياء؛ لاعتدال رءوس الآي، وقال
(١) رواه أبو عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم كما في ((الدر المنثور)) ٤/ ٤٦٧.
(٢) رواهما الطبري في ((تفسيره)) ٣٠٨/٨ (٢٣٤٩٥)، (٢٣٤٩٦).
(٣) في الأصل: ابن، والمثبت هو الصواب، وهو أبو إسحاق الزجاج، أنظر ((معاني
القرآن)» للنحاس ٣١٢/٤.
(٤) سلف برقم (٣٠٩٣) كتاب: فرض الخمس، باب: فرض الخمس، ورواه مسلم
برقم (١٧٥٩) كتاب: الجهاد والسير، باب: قول النبي ◌َ ◌ّ ((لا نورث .. )).
(٥) ((تفسير مجاهد)) ٣٨٤/٢.
(٦) رواه عبد الرزاق في ((تفسيره)) ٦/٢ (١٧٣٨)، ومن طريقه الطبري ٣١١/٨
(٢٣٥١٨).

٥٣٥
كِتَابُ الأنبياء صلوات الله عليهم
=
الجوهري: لما توالت ضمتان كسرت الثانية وانقلبت الواو ياء(١).
وقوله: ﴿سَوِيًّا﴾ يقال: صحيحًا، قال عكرمة وقتادة والضحاك: أي
من غیر خرس(٢).
والمحراب قال أهل التفسير: كان موضعًا مرتفعًا وما ذكره في
أوحى قاله قتادة(٣)، وروي عن الضحاك قال: كتب لهم بذلك
الوحي. ومعنى ﴿سَبِّحُواْ﴾: صلوا. ﴿بِقُوَّةٍ﴾: بجد (وعون) (٤) من الله.
وقوله: ﴿وَءَاتَيْنَهُ اَلْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ قال معمر: بلغنا أن الصبيان قالوا
ليحيى وهو صبي: تعال نلعب فقال: ما للعب خلقنا(٥).
قال عكرمة: ﴿اَلْحُكْمُ﴾: اللب، قال قتادة: كان ابن سنتين
أو ثلاث.
﴿وَحَنَانًا﴾ قال عكرمة: الرحمة(٦) وأصله عند أهل اللغة من حنين
الناقة ﴿وَزَكَوَةَ﴾ قال قتادة: العقل الزاكي الصالح(٧)، وقال قتادة:
الصدقة (٨) .
وقوله: ﴿وَسَلَمُ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ قال الحسن: لما لقي يحيى عيسى قال له
(١) ((الصحاح)) ٢٤١٨/٦ مادة (عتا).
(٢) ((تفسير عبد الرزاق)) ٦/٢ (١٧٤٠)، ((تفسير الطبري)) ٣١٢/٨ (٢٣٥٢٨).
(٣) رواه عبد الرزاق في (تفسيره)) ٦/٢ (١٧٤١)، ومن طريقه الطبري ٣١٤/٨
(٢٣٥٣٨).
(٤) من (ص).
(٥) رواه عبد الرزاق في (تفسيره) ٦/٢ (١٧٤٣)، والطبري في ((تفسيره) ٣١٥/٨
(٢٣٥٤٨).
(٦) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٣١٥/٨ (٢٣٥٥٠).
(٧) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٨/ ٣١٧ (٢٣٥٦١) بلفظ: العمل الصالح.
(٨) رواه عبد الرزاق في ((تفسيره)) ٧/٢ (١٧٤٨).

