Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ = كِتَابُ بدء الخلق جوابه متلقى من سؤاله، وذلك أنه إذا قال ما تقدم، فقد نقض بأول كلامه آخره؛ لأنه يلزم منه أن يقال: ومن خلق ذلك الشيء. وامتد القول في ذلك إلى ما لا يتناهى، والقول بما لا يتناهى فاسد فسقط السؤال من أصله، وأشد من هذا الجواب وأحسن في موضع المطالبة أن تقول: دلنا المُحْدَثِ على مُحْدِث أَحْدَثَه ومريد أراده على الصفة التي وقع عليها حيًّا قادرًا، فإذا ثبت من هذِه صفاته فلا بد أن يكون قديمًا أو محدثًا، فإن قلنا: محدث صار من القسم الأول، وتسلسل القول فيه ولزم القول بالقدم، فإذا ثبت قدمه لم يبق إلا أن يقال: هو طبيعة، فيسأل الطبائعيين عن هذِه الطبيعة، فإن قالوا: قديمة، فيسألهم هل يوجب أثرها عند وجودها؟ فإن قالوا: نعم. كان باطلًا عيانًا؛ لأن سائر المخلوقات تلزم أن توجد كلها قديمة عند وجودها؛ إذ وجودها جملة من وجودهم، ولا يتراخى منه شيء عن شيء، وهذا مردود عيانًا، وإن قالوا: (هي تريده. يفصل بأسباب)(١)؛ فقد سلموا أن القديم مريد قادر. وعاد الخلاف بيننا في تسمية القديم، وإن قالوا: محدثة، أقمنا دليل الحدث ودلت على محدث ويسئل عنه ويتسلسل القول في ذلك. الحديث التاسع : حديث أَبَي هُرَيْرَةَ ﴾: ((إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ .. )) الحديث سلف في الصيام(٢). (١) كذا بالأصل. (٢) سلف برقم (١٨٩٨). ٢٠٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - و(ابن أبي أنس) المذكور في إسناده هو أبو سهيل بن مالك. الحديث العاشر : حديث أَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عُ: ((أنَّ مُوسَى قَالَ لِفَتَاهُ: ﴿َئِنَا غَدَآءَ نَاءُ (( [الكهف: ٦٢] الحديث سلف أيضًا في العلم(١). الحديث الحادي عشر: حديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ نَّه يُشِيرُ إِلَى المَشْرِقِ فَقَالَ: ((هَا إِنَّ الفِتْنَةَ هَا هُنَا، إِنَّ الفِتْنَةَ هَا هُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ)). ويأتي في الطلاق(٢). الحديث الثاني عشر: حديث جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِّ وَِّ قَالَ: ((إِذَا اُسْتَجْنَحَ اللَّيْلُ - أَوْ كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ - فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ العِشَاءِ فَحُلُّوهُمْ وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَاذْكُرٍ أَسْمَ اللهِ، وَأَطْفِئْ مِصْبَاحَكَ، وَاذْكُرٍ أَسْمَ اللهِ، وَأَوِْكِ سِقَاءَكَ، وَاذْكُرٍ اسْمَ اللهِ، وَخَمِّرْ إِنَاءَكَ، وَاذْكُرٍ اسْمَ اللهِ، وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ شَيْئًا)). هذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة(٣)، وسيأتي في البخاري، في حديث جابر: ((فإن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا))(٤). وللترمذي: ((فإن الشيطان لا يفتح غلقًا، ولا يحل وكاً، ولا يكشف آنية، وإن الفويسقة تضرم على الناس بيتهم)). وفي حديث ابن عمر عند البخاري: (١) سلف برقم (٧٤). (٢) سيأتي برقم (٥٢٩٦) باب الإشارة في الطلاق والأمور. (٣) مسلم (٢٠١٢)، وأبو داود (٣٧٣٢)، والترمذي (١٨١٢)، والنسائي في ((الكبرى)) ١٨٧/٦ (١٠٥٨٢)، وابن ماجه (٣٤١٠). (٤) سيأتي برقم (٣٣٠٤) باب خير مال المسلم غنم يبتع بها شعف الجبال. ٢٠٣ - كِتَابُ بدء الخلق ((لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون)) (١)، وهذا من القدرة التي لا يؤمن بها إلا من وحد الله؛ وذاك أن الشياطين يتصرفون في الأمور الغريبة ويتولجون في المسام الخفية، فيعجزه الذكر عن حل الغلق وشبهه، نبه عليه ابن العربي(٢)، وفي رواية: ((فإن النار عدوٌ لكم))(٣). فصل : جنح الليل. قال ابن سيدَهْ: جنح الليل يجنح جنوحًا : أقبل وَجْهه، وجُنْحُه: جَانِبُه قيل: قطعة منه نحو النصف(٤). وقال ابن التين: يريد إذا