Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١ كِتَابُ الجِزْيَةِ وَالْمُؤَادَعَةِ = نجران، فإنه الَّ أقرَّ يهود خيبر بعد قهر المسلمين لهم عمَّالًا وعمَّارًا؛ إذ كانت بالمسلمين ضرورة لعمارة أرضهم لانشغالهم بالحرب في مناوأة الأعداء، ثم أمر الثَّ بإجلائهم عند استغنائهم عنهم، وقد كانوا سألوه عند قهرهم على الأرض إقرارهم فيها عمالًا لأهلها، فأجابهم إلى إقرارهم فيها ما أقرهم الله، وإجلائهم منها إذا رأى ذلك، وأقرهم الصدیق على نحو ذلك. فأما إقرارهم مع المسلمين في مِصْر لم يكن تقدم في ذلك قبل غلبة المسلمين عليه عقد صلح بينهم وبين المسلمين، فيما لا نعلمه صح به عنه ولا عن غيره من أئمة الهدى خبر، ولا قامت بجواز ذلك حجة، بل الحجة في ذلك عن الأئمة ما قلنا. ثم ساق بإسناده إلى قيس بن الربيع: حدثنا أبان بن تغلب، عن رجل قال: إن منادي علي # ينادي كل يوم: لا يبيتن بالكوفة يهودي ولا نصراني ولا مجوسي، الحقوا بالحيرة. وإلى ليث، عن طاوس، عن ابن عباس قال: لا يساكنكم أهل الكتاب في أمصاركم. قال يحيى بن آدم: هذا عندنا على كل مصرٍ اختطه المسلمون، ولم يكن لأهل كتاب، فنزل عليهم المسلمون. قال الطبري: وهذا قول لا معنى له؛ لأن ابن عباس لم يخصص بقوله: لا يساكنكم أهل الكتاب مصرًا سكانه (أهل)(١) الإسلام دون غيرهم، بل عم ذلك بقوله: جميع أمصاركم، وأن دلالة أمره التليفالا بإخراج اليهود من جزيرة العرب، يوضح بصحة ما قال ابن عباس، (١) من (ص١). ٦٠٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وأن الواجب على الإمام إخراجهم من كل مصر غلب عليه الإسلام إذا لم يكن بالمسلمين إليهم ضرورة، ولا كانت من بلاد الذمة التي صولحوا على الإقرار فيها؛ إلحاقًا لحكمه بجزيرة العرب، وذلك أن خيبر لم تكن من البلاد التي اختطها المسلمون، وكذلك نجران بل كانت لأهل الكتاب، وهم كانوا عمارها وسكانها، فأمر القلي بإخراجهم حين غلب عليها الإسلام، ولم يكن بهم إليهم ضرورة. ثم ساق من حديث جرير، عن قابوس عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا: ((لا تصلح قبلتان في أرض)) فإذا صحَّ ما قلناه فالواجب على الإمام إذا أقر بعض أهل الكتاب في بعض بلاد المسلمين؛ لحاجتهم إليهم لعمارتها أو لغير ذلك ألا يدعهم في مصرِهم أكثر من ثلاث، وأن يسكنهم خارجًا من مصرهم كالذي فعل عمر وعلي، وأن يمنعهم من أتخاذ الدور والمساكن في أمصارهم، فإن اشترى منهم مشتر في مصر من أمصار المسلمين دارًا أو أبتنى به مسكنًا، فالواجب على إمام المسلمين أخذه ببيعها عليه، كما يجب عليه لو اشترى مملوكًا مسلمًا، أن يأخذه ببيعه؛ لأنه ليس من المسلمين إقرار مسلم في ملك كافر، فكذلك غير جائز إقرار أرض المسلمين في غير ملكهم، قال غيره: وكذلك الحكم في الرجل المسلم الفاسق إذا شهد عليه أنه مؤذٍ لجيرانه بالسفه والتسليط، ويشتكي منه جيرانه، وصحَّ ذلك عند الحاكم أن له أن يخرجه من بین أظهرهم، وإن کانت له دارٌ أكراها عليه، فإن لم يجد لها مكتريًا باعها عليه، ودفع الأذى عن جيرانه، وقال ابن القاسم: تكرى ولا تباع، وسيأتي هذا المعنى في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى (١). (١) انتهى كلام ابن بطال من ((شرحه)) ٣٤١/٥ - ٣٤٥ بما تخلله من كلام للطبري والمهلب. ٦٠٣ كِتَابُ الجِزْيَةِ وَالْمُوَادَعَةِ = فصل : في حديث ابن عباس كما قال المهلب: أن جوائز الوفود سنة. فصل : قد أسلفنا الكلام على حدٍّ جزيرة