Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ كِتَابُ الأنْبياء صلوات الله عليهم ٢٥ - باب قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَثِينَ لَيْلَةٌ﴾. إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢، ١٤٣] يُقَالُ: دَّهُ زَلْزَلَهُ. ﴿فَرُّكَّنَا﴾ [الحاقة: ١٤]: فَدُكِكْنَ، جَعَلَ الجِبَالَ كَالْوَاحِدَةٍ كَمَا قَالَ ﴿أَنَّ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ كَانَ رَتْقًا﴾ [الأنبياء: ٣٠] وَلَمْ يَقُلْ: كُنَّ رَتْقًا: مُلْتَصِقَتَيْنِ ﴿ وَأَشْرِبُواْ﴾ [البقرة: ٩٣] ثَوْبٌ مُشَرَّبٌ: مَصْبُوعْ. قَالَ ابن عَبَّاسِ: ﴿انْبَجَسَتْ﴾ [الأعراف: ١٦٠]: أَنْفَجَرَتْ ﴿وَإِذْ نَنَقْنَا اٌلْجَبَلَ﴾ [الأعراف: ١٧١]: رَفَعْنَا]. ٣٣٩٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَخْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِ سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ نَّ قَالَ: ((النَّاسُ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوِسَى آَخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطّورِ)). [انظر: ٢٤١٢ - مسلم: ٢٣٧٤ - فتح ٦ / ٤٣٠] ٣٣٩٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ الْجُغْفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَُّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ بِّهِ: ((لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْتَزِ اللَّحْمُ، وَلَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أَنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ)). [انظر: ٣٣٣٠ - مسلم: ١٤٧٠ - فتح ٦ / ٤٣٠] الشرح : قال مجاهد: الثلاثون ذو القعدة وأتممناها بعشر ذي الحجة(١)، والفائدة في قوله: ﴿فَتَمَّ مِيقَتُ رَبِّهِ- أَرْبَعِينَ لَيْلَةٌ﴾ أن العشر ليال لا ساعات. وقيل: تأكید. (١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٤٨/٦ (١٥٠٧٢). ٤٦٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقوله: ﴿جَعَلَهُ دَكًا﴾ قال قتادة: دَكَّ بَعْضَهُ على بعض. وقيل: جعله مستويًا مع وجه الأرض، مثل ناقة دكاء لا سنام لها. وقال عكرمة: لما نظر الله إلى الجبل صار صحراء ترابًا. وقرئ (جعله دكاء) أي: صار أرضًا دكاء وهي الناتئة التي لا تبلغ أن تكون جبلًا. وقوله: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ قال قتادة: مغشيًا عليه. وقيل: ميتًا(١). وقوله: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ قال مجاهد: أي من أن أسألك الرؤية (٢). وقوله: ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: أول من آمن أنه لا يراك أحد في الدنيا إلا مات؛ لأن سؤاله كان في الدنيا ﴿وَأُشْرِبُواْ﴾ قال قتادة: أي حبه حتى خلص ذلك إلى قلوبهم. ثم ذكر حديث أبي هريرة: ((لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم))، الحديث وقد سلف، وأخرجه مسلم(٣) أيضًا. وحديث أبي سعيد: ((الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور)) وسلف في الإشخاص، ويأتي في سورة الأعراف (٤). (١) قوله: ميتا، رواه الطبري في ((تفسيره)) ٥٣/٦ (١٥٠٩١)، وأما قوله: مغشيًا عليه، فقد رواه الطبري أيضًا ٥٣/٦ (١٥٠٨٨)، (١٥٠٩٠) عن ابن عباس، وعبد الرحمن بن زيد. (٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٥٦/٦ (١٥١٠٦) (١٥١٠٧). (٣) سلف برقم (٣٣٣٠) باب: خلق آدم وذريته. ورواه مسلم (١٤٧٠) كتاب: الرضاع، باب: لولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر. (٤) سلف برقم (٢٤١٢) كتاب: الخصومات، باب: ما يذكر في الإشخاص والملازمة. وسيأتي برقم (٤٦٣٨) كتاب: التفسير، باب: ﴿وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَئِنَا﴾. ٤٦٣ ـ كِتَابُ الأَنْبياء صلوات الله عليهم وقال في رواية أخرى: «يصعق الناس فأكون أول من تنشق عنه الأرض)) وهذا هو الصحيح(١)؛ لأن الإفاقة غير الانشقاق، والصعقة حين ينفخ في الصور النفخة الأولى، ألا ترى أنه قال هنا: ((فأكون أول من يفيق)). ثم قال: ((لا أدري أفاق قبلي)). وكذا قال الداودي مرة قوله: ((فأكون أول من يفيق)) ليس بمحفوظ واضطربت الرواية في هذا الحديث، وقل من يسلم معه منهم من الوهم. والصحيح: ((فأكون أول من تنشق عنه)) والانشقاق غير الإفاقة. وقال القاضي عياض: الصعق والصعقة والصاعقة: الموت والهلاك والغشي أيضًا. قال: فيجوز أن تكون الصعقة صعقة فزع