أقبلت ظلمته. وجنح الليل: بالكسر طائفة منه، ويقال بضمها، وقيل جنح الليل: أول ما يظلم، ويقال معنى جنح: مال، وتقدم في باب حسن مال المسلم(٥): أنه بكسر الجيم وضمها. وقوله: (أو كان جنح الليل) لكافتهم(٦): (قال) بدل (كان)، وعند النسفي وأبي الهيثم والحموي: (كان). وقوله: ( ((فَكُفُوا)) ). وفي رواية: ((فاكفتوا)). أي: ضموهم إليكم واقبضوهم، وكل شيء ضممته فقد كفته، ومعناه: أمنعوهم من الخروج في ذلك الوقت. وإنما خيف عليهم؛ لأن النجاسة التي يلوذ بها الشيطان موجودة معهم؛ ولأن الذكر الذي يستعصم به معدوم عندهم، والشياطين عند (١) ((الأدب المفرد)) (١٢٢٤). (٢) ((عارضة الأحوذي)) ٣/٨. (٣) ((الأدب المفرد)) (١٢٢٦). (٤) ((المحكم)) ٦١/٣. (٥) سيأتي برقم (٣٣٠٤). (٦) كلمة غير واضحة بالأصل. ٢٠٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == انتشارهم يتعلقون بما يمكنهم التعلق به، فإذا ذهبت أشتغل كل منهم بما أكتسب، ومضى إلى ما قدر له التشاغل به، نبه عليه ابن الجوزي، وفي رواية: ((لا ترسلوا فواشيكم وصبيانكم إذا غابت الشمس)) (١). والفواشي: كل شيء منتشر من المال، كالإبل والبقر وسائر البهائم وغيرها، جمع فاشية؛ لأنها تفشوا، أي: تنتشر، قال ابن الأعرابي: أفشى وأمشى وأوشى بمعنى واحد، إذا كثرت مواشيه (٢). فصل : الشياطين تستعين بالظلمة، وتكره النور، وتتشاءم به، كما نبه عليه ابن العربي؛ لأن الله أظلم قلوبها(٣)، وفي رواية: ((فإذا ذهب فحمة العشاء)) (٤). بسكون الحاء المهملة وفتح الفاء، وهو شدة سوادها وظلمتها، وزعم بعضهم أنه أراد أول ظلامها، ويقال للظلمة التي بين المغرب والعشاء: فحمة، والتي بين العشاء والفجر: عسعسة. وقوله: ( ((فَحُلُّوهُمْ))). يريد كما قال الداودي: إذا ذهب بعض الظلمة وامتدادها أبصر الصبي حيث يذهب ولم يقع على شيء يصيب به بعض الشياطين، فيكون ذلك سببًا، كما أصيب قاتل الحية. فصل : ( (أَغْلِقْ بَابَكَ))). رباعي، والباب مغلق لا مغلوق، وفي رواية: ((أجيفوا))(٥) وهو بمعنى الأول. (١) رواه مسلم (٢٠١٣) كتاب الأشربة، باب الأمر بتغطية الإناء وإيكاء السقاء. (٢) ((تهذيب اللغة)) ٢٧٨٩/٣. (٣) ((عارضة الأحوذي)) ٣/٨. (٤) رواه مسلم (٢٠١٣) كتاب الأشربة، باب الأمر بتغطية الإناء وإيكاء السقاء. (٥) سيأتي برقم (٣٣١٦) باب خمس من الدواب فواسق، يقتلن في الحرم. ٢٠٥ = كِتَابُ بدء الخلق فصل : جاء في البخاري في باب: خمس من الدواب فواسق. قال: ((الفويسقة ربما جرت الفتيلة فأحرقت أهل البيت)) (١)، وفي رواية: ((تضرم))(٢). أي: تلهب وتحرق، يقال: ضَرِمت؛ بكسر الراء. وتضرَّمت وأَضْرَمَت وأضرَمْتُها أنا، وضرَّمتها: تشدد للمبالغة، وهو عام يدخل فيه نار السراج وغيره. فأما القناديل المعلقة فإن خيف حريق بسببها دخلت في الأمر بالإطفاء وإن أمن ذلك كما هو الغالب، فالظاهر أنه لا بأس بها؛ لانتفاء العلة. وسبب قوله هنا أنه التقليئها صلى على خمرة فجرت الفتيلة الفأرة. فأحرقت من الخمرة قدر الدرهم؛ فقال القليئي ذلك، نبه عليه ابن العربي(٣). فصل : الإيكاء: الشَّد، والوٍكَاء: اسم ما يشد به فم القربة، وهو ممدود مهموز، فلذلك یجب أن یکون رباعيًا. فصل : (تخمير الإِنَاء): تغطيته. و(((تعرض))): بضم الراء وكسرها، يقال: عرضت الشيء أعرضه، بكسر الراء على قول الأكثرين، والأصمعيُّ يضمه وكذا يعقوب قال ابن التين: عامة أهل اللغة على الكسر إلا الأصمعي وابن فارس (٤) فإنهما يضمانها في هذا خاصة. (١) السابق (٢) رواه مسلم (٢٠١٢) كتاب الأشربة، باب الأمر بتغطية الإناء .. (٣) ((عارضة الأحوذي)) ٤/٨. (٤) ((مجمل اللغة)) ٦٥٩/٢، مادة عرض. ٢٠٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وقوله: (((شَيْئًا))). في رواية: ((عودًا))(١). وذلك عند عدم ما يجد ما يغطيه به، وهو مطلق في الآنية التي فيها شراب أو طعام. روى الأعمش، عن أبي صالح وأبي سفيان؛ عن جابر قال: جاء أبو حميد بقدح لبن من النقيع، فقال القليفي: ((ألا