العرب واضحًا، ونقل ابن بطال هنا عن أبي عبيد، عن الأصمعي: أن جزيرة العرب ما بين أقصى عدن أبين إلى ريف العراق طولًا، ومن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام عرضًا (١). وعن إسماعيل بن إسحاق: عقبة تبوك هي الفرق بين جزيرة العرب وأهل الشام، وعن أبي عبيد، أن جزيرة العرب ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن طولًا، وما بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة عرضًا (٢). قال الطبري: وإنما قيل لها جزيرة العرب، وإنما هي: جزيرة البحر؛ تعريفًا لها وفرقًا بينهما وبين سائر الجزائر، كما قيل لأجا وسلمى -وهما جبلان من نجد -: جبلا طيِّء، تعريفًا لهما بطيء؛ وفرقًا بينهما وبين سائر جبال نجد، وإنما قيل لها: جزيرة؛ لانقطاع ما كان فائضًا عليها من ماء البحر، وأصل الجزر في كلام العرب القطع، ومنه سمي الجزار: جزارًا؛ لقطعه أعضاء البهيمة(٣). (١) ((معجم ما استعجم)) لأبي عبيد البكري ٦/١. (٢) ((معجم ما استعجم)) ٦/١. (٣) (شرح ابن بطال)) ٣٤٥/٥ - ٣٤٦. ٦٠٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٧ - باب إِذَا غَدَرَ المُشْرِكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ هَلْ يُحْفَى عَنْهُمْ؟ ٣١٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: لَا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ◌َّهِ شَاةٌ فِيهَا سُمّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهُ ((اجْمَعُوا إِلَيَّ مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ يَهُودَ». فَجُمِعُوا لَهُ، فَقَالَ: ((إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ ، فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْهُ؟)). فَقَالُوا: نَعَمْ. قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((مَنْ أَبُوكُمْ؟)). قَالُوا: فُلَانٌ. فَقَالَ: ((كَذَبْتُمْ، بَلْ أَبُوكُمْ فُلَانٌ). قَالُوا: صَدَقْتَ. قَالَ: ((فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُ عَنْهُ؟)) فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا القَاسِمِ، وَإِنْ كَذَبْنَا عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا. فَقَالَ لَهُمْ: ((مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟)). قَالُوا: نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا ثُمَّ تَخْلُفُونَا فِيهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِله: ((اخْسَتُوا فِيهَا، والله لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا)) ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَىءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟)). فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا القَاسِمِ. قَالَ: ((هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هذِه الشَّاةِ سُمَّا؟)). قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: ((مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟)). قَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبَا نَسْتَرِيحُ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ. [٤٢٤٩، ٥٧٧٧ -فتح ٦ / ٢٧٢] ذكر في حديث أبي سعيد - وهو المقبري - عن أبي هريرة: لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ إلى رسول الله بَّهِ شَاةٌ فِيهَا سُمِّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َه: «اجْمَعُوا إِلَيَّ مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ يَهُودَ)). فَجُمِعُوا لَهُ، فَقَالَ: (إِنِّي سَائِلُكُمْ .. )) الحديث، وفي آخره: وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ. ويأتي في المغازي والطب(١). وأخرجه مسلم، وقال: ((ما كان الله ليسلطك على ذلك))(٢). (١) سيأتي في المغازي (٤٢٤٩) باب: الشاة التي سُمت للنبي رَّ بخيبر، وفي الطب برقم (٥٧٧٧) باب: ما يذكر في سم النبي (أَل﴾. (٢) مسلم (٢١٩٠) كتاب: السلام باب: السم. ٦٠٥ كِتَابُ الجِزْيَةِ وَالْمُؤَادَعَةِ = وأخرجه أبو داود من حديث ابن شهاب عن جابر، ولم يسمع عنه(١). وفي آخر المغازي: قال البخاري: قال يونس: عن عروة: قالت عائشة: كان النبي ولا يقول في مرضه الذي مات فيه: ((يا عائشة مازلت أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان أنقطاع أبهري من ذلك السم)»(٢) وهو تعليق أسنده الإسماعيلي من حديث عنبسة، عن خالد، عن يونس به، والحاكم في ((إكليله))، أخرجه من حديث عنبسة أيضًا. وروى البخاري من حديث أنس، قال: (يا)(٣) رسول الله ألا نقتلها؟ يعني: التي سمته قال: ((لا)). قال: فمازلت أعرفها في لهوات النبي .(2) ولابن إسحاق: فدعا بالتي سمته فاعترفت(٥). ولأحمد من حديث ابن مسعود: كنا نرى أنه العَنْيُ سمَّ في ذراع الشاة، وأن اليهود سموه(٦). وعن ابن عباس: أنه العليا احتجم وهو محرم من أكلة أكلها من شاة مسمومة(٧). (١) أبو داود (٤٥١٠). (٢) سيأتي برقم (٤٤٢٨). (٣) ورد في الأصل: (قال) والمثبت هو الصحيح. (٤) سلف برقم (٢٦١٧). (٥) أنظر: ((سيرة ابن هشام)) ٣٩٠/٣. (٦) ((المسند)) ٣٩٧/١. (٧) السابق ٣٠٥/١. ٦٠٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك: أن أمَّ بشر دخلت على رسول الله في وجعه الذي قبض فيه فقالت: ما تتهم على نفسك؟ قال: ((الطعام الذي أكله ابنك بخيبر وهذا أوان قطع أبهري))(١). وللواقدي عن الزهري: أن زينب التي سمته، هي: ابنة أخي مرحب، وأنه العٌَّ قال لها: ((مَا حَمَلَكِ عَلَى هذا؟)) قالت: قتلت أبي وعمي وزوجي وأخي. قال محمد: فسألت إبراهيم بن جعفر عن هذا قال: أبوها الحارث، وعمها يسار، وكان أجبن الناس، وهو الذي أنزل من الرفِّ، وأخوها زبير، وزوجها سلام بن مشكم. وأما السهيلي فقال: هي أخت مرحب(٢). قال محمد بن عمر: والثبت عندنا: أن رسول الله وَّل قتلها ببشر بن البراء بن معرور: يعني الآكل معه منها، وأمر بلحم الشاة فأحرق. وهُذِه المسألة سأل عنها مالك الإمام الواقدي، قال المنتجالي : وذلك أن مالكًا سئل عنها، ولم يكن عنده فيها شيء، فرأى الواقدي -وهو شاب إذ ذاك- فسأله عنها، فقال: الذي عندنا: أنه قتلها، فخرج مالك إلى الناس فقال: سألنا أهل العلم فأخبرونا أنه قتلها. وعن الزهري قال: قال جابر: احتجم رسول الله يومئذٍ على الكاهل حجمه أبو طَيْبَة بالقَرْن والشَّفْرة، وقيل: بل حجمه أبو هند، واسمه: عبد الله. (١) ((المسند)) ١٨/٦. ورواه الحاكم في ((المستدرك)) ٢١٩/٣. فقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه. (٢) ((الروض الأنف)) ٦٢/٤. ونقله عن أبي داود وابن إسحاق. وهي عند أبي داود (٥٤٠٩). ٦٠٧ كِتَابُ الحِزْيَةِ وَالْمُؤَادَعَةِ - ولأبي نعيم في ((طبه)) عن عبد الرحمن بن عثمان: أحتجم القَيْ تحت كتفه اليسرى من الشاة التي أكل يوم خيبر، وعن عبد الله بن جعفر: احتجم على