Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
كِتَابُ بدء الخلق
=
٩ - باب صِفَةِ أَبْوَابِ الجَنّةِ
وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجَنَّةِ))،
فیه عبادة، عن النبي ێ.
٣٢٥٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو
حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ وََّ قَالَ: ((فِي الجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ، فِيهَا
بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّنَ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا الصَّائِمُونَ)). [انظر: ١٨٩٦ - مسلم: ١١٥٢ - فتح ٦ /
٣٢٨ ]
هذا التعليق سلف مسندًا عن أبي هريرة في الصيام(١)، وسيأتي في
فضائل الصديق (٢).
قال فِيهِ: عُبَادَةُ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ. هذا الحديث رواه أبو القاسم في
((معجمه)) من حديث أبي سلام، عن أبي أمامة عنه، وهو عبادة بن
الصامت ولفظه: ((عليكم بالجهاد في سبيل الله فإنه باب من أبواب
الجنة، يذهب الله به الهم والغم)) (٣).
ثم ساق البخاري حديث سَهْلٍ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ قَالَ: ((فِي الجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ
أَبْوَابٍ، فِيهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّ الصَّائِمُونَ)). وقد سلف في
الصيام في باب الريان للصائمين (٤).
(١) سلف برقم (١٨٩٧).
(٢) سيأتي برقم (٣٦٦٦).
(٣) رواه أبو القاسم -يعني الطبراني - في ((الكبير)) كما في ((تغليق التعليق)) ٥٠٧/٣
لكن من حديث مكحول بدلا من أبي سلام، ورواه في ((المعجم الأوسط)) ١٨١/٨
(٨٣٣٤)، عن مكحول عن أبي أمامة أن النبي ◌َّ قال .. فساقه دون ذكر عبادة.
أما الإسناد الذي ذكره المصنف فقد رواه ابن أبي عاصم في ((الجهاد)) (٧)، وصححه
ابن حبان ١٩٣/١١ (٤٨٥٥)؛ ولمزيد بيان. انظر: ((الصحيحة)) (١٩٤١).
(٤) سلف برقم (١٨٩٦).

١٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال الداودي: وهذا الحديث من قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا﴾
[الزمر: ٧٣] لأن الواو إنما تأتي بعد سبعة.
وقال الكوفيون: الواو زائدة، وهو خطأ عند البصريين؛ لأن الواو
تفيد معنى العطف، فلا يجوز أن تزاد.
وقال محمد بن يزيد: ﴿حَتََّ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]
سعدوا(١).
والريان: مشتق من الري، وهو الروي من الماء.
وقوله: ( ((لَا يَدْخُلُهُ إِلَّ الصَّائِمُونَ)) ) يريد لما كان يصيبهم من
العطش من صيامهم.
قال بعض الصحابة: لولا ثلاث لم أحب البقاء: الظمأ بالهواجر،
ومكابدة الليل الطويل، ومجالس نبتغي فيها أطايب الكلام، كما نبتغي
أطايب الرطب(٢).
ونظير هذا في ((مسند البزار)): ((للنار باب لا يدخله إلا رجل شفى
غيظه بسخط الله))(٣).
(١) ((إعراب القرآن)) للنحاس ٨٣٠/٢-٨٣١، وانظر: ((معاني القرآن)) له أيضًا ٦/
١٩٦ -١٩٧.
(٢) ((حلية الأولياء)) ٢١٢/١، عن أبي الدرداء بمعناه.
(٣) رواه البزار كما في ((المجمع)) ٧٠/٨؛ قال الهيثمي: وفيه إسماعيل بن شيبة
[الطائفي] وهو ضعيف، ووثقه ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح.

١٦٣
كِتَابُ بدء الخلق
=
١٠ - باب صِفَةِ النَّارِ وَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ
(﴿وَغَسَاقًا﴾) [النبأ: ٢٥] يُقَالُ: غَسَقَتْ عَيْنُهُ وَغَسَق الجُرْحُ،
وَكَأَنَّ الغَسَاقَ والغسيق وَاحِدٌ. ﴿غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦]: كُلُّ
شَىء غَسَلْتَهُ فَخَرَجَ مِنْهُ شَىءٍ فَهْوَ غِسْلِينَ، فِعْلِينَ مِنَ الغَسْلِ
مِنَ الجُرْحِ وَالدَّبَرِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:
٩٨]: حَطَبُ بِالْحَبَشِيَّةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ ﴿حَاصِبًا﴾ [الإسراء: ٦٨]:
الرِّيحُ العَاصِفُ، وَالْحَاصِبُ مَا تَرْمِي بِهِ الرِّيحُ، وَمِنْهُ
﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] يُرْمَىُ بِهِ فِي جَهَنَّمَ هُمْ
حَصَبُهَا، وَيُقَالُ: حَصَبَ فِي الأَرْضِ: ذَهَبَ، وَالْحَصَبُ:
مُشْتَقُّ مِنْ حَصْبَاءِ الحِجَارَةِ. ﴿صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦] قَيْحُ
وَدَمٌ ﴿خَبَتْ﴾ [الإسراء: ٩٧]: طَفِئَتْ. ﴿تُورُونَ﴾ [الواقعة:
٧١]: تَسْتَخْرِجُونَ، أَوْرَيْتُ: أَوْقَدْتُ. ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة:
٧٣]: لِلْمُسَافِرِينَ، وَالْقِيُّ: القَفْرُ. وَقَالَ ابن عَبَّاسِ: ﴿صِرَطِ
اَلْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]: سَوَاءُ الجَحِيم وَوَسَطُ الجَحِيمِ،
﴿لَشَوْبًا مِّنْ خَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٧]: يُخْلَطُ طَعَامُهُمْ وَيُسَاَطُ
بِالْحَمِيم. ﴿زَفِيْرٌ وَشَهِينٌ﴾ [هود: ١٠٦]: صَوْتٌ شَدِيدٌ،
وَصَوْتٌ ضَعِيفٌ. ﴿وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦] عِطَاشًا. ﴿غَيًّا)
[مريم: ٥٩]: خُسْرَانًا، قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ [غافر:
٧٢]: تُوقَدُ بِهِم النَّارُ ﴿وَتُحَاسُ﴾ [الرحمن: ٣٥]: الصُّفْرُ،
يُصَبُّ عَلَى رُءُوسِهِمْ، يُقَالُ: ﴿ذُوقُواْ﴾ [الحج: ٢٢]: بَاشِرُوا
وَجَرِّبُوا، وَلَيْسَ هُذا مِنْ ذَوْقِ الفَم. مَارِجٌ: خَالِصٌ مِنَ
النَّارِ، مَرَجَ الأَمِيرُ رَعِيَّتَهُ: إِذَا خَلَّاهُمْ يَعْدُو بَعْضُهُمْ عَلَى

١٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
-
بَعْضِ. ﴿مَرِيج﴾ [ق: ٥]: مُلْتَبِسٌ، مَرِجَ أَمْرُ النَّاسِ:
اخْتَلَطَ، ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٩] مَرَجْتَ دَابَّتَكَ:
تَرَكْتَهَا.
٣٢٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُهَاجِرٍ أَبِي الَحَسَنِ قَالَ: سَمِعْتُ
زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرِّ ◌َهُ يَقُولُ كَانَ النَّبِيُّ ◌َ فِي سَفَرٍ فَقَالَ: (أَبْرِدْ)). ثُمَّ
قَالَ: ((أَبْرِدْ)). حَتَّى فَاءَ الفَىء -يَغْنِي لِلتُّلُولِ - ثُمَّ قَالَ: ((أَبْرِدُوا بِالصَّلاَةِ، فَإِنَّ شِدَّةً
الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ)). [انظر: ٥٣٥ - مسلم: ٦١٦ - فتح ٦ / ٣٢٩]
٣٢٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ
أَبِي سَعِيدٍ رضى الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ
فَيْحِ جَهَنَّمَ)). [انظر: ٥٣٨ - فتح ٦ / ٣٣٠]
٣٢٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةً
بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلُهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه: ((اشْتَكَتِ النَّارُ
إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: رَبِّ، أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا. فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي
الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ فِي الحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ
الزَّمْهَرِيرِ)). [انظر: ٥٣٧ - مسلم: ٦١٧ - فتح ٦ /٣٣٠]
٣٢٦١ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ نُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ
الضُّبَعِيِّ قَالَ: كُنْتُ أُجَالِسُ ابن عَبَّاسِ بِمَكَّةَ، فَأَخَذَثْنِي الحُمَّى، فَقَالَ: أَبْرِذْهَا عَنْكَ
بِمَاءِ زَمْزَمَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ له قَالَ: ((الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ)). أَوْ
قَالَ: ((بِمَاءِ زَمْزَمَ)). شَكَّ هَمَّامٌ. [فتح ٦ /٣٣٠]
٣٢٦٢ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبَّاسِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةً قَالَ: أَخْبَرَبِ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَ يَقُولُ:
((الْحُمَّى مِنْ فَوْرِ جَهَنَّمَ، فَأَبْرِدُوهَا عَنْكُمْ بِالْمَاءِ)). [٥٧٢٦ - مسلم: ٢٢١٢ - فتح ٦ /
٣٣٠]

١٦٥
كِتَابُ بدء الخلق
=
٣٢٦٣ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ
عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: ((الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأَبْرِدُوهَا
بِالْمَاءِ)). [٥٧٢٥ - مسلم: ٢٢١٠ - فتح ٦ /٣٣٠]
٣٢٦٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ، عَنْ يَخْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعُ، عَنِ ابن
عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ قَالَ: ((الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأَبْرِدُوهَا
بِالْمَاءِ)). [٥٧٢٣ - مسلم: ٢٢٠٩ - فتح ٦ /٣٣٠]
٣٢٦٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِ الزِّنَادِ، عَنِ
الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ ﴿ قَالَ: ((نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا
مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ)). قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً. قَالَ: ((فُضِّلَتْ عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةِ
وَسِتِّينَ جُزْءًا، كُلَّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا)). [مسلم: ٢٨٤٣ - فتح ٦ /٣٣٠]
٣٢٦٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ عَطَاءَ يُخْبِرُ،
عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ◌َ يَقْرَأُ عَلَى المِنْبَرِ: ((﴿ وَنَادَوْاْ
يَمَلِكَ﴾)) [الزخرف: ٧٧].
٣٢٦٧ - حَدَّثْنَا عَلِيّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قِيلَ
الأَسَامَةَ: لَوْ أَتَيْتَ فُلَانَا فَكَلَّمْتَهُ. قَالَ: إِنَّكُمْ لَتَرَوْنَ أَّ لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّ أُسْمِعُكُمْ، إِّ أُكُلِّمُهُ
فِي السَّرِّ دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا لَا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ، وَلَا أَقُولُ لِرَجُلِ أَنْ كَانَ عَلَيَّ أَمِيرًا إِنَّهُ
خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ. قَالُوا: وَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ؟ قَالَ:
سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي
الثَّارِ ، فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ، فَيَقُولُونَ: أَنْ
فُلَانُ، مَا شَأْتُكَ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ؟ قَالَ: كُنْتُ
آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِبِهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَآَتِهِ)). رَوَاهُ غُنْدَرْ، عَنْ شُغْبَةً،
عَنِ الأعْمَشِ. [٧٠٩٨ - مسلم: ٢٩٨٩ -فتح ٦ / ٣٣١]

١٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الشرح :
روى إسماعيل بن أبي زياد الشامي في ((تفسيره))، عن ثور، عن
خالد بن معدان، عن معاذ: سئل رسول الله وَله: من أين يجاء
بجهنم؟ قال: ((يجاء بها يوم القيامة من الأرض السابعة لها سبعون
ألف زمام)) الحديث.
قيل: الغساق: قيح غليظ، قاله عبد الله بن عمر (١).
وقال ابن زيد: هو صديدهم تصهرهم النار، فيجمع صديدهم في
حیاض فيسقونه(٢).
وقيل : إنه النتن.
قال ابن فارس: ما يقطر من جلود أهل النار(٣).
وقال ابن عزير: وقيل: بارد يحرق كما تحرق النار، وقوله: غسقت
عينه، أي: سالت، وقيل: أظلمت ودمعت، وقوله: ﴿إِلَّا مِنْ غِسْلِينِ﴾
[الحاقة: ٣٦] وقال في موضع آخر: ﴿إِلَّا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦]
وقيل: المعنى: ولا طعام ينتفع به. وقيل: الغسلين من الضريع.
وقول عكرمة أخرجه ابن أبي عاصم، عن أبي سعيد الأشج، ثنا
وكيع، عن سفيان، عن عبد الملك بن أبجر سمعت عكرمة به.
قال ابن عرفة: إن كان أراد بها حبشية الأصل سمعتها العرب
فتكلمت بها، فصارت حينئذٍ عربية، وإلا فليس في القرآن غير العربية (٤).
(١) ((تفسير القرطبي)) ٢٢٢/١٥، وعزاه إلى عبدالله بن عمرو. بالواو.
(٢) (تفسير الطبري)) ٥٩٨/١٠ (٢٩٩٩٣).
(٣) ((المجمل)) ٦٩٦/٢ مادة: غسق.
(٤) (لسان العرب)) ٨٩٤/٢ مادة: حصب.

١٦٧
كِتَابُ بدء الخلق
=
وقال ابن عزير: إن كان أراد أن هذِه الكلمة حبشية وعربية بلفظ
واحد فهو وجه.
قال الخليل: حصب ما هيئ للوقود من الحطب، فإن لم يهيأ لذلك
فليس بحصب(١).
وقرأ ابن كثير بإسكان الضَّاد معجمة، وعن ابن عباس بفتحها(٢)،
وروي عن عائشة: (حطب جهنم)(٣)، وروي عن ابن عباس: لما
نزلت هذه الآية قالوا: أليس عُبد عزير والمسيح والملائكة، وأنت
تقول: هم قوم صالحون، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ﴾ [الأنبياء:
١٠١] الآية(٤).
وقوله: في (﴿خَبَتْ﴾: طفئت)، قال الضحاك: سكنت(٥)، وقال
جماعة: سكن لهبها، وهي حية لم تبطل، وكذلك ناخت، فإن سكن
لهبها وعلا الجمر رماد، قيل: كبت، فإن طفئ بعض الجمر وسكن
اللهب قيل: خمدت، فإن طفئت كلها ولم يبق منها شيء قيل: همدت.
وقوله: (القي: القفر)، يقال: القوي وهو الموضع لا أحد فيه،
وقيل: المقوي: من لا زاد معه، وقال مجاهد: المقوين: الناس
أجمعون(٦)، وقيل: الذي معه مال، وقيل: المقوى: الذي أصحابه
وإبله أقوياء، وقيل: من معه دابة، وهذا ليس بتفسير.
(١) ((العين)) ١٢٣/٣-١٢٤، مادة: حصب.
(٢) أنظر: ((زاد المسير)) ٣٩٠/٥.
(٣) ((تفسير الطبري)) ٨٩/٩ (٢٤٨٢٣).
(٤) السابق (٢٤٨٣٨).
(٥) السابق ١٥٣/٨ (٢٢٧٣١).
(٦) السابق ٦٥٦/١١ (٣٣٥١٩).

١٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقوله في تفسير: ﴿لَشَوْبًا﴾ ويساط معناه: يخلط، والمعنى هنا:
شرب الحميم، وما ذكره في ﴿زَفِيْرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] قيل:
الزفير: أول نهيق الحمار. والشهيق: من آخره، فالزفير من الصدر
والشهيق من الحلق.
وقال الداودي: الشهيق: الذي يبقى بعد الصوت الشديد من الحمار.
وروي عن ابن مسعود إذا بقي في النار من خلد فيها جعلوا في
توابيت من حديد فما يرى أحدهم أنه يعذب في النار أحد غيره، ثم
[الأنبياء: ١٠٠]
١٠٠
قرأ: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيْرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ
وما ذكره عن ابن عباس في تفسير ﴿صِرَّطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] رواه
الطبراني من حديث علي عنه ﴿سَوَآءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] في وسط
الجحيم، وعنه: واهدوهم: (وَجِّهُوهُمْ)(٢).
وقوله: (﴿وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦]) عطاشًا، قال أهل اللغة: هو مصدر
وردت، والتقدير عندهم ذوي ورد، وقد حكوا أنه يقال للواردين الماء:
ورد، فلما كانوا يردون على الماء كما يرد العطاش على الماء قيل لهم:
ورد، فعلى هذا يوافق اللغة، وقيل: وردًا ورَّادًا، كقولك قوم زور أي:
زوار.
وقوله: (غيَّا: خسرانًا)، قال ابن مسعود: غيَّا: وادٍ في جهنم(٣)،
والمعنى فسوف يلقون حر الغي، وقيل: يسمى الوادي: غيًّا؛ لأن
الغاوين يصيرون إليه.
(١) ((تفسير القرطبي)) ٣٤٥/١١.
(٢) في الأصل: (وجوههم)، والمثبت من ((تفسير الطبري)) ١٠/ ٤٨٠ (٢٩٣٢٣).
(٣) رواه الطبراني ٩/ ٢٢٧ (٩١١١)، وصححه الحاكم ٣٧٤/٢.

١٦٩
كِتَابُ بدء الخلق
=
وتفسير مجاهد في: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ رواه عبد، عن روح، عن شبل،
عن أبي نجيح، عن مجاهد به(١)، وما ذكره في ((تفسير النحاس)) هو
قول مجاهد(٢).
وقال سعيد بن جبير: هو الدخان، زاد ابن عباس: لا لهب فيه،
وقال: النحاس: النار والدخان أشبهها.
وما ذكره في ﴿مَرَجَ﴾ قال ابن عباس: المارج: اللهب(٣)، وقال
أبو عبيدة: المارج: الخلط. وروي عن مجاهد: من لهب أحمر وأسود،
وقال الفراء: المارج: نار دون الحجاب، ومنها هذِه الصواعق ويرى
جلد السماء منها (٤). وقيل: هو اللهب المختلط بسواد النار.
وقوله: (مرج أمر الناس ) هو بكسر الراءِ، ومنه: مرج الخاتم في
يدي إذ تلف، ومنه: مرجت عهودهم، أي: اختلطت.
ومعنى (مريج): ملتبس أي: يقولون مرة: شاعر، ومرة: ساحر،
ومرة: كاهن، ومرة: مجنون.
ثم ذكر البخاري في الباب عشرة أحاديث:
أحدها: حديث أبي ذر كان رسول الله وَّل﴿ في سفرٍ فقال: ((أبرد)) ثم
قال: ((أبرد)). حتى فاء الفيء -يعني التلول- ثم قال: ((أبردوا عن
الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم)). وقد سلف في الصلاة(٥).
(١) رواه عبد بن حميد في ((تفسيره)) كما في ((الدر المنثور)) ٣٠٦/٧.
(٢) ((معاني القرآن)) ٢٣٤/٦.
(٣) ((تفسير الطبري)) ٥٨٤/١١ (٣٢٩٤٥).
(٤) ((معاني القرآن)) للفراء ١١٥/٣.
(٥) سلف برقم (٥٣٥).

١٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
والإبراد: أن تفيء الأفياء، وينكسر وهج الحر، وسمي ذلك بردًا
بالإضافة إلى حر الظهيرة.
و(فَيْحِ جَهَنَّمَ)): سطوع حرها، قاله الليث، يقال: فاحت القدر تفيح
إذا غلت، وفاحت الشجة نفحت بالدم، قال ابن فارس: وهو مصدر فاح
وأصله الواو(١)، ويحتمل - كما قال الخطابي - أن يكون أراد به المثل،
فشبهہ بحرِّ جهنم، یحذرهم حرہ کما یحذرون فیح جهنم، فاحذروا حرَّ
الظهيرة وأذاها (٢).
الحديث الثاني :
حديث أَبِي سَعِيدٍ قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ
فَيْحِ جَهَنَّمَ)). وسلف أيضًا في الصلاة(٣).
الحديث الثالث :
حديث أَبَا هُرَيْرَةَ قال النبيِ وَّهِ: ((اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ:
رَبِّ، أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا .. ))، الحديث سلف في الصلاة أيضًا (٤)، وهو
دال على أنه يخلق فيها إدراكًا، وقيل: إن الجنة والنار أسمع
المخلوقات، وإن الجنة إذا سألها عبد أمَّنت على دعائه، والنار إذا
استجار منها أحد أمنت على دعائه، والنار ههنا هي جهنم، وليس
المراد النار نفسها؛ لأنه ذكر أن فيها الزمهرير، وهو: البرد، والضدان
لا يجتمعان، وجهنم تشتمل على النار والزمهرير، وغير ذلك من
أنواع العذاب، أجارنا الله من ذلك بفضله ومنته.
(١) ((المجمل)) ٧٠٨/٢، مادة: (فيح).
(٢) ((أعلام الحديث)) ١٤٩٥/٢.
(٣) سلف برقم (٥٣٨).
(٤) سلف برقم (٥٣٧).

١٧١
= ڪِتَابُ بدء الخلق
الحديث الرابع :
حديث أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ -بالجيم - قَالَ: كُنْتُ أُجَالِسُ ابن عَبَّاسِ
بِمَكَّةَ، فَأَخَذَتْنِي الحُمَّى، فَقَالَ: أَبْرِدْهَا عَنْكَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ
وَّ قَالَ: ((الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ)). أَوْ قَالَ: ((بِمَاءِ زَمْزَمَ)).
وأخرجه النسائي في الطب (١).
الحديث الخامس :
حديث رافع بن خديج سمع النبي ◌َّ يقول: ((الحمى من فَوْرِ جهنم
فأبردوها عنكم بالماء)) وأخرجه مسلم أيضًا وكذا ما بعده(٢).
الحديث السادس :
حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((الْحُمَّى مِنْ فَيْح
جَهَنَّمَ، فَابْرِ دُوهَا(٣) بِالْمَاءِ)).
الحديث السابع :
حديثِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما مرفوعًا بمثله.
وقد سلف جميع ذلك في الصلاة.
وقوله: ( ((فأبردوها بالماء))) تقرأ (٤) فابردوها بوصل الألف وضم
الراء؛ لأنه ثلاثي من برد الماء حرارة جوفي مبردها، بخلاف قوله:
((أبردوا بالصلاة)) لأن معنى ذاك: أدخلوا في وقت الإبراد، مثل:
أظلم دخل في الظلام، وأمسى دخل في المساء، وكذا ذكره ثعلب
في ((فصيحه)) أن همزته همزة وصل، وذكر ابن (التياني)(٥) أن في
(١) ((السنن الكبرى)) ٤/ ٣٨٠ (٧٦١٤).
(٢) مسلم (٢٢١٠، ٢٢١٢) كتاب: السلام.
(٣) بألف وصل هي رواية المصنف كما يأتي.
(٤) زاد في (ص١) بعدها: بألف.
(٥) في (ص١) (الشامي).

١٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
((مختصر الجمهرة)): بردت الشيء برَّدته بالتشديد، وجاء في الشعر
أبردته: صيرته باردًا.
وفي ((الواعي)) زعم بعض أهل العربية أنه يقول: بردت الماء من
الإبراد وبردته من الإسخان، قال: وهو من الأضداد، وزعم ابن سيده
في ((المخصص)) أن هذا القول قاله قطرب ورد عليه(١).
وقال القاضي عياض: يقال أيضًا بهمزة قطع وراء مكسورة (٢).
وهي لغة رديئة، وقوله: ((فأطفئوها)) هو مهموز رباعي.
فصل :
قوله: ((فَابْرِدوها بالماء)) أو ((بِمَاءِ زَمْزَمَ)) شك همام.
ورواه أبو نعيم الأصبهاني في كتاب ((الطب)) من حديث عفان بن
مسلم، ثنا همام .. فذكره من غير شك ولا تردد(٣)، وكذا أخرجه ابن
حبان في (صحيحه)) (٤)، وروى أبو نعيم أيضًا من حديث أبي عبيدة
ابن حذيفة، عن عمته فاطمة، قالت: عدت رسول الله وَ ل﴾ (وقد
حم)(٥)، فأمر بسقاء يعلق على شجرة، ثم اضطجع بجنبه فجعل يقطر
الماء على فؤاده، فقلت: ادع الله أن يكشف عنك، فقال: ((إن أشد
الناس بلاءً الأنبياء ثم الذين يلونهم)) (٦).
وعن طارق بن شهاب، سمعت أسامة يقول: قال لي رسول الله وَله :
(١) ((المخصص)) ٤٤٨/٢.
(٢) ((مشارق الأنوار)) ٨٣/١.
(٣) ((الطب النبوي)) ٥٧١/٢- ٥٧٢ (٥٩٩).
(٤) ((صحيح ابن حبان)) ١٣/ ٤٣١ -٤٣٢ (٦٠٦٨).
(٥) في (ص١): (وهو حميم).
(٦) ((الطب النبوي)) ٥٧٥/٢ -٥٧٦ (٦٠٤).