خمرته))(٢). وللتخمير فوائد: صيانة من الشيطان والنجاسات والحشرات وغيرها ومن الوباء الذي ينزل في ليلة من السنة. كما جاء في الحديث ((إن في السنة ليلة -وفي رواية: يومًا - ينزل وباء فلا يمر بإناءٍ ليس عليه غطاء أو بسقاء ليس عليه وكاءٍ إلا نزل فيه ذلك الوباء))(٣)، قال الليث بن سعد: والأعاجم يتقون ذلك في كانون الأول(٤). قال أبو حميد(٥): إنا أمرنا بالأسقية أن توكأ ليلًا وبالأبواب أن تغلق ليلًا(٦). وهذا التخصيص ليس في لفظ الحديث ما يدل عليه كما قاله النووي، والمختار عند الأصوليين، وهو مذهب الشافعي أن تفسير الصحابي إذا كان خلاف ظاهر اللفظ ليس بحجة ولا يلزم غيره من المجتهدين موافقته على تفسيره، وأما إذا كان في ظاهر الحديث ما يخالفه فإن كان مجملًا رجع إلى تأويله ويجب الحمل عليه؛ لأنه إذا كان مجملًا لا يحل له حمله على شيء إلا بتوقيف، وكذا لا يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي عندنا، والأمر بتغطية الإناء عام فلا يقبل (١) سيأتي برقم (٥٦٠٥) كتاب الأشربة، باب شرب اللبن. (٢) المصدر السابق. (٣) رواه مسلم (٢٠١٤) كتاب الأشربة، باب في شرب النبيذ وتخمير الإناء. (٤) ((المنتقى)) ٢٤١/٧. (٥) ورد بهامش الأصل: كذا في مسلم. (٦) رواه مسلم (٢٠١٠) كتاب الأشربة، باب الأمر بتغطية الإناء .. ٢٠٧ كِتَابُ بدء الخلق = تخصيصه بمذهب الراوي بل يتمسك بالعموم (١). وقد يقال: أبو حميد قال: أمرنا، وهذا رواية لا تفسير، وهو مرفوع على المختار ولا تنافي بين رواية أبي حميد والرواية الأخرى ((في يوم))، إذ ليس في أحدهما نفي للآخر فهما ثابتان. فصل : جميع أوامر هذا الباب من باب الإرشاد إلى المصلحة الدنيوية كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوَأْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وليس على الإيجاب وغايته أن يكون من باب الندب، بل قد جعله كثير من الأصوليين قسمًا منفردًا بنفسه عن الوجوب والندب، وينبغي للمرء امتثال أمره، فمن أمتثل سلم من الضرر بحول الله وقوته، ومتى -والعياذ بالله - خالف إن كان عنادًا خلد فاعله في النار وإن كان عن خطأ أو غلط فلا يحرم شرب ما في الإناء أو أكله. وهذا يحقق لك أن المقصود الإرشاد. الحديث الثالث عشر: حديث صَفِيَّةَ بنت حيي في اعتكافه. سلف في الصوم(٢). الحديث الرابع عشر: حديث سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ ◌َهِ وَرَجُلَانِ يَسْتَبَّانِ، أحدهما أحْمَرَّ وَجْهُهُ وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّ: (إِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ. ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ)). قَالُوا لَهُ: إِنَّ النَّبِيَّ وَ قَالَ: ((تَعَوَّذْ باللهِ (١) ((شرح مسلم)) ١٣ / ١٨٣. (٢) سلف برقم (٢٠٣٥). ٢٠٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == مِنَ الشَّيْطَانِ)). فَقَالَ: وَهَلْ بِي جُنُونٌ؟! هذا الحديث يأتي في الأدب، وأخرجه مسلم أيضًا(١). والاستعاذة من الشيطان تذهب الغضب، وذلك أنه المزين له الغضب، وكل ما لا تحمد عاقبته فهي من أقوى السلاح على دفع كيده، وقد قال القَّ في حديث أبي ذر: ((إذا غضب أحدكم وهو قائم فيلجلس فإن ذهب عنه وإلا فليضجع)) (٢). وفي حديث عطية: ((الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفئ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ))(٣). وعن أبي الدرداء: ((أقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب)). وقال بكر بن عبد الله: أطفئوا نار الغضب بذكر نار جهنم. وفي بعض الكتب: قال الله تعالى: ((ابنَ آدم اذكرني إذا غضبتَ أذكرك إذا غضبتُ))(٤). وروى الجوزي في ((ترغيبه)): عن معاوية بن قرة قال: قال إبليس: أنا جمرة في جوف ابن آدم إذا غضب حميته، وإذا رضي منيته. ولما قال عثمان بن أبي العاصي: يا رسول الله، أوصني قال: ((لا تغضب)) فأعاد عليه فقال: ((لا تغضب)). قال عثمان: فنظرت فإذا رأس كل شر الغضب(٥). (١) سيأتي برقم (٦٠٤٨)، ورواه مسلم (٢٦١٠). (٢) رواه أبو داود (٤٧٨٢). (٣) السابق (٤٧٨٤). (٤) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) ٨/ ١٤٤. (٥) رواه أحمد ٣٧٣/٥، وعبدالرزاق ١٧٨/١١ (٢٠٢٨٦)، والبيهقي ١٠٥/١٠ من طريق حميد بن عبد الرحمن عن رجل من أصحاب النبي ◌ُّ، ورواه مالك مرسلا ٩٠٥/٢، عن حميد بن عبدالرحمن أن رجلا .. الحديث. ٢٠٩ ـ كِتَابُ بدء الخلق وقال الحسن: ابن آدم كلما غضبت وثبت أوشك أن تثب وثبة تقع منها في النار. و(الأَوْدَاجُ): جمع ودج، وإنما هما ودجان، وهما العرقان اللذان يقطعهما الذابح، وذكرهما بلفظ الجمع كقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] أو لأن كل قطعة من الودج تسمى ودجا كما جاء في الحديث: (أَزْج الحواجب). وقول الرجل: أبي جنون؟ يحمل على أنه كان من جفاة العرب، أو ممن لم يتفقه في الدين أو من المنافقين. ذكره المنذري. الحديث الخامس عشر: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَثُ، عَنِ النَّبِيِّ نَّ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةً فَقَالَ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي، فَشَدَّ عَلَيَّ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ عَلَيَّ، فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ)). فَذَكَرَهُ، وسلف في الصلاة(١). الحديث السادس عشر: حديثه أيضًا: ((إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ)). الحديث وسلف فيه أيضًا(٢). الحديث السابع عشر: حديثه أيضًا من حديث الأَعْرَج، قَالَ: قَالَ رسول اللهِوَهِ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبَيْهِ بِإِصْبَعِهِ حِينَ يُولَدُ، غَيْرَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ، ذَهَبَ لَيَطْعنِ فَطَعَنَ فِي الحِجَابِ)». هذا الحديث أخرجه في موضع آخر(٣)، من حديث جلاس عنه: (١) سبق برقم (٤٦١). (٣) سيأتي برقم (٣٤٣١). (٢) سلف برقم (٦٠٨). ٢١٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - (كل بني آدم قد طعن الشيطان فيه غير عيسى فإنه حين ولد جعل له دون طعنته حجابًا فأصاب الحجاب ولم يصبها)). وفي موضع لفظ آخر: ((ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخًا من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها)). ثم يقول أبو هريرة: أقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِنَّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ وأخرجه مسلم أيضًا (١). فصل : ((الْحِجَابِ)) هنا: المشيمة، كما قاله ابن الجوزي. وفيه: فضيلة ظاهرة لسيدنا عيسى وَّة، قال القرطبي: يشعر الشيطان بالتسليط والتمكن فمنعها الله منه؛ ببركة دعوة أمها حنة بنت فاقود أمرأة عمران بن حاثان حين قالت: ﴿وَإِّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ (٢). وروى عبد الرزاق في ((تفسيره)) عن المنذر بن النعمان الأفطس، سمع وهب بن منبه يقول: لما ولد عيسى أتت الشياطين إبليس فقالوا: أصبحت الأصنام منكسة. فقال: هذا حادث مكانكم. وطار حتى بلغ خافقي الأرض فلم يجد شيئًا، ثم جاء البحار فلم يقدر على شيء ثم طار فوجد عيسى قد ولد عند مزود حمار، وإذ الملائكة قد حفت به، فرجع إليهم؛ فقال: إن نبيا قد ولد البارحة ولا حملت أنثى ولا وضعت قط إلا وأنا بحضرتها إلا هذِه، فأيسوا من أن تعبد الأصنام بهُذِه الليلة. وفي لفظ: بعد هذه الليلة، ولكن ائتوا بني آدم بالخفة والعجلة(٣). (١) مسلم (٢٣٦٦). (٢) ((المفهم)» ٦/ ١٧٧. (٣) ((تفسير عبد الرزاق)) ١٢٦/١ (٣٩٢). ٢١١ = كِتَابُ بدء الخلق وقوله: (إلا هُذِه) يخالف ما سلف في الصحيح إلا أن يؤول. وروى عبد بن حميد في ((تفسيره)) عن إبراهيم بن الحكم، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لولا أنها قالت: ﴿وَإِّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا﴾ إذن لم يكن