قرنه بعدما سُمَّ. وفي إسنادهما ضعف(١). قال الواقدي: وألقي من شحم تلك الشاة لكلب، فما تبعت يد رجل حتى مات. ولأبي داود: أمر بها فقتلت(٢)، وفي لفظ: قتلها وصلبها. وفي ((جامع معمر)) عن الزهري: لما أسلمت تركها، قال معمر: كذا قال الزهري: أسلمت، والناس يقولون قتلها، وأنها لم تسلم (٣)، وكانت أهدت الشاة المصلية لصفية. قال السهيلي: قيل: إنه صفح عنها، والجمع بين القولين: أنه الكلي. كانت عادته أنه لا ينتقم لنفسه، فلما مات بشر بن البراء بعد ذلك بحول (٤). فيما ذكره البيهقي، وعند القرطبي: لم يبرح من مكانه حتى مات- قتلها به. وعن ابن عباس: دفعها إلى أولياء بشر فقتلوها، ومن ذلك الحين لم يأكل التَّه من هدية تهدئ له حتى يأمر صاحبها أن يأكل منها. جاء ذلك في حديث أخرجه ابن مطير(٥) في ((معجمه)) عن أحمد بن حنبل: حدثنا سعيد بن أحمد، ثنا أبو تميلة، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا (١) ((الطب النبوي)) لأبي نعيم ٥٤٦/٢ - ٥٤٨ (٥٦٤، ٥٦٦). (٢) أبو داود (٤٥١٢) (م). (٣) ((جامع معمر)) ٢٨/١١ - ٢٩ (١٩٨١٤). (٤) ((الروض الأنف)) ٤/ ٦٢ - ٦٣. (٥) ورد بهامش الأصل: مر أن ابن مطير هو الطبراني؛ لأن مطيرًا ذلك لم يسمع من أحمد، وإنما سمع من عبد الله ابنه. ٦٠٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - عبد الملك بن أبي بكر عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن ابن الحوتكية، يعني: يزيد عن عمار بن ياسر .. فذكره. وأخرجه الطبراني في أكبر معاجمه عن عبد الله بن أحمد، ثنا سعيد بن محمد، فذكره إلى عمار قال: كان رسول الله لا يأكل من هدية حتى يأمر صاحبها أن يأكل منها للشاة التي أهديت له (١). وذكره ابن عساكر في ((تاريخه)) في ترجمة مسلم بن قتيبة: حدثني أبي، ثنا يحيى بن الحصين بن المنذر، عن أبيه: أن ساسان قال: سمعت عمارًا، به، ذكره عن أبي نصر القشيري، أنا البيهقي، أنا الحاكم، أنا علي الحسيني، أنا خالد بن أحمد، حدثني أبي، حدثني سعيد بن سلم بن قتيبة به، ولفظه: كان رسول الله وَله لا يأكل الهدية حتى يأكل منها من أهداها إليه بعد ما أهدت إليه المرأة الشاة المسمومة بخيبر (٢). فصل : في هذا الحديث: أن القتل بالسم كالقتل بالسلاح الذي يوجب القصاص، وهو قول مالك. وقال الكوفيون: لا قصاص فيه، وفيه الدية على العاقلة، قالوا: ولو دسه في طعام أو شراب لم يكن عليه شيء ولا عاقلته. وقال الشافعي: إذا فعل ذلك وهو مكره، ففيه قولان في وجوب القَوَدِ، أصحهما: لا. (١) ذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٢١/٥ وقال: رواه البزار والطبراني ورجال الطبراني ثقات. (٢) (تاريخ دمشق)) ١٤٧/٢٢ - ١٤٨. ٦٠٩ ـ كِتَابُ الجِزْيَةِ وَالْمُؤَادَعَةِ فصل : وفيه أيضًا: من علامات النبوة ما هو ظاهر من كلام الجماد، وأنَّ السم لم يؤثر فيه حتى كان عند وفاته؛ لتجتمع له النبوة مع الشهادة؛ مبالغة في كرامته ورفع درجته. وفيه: أن السموم لا تؤثر بذاتها بل بإذن الرب جل جلاله ومشيئته، ألا ترى أن السم أثر في بشر ولم يؤثر في رسول الله وَّل، فلو كان يؤثر بذاته لأثر فيهما في الحال. فصل : فيه: العفو عن المشركين إذا غدروا لشيء يستدرك إصلاحه وجبره، ويعصم الله منه إذا رأى الإمام ذلك، وإن رأى عقوبتهم عاقبهم لما يؤديه إليه اجتهاده، وأما إذا غدروا بالقتل أو بما لا يستدرك جبره، وما لا يعتصم من شره، فلا سبيل إلى العفو كما فعل الشارع في العرنيين عاقبهم بالقتل(١)، وإن