بعد النشر حين تنشق السموات والأرض جميعًا قال: وأما قوله: ((فلا أدري أفاق قبلي)) فيحتمل أن يكون قبل أن يعلم أنه أول من تنشق عنه الأرض، إن حملنا اللفظ على ظاهره وانفراده وتخصيصه، وإن حمل على أنه من الزمرة الذين هم أول من تنشق عنهم الأرض لاسيما على رواية من روى: «أو في أول من يبعث)) فيكون موسى أيضًا من تلك الزمرة، وهي زمرة الأنبياء عليهم (٢) السلام(٢). (١) سلف برقم (٢٤١٢). (٢) ((إكمال المعلم)) ٣٥٦/٧ - ٣٥٧. ٤٦٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢٦ - باب طُوفَانٍ مِنَ السَّيْلِ ويُقَالُ لِلْمَوْتِ الكَثِيرِ: طُوفَانٌ. القُمَّلُ: الحُمْنَانُ يُشْبِهُ صِغَارَ الحَلَم. ﴿حَقِيقٌ﴾ [الأعراف: ١٠٥]: حَقٌّ. ﴿سُقِطَ﴾ [الأعراف: ١٤٩]: كُلُّ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ فِي يَدِهِ. [فتح ٦/ ٤٣١] الشرح : الطوفان في اللغة: ما كان هلكًا من موت أو سيل، أي ما يطيف بهم فیهلکھم . وقوله: ﴿القمل﴾ إلى آخره. (الحمنان): هو الحلم بفتح الحاء واللام، والحلم في اللغة: صغار القردان. وعبارة الدمياطي: ضرب من القردان يشبه الحلمة. وقال مجاهد: القمل الدبا(١) قال: أرسل الله عليهم الجراد فأكل مسامير أبوابهم وثيابهم، وأرسل عليهم القمل وهو الدَّبَا فكان يدخل في ثيابهم وفرشهم. وقال حبيب بن أبي ثابت: القمل: الجعلان. وقيل: هي دواب صغار من جنس القردان، إلا أنها أصغر منها واحدها قملة. وقيل: هي صغار الدبا قاله ابن فارس(٢). وقيل: هي كبار القردان ذكره الهروي. وقيل: هي دواب أصغر من القمل. ﴿وَالضَّفَادِعَ﴾ واحدها ضفدع بكسر الضاد وفتح الدال وكسرها وَالدَّمَ﴾ قال مجاهد: كانوا يجدونه في ثيابهم وشرابهم وطعامهم. (١) ورد في هامش الأصل: الدبأ - بفتح الدال المهملة، ثم موحدة، ثم ألف مهموزة- الجراد قبل أن يطير، الواحدة: دباة. (٢) ((مجمل اللغة)) ٧٣٤/٣. ٤٦٥ = كِتَابُ الأَنْبياء صلوات الله عليهم ﴿ُّفَضَّلَتٍ﴾ بعضها منفصل من بعض، فقيل: كان بين الآية والآية ثمانية أيام. وقيل: أربعون ليلة. وكان الإسرائيلي يشرب مع الفرعوني في قدح فيكون للأول ماء وللثاني دم. وقوله: ﴿حَقِيقُ﴾ حق، أي: وجب، وهذا على قراءة من شد الياء مِن ﴿عَلَّ﴾، ومن خفف قال أبو عبيدة: أي: حريص(١). وقيل: معناه أنا حقيق بالصدق. وقوله: (كل من ندم قيل: سقط) ويقال: أُسقِطَ وقرئ سقط، ومعناه: سقط الدم من أيديهم. (١) ((مجاز القرآن)) ٢٢٤/١. ٤٦٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٢٧ - باب حَدِيثِ الخَضِرِ مَعَ مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ٣٤٠٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَارِىُ هُوَ وَالْحُّ بْنُ قَيْسِ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبٍ مُوسَى، قَالَ ابن عَبَّاسِ: هُوَ خَضِرٌ. فَمَرَّ بِهِمَا أُبَى بْنُ كَغْبٍ، فَدَعَاهُ ابن عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِّ تَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هذَا فِي صَاحِبٍ مُوسَى الذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ وَلَ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وََّ يَقُولُ: ((بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ: لَا. فَأَوْحَى اللهُ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ. فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ، فَجُعِلَ لَهُ الحُوتُ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ. فَكَانَ يَتْبَعُ الحُوتَ فِي البَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ ﴿أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآَ إِلَى الصَّخْرَةِ * فَإِّ نَسِيتُ الْحُوتَ * وَمَآ أَنْسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾. فَقَالَ مُوسَى ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْعَ * فَأَرْتَدًا عَلَى ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الذِي قَصَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ)). [انظر: ٧٤ - مسلم: ٢٣٨٠ - فتح ٦ / ٤٣١] ٣٤٠١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لايْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا البَكَالِيِّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الَضِرِ لَيْسَ هُوَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ. فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ، حَدَّثَنَا أُبَّى بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ: ((أَنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا. فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَّهُ: بَلَى، لِي عَبْدٌ بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنَْكَ. قَالَ: أَى رَبِّ، وَمَنْ لِي بِهِ؟ - وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: أَّ رَبِّ، وَكَيْفَ لِي بِهِ؟ - قَالَ: تَأْخُذُ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ، حَيْثُمَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَهْوَ ثَمَّ - وَرُبَّمَا قَالَ: فَهْوَ ثَمَّهُ - وَأَخَذَ حُوتًا، فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَلِ، ثُمَّ أَنْطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، حَتَّى أَنْيَا ٤٦٧ كِتَابُ الأَنْبياء صلوات الله عليهم الصَّخْرَةَ، وَضَعَا رُءُوسَهُمَا، فَرَقَدَ مُوسَى، وَاضْطَرَبَ الحُوتُ فَخَرَجَ فَسَقَطَ فِي البَحْرِ، ﴿فَتَّخَذَ سَبِيَهُ فِى الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف: ٦١]، فَأَمْسَكَ اللهُ عَنِ الحُوتِ جِرْيَةَ المَاءِ، فَصَارَ مِثْلَ الطَّاقِ، فَقَالَ هَكَذَا مِثْلُ الطَّاقِ. فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ بَقِيَّةً لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمَهُمَا، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الغَدِ ﴿قَالَ لِفَتَنَهُ ءَئِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَفِيْنَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًّا﴾ [الكهف: ٦٢]. وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ حَيْثُ أَمَرَهُ اللهُ، قَالَ لَهُ فَتَاهُ ﴿أَرَعَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِ نَسِيتُ الْحُوتَ * وَمَآ أَنْسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ * وَأَتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِ الْبَحْرِ عَا﴾ [الكهف: ٦٣]، فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا وَلَهُمَا عَجَبًا، قَالَ لَهُ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْعَّ فَأَرْتَدًا عَلَى ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]، رَجَعَا يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا حَتَّى أَنْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ مُسَجَّى بِثَوْبٍ، فَسَلَّمَ مُوسَى، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى. قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا. قَالَ: يَا مُوسَى، إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ، عَلَّمَنِيهِ اللهُ لَا تَعْلَمُهُ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَكَهُ اللهَّ لَا أَعْلَمُهُ. قَالَ: هَلْ أَتَّعُكَ؟ قَالَ: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىِّ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، خبرَ ﴿3﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِمْرًا﴾ [الكهف: ٦٧ - ٧١] فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، كَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ، فَعَرَفُوا الخَضِرَ، فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ جَاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَتَقَرَ فِي البَحْرِ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ، قَالَ لَهُ الخَضِرُ: يَا مُوسَى، مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ إِلَّا مِثْلَ مَا نَقَصَ هذا العُصْفُورُ بِمِنْقَارِهِ مِنَ البَحْرِ. إِذْ أَخَذَ الفَأْسَ فَزَعَ لَوْحًا، قَالَ: فَلَمْ يَفْجَأْ مُوسَى إِلَّ وَقَدْ قَلَعَ لَوْحًا بِالْقَدُّومِ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: مَا صَنَعْتَ؟ قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا! ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ قَالَ: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾. قَالَ: نُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِ مِنْ أَمْرِى عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٢ - ٧٣]، فَكَانَتِ الأُولَى ٤٦٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا، فَلَمَّا خَرَجَا مِنَ البَحْرِ مَرُوا بِغُلَامِ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ فَقَلَعَهُ بِيَدِهِ هَكَذَا - وَأَوْمَأَ سُفْيَانُ بِأَطْرَأَفِ أَصَابِعِهِ كَأَنَّهُ يَقْطِفُ شَيْئًا قَالَ - فَقَالَ لَهُ مُوسَى: ﴿أَقَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسِ لَّقَدْ جِثْتَ شَيْئًا تُكْرًا﴾. ﴿ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا ﴿ قَالَ إِن سَأَلْئُكَ عَنْ شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَحِبْنِّ * قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِ عُذْرًا * فَأَنَطَلَقَا حَتَّىَ إِذَا أَنَا أَهْلَ قَرْبَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْ أَنْ يُضَِّّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا حِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٤ - ٧٧] مَائِلًا - أَوْمَأَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ سُفْيَانُ كَأَنَّهُ يَمْسَحُ شَيْئًا إِلَى فَوْقُ، فَلَمْ أَسْمَعْ سُفْيَانَ يَذْكُرُ: مَائِلًا إِلَّ مَرَّةً - قَالَ: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا، وَلَمْ يُضَيِّفُونَا عَمَدْتَ إِلَى حَائِطِهِمْ ﴿لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَبَيْنِكَ سَأُنِبِتُكَ بِنَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعٍ عَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف: ٧٧ - ٧٨]. قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: «وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ، فَقَصَّ اللهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا)). قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، لَوْ كَانَ صَبَرَ يُقَصُّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا)). وَقَرَأَ ابن عَبَّاسِ: (أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِةٍ غَصْبًا) [الكهف: ٧٩]، وَأَمَّا الغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ. ثُمَّ قَالَ لِي سُفْيَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنٍ وَحَفِظْتُهُ مِنْهُ. قِيلَ لِسُفْيَانَ: حَفِظْتَهُ قَبْلَ أَنْ تَسْمَعَهُ مِنْ عَمْرٍوٍ؟ أَوْ: تَحَفَّظْتَهُ مِنْ إِنْسَانِ؟ فَقَالَ: مِمَّنْ أَحَفَّظُهُ؟ وَرَوَاهُ أَحَدٌ عَنْ عَمْرٍو غَثْرِي؟ سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَحَفِظْتُهُ مِنْهُ. [انظر: ٧٤ - مسلم: ٢٣٨٠ - فتح ٦ / ٤٣١] ٣٤٠٢ - حَدَّثَنَا يُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ الأَصْبَهَاُِّ، أَخْبَرَنَا ابن المُبَارَكِ، عَنْ مَعْمٍَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ قَالَ: ((إِنَّمَا سُمَِّ الخَضِرُ؛ أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْرَاءَ)). [فتح ٦ /٤٣٣] ذكر فيه حديث ابن عباس رضي الله عنهما من طريقين في قصة موسى والخضر مطولًا . وقد سلف في العلم أوائل ((الصحيح)) في عدة مواضع(١). (١) سلف برقم (٧٤) باب: ما ذكر في ذهاب موسى التَّ في البحر .. ٤٦٩ = كِتَابُ الأنبياء صلوات الله عليهم = والبخاري رواه هنا عن (عمرو بن محمد) هو الناقد الرقي، و(علي بن عبد الله). و(نوف) هو بفتح النون (البكالي) بكسر الموحدة، ومنهم من فتحها وشدد الكاف، وهو من بكال بن دعمي بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سدد بن زرعة بن سبأ، وأوضحناه هناك. وموسى ◌َّ# سلف ذكره هناك. وكان هارون أطول منه، وأكثر لحمًا، وأبيض جسمًا، وأغلظ ألواحًا، وأسن من موسى بثلاث سنين، وكان في جبهته شامة، وفي أرنبة أنف موسى شامة، وعلى طرف لسانه شامة وهي العقدة التي ذكرها الله، ولا يعرف قبله ولا بعده على لسانه شامة غيره. قال وهب: وفرعون موسى هو فرعون يوسف، واسمه: الوليد بن مصعب. قال ابن قتيبة: قال غيره: الأمر بخلافه وأن فرعون موسى ليس فرعون يوسف(١). قال ابن خالويه في كتاب ((ليس)): كان فرعون موسى على مصر خمسين سنة. والمساكين الذين كانوا يعملون في البحر كانوا سبعة بكل واحد منهم زمانة ليست بالآخر. وقيل: كانوا عشرة، خمسة زمنى وخمسة يعملون عليها، وكانت تساوي ألف دينار كما أفاده في ((الغرر))(٢). والملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصبًا اسمه -فيما ضبطه عن أبي زيد المروزي عن