لها ذرية(١). فصل : أشار القاضي إلى أن جميع الأنبياء يشاركون عيسى في ذلك اَل﴾ (٢). وقال القرطبي: إنه قول قتادة: لما أراد أن يطعن جعل بينهما حجاب فأصاب الطعنة الحجاب ولم يتعد لها منه شيء. قال علماؤنا: وإن لم يكن كذلك لبطلت الخصوصية ولا يلزم من نخسه إضلال الممسوس وإغواؤه، فإن ذلك ظن فاسد فلم يعرض الشيطان لخواص الأولياء بأنواع الإغواء والمفاسد ومع ذلك فقد عصمهم بقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ (٣) [الحجر: ٤٢]. الحديث الثامن عشر: حديث عَلْقَمَةَ: قَدِمْتُ الشَّأُمَ فقال: أَفِيكُمُ الذِي أَجَارَهُ اللهُ مِنَ الشَّيْطَانِ عَلَىْ لِسَانِ نَبِّهِ؟ يعني، عمارًا؛ يجوز أن يكون قاله لقوله الَّ: (يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار)) (٤) أو يكونوا شهد له أن الله أجاره من الشيطان. (١) كما في (الدر المنثور)) ٣٥/٢. (٢) ((إكمال المعلم)) ٧/ ٣٣٧. (٣) ((المفهم» ١٧٨/٦. (٤) ((صحيح ابن حبان)) ١٥/ ٥٥٣-٥٥٤. ٢١٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - الحديث التاسع عشر: وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ أَخْبَرَهُ عن عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ قَالَ: ((الْمَلَائِكَةُ تَتَحَدَّثُ فِي العَنَانِ -وَالْعَنَانُ: الغَمَامُ - بِالأَمْرِ يَكُونُ فِي الأَرْضِ». الحديث وقد ساقه في ذكر الملائكة كما مضى مسندًا عن ابن أبي مريم: أنا الليث به، وقد أسلفنا الكلام عليه هناك، قال ابن الأعرابي: قَرَرْتُ الكلام في أذن الأبكم إذا وضعتَ فاك على سماخه فنفئته فیه(١). وقال الهروي: إنه ترديدك الكلام في أذن الأبكم حتى يفهمه. قال: ومن رواه: كقَرِّ الدجاجة أراد صوتها إذا قطعته(٢). وقوله: ( ((كما تقر القارورة))). يريد: تضييق رأس القارورة برأس الوعاء الذي يفرغ منه فيها. وقوله: ( ((يقرها في أذُنِ الكَاهِنِ)) ). قاله الداودي: يلقها كما يستقر الشيء في قراره. وقال الشيخ أبو الحسن: ظاهره أن له حسًّا كحس القارورة عند تحريكها مع أخرى أي: على صفاه. كذا يفهم من قوله: كقر الدجاجة أي: کما يسمع صوتها. (١) تداخل كلام ابن الأعرابي في الجملة السابقة مع كلام شمر، كما في المصادر؛ فشمر يقول: قَرَرْتُ الكلامَ في أُذُنِهِ أَقُرُّه قَرًّا: وهو أَنْ تَضَع فاكَ على أُذُنِهِ فَتَجْهَرَ بِكَلامِكَ كما يُفْعَل بالأَصَمّ. وابن الأعرابي يقول - كما في المصادر: القَرُّ: تَرْدِيدُك الكَلامَ في أُذُنِ الأَبْكَمِ حَتَّى يَفْهَمَه. (٢) كما في ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٣٩/٤. ٢١٣ ـ كِتَابُ بدء الخلق ويقال بالزاي وهو ما يسمع من حسيس الزجاجة حين يحرك بها على شيء؛ وقال ابن فارس: القر: صب الكلام في الأذن، والاستقرار: التمكن (١)، وضبط: فيقُرها في رواية بضم القاف وهو الصحيح. كما قال ابن التين، كما تقرر من أن فَعَّل متعد يضعف بالضم إلا أحرف بينوها ليس هذا منها. الحديث العشرون: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾: ((التَّنَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ)). وقد سلف في الصلاة (٢)، والمعنى: فيه تحذير السبب الذي يتولد منه التثاؤب، وأضيف إلى الشيطان؛ لأنه الذي يعطي النفس شهوتها من الطعام ويزين له ذلك، فإذا قال: ((ها)) يعني إذا بلغ في التثاؤب ضحك الشيطان فرحًا بذلك. وقال الداودي: إن فتح فاه ولم يصله بَسَقَ فيه، وإن قال: ((ها)) ضحك منه. الحادي والعشرون : حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها: لَمَّا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ هُزِمَ المُشْرِكُونَ، فَصَاحَ إِبْلِيسُ: أي عِبَادَ اللهِ، أُخْرَاكُمْ .. الحديث ذكره في المغازي ويأتي هناك وفي الديات والمناقب (٣). ومعنى: (ما احتجزوا حتى قتلوه): ما تركوه، يقال لكل من ترك شيئًا : أحتجز عنه. وقوله: (غفر الله لكم). عذرهم حين قتلوا أباه وهم يظنونه