٥٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
يحيى: أنت خير مني قال له عيسى: بل أنت خير مني سلام الله عليك
وسلمت على نفسي(١).
وقيل: أم عيسى إذا لقيت أم يحيى وهما حاملتان بهما يسجد يحيى
لعيسى في البطن.
ويقال: إن يحيى سأل عيسى أن يريه إبليس في الصورة التي خلقه
الله فيها، فأراه إياه وقد غشي إبرته من رأسه إلى قدمه فقال: ما هذِه؟
قال: التي أصيب بها الناس، قال له: بالذي جعل عليك اللعنة هل
أصبتني بشيء منها؟ فأومأ إليه إلى شيء عند ظفر من أصابع رجليه،
قال: ما هذا؟ قال: أنت تصوم فإذا أفطرت حببتُ إليك الطعام فتثقل
عن الصلاة، قال: والذي جعل عليك اللعنة لا أطعم شيئًا مما تعمل
أيدي الناس فكان يأكل بقل البرية (٢).
ويقال: إنه يلقى الله بغير ذنب وفيه حديث(٣).
(١) رواه عبد الرزاق في ((تفسيره)) ٦/٢ (١٧٤٢)، وأحمد في ((الزهد)) ص٩٦ - ٩٧،
والطبري ٣١٨/٨ (٢٣٥٦٩)، وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٤٧٣/٤ وزاد
عزوه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(٢) رواه أحمد في ((الزهد)) ص٩٦، والبيهقي في ((الشعب)) ٤١/٥ (٥٧٠٠)، وابن
عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٢٠٣/٦٤، عن ثابت البناني بنحوه.
(٣) روى أحمد ٢٥٤/١، والحاكم ٥٩١/٢ من حديث ابن عباس مرفوعًا: ((ما من
أحد من ولد آدم إلا قد أخطأ أو هم بخطيئة ليس يحيى بن زكريا ... )) وسكت عنه
الحاكم، وقال الذهبي: إسناده جيد.
وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٠٩/٨: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني
وفيه: علي بن زيد، وضعفه الجمهور، وقد وثق، ورجال أحمد رجال الصحيح.
اهـ. وروى الحاكم ٢/ ٣٧٣ من حديث عمرو بن العاص مرفوعًا: ((كل بني آدم يأتي
يوم القيامة وله ذنب إلا ما كان من يحيى بن زكريا)) وقال: صحيح على شرط =

٥٣٧
كِتَابُ الأَنْبياء صلوات الله عليهم
وقوله: (﴿حَفِيًّا﴾: لطيفًا)، زاد غيره بارًّا أي: كان يجيبني إذا
دعوته. وقيل: حفيت به: بالغت في إكرامي إياه والمعنى واحد.
= مسلم. وزاد السيوطي في ((الدر)) ٤٧٣/٤ عزوه إلى ابن إسحاق، وابن أبي حاتم.
وقد روي عن الحسن وابن المسيب مرسلًا، أنظر ((تفسير عبد الرزاق)) ٧/٢،
و ((تفسير الطبري)) ٣١٨/٨، و((الدر المنثور)) ٤٧٣/٤.
٦

٥٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٤٤ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿ وَأَذَكُرْ فِ الْكِتَبِ مَرْيَمَ إِذِ أَنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانَا شَرْقِيًّا
[مريم: ١٦]
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَئِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ﴾ [آل عمران: ٤٥].
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ
وقوله ځت :
إِلَى قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:
عِمْزَنَ عَلَى الْعَلَمِينَ
٣٣-٣٧]. قَالَ ابن عَبَّاسٍ: وَآلُ عِمْرَانَ المُؤْمِنُونَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ،
وَآلٍ عِمْرَانَ، وَآلٍ يَاسِينَ، وَآلِ مُحَمَّدٍ وَهِ، يَقُولُ: ﴿إِنَّ أَوْلَى
النَّاسِ بِإَِّهِيمَ لَلَّذِينَ أَنَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨] وَهُمُ المُؤْمِنُونَ،
وَيُقَالُ: آلُ يَعْقُوبَ، أَهْلُ يَعْقُوبَ. فَإِذَا صَغَّرُوا الآلَ رَدُّوهُ إِلَى
الأَصْلِ فقَالُوا: أُهَيْلٌ.
٣٤٣١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ
المُسَيَّبِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ بِّهِ يَقُولُ: ((مَا مِنْ بَنِي آدَمَ
مَوْلُودٌ إِلَّا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ، غَيْرَ
مَرْيَمَ وَابْنِهَا)). ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: ﴿وَإِّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ
الرَّحِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]. [انظر: ٣٢٨٦ - مسلم: ٢٣٦٦ - فتح: ٦ /٤٦٩]
ثم ذكر حديث أبي هريرة ع السالف: ((مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلَّا يَمَسُّهُ
الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا)). الحديث.
ومريم هي بنت عمران بن ناشي بن أموز بن ينشي بن حزقيا بن
أحرى بن عوزتا بن أمضيا بن ياوش بن يارم بن نهياشاط بن أسا بن
رجیعم بن سليمان.