١٧٣
- كِتَابُ بدء الخلق
((ائتني في وجه الصبح بماءٍ أصبه عليَّ لعلي أجد خُفَّا فأخرج إلى
الصلاة))(١)، قال نافع: وكان عبد الله يقول: أكشف عني الرجز(٢).
وفي حديث أسماء كان التّئه يأمرنا أن نبردها بالماء، وكانت إذا
أتيت بالمرأة قد حمت أخذت الماء فصبته بينها وبين جنبها(٣)، قال
أبو عمر: من فعل هذا وكان معه يقين صادق رجوت له الشفاء(٤)،
وروينا(٥) في (خبر)(٦) الأنصاري من حديث إسماعيل بن الحسن
المكي، عن الحسن، عن سمرة مرفوعًا: ((الحمى قطعة من النار
فأبردوها عنكم بالماء البارد)). وكان العَّ إذا حُمَّ دعا بقربة من ماء
فأفرغها على قرنه فاغتسل، وصححه الحاكم(٧).
وروى ابن ماجه من حديث الحسن، عن أبي هريرة عليه مرفوعًا:
((الحمى كير من كير جهنم، فنحوها عنكم بالماء البارد)»(٨)، وروى
الطحاوي من حديث أنس مرفوعًا: ((إذا حُمَّ أحدكم فليشن عليه الماء
البارد من السحر ثلاثًا)) وصححه الحاكم(٩).
وروی قاسم بن أصبغ من حديث أم خالد بنت سعد: كان القيّ يأمرنا
إذا حم الزبير أن نبرد الماء، ثم نصبه عليه.
(١) السابق (٦٠٦).
(٢) سيأتي بعد حديث رقم (٥٧٢٣).
(٣) رواه الطبراني ٢٤/ ١٢٣.
(٤) ((التمهيد)) ٢٢٧/٢٢.
(٥) في هامش الأصل: يقوله شيخنا المؤلف.
(٦) في الأصل: (عزو)، والمثبت من (ص١).
(٧) ((المستدرك)) ٤٠٣/٤-٤٠٤.
(٨) ((سنن ابن ماجه)) (٣٤٧٥)، وصححه الألباني في ((صحيح ابن ماجه)) (٢٧٩٩).
(٩) ((شرح مشكل الآثار)) ١٠٩/٥ (١٨٦٠)، ((المستدرك)) ٤٠٣/٤.

١٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فصل :
اعترض بعض سخفاء الأطباء على الحديث بقوله: استعمال
المحموم الاغتسال بالماء خطر يقرب من الهلاك؛ لأنه يجمع المثام
ويحقن البخار ويعكس الحرارة لداخل الجسم، فيكون ذلك سببًا للتلف.
وجوابه: أن هذا صدر عن مرتاب في صدق نبينا.
فيقال له: تفهم مراده من هذا الكلام، فإنه لم ينص على كيفية تبريد
الحمى بالماء، وإنما أرشد إلى تبريدها به مطلقًا، فإن أظهر الوجود
أو صناعة الطب أن غمس المحموم في الماء أو صبه إياه على جميع
بدنه يضره فليس هو الذي قصده الكلية، وإنما قصد استعمال الماء على
وجه ينفع، فيبحث عن ذلك الوجه، وتجرب الوجوه التي لا ضرر
فيها، فإنه سيظهر نفعه قطعًا، وقد ظهر هذا المعنى في أمره العائن
بالغسل، فإنه وإن كان قد أمره أن يغتسل مطلقًا، فلم يكن مقصوده أن
يغسل جميع جسده بل بعضه.
وإذا تقرر هذا: فلا يبعد أن مقصوده أن يرش على بعض جسد
المحموم، أو يفعل كما ذكرنا عن أسماء، فيكون من باب النشرة
الجائزة، ولئن سلمنا أنه أراد جميع جسد المحموم، فيجاب بأنه
يحتمل أنه يريد بذلك (بعض)(١) قلاعها عنه، وفي وقت مخصوص
وبعدد مخصوص، فيكون ذلك من باب: الخواص التي أطلع عليها،
كما روي أن رجلًا شكى إليه الحمى، فقال: ((اغتسل ثلاثًا قبيل طلوع
الشمس، وقل: بسم الله اذهبي يا أم ملدم، فإن لم تذهب فتغتسل
سبعًا))(٢).
(١) كذا في الأصول، ولعلها (بعد).
(٢) ((التمهيد)) ٢٢٨/٢٢.

١٧٥
- كِتَابُ بدء الخلق
وفي الترمذي من حديث ثوبان مرفوعًا: ((إذا أصابَ أحدكم الحمى
-وهي قطعة من النار- فليطفئها عنه بالماء يستنقع في نهر جار، وليستقبل
جريته ويقول: بسم الله، اللهم اشف عبدك وصدق رسولك، بعد صلاة
الصبح قبل طلوع الشمس، وليغمس فيه ثلاث غمسات ثلاثة أيام، فإن
لم يبرأ في ثلاث فخمس وإلا فسبع، فإنها لا تكاد تجاوز تسعًا بإذن الله)).
قال: غريب(١) بسبب سعيد المذكور في إسناده، وهذا (أبو)(٢)
زرعة كما ذكره البخاري وابن حبان في ((ثقاته))(٣) وقد يكون ذلك من
باب الطب، ومن الأطباء سلموا أن الحمى الصفراوية يدبر صاحبها
بسقي الماء الشديد البرودة حتى يعالجوه وبسقي الثلج، وتغسل أطرافه
بالماء البارد، فعلى هذا لا يبعد أن يكون هذا المقصود بالحديث؛
لأجل الحميات المتولدة من البلغم. نبه على ذلك القرطبي(٤).
وقال ابن العربي: إن قلت: فنحن نجد علماء الطب يمنعون من
اغتسال المحموم ويقولون: لا يجوز مقابلة الأشياء إلا بضدها بغتة،
والشارع لا يقول إلا حقًّا، وقد ذكر عن بعض من ينسب إلى العلم
أنه حمَّ فاغتسل فاحتقنت الحرارة في بدنه فزاد مرضه، وأخرجه ذلك
إلى التلف.
فيجاب: أنه العَيْه لما خاطب بهذا قومًا كانوا يعتادون مثل هذا في
تلك الأرض.
(١) (سنن الترمذي)) (٢٠٨٤) وضعفه الألباني في ((ضعيف سنن الترمذي)) (٣٦٦).
(٢) كذا في الأصل، وفي مصادر التخريج: (ابن). انظر ((تهذيب الكمال)) ٤٣٢/١٠.
(٣) ((التاريخ الكبير)) ٤٦٦/٣، ٤٧٢ (١٥٥٣)، (١٥٧٤)، ((ثقات بن حبان) ٢٨٣/٤.
(٤) ((المفهم))٥/ ٦٠١.

١٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قلت: وفيه تأويل آخر ذكر أبو سليمان أن ابن الأنباري كان يقول:
معناه: تصدقوا بالماء عن المريض؛ يشفيه الله؛ لما روي أن أفضل
الصدقة سقي الماء. وذهب ابن حبان إلى أن ذلك خاص بماء زمزم.
فائدة :
روى أبو بكر الواسطي في ((فضائل القدس)) من حديث عبادة بن
الصامت أنه رئي يبكي عند سور بيت المقدس الشرقي، فقيل:
ما يبكيك؟ فقال: من هنا أخبرنا رسول الله وَ ل أنه أتي بجهنم وفي
لفظ: هذا وادي جهنم.
وفي لفظ: من هنا خبرنا أنه رأى ملكًا يقلب جمرًا كالثلعة(١).
الحديث الثامن :
حديث أبي هريرة أن رسول الله وَل قال: ((ناركم جزء من سبعين
جزءًا من نار جهنم».
قيل: يا رسول الله، إن كانت لكافية. قال: ((فضلت عليهن بتسعة
وستين جزءًا كلهن مثل حرها».
الشرح :
هذا الحديث أخرجه مسلم والترمذي أيضًا (٢)، وروي من غير هذا
الوجه، روى ابن ماجه من حديث أنس مرفوعًا: ((ناركم هذِه جزء من
سبعين جزءًا من نار جهنم، ولولا أنها أطفئت بالماء مرتين ما انتفعتم
بها، وإنها لتدعو الله رَّ أن لا يعيدها فيها))(٣).
(١) رواه ابن حبان في صحيحه ١٦/ ٥٠٥، والحاكم في ((المستدرك)) ٤/ ٦٠٤.
(٢) ((سنن الترمذي)) (٢٥٨٩).
(٣) ((سنن ابن ماجه)) (٤٣١٨).

١٧٧
ـ كِتَابُ بدء الخلق
وذكره ابن عيينة في ((جامعه)) من حديث أبي هريرة بنحوه، ولابن
عبد البر من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: ((هذِه النار قد ضرب
بها البحر سبع مرات، ولولا ذلك ما انتفع بها أحد))(١) وعن ابن
مسعود: ((ضرب بها البحر عشر مرات)).
وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن نار الدنيا مم خلقت؟ قال: من
نار جهنم غير أنها ◌ُفئت بالماء سبعين مرة، ولولا ذلك ما قربت؛ لأنها
من نار جهنم.
وللترمذي من حديث أبي سعيد مرفوعًا: ((ناركم هذِه جزء من سبعين
جزءًا من نار جهنم لكل جزء منها حرها)) (٢).
فصل :
المعنى أنه لو جمع النار التي يوقدها الآدميون لكانت جزءًا من
أجزاء جهنم المذكورة.
بيانه: أنه لو جمع حطب الدنيا، وأوقد كله حتى صار نارًا لكان
الجزء الواحد من أجزاء نار جهنم الذي هو سبعون جزءًا أشد منه.
وقولهم: (وإن كانت لكافية) هي مخففة من الثقيلة عند البصريين،
وهُذِه اللام هي المفرقة بين (إن) النافية والمخففة من الثقيلة، وهي
عند الكوفين بمعنى (ما) واللام بمعنى (إلا) تقديره عندهم: ما كانت
إلا كافية، وعند البصريين: إنها كافية. فأجابهم بأنها كما فضلت عليها
في المقدار والعدد بتسعة وستين جزءًا فضلت عليها في الحر بتسعة
وستين ( ... )(٣).
(١) ((التمهيد)) ١٦٣/١٨.
(٣) كلمة غير واضحة بالأصل.
(٢) ((سنن الترمذي)) (٢٥٩٠).

١٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فصل :
روى ابن المبارك، عن معمر، عن ابن المنكدر قال: لما خلقت
النار فزعت الملائكة وطارت أفئدتهم، فلما خلق آدم سكن ذلك عنهم
وقال ميمون بن مهران: لما خلق الله جهنم أمرها زفرت زفرة فلم يبق
في السموات السبع ملك إلاَّ خرَّ على وجهه، فقال لهم الربُّ: أرفعوا
رءوسكم، أما علمتم أني خلقتكم للطاعة، وهُذِه خلقتها لأهل المعصية؟
فقالوا: ربنا لا نأمنك حتى نرى أهلها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَهُم مِّنْ
خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾(١) [الأنبياء: ٢٨].
وللترمذي عن عائشة -رضي الله عنها - صحيحًا: سألت رسول الله
وٌَّ عن قوله ◌َ ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] قلت:
فأين الناس يومئذٍ؟ قال: ((على جسر جهنم)). (٢)
وعن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: ((إنَّ تحت البحر نارًا وتحت النار
بحرًا))(٣) حتى عدَّ سبعة أبحر، وسبعة أنيار. قال عبد الله: البحر طبق
جهنم. ذكره ابن عبد البر وضعفه.(٤)
وفي ((تفسير ابن النقيب)) في قوله تعالى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ﴾
[إبراهيم: ٤٨] تجعل الأرض جهنم، وتجعل السموات الجنة. وللترمذي:
((أُوقِد على النارِ ألف سنة حتى أسودت، فهي سوداء مظلمة))(٥) زاد
(١) في الأصل: ((وهم من خشية ربهم مشفقون)) وهُذِه الآية في صفة المؤمنين ونصه
﴿إِنَّ الذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧]، والمثبت في صفة
الملائكة.
(٢) ((سنن الترمذي)) (٣٢٤١).
(٤) ((التمهيد)) ٢٤٠/١.
(٥) ((سنن الترمذي)) (٢٥٩١).
(٣) ((سنن أبي داود)) (٢٤٨٩).