كافرًا. (١) ((مجمل اللغة)) ٧٢٧/٢، مادة: (قر). (٢) لم أقف عليه في الصلاة عند البخاري، ولعله سلف في شرح المصنف. (٣) يأتي برقم (٣٨٢٤، ٤٠٦٥، ٦٨٩٠). ٢١٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - الحديث الثاني بعد العشرين : حديث عَائِشَة رضي الله عنها في الالتفات. سلف في الصلاة(١). والبخاريُّ رواه عن شيخين: سليمان بن عبد الرحمن وأبي المغيرة، واسمه عبد القدوس بن الحجاج الخولاني الحمصي، روى عنه البخاري هنا، وروي عن إسحاق - غير منسوب- عنه، ويقال: إنه إسحاق بن منصور الكوسج. وروى مسلم عن الكوسج، مات سنة اثنتي عشرة ومائتين. وأما أبو بكر عبد القدوس بن محمد بن عبد الكبير بن شعيب بن الحبحابي البصري، روى عنه البخاري في الردة منفردًا به. ليس لهما ثالث في الصحيحين، قاله الدمياطي. ومعنى: ( ((هو اختلاس يختلس الشيطان من صلاة أحدكم)) ) يعني: كأنه خطف شيئًا وظفر به. وفي بعض الأثر: إذا التفت في صلاة قال الله: ((أنا خير لك مما التفت إليه))(٢). الحديث الثالث بعد العشرين: حديث أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ مَ : ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللهِ، وَالْحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلُمَّا يَخَافُهُ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا، فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ)). هذا الحديث سيأتي في التعبير والطب(٣)، وأخرجه مسلم بلفظ: ((إذا رأى أحدكم ما يحب لا يحدث بها إلا من أحب، وإذا رأى ما يكره فليتفل عن يساره ثلاثًا وليتعوذ بالله من شر الشيطان وشرها، (١) سبق برقم (٧٥١). (٢) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) ٢٥٥/٢ (٣٢٦٣) عن يحيى بن أبي كثير، وابن أبي الدنيا في ((التهجد وقيام الليل)) ص ٥١٠ (٥٠٦)؛ عن عطاء. (٣) سيأتي برقم (٦٩٨٤، ٥٧٤٧). ٢١٥ كِتَابُ بدء الخلق = ولا يحدث بها أحدًا؛ فإنها لا تضره)) (١). وللنسائي: ((إذا رأى أحدكم الذي يعجبه فليعرضه على ذي رأي ناصح فليتأول خيرًا (أو ليقل خيرًا)(٢)))(٣). وأخرجه البخاري أيضًا من حديث أبي سعيد بنحوه (٤)، وأخرجه مسلم من حديث جابر بلفظ: ((إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاثًا، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه))(٥). فصل : قوله: ( ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللهِ)) ) يريد أنها بشارة منه؛ ليشكره علیھا. ويريد «بالْحُلُّمُ»: الرؤيا الكاذبة يريدها الشيطان؛ ليسيء ظنه ويحزنه ويقل حظه من شكر الله، ولذلك أمره بالبصق عن يساره. قال ابن الجوزي: والرؤيا والحلم بمعنى واحد؛ لأن الحلم ما يراه الإنسان في نومه، غير أن صاحب الشرع خص الخير باسم الرؤيا، والشر باسم الحلم، ولام الحلم ساكنة ومضمومة، وهو مصدر حلمت بفتحتين، وتجمع على أحلام في القلة، والكثير حلوم، وإنما جمع وإن كان مصدرًا لاختلاف أنواعه، وهو في الأصل عبارة عما يراه الرائي في منامه حسنًا كان أو مكروهًا، كما أسلفناه. وإضافته إلى الله إضافة اختصاص وإكرام؛ لسلامتها من التخليط وطهارتها عن حضور (١) مسلم (٤/٢٢٦١) كتاب الرؤيا. (٢) من (ص١). (٣) ((السنن الكبرى)) ٢٢٦/٦ (١٠٧٤٥). (٤) سيأتي في التعبير (٦٩٨٥) باب الرؤيا من الله. (٥) مسلم (٢٢٦٢) کتاب الرؤيا. ٢١٦ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح - الشيطان؛ لكونها مكروهة. وقيل: لأنها لا توافق الشيطان ويستحسنها لما فيها من شغل بال المسلم لا أن الشيطان يفعل شيئًا، ولا خالق إلا الله. وقوله: ( ((فَإِذَا حَلَمَ)) ) هو بفتح اللام، قال ابن التين: وبضمها في المنام، وحلم عنه إذا عفا عنه بضمها. وحلم الأديم -بكسرها - إذا نتنت قبل أن تدبغ. وقوله: ( (فَلْيَبْصُقْ)) ) يريد: زجر الشيطان بذلك كرمي الجمار، وكما يفعل عند الشيء القذر يراه؛ ولا (شيء) (١) أقذر من الشيطان. وذكر الشمال؛ لأن العرب عندها إتيان الشر كله من قبل