البخاري -: جيسون، وفي غير هذِه الرواية بالحاء المهملة، وفيه رواية ثالثة - كما قال السهيلي -: حبنون(٣). (١) ((المعارف)) ص ٤٣. (٣) أنظر ((تفسير مبهمات القرآن)) للبلنسي ١٧٢/٢. (٢) ((غرر التبيان)) ص ٣٢٢. ٤٧٠ - التوضيح لشرح الجامع الصحيح وفيه(١) أقوال أخر (٢): جلندا، قال ابن عسكر: وكان بقرطبة من جزيرة الأندلس(٣). أو هدد بن بدد، أو منولة بن الجلندي بن سعيد الأزدي، وسماه الرضي الشاطبي فلع بن سارق بن ظالم بن عمرو بن شهاب بن مرة بن الهلقام بن الجلندي بن المستكير بن الجلندي. قال ابن خالويه: ليس أحد يقول بالثاني -أعني هدد بن بدد- إلا ابن مجاهد. وقال ابن دريد: هدد بن العمال ملك من ملوك حمير، زعم علماء اليمن أن سليمان زَوَّجه بلقيس . وقوله: ( ((بينما موسى في ملا من بني إسرائيل جاءه رجل فقال: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ قال: لا)) ) قال الداودي: أرى هذا المحفوظ؟ وليس فيه أنه عتب عليه. ورواية سعيد بن جبير إثر هذا: (فسُئل: أي الناس أعلم؟ قال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه) وهذا موضع العتاب. وقد سلف الكلام عليه في كتاب العلم. والسرب: المسلك والمذهب. ويقصان آثارهما: يتبعان ويجوز بالسين ومعناه: رجعا من الطريق الذي سلكاه. (١) ورد بهامش الأصل: هذا في الغلام لا في الملك، فاعلمه. (٢) ورد بهامش الأصل: قوله: وفيه أقوال أخر ظاهر هذا أن في اسم الغلام أقوالًا وليس كذلك ( ... ) في أسم الملك، والغلام أيضًا فيه أقوال أيضًا، ولم تستوعبها أسماء المؤلف، يعني: ( ... ) وذكر فيه جبسور، حبسور، جيشور، حنتبور، وهو خلاف رواية الحميدي، وفيه قولٌ آخر: خربوذ. (٣) ((التكملة والإتمام)) لابن عسكر ص١٢٤. ٤٧١ كِتَابُ الأنبياء صلوات الله عليهم والنَول بفتح النون وسكون الواو: العطاء والأجر. ﴿إِمْرًا﴾: منكرًا قاله مجاهد(١). وقد أخرجه ابن المنذر من حديث ابن جريج عنه. وقال الكسائي: شديدًا من قولك: أمِرَ القوم، إذا كثروا واشتد أمرهم. وقيل: الإمر: العجب، وقيل: الداهية. وقوله: (وأومأ سفيان بأطراف أصابعه)، كذا في الأصل بالهمز. وقال ابن التين: كتب بالياء وصوابه الهمز. وقوله: (أقتلت نفسا زاكية) هي قراءة أهل الكوفة. قال الفراء والكسائي وأبو حاتم: زاكية وزكية بمعنى، مثل عالم عليم. وفرق أبو عمرو بينهما فاختار زاكية، وزعم أن الزاكية التي لا ذنب لها والذي قتله الخضر كان طفلًا. وأنكر هذه التفرقة أهل اللغة، وقال أبو عمرو: الصواب ﴿زَكِيَّةَ﴾ في الحال و(زاكية) في غد. وقيل ﴿زَكِيَّةٌ﴾ زنته فيعلة مثل ميتة، فاجتمع حرفا علة سبق أولهما بالسكون فقلبت ياء، وأدغمت الياء في الياء، ونقلت حركة الأولى إلى الكاف. وهذا غير صحيح؛ لأن ﴿زَّكِيَّةٌ﴾ ليس وزنه فيعلة، وإنما وزنه فعيلة(٢) . وقوله: ( ((ووددنا أن موسى صبر حتى يقص علينا من خبرهما)) ) استدل به بعضهم على وفاة الخضر، إذ لو كان حيًّا لمضى إليه واطلع على علمه. ولا يلزم. (١) ((تفسير مجاهد)) ٣٧٩/١، ورواه أيضًا الطبري ٢٥٧/٨ (٢٣٢١٨). (٢) انظر: ((الكشف عن وجوه القراءات السبع)) لمكي ٦٨/٢. ٤٧٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح : والخضر لم يمت على المختار(١). وقوله: (ثم قال لي سفيان: سمعته منه مرتين وحفظته منه. قيل لسفيان: أحفظته قبل أن تسمعه من عمرو أو تحفظته من إنسان؟ فقال: ممن أتحفظه؟ ورواه أحد عن عمرو غيري؟ سمعته منه مرتين أو ثلاثًا وحفظته منه). وهذا رواه أبو ذر الهروي ثنا أبو إسحاق المستملي، ثنا الفربري، ثنا علي بن خشرم، عن سفيان فذكره. فصل : ثم ساق حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَُّ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ قَالَ: ( (إِنَّمَا سُمِّيَ الخَضِرُ؛ لأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْرَاءَ))) وقد سلف الكلام عليه في العلم. (١) يرده قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ مِّن قَبْلِكَ الْخُلُّدِّ أَفَإِيْن ◌ِتَ فَهُمُ الْخَلِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] وانظر تفصيل هذه المسألة في ((البداية والنهاية)) ٣٦٧/١ - ٣٧٥. = كِتَابُ الأنبياء صلوات الله عليهم ٤٧٣ ٢٨ - باب ٣٤٠٣ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عُهَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِِّ: ((قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَدْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا: حِطَّةٌ. فَبَدَّلُوا، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ، وَقَالُوا: حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ). [٤٤٧٩، ٤٦٤١ - مسلم: ٣٠١٥ - فتح ٦ /٤٣٦] ٣٤٠٤ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الَحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ وَخِلَاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عََّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: (( إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِيرًا، لَا يُرِى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ أَسْتِحْيَاءً مِنْهُ، فَآَذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالُوا: مَا يَسْتَتِرُ هذا التَّسَتُرَ إِلَّ مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ: إِمَّا بَرَضٌ، وَإِمَّا أُدْرَةٌ، وَإِمَّا آَفَةٌ. وَإِنَّ اللهَ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا لِّمُوسَى، فَخَلَا يَوْمًا وَحْدَهُ فَوَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَى الحَجَرِ ثُمَّ أُغْتَسَلَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ إِلَى ثِيَابِهِ لِيَأْخُذَهَا، وَإِنَّ الحَجَرَ عَدَا بِثَوْبِهِ، فَأَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ وَطَلَبَ الحَجَرَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ. حَتَّى أَنْتَهَى إِلَى مَلِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَرَأَوْهُ عُرْيَانًا أَحْسَنَ مَا خَلَقَ اللهُ، وَأَبْرَأَهُ مِمَّا يَقُولُونَ، وَقَامَ الحَجَرُ، فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَلَبِسَهُ، وَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا بِعَصَاهُ، فَوَ اللَّهِ إِنَّ بِالْحَجَرِ لَنَدَبًا مِنْ أَثَرِ ضَرْبِهِ ثَلَاثًّا أَوْ أَرْبَعَّا أَوْ خَمْسًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَكُونُواْ كَّذِينَ ءَاذَوْ مُوسَى فَبَرََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا (3)﴾ [الأحزاب: ٦٩]. [انظر: ٢٧٨ - مسلم: ٣٣٩ - فتح: ٦ / ٤٣٩ ] ٣٤٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنِ الأَغْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبًا وَائِلِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ لَّهِ قَالَ: قَسَمَ النَّبِيُّ نَّهِ قَسْمَا، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ هَذِه لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ. فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌ََِّّ فَأَخْبَرْتُهُ، فَغَضِبَ حَتَّى رَأَيْتُ الغَضَبَ في وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هذا فَصَبَرَ)). [انظر: ٣١٥٠ - مسلم: ١٠٦٢ - فتح ٦ / ٤٣٦] ٤٧٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ذكر فيه ثلاثة أحاديث. أحدها : حديث أبي هُرَيْرَةَ ﴾: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أُدْخُلُوا البَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا: حِطَّةٌ. فَبَدَّلُوا، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ، وَقَالُوا: حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ». هذا الحديث رواه البخاري في التفسير في تفسير سورة البقرة عن محمد، ثنا ابن مهدي(١). قال أبو علي: نسبه ابن السكن وحده ابن سلام، قال الجياني: والأشبه أن يكون ابن بشار أو ابن مثنى. وقد ذكر (أبو أحمد)(٢) أن ابن بشار وابن مثنى من جملة من خرج عنهما البخاري في ((الصحيح)) عن ابن مهدي، ولم يذكر ابن سلام (٣). وأخرجه في تفسير سورة الأعراف عن إسحاق، عن عبد الرزاق. وأخرجه مسلم آخر الكتاب وصححه الترمذي والنسائي: ((فدخلوا يزحفون على أوراكهم)) (٤) أي منحرفين. ولا خلاف كما قال ابن العربي: أن القرية في الآية بيت المقدس(٥). وقال السهيلي: هي أريحا، وقيل: مصر، وقيل: البلقاء، وقيل: الرملة. (١) سيأتي برقم (٤٤٧٩) باب: ﴿وَإِذْ قُلْنَا آدْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرِيَةَ﴾. (٢) هكذا في الأصول، وفي ((تقييد المهمل)): أبو نصر. (٣) ((تقييد المهمل)) ١٠٢٦/٣. (٤) سيأتي برقم (٤٦٤١) باب: ﴿وَقُولُواْ حِظَّةٌ﴾، ورواه مسلم (٣٠١٥) كتاب: التفسير، الترمذي (٢٩٥٦) بلفظ: ((دخلوا متزحفين على أوراكهم)). والنسائي في ((الكبرى)) ٢٨٦/٦ بلفظ ((يزحفون على أستاههم)). (٥) ((عارضة الأحوذي)) ١١/ ٧٧. ٤٧٥ كِتَابُ الأنبياء صلوات الله عليهم = وفي ((تفسير الجوزي)): هي قرية الجبارين والباب الذي أمروا بدخوله هو باب المسجد الثامن وهو من جهة القبلة. وعن الضحاك يقال له: باب حطة. وقال مجاهد: من باب إيلياء باب بيت المقدس(١). وكذا قال مقاتل: إيلياء. وحكى القرطبي قولًا أنه باب القرية، وآخر أنه باب قرية فيها موسى(٢). وقوله: (سجدًا) قال ابن عباس: منحنين ركوعًا(٣)، وقيل: خضوعًا وشكرًا لتيسير الدخول. وقوله: (حطة): أي مغفرة قاله ابن عباس، أو لا إله إلا الله قاله عكرمة، أو حط عنا ذنوبنا قاله الحسن، أو أخطأنا فاعترفنا . وقال ابن الجوزي: فقالوا: حطا (سمعانًا) (٤): أي حنطة حمراء استخفافًا بأمر الله. قال الكلبي: تعبدوا بقولها. وهو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي مسألتنا وأمرنا حطة. وقال صاحب ((المطالع)): حطة بدل من حنطة. قال ابن العربي: أخبرني بعض الأحبار أنهم قالوا بلغتهم: (سقنا)(٥) أزه هذبًا. تفسيره حبة مقلوة في شعرة مربوطة(٦). (١) ((تفسير مجاهد)) ٧٦/١، ورواه أيضًا الطبري ٣٣٩/١ (١٠٠٤). (٢) ((المفهم)) ٣١٥/٧. (٣) رواه الطبري ٣٣٩/١ (١٠٠٨) بلفظ: ركعًا من باب صغير. (٤) كذا بالأصل، وفي هامشه: (لعله سمقائًا). والذي في ((القاموس المحيط)) ص٦٦٢: (سمقأثا)، وفي ((الكشاف) ١/ ١٣٤، و ((تفسير البغوي)) ٩٩/١: (سمقاثا). (٥) في ((العارضة)): سقمانًا، وفي ((أحكام القرآن)): (سقماثاه). (٦) ((عارضة الأحوذي)) ٧٨/١١، ((أحكام القرآن)) ٢١/١. ٤٧٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- وقوله: ((حبة في شعرة)) روي عن ابن مسعود أنهم قالوا: حبة حمراء(١)، وهي معنى ﴿فَبَذَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ الآية [البقرة: ٥٩]. وروى المروزي : شعيرة. فلما عصوا عاقبهم الله بالرجز وهو الطاعون، والظلمة، هلك منهم سبعون ألفًا في ساعة واحدة. وانظر الفرقان بين هذه الأمة وتلك الأمة، أولئك أذنبوا ودلوا على طريق التوبة تلاعبوا، وهذه الأمة تتدارك جهدها ولله الحمد. الحديث الثاني : حديث عوف، عن الحسن ومحمد وخلاس، عن أبي هريرة ضُه في قصة موسى واغتساله. وقد سلف في الطهارة(٢) قال الترمذي: الحسن لم يسمع من أبي هريرة، ولا من علي(٣). والأدرة: بضم الهمزة وسكون الدال وبفتحها حكاه ابن فارس(٤). وقوله: ( ((لندبا))) هو بفتح النون والدال الأثر، أو أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد. وفي آخره فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَذِينَ ءَاذَوْاْ مُوسَى﴾ الآية. (١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٣٤٤/١ (١٠٣٠)، والحاكم ٣٢١/٢. (٢) سلف برقم (٢٧٨) كتاب: الغسل، باب: من أغتسل عريانًا وحده في الخلوة. (٣) قال الترمذي في ((السنن)) ٥٥١/٤: الحسن لم يسمع من أبي هريرة شيئًا، هكذا روي عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد. اهـ وقال المزي في ((التهذيب)) ٦/ ٩٧: رأى علي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله وعائشة ولم يصح له سماع من أحد منهم. (٤) ((مجمل اللغة)) ١/ ٩٠ مادة [أدر]. ٤٧٧ - كِتَابُ الأَنْبياء صلوات الله عليهم وروى علي بن أبي طالب قال: صعد موسى وهارون الجبل فمات هارون فقالت بنو إسرائيل: أنت قتلته كان ألين لنا منك وأشد حبًا فأوذي من ذلك فأمر الله ملائكة فحملته فمروا به على مجالس بني إسرائيل فتكلمت الملائكة بموته حتى علمت بنو إسرائيل أنه قد مات فدفنوه فلم يعلم موضع قبره إلا الرخم، فإن الله جعله أصم أبكم(١). وقوله: ﴿وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَحِيهًا﴾ أي: كلمه تكليمًا، وقرئ شاذًا: عبدًا بالباء . وروي أن قارون قال لامرأة وضيئة من بني إسرائيل: هل لك أن أمولك وأخلطك بأهلي وتأتيني إذا جلس عندي الملأ من بني إسرائيل فتقولي: أكفني موسى فإنه أرادني على نفسي، فلما جلس وعنده الملأ أتته فقلب الله قلبها، فقالت: أيها الملأ إن قارون قال لي: كذا وكذا، فنكس رأسه وعلم أنه هالك، وبلغ الخبر موسى وكان شديد الغضب فجعل يصلي ويبكي ويقول: يا رب أراد فضيحتي فأوحى الله إليه، أمرت الأرض أن تطيعك فمرها بما شئت، فأقبل إلى قارون فلما رآه قال: يا موسى ارحمني، قال: يا أرض خذيهم، فخسف به وبمن معه وبداره الأرض إلى الكعبين، قال: يا موسى آرحمني، قال: يا أرض خذيهم فخسف به وبمن معه وبداره إلى الحقوين، قال: يا موسى أرحمني، قال: يا أرض خذيهم فخسف به وبمن معه وبداره فهو يتجلجل إلى يوم القيامة. وكان قارون ابن عم موسى وذلك قوله: ﴿كَانَ مِن قَوْمٍ مُوسَى﴾ [القصص: ٧٦]. (١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٣٣٨/١٠ (٢٨٦٧٦). ٤٧٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == الحديث الثالث : حديث عَبْدِ اللهِ: ((يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هذا فَصَبَرَ)) . وقد سلف قريبًا في الغنائم ويأتي في المغازي في موضعين وفي الأدب والاستئذان والدعوات، وأخرجه مسلم في الزكاة(١). (١) سلف برقم (٣١٥٠) كتاب: فرض الخمس، باب: ما كان النبي ◌َّ يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه، وسيأتي في المغازي برقم (٤٣٣٥)، (٤٣٣٦) باب: غزوة الطائف، وفي الأدب برقم (٦٠٥٩) باب: من أخبر صاحبه بما يقال فيه، وفي الاستئذان برقم (٦٢٩١) باب: إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمسارة والمناجاة، وفي الدعوات برقم (٦٣٣٦) باب: قول الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيَّهِمْ﴾. ورواه مسلم (١٠٦٢) باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم .. ٤٧٩ كِتَابُ الأَنْبياء صلوات الله عليهم [الأعراف: ١٣٨] ٢٩ - باب: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ لَّهُمْ﴾ ﴿مُتَبَّرٌ﴾ [الأعراف: ١٣٩]: خُسْرَانٌ ﴿وَلِيُنَِّرُواْ﴾ [الإسراء: ٧]: يُدَمِّرُوا ﴿مَا عَلَوْاْ﴾ [الإسراء: ٧]: غَلَبُوا . ٣٤٠٦ - حَدَّثَنَا يَجْيَى بْنُ بُكَثِرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ إِ لَّ نَجْنِي الكَبَاثَ، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِّهِ قَالَ: ((عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ أَطْيَبُهُ)). قَالُوا: أَكُنْتَ تَزْعَى الغَنَمَ قَالَ: ((وَهَلْ مِنْ نَبِيِّ إِلَّا وَقَدْ رَعَاهَا؟)). [٥٤٥٣ - مسلم: ٢٠٥٠ - فتح: ٦ /٤٣٨] ثم ساق حديث جابر: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ لَهَ نَجْنِي الْكَبَاثَ، وإنه العَيْ: قَالَ: ((عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ أَطْيَبُهُ». قَالُوا: أَكُنْتَ تَرْعَى الغَنَمَ قَالَ: ((وَهَلْ مِنْ نَبِيِّ إِلَّا وَقَدْ رَعَاهَا؟». هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في الأطعمة، والنسائي في الوليمة(١)، وهُذِه الكينونة كانت بمر الظهران. كذا جاء في بعض الروايات. وذكر البيهقي في ((دلائله)) معناه من حديث عتبة بن عبد السلمي (٢). و(الكباث): بكاف مفتوحة ثم باء موحدة مخففة ثم ألف ثم ثاء مثلثة: ثمر الأراك، وقيل: إذا نضج، والبرير ما لم ينضج، وقيل: الكباث الغض الطريُّ، والبرير اسم للجمع. قال الهروي: هو النضيج من ثمر الأراك، وقيل: الغض منه، والنضيج يقال له: المرد، وعكس ذلك واسمه كله البرير، وإذا رعته الظباء أسودت شفاهها. والأراك: (١) النسائي في ((الكبرى)) ١٦٨/٤ (٦٧٣٤). (٢) ((الدلائل)) ٢٩/٥ من طريق عبيد بن شريك، عن يحيى بن بكير به. ٤٨٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = هو الخمط. قال أبو زياد: يشبه التين يأكله الناس والإبل والغنم، وفيه حرارة. وقال أبو عمرو: (الكباث)(١) حر مالح كأن فيه ملحًا. وقال أبو عبيدة: هو ثمر الأراك إذا يبس، وليس له عجمة. وفي ((المحكم)) قيل له: ثمر الأراك إذا كان متفرقًا، واحده كباثة. وقال أبو حنيفة في كتابه: هو فوق حب الكزبرة، وعنقوده يملأ كفي الرجل، وإذا التقمه البعير فضل على لقمته (٢). ونقل النووي عن أهل اللغة: أنه النضيج منه(٣). وقال القزاز: هو الغض منه، والنضيج يقال له: المرد. وقال صاحب ((المطالع)): هو حِصرمه. وقال ابن خالويه في كتاب ((ليس)): ليس في كلام العرب من أسماء الكمأة إلا الذي أعرفك. فذكر (ثلاثة عشر) (٤) اسمًا وأهمل البدأة، ذكره كراع في ((منضده))، والعرجون ذكره القزاز. والفطر ذكره ابن سيده(٥). وقال عبد اللطيف البغدادي: روي (أن)(٦) الكمأة جدري الأرض (٧) وتسمى أيضًا: بنات الرعد؛ لأنها (١) من (ص١). (٢) ((المحكم)) ٤٩٨/٦ مادة [كبث]. (٣) ((شرح صحيح مسلم)) ٦/١٤. (٤) مكررة فى الأصل. (٥) ((المحكم)) ٩/ ١٢٧ مادة [فطر]. (٦) من (ص١). (٧) رواه الترمذي (٢٠٦٨)، وابن ماجه (٣٤٥٥)، وأحمد ٥١١/٢ عن أبي هريرة أن رسول الله وَّل خرج عليهم وهم يذكرون الكمأة، وبعضهم يقول: جدري الأرض، فقال رسول الله صل: ((الكمأة من المن ... )) الحديث. وقال الترمذي: هذا حديث حسن.