٥٣٩
= كِتَابُ الأَنْبياء صلوات الله عليهم
واختلف في نبوتها كما سلف وهي صديقة بنص القرآن، قال
الحسن: ليس من الجن نبي ولا من النساء نبية، وقال ابن وهب
وجماعة: إنها نبية.
ومعنى: ﴿أَصْطَفَ ءَدَمَ﴾ إلى آخره: اختارهم وهذا تمثيل؛ لأن
الشيء الصافي هو النقي من الكدر وصفوة الله الأنقياء من الدنس
﴿على العالمين﴾ أي: عالمي زمانهم، قاله المفسرون.
﴿مُحَرَّرًا﴾: خالصًا لله لا يشوبه شيء من أمر الدنيا، قاله مجاهد(١)
وعكرمة، وقيل: معتقًا من خدمة أبويه بخدمة بيت الله.
(وآل إبراهيم): إبراهيم و(آل عمران): مريم وأختها أم يحيى
وعيسى ويحيى، و(آل يعقوب) هو إسرائيل- بنو إسرائيل جميعًا.
وقوله: ﴿وَضَعْتُهَا أُنثَى﴾ قال ابن عباس: إنما قالت هُذا لأنه لم يقبل
في النذر إلا الذكور فقبل الله مريم.
﴿وَلَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ في الكلام تقديم وتأخير حقيقته إني
وضعتها أنثى وليس الذكر كالأنثى، قال الله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ .
ومن ضم تاء (وضعتُ)(٢) فالكلام عنده متسق لا تقديم فيه
ولا تأخير(٣).
وقول البخاري: (وآل إبراهيم وآل عمران وآل ياسين وآل محمد)
ظاهره أن آل ياسين غير آل محمد، وقال ابن عُزير: من قرأ: (سلام
(١) رواه الطبري ٢٣٥/٣ (٦٨٦٢)، وابن أبي حاتم في «تفسيره)) ٦٣٦/٢ (٣٤٢٢).
(٢) قرأ بالضم عاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر، وقرأ باقي السبعة بالإسكان. أنظر
((الكوكب الدري)) ص٤٠٠، و((الحجة للقراء السبعة)) ٣٢/٣، و((الكشف)) لمكي
٣٤٠/١.
(٣) انظر: ((معاني القرآن)) للنحاس ٣٨٥/١- ٣٨٧.

٥٤٠
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
على آل ياسين) أي: على آل محمد، ومن قرأ (إلياسين) قيل: هو إلياس
وأهل دينه، وقيل: إلياس وإلياسين واحد مثل ميكال وميكائيل.
وقوله: (تصغيره أهيل) قال النحاس: ولذلك إذا كنيت لم تقل إلا
أهله، وأنكر ذلك من قال: يجوز آله وأهله.
والرزق: فاكهة الشتاء في الصيف وعكسه.
وقوله: (﴿أَّ لَكِ هَذَا﴾). قال أبو عبيدة: المعنى من أين لك،
وأنكر ذلك عليه؛ لأن أين سؤال عن موضع، وأنى سؤال عن المذاهب
والجهات، والمعنى: من أي الجهات والمذاهب لك هذا (١).
(١) ((مجاز القرآن)) ١/ ٩١، وانظر ((معاني القرآن)) للنحاس ٣٨٩/١.