الشمال، ولذلك سمتها الشؤمى، وكانوا يتشائمون بما جاء من قبلها من الطير. وأيضًا فليس فيها كبير عمل ولا بطش ولا أكل ولا شرب. فائدة : الرؤيا المكروهة هي التي تكون عن حديث النفس وشهواتها، وكذلك رؤيا التحزين والتهويل والتخويف يدخله الشيطان على الإنسان؛ ليهوش عليه في اليقظة. وقد يجمع هذان الشيئان، أعني: هموم النفس وتحزين الشيطان، وهذا النوع هو المأمور بالاستعاذة منه؛ لأنه من تخيلاته، فإذا فعل المأمور به صادقًا أذهب الله عنه ما أصابه من ذلك، وتحوله إلى الجانب الآخر؛ ليكمل استيقاظه وينقطع عن ذلك المنام المكروه. وسيأتي له تكملة في الرؤيا (٢). (١) من (ص١). (٢) يأتي برقم (٦٩٨٤) كتاب التعبير، باب الرؤيا من الله. ٢١٧ كِتَابُ بدء الخلق = الحديث الرابع بعد العشرين : حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: ((مَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. فِي يَوْمِ مِائَةً مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتَّ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا رجل عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ)). هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا والترمذي(١)، زادا -والنسائي أيضًا(٢) - ((ومن قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر)). وجه إيراده للحرز من الشيطان بذلك. الحديث الخامس بعد العشرين: حديث سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قال: أستأذن عمر على رسول الله وعنده نساء من قريش يكلمنه ويستكثرنه عالية أصواتهن، فلما أُسْتَأْذَنَ عُمَرُ. قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الحِجَابَ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَلَ، وَرَسُولُ اللهِ وَلَه يَضْحَكُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَضْحَكَ اللهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((عَجِبْتُ مِنْ هؤلاء اللََّّتِي كُنَّ عِنْدِي، فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ أَبْتَدَرْنَ الحِجَابَ)). قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ يَهَبْنَ. ثُمَّ قَالَ: أىُ عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ، أَتَهَبْنَنِي وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللهِ ◌َِّ؟! قُلْنَ نَعَمْ، أَنْتَ أَفَظُ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللهِلَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِ﴾: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانْ قَطُّ سَالِكًا فَجَّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجَِّكَ)). وهذا الحديث رواه البخاري، عن علي بن عبد الله، ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، أخبرني عبد الحميد بن (١) مسلم (٢٦٩١)، والترمذي (٣٤٦٨). (٢) ((السنن الكبرى)) ٦/ ٢٠٧. ٢١٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == عبد الرحمن بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، أخبرني عن أبيه: أستأذن عمر. وهذا إسناد اجتمع فيه أربعةٌ تابعيون بعضهم عن بعض صالح بن كيسان فمن بعده، ورواه النسائي بنزول جدًّا رواه عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب، عن الليث، عن أبيه، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح، به (١). وأخرجه أيضًا في الفضائل(٢). وأخرجه النسائي أيضًا في ((يومه وليلته))(٣). فصل : معنى (يستكثرنه): يطلبن كثيرًا من كلامه وجوابه، ويحتمل أن يكون من العطاء، يؤيده أنه ورد في رواية أنهن يردن النفقة. وقوله: (أَصْوَاتُهُنَّ) هو الصواب، وأصواتهم لا وجه له، وكذلك أصواتها. وكذا قوله: ( ((التِي كُنَّ عِنْدِي))). إلا أنها قرينة بالذي يعبر بها عن الجميع مثل قوله: ﴿وَخُضْتُمْ كَلَّذِى خَاضُواْ﴾ [التوبة: ٦٩]. وعلو أصواتهن يحمل على أنه قبل النهي عن رفع الصوت، أو يحمل على أنهن لاجتماعهن حصل لغط من كلامهن أو يكون فيهن من هي جهيرة الصوت كنعيم النحام أو يحمل على أنهن لما علمن عفوه وصفحه تسمحن في رفع الصوت. (١) السابق ٤١/٥-٤٢ (٨١٣٠). (٢) سيأتي برقم (٣٦٨٣) كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب. (٣) ((السنن الكبرى)) ٦٠/٦ (١٠٠٣٥). ٢١٩ = كِتَابُ بدء الخلق والفظاظة والغلظ: بمعنى واحد (١)، وهي عبارة عن شدة الخلق وخشونة الجانب، وأفظ وأغلظ ليسا للمفاضلة، بل بمعنى فظ غليظ. وقيل: يصح حملها على المفاضلة، وأن القدر الذي بينهما في رسول الله ◌َّ هو ما كان من إغلاظه على الكفار والمنافقين قال تعالى: ﴿جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]. وفيه: فضل لين الجانب والرفق. ومعنى: (ابتدرن الحجاب): استبقن إليه، والفج: الطريق الواسع، وقيل: هو الطريق بين الجبلين. قال عياض: يحتمل أنه ضرب مثلاً لبعد الشيطان وأعوانه عن عمر، وأنه لا سبيل لهم عليه(٢)، أي: أنك إذا سلكت في أمر بمعروف أو نهي عن منكر تنفذ فيه ولا تتركه، فيئس الشيطان من أن يوسوس فيه له بتركه ويسلك غيره، ليس المراد به الطريق على الحقيقة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا نَزَوْنَهُمْ﴾ فلا مخافة أذى يصيبه في فج؛ لأنه لا يراه. الحديث السادس بعد العشرين: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَثُ، عَنِ النَّبِيِّ مِّ قَالَ: ((إِذَا أَسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ)). والخَيْشُوم: الأنف. وقال الداودي: هما المنخران. وقوله: (((فَلْيَسْتَنْثِرْ))): يدخل فيه فليستنشق؛ لأن الاستنثار لا يكون إلا بعده. (١) ورد بهامش الأصل: قوله: (بمعنى واحد). فيه نظر فقد قال في ((الكشاف)) في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِظَ الْقَلْبِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ما نصه فظًا أي: جافيًا، غليظ القلب: قاسيه. انتهى بدعوى تراد فيهما ليس ظاهر. ا. هـ (٢) ((إكمال المعلم)) ٧/ ٤٠٢. ٢٢٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح : ١٢ - باب ذِكْرِ الجِنِّ وَثَوَابِهِمْ وَعِقَابِهِمْ لِقَوْلِهِ وَّ: ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنِّ وَاُلْإِنِسِ أَلَمَـ بَأْتِّكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ يَقُضُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٠ - ١٣٢]. ﴿يَخْسًا﴾ [الجن: ١٣]: نَقْصًا. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اُلْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: المَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللهِ، وَأُمَّهَاتُهُمْ بَنَاتُ سَرَوَاتِ الجِنِّ. قَالَ اللهُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨]: سَتُحْضَرُ لِلْحِسَابِ. ﴿جُندُ تُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٥]: عِنْدَ الحِسَابِ. ٣٢٩٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبي صَغْصَعَةَ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَهُ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ◌َ﴾ قَالَ لَهُ: ((إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ وَبَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدِى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَىء إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ)). قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ◌َ. [انظر: ٦٠٩ - فتح ٣٤٣/٦] الشرح : قرأ الأعرج وابن أبي إسحاق: ﴿يَأْتِكُمْ﴾ بالتاء، (والباقون: بالياء)(١). واختلف في الجن هل أرسل إليهم رسول أم لا؟ فقال عبيد بن سليمان: سئل الضحاك عن الجن هل كان فيهم مؤمن قبل أن يبعث النبي ◌َ﴾؟ فقال: ألم تسمع قول الله : ﴿يَمَعْشَرَ الجِنِّ وَاُلْإِنِسِ أَلَمْـ (١) من (ص١).