كان الكلية قال لعائشة: ((ما زالت أكلة خيبر لتعاهدني، فهذا أوان انقطاع أبهرى)) لكنه عفا عنهم حين لم يعلم أنه يقضي عليه؛ لأن الله تعالى دفع عنه ضر السم بعد أن أطلعه على المكيدة فيه بآية معجزة أظهرها له من كلام الذراع، ثم عصمه الله من ضره مدة حياته، حتى إذا دنا أجله بغى عليه السم، فوجد ألمه. وأراد الله تعالى له الشهادة بتلك الأكلة ولذلك لم يعاقبهم، وأيضًا فإن اليهود قالوا: أردنا أن نختبر بذلك نبوتك وصدقك، فإن كنت نبيًّا لم يضرك، فقد يمكن أن يعذرهم بتأويلهم، وأيضًا فإنه كان لا ينتقم لنفسه؛ تواضعًا لله كما مرَّ، وكان لا يقتل أحدًا من المنافقين المناصبين له (١) سلف برقم (٢٣٣) ومواضع أخر. ٦١٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - بالعداوة والغوائل؛ لأنه كان على خلق عظيم من الصلح والإغضاء والصبر، وأصل هذا كله أن الإمام فيه بالخيار، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه. فصل : ترجمة البخاري: هل يعفى عنهم؟ ولم يذكر في الحديث العفو ولا عدمه، وليس فيه أن ذلك كان بعد عهد، فإن يكن عفا فهو بفضل منه لوجه يرجوه من إسلامهم أو لاستئلاف من حلفائهم من المسلمين وإن يكن عاقب بقتلٍ أو سبيٍ، فهو جزاؤه، قاله الداودي. وقد أسلفنا رواية قتلها، ثم قال: والذي يدل عليه ظاهر الأمر أنه أبقاهم لحاجته إليهم في عمل الأرض. قال: وفيه دليلٌ أنه أخبر بالسم، ولم يذكر قبل أن أكل ولا بعد، وفي الحديث الآخر: أن أمرأة جعلت له سُمَّا في شاة، فإمَّا أن يكون الأمران جميعًا أو في إحدى الروايتين وهم. وقوله: لم يذكر هل كان قبل أن يأكل أو بعده. تنبيه : الحديث: أنه كان بعد أن أكل؛ لأنه قال: ((ما زالت أكلة خيبر تعادني، فهذا أوان انقطاع أبهري)). ٦١١ كِتَابُ الجِزْيَةِ وَالْمُؤَادَعَةِ = ٨ - باب دُعَاءِ الإِمَامِ عَلَى مَنْ نَكَثَ عَهْدًا ٣١٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ قَالَ: سَأَلِّتُ أَنَّسَا تَُّ عَنِ القُنُوتِ، قَالَ قَبْلَ الرُّكُوعِ. فَقُلْتُ: إِنَّ فُلَانَا يَزْعُمُ أَنَّكَ قُلْتَ: بَعْدَ الزُّكُوعِ. فَقَالَ: كَذَبَ. ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ أَنَّهُ قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءِ مِنْ بَنِي سُلَيْم، قَالَ: بَعَثَ أَزْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَ -يَشُكُّ فِيهِ - مِنَ القُرَاءِ إِلَى أُنَّاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَعَرَضَ لَهُمْ هؤلاء فَقَتَلُوهُمْ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ◌َ عَهْدٌ، فَمَا رَأَيْتُهُ وَجَدَ عَلَى أَحَدٍ مَا وَجَدَ عَلَيْهِمْ. [انظر: ١٠٠١ - مسلم: ٦٧٧ -فتح ٦ / ٢٧٢] ذكر فيه حديث عاصم: سَأَلْتُ أَنَسَا عَنِ القُنُوتِ .. الحديث. وقد سلف في الصلاة في باب: القنوت قبل الركوع وبعده، وقال هناك في القراء: زهاء سبعين، وقال هنا: بعث أربعين أو سبعين -يشك فيه- من القراء. وشيخ البخاري (أَبُو النُّعْمَانِ): هو عارم محمد بن الفضل السدوسي، مات بعد العشرين ومائتين، قيل: تغير بآخره، وشيخه: ثابت بن زيد، وقيل: ابن زيد، والأول: أصح، يكنى أبا زيد الأحول، بصري. وشيخه: عاصم بن سليمان الأحول أبو عبد الرحمن، بصري، مولى بني تميم، وقيل: مولى عثمان، مات سنة إحدى أو اثنتين وأربعين ومائة، وذكره البخاري أيضًا في الوتر(١) والجنائز(٢)، ويأتي في المغازي(٣) والدعوات (٤). (١) سلف برقم (١٠٠٢) كتاب: الوتر، باب: القنوت قبل الركوع وبعده. (٢) سلف برقم (١٣٠٠) كتاب: الجنائز، باب: من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن. (٣) سيأتي برقم (٤٠٨٨) كتاب: المغازي، باب: غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة وحديث عضل والقارة وعاصم بن ثابت وخبيب وأصحابه. (٤) سيأتي برقم (٦٣٩٤) كتاب: الدعوات، باب: الدعاء على المشركين. ٦١٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - فصل : قد أسلفنا الجزم برواية (سبعين) فيما مضى، ولما ذكر ابن التين رواية الشك قال: هم سبعون كما تقدم، وأن المسلمين أصيبوا بثلاث مصائب، قتل في كل مصيبة منهم سبعون: يوم أحد ويوم القراء ويوم اليمامة في خلافة الصديق. فصل : وكان ◌َله لا يدعو بالشر على أحد من الكفار ما دام يرجو لهم الرجوع والإقلاع عمّا هم عليه، ألا ترى أنه الشّهر سئل أن يدعو على دوس فدعا لها بالهدى(١)، وإنما دعا على بني سليم حين نكثوا العهد وغدروا ويئس من إنابتهم ورجوعهم عن ضلالتهم، فأجاب الله بذلك دعوته، وأظهر صدقه وبرهانه، وهُذِه القصة أصل في جواز الدعاء في الصلاة، والخطبة على عدو المسلمين ومن خالفهم ومن نكث عهدًا وشبهه. (١) سلف برقم (٢٩٣٧)، ورواه مسلم (٢٥٢٤). ٦١٣ كِتَابُ الجِزْيَةِ وَالْمُؤَادَعَةِ = ٩ - باب أَمَانِ النِّسَاءِ [وَجِوَارِهِنَّ] ٣١٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ -مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ - أَنَّ أَبَا مُرَّةَ - مَؤْلَى أُمُّ هَانِئٍ ابنةٍ أَبِي طَالِبٍ - أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ ابنةَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وََّ عَامَ الفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابنتُهُ تَسْتُرُهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ((مَنْ هذِه؟)). فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ: ((مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِيٍ)). فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى تَانَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، زَعَمَ ابن أُمِّي عَلِيٍّ أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ فُلَانُ بْنُ هُبَيْرَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِيٍ)). قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ وَذَلِكَ ضُحَّى. [انظر: ٢٨٠ - مسلم: ٣٣٦ -فتح ٦ / ٢٧٣] ذكر فيه حديث أم هانئ السالف في الطهارة(١). وفيه: أبو النضر، واسمه: سالم بن أبي أمية، مات في خلافة مروان بن محمد. وفيه: أبو مرة يزيد بن مرة مولى عقيل، وقيل: مولى أم هانئ، وهو ما في البخاري. قال الداودي: وهو واحد، وإنما كان عبدًا لهما، فأعتقاه، فنسب مرة لهذا، ومرة لعقيل، قال: وقوله: (عام الحديبية وفاطمة ابنته تستره) وَهَمِّ من عبد الله بن يوسف شيخ البخاري، وهو عجيب منه، فالذي في الروايات كلها: عام الفتح. وقوله: (وَفَاطِمَةُ ابنتُهُ تَسْتُرُهُ)، صفته: أن تجعل الثوب أيمن عنها أو تجعله من وراء ظهرها. (١) برقم (٢٨٠). ٦١٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وقوله: (علي) يحتمل أن يكون تهديدًا بالقتل ليستأمر النبي في قتله، ويحتمل عنده أن جوار المرأة لا ينفع كالابن. قال ابن التين: والمؤَمَنون سَبْعَةٌ: إمامٌ، وحر، وحرة، وعبد، وصبيُّ يعقل، ومجنون، وكافر. فأمان الإمام جائز قطعًا، وأمان المجنون والكافر غير جائز قطعًا، واختلف في الباقي، فمنع عبد الملك أمان الجميع، وخالفه ابن القاسم في العبد، وقال سحنون: إن أذن له سيده في القتال صحَّ أمانه وكذلك خالفه في الصبي والمرأة والحر. وجه قول ابن القاسم قوله التَّ بعد هذا: ((ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله))(١). قلت: عندنا لا يصح أمان الثلاثة الأخيرة. فصل : فيه من الفقه: جواز أمان المرأة، وأن من أمنته حرم قتله، وقد أجارت زينب بنت رسول الله ( 18 أبا العاص بن الربيع، وعلى هذا جماعة الفقهاء بالحجاز والعراق؛ منهم: مالك، والثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وأحمد، وإسحاق. وشذ عبد الملك وابن الماجشون وسُخنون عن الجماعة فقالا : أمان المرأة موقوف على جواز الإمام، فإن أجازه جاز، وإن رده رد. واحتج من ذهب إلى ذلك بأمان أم هانئ لو كان جائزًا على كل حال دون إذن الإمام ما كان (علي)(٢) ليريد قتل منْ لا يجوز قتله بأمان من يجوز أمانه ولقال لها: من أمنت أنت وغيرك فلا يحلُّ قتله. (١) يأتي برقم (٣١٨٠). (٢) من (ص١). ٦١٥ كِتَابُ الجِزْيَةِ وَالْمُؤَادَعَةِ = فلما قال لها: ((قد أجرنا من أجرت)) كان دليلًا على أن أمان المرأة موقوف على إجازة الإمام أو رده. واحتج الآخرون بأنَّ عليًّا وغيره لا يعلم إلا ما علمه رسول الله، وإن أراد به لقتل ابن هبيرة كان قبل أن يعلم قوله: ((ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم))، ولما وجدنا هذا الحديث من رواية علي ثبت ما قلناه، وكان من المحال أن يعلم علي هذا من رسول الله وعليه ويرويه عنه، ثم يريد قتل من أجارته أخته، وعلى هذا القول يكون تأويل قوله: ((قد أجرنا من أجرت))، أي: أن سنتنا وحكمنا إجارة من أجرت أنت ومثلك، والدليل على صحة هذا التأويل قوله العمليه: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم)) والمرأة من أدناهم(١). وقد ذكر إسماعيل بن إسحاق من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أنه العليا خطب بها عام الفتح على درجات الكعبة، وقال: ((يد المسلمين واحدة على من سواهم)) وذكر الحديث(٢). (١) رواه أبو داود (٢٧٥١). (٢) رواه ابن ماجه (٢٦٨٥)، وأحمد ٢١٥/٢. ٦١٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ١٠ - باب ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ [وَجِوَارُهُمْ] وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ ٣١٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا وَكِيعُ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِیهِ قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيٍّ فَقَالَ: مَا عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ إِلَّ كِتَابُ اللهِ، وَمَا فِي هذِهِ الصَّحِيفَةِ، فَقَالَ: فِيهَا الْجِرَاحَاتُ وَأَسْنَانُ الإِبِلِ، وَالَمْدِينَةُ حَرَمُ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى كَذَا، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى فِيهَا نُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَغْنَةُ اللهِ وَالْلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَحْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَمَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ. [انظر: ١١١ - مسلم: ١٣٧٠ -فتح ٦ / ٢٧٣] ذكر فيه حديث علي : مَا عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابُ اللهِ، وَمَا فِي هُذِهِ الصَّحِيفَةِ، فَقَالَ: فِيهَا الجِرَاحَاتُ وَأَسْنَانُ الإِبِلِ .. الحديث. سلف في الحج، في باب: ما جاء في حرم المدينة(١)، ويأتي في الفرائض والاعتصام(٢)، والبخاري هنا رواه عن محمد، ثنا وكيع عن الأعمش، قال الجياني: نسبه ابن السكن: ابن سلام، وقال الكلاباذي: محمد بن مقاتل، ومحمد بن سلام، ومحمد بن نمير رووا في ((الجامع)) عن وكيع بن الجراح(٣). ورواه في الحج عن محمد بن بشار، ثنا عبد الرحمن، ثنا سفيان، عن الأعمش(٤). (١) سلف برقم (١٨٧٠). (٢) سيأتي برقم (٦٧٥٥) كتاب: الفرائض، باب: إثم من تبرأ من مواليه، وبرقم (٧٣٠٠) كتاب: الاعتصام باب: ما يكره من التعمق والتنازع في العلم، والغلو في الدين والبدع. (٣) ((تقييد المهمل)) ١٠١٨/٣ - ١٠١٩. (٤) رقم (١٨٧٠). ٦١٧ كِتَابُ الجِزْيَةِ وَالْمُؤَادَعَةِ وسلف هناك الكلام على الصرف والعدل واضحًا. فصل : معنى: (فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا): نقض عهده، يقال: أخفرته: نقضت عهده، وخفرته: أجرته، وأخفرته أيضًا: جعلت له خفيرًا. فصل : معنى قوله: (ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ) أي: من أنعقدت عليه ذمة من طائفة من المسلمين واجب مراعاتها من جماعاتهم إذا كان يجمعهم إمام واحد، كما نبه عليه المهلب، فإن اختلفوا، فالدية لكل سلطان لازمة لأهل عمله، وغير لازمة للخارجين عن طاعتهم؛ لأنه الشَّيْل إنما قال ذلك في وقت اجتماعهم في طاعته، ويدل على ذلك حديث أبي بصير حين كان شارط رسول الله ◌َو أهل مكة وقاضاهم على المهادنة بينهم وبين المسلمين(١)، فلما خرج أبو بصير من طاعة رسول الله له وامتنع لم يلتزم رسول الله ذمته، ولا طولب برد جنايته، ولا لزمه غرم ما انتهكه من المال. وقال ابن المنذر: في قوله: ((يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ)) أن الذمة: الأمان، يقول: أن كل من أمن أحدًا من الحربيين جاز أمانه على (جميع المسلمين)(٢) ذميًّا كان أو شريفًا، عبدًا كان أو حرًّا، رجلًا كان أو أمرأة، وليس لهم أن يحقروه. واتفق مالك والثوري والأوزاعي والليث والشافعي وأبو ثور على جواز أمان العبد قاتل أو لم يقاتل، واحتجوا بهذا الحديث. (١) سلف برقم (٢٧٣٤) مطولًا. (٢) من (ص١). ٦١٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يجوز أمانه إلا أن يقاتل. وقولهما خلاف مفهوم الحديث. وأجاز مالك أمان الصبي إذا عقل الإسلام، ومنع ذلك أبو حنيفة والشافعي وجمهور الفقهاء. واحتج الشافعي بأن الصبي لا يصح عقده، فكذلك أمانه. وحجة مالك عموم قوله: ((يجير على المسلمين أدناهم)) فدخل فيه، وأيضًا فإن أمانه تطوع، وهو ممن يصح منه التطوع، ويفرض له سهمه إذا قاتل، وأما الأمان فمما اختص به من له حرمة الإسلام، فجعل لأدناهم كما جعل لأعلاهم، وعلى أن الصبي والعبد أحسن حالاً من المرأة؛ لأنها ليست من جنس من يقاتل. وقد سلف في الباب قبله شيء من ذلك. فصل : وقوله: (فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا) يعني: فِيمَنْ أجاره، وهذا اللعن، وسائر لعن المسلمين إنما هو متوجه إلى الإغلاظ والترهيب عليهم عن المعاصي والإبعاد لهم من قبل مواقتعها، فإذا وقعوا فيها دعي لهم بالتوبة، يبينه حديث النعمان. وقوله: (لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ) أي: في هذِه الجناية