١٧٩
- كِتَابُ بدء الخلق
ابن المبارك ((وألف سنة حتى أحمرت)) (١) وعن سليمان: لا يفنى لهيبها
ولا جمرها. ثم قرأ ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمِّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾
وفي البيهقي في ((بعثه)) بإسناد فيه جهالة، وسماه أبو عاصم في روايته
محمد بن حيي، عن صفوان بن يعلى، عن يعلى مرفوعًا: ((البحر هو
جهنم))، ومن حديث العرزمي عن أبي الزعراء(٢)، قال عبد الله:
الجنة في السماء السابعة، والنار في الأرض السابعة(٣).
الحديث التاسع :
حديث صفوان بن يعلى، عن أبيه أنه سمع النبي وتلم يقرأ على المنبر
﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧] هذا الحديث سلف قريبًا، ويأتي في
التفسير (٤).
الحديث العاشر:
حديث سفيان، هو ابن عيينة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن أسامة:
سمعت رسول الله ﴾ يقول: ((يجاءُ بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار
فتندلق أقتابه في النار .. )) الحديث ثم قال: رواه غندر، عن شعبة، عن
الأعمش، وهذا يأتي في الفتن مسندًا عن بشر بن خالد، عن غندر (٥)،
ورواه عن الأعمش أيضًا: أبو معاوية وجرير، وأخرجه مسلم في آخر
كتابه عن يحيى بن يحيى وأبي بكر وابن نمير وإسحاق وأبي كريب
جميعهم عن أبي معاوية وعن عثمان عن جرير كلاهما عن الأعمش به.
(١) (كتاب الرقائق)) رقم (٣٠٩) عن أبي هريرة موقوفًا.
(٢) في ((البعث والنشور)) بعد العرزمي: أنبا سلمة عن أبي الزعراء.
(٣) ((البعث والنشور)) ص ٢٥٢، ٢٥٣ (٤٩٧)، (٥٠٠).
(٤) سيأتي برقم (٤٨١٩).
(٥) سيأتي برقم (٧٠٩٨)، باب: الفتنة التي تموج كموج البحر.

١٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقوله في أوله: (قيل لأسامة: لو أتيت فلانًا فكلمته) هو عثمان بن
عفان كما نبه عليه المهلب، وأراد أن يكلمه في شأن أخيه لأمه الوليد بن
عقبة لما شهد عليه بما شهد، فقيل لأسامة؛ ذلك لكونه كان من خواص
عثمان، وفي نسخة: لا أكلمه إلا بسمعكم. وفي أخرى: إلا سمعكم.
وبخط الدمياطي: إلا أسمعكم. وكله بمعنى أتظنون أني لا أكلمه
إلا وأنتم تسمعون؟ فقال: قد كلمته فيما بيني وبينه.
وقوله: (إني لأكلمه في السر) يعني: أأجاهر بالإنكار على الأمراء
في الملأ فيكون بابًا من القيام على أئمة المسلمين، فتفترق الكلمة
وتتشتت الجماعة -كما كان بعد ذلك من تفريق الكلمة من مواجهة
عثمان بالنكير.
وفيه: الأدب مع الأمراء واللطف بهم ووعظهم سرًّا ، وتبليغهم قول
الناس فيهم؛ ليكفوا عنه، وهذا كله إذا أمكن، فإن لم يمكن الوعظ سرًّا
فليفعله علانية؛ لئلا يضيع الحق كما روى طارق بن شهاب، قال: قال
رسول الله ◌َ: ((أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر))(١) وأخرجه
الترمذي من حديث أبي سعيد بإسناد حسن(٢). قال الطبري: معناه: إذا
أمن على نفسه من قتل وشبهه، أو أن يلحقه من البلاء ما لا قبل له به.
روي ذلك عن ابن مسعود وحذيفة، وهو مذهب أسامة. وروي عن مطرف
أنه قال: والله لم يكن لي دين حين أقوم إلى رجل معه ألف سيف فأنبذ
إليه كلمة فيقتلني، إن ديني إذًا لضيق. وقال آخرون: الواجب على من
رأى منكرًا من ذي سلطان أن ينكره علانية، وکیف أمكنه. روي ذلك
(١) رواه النسائي (٤٢٠٩) وأحمد ٣١٥/٤.
(٢) ((سنن الترمذي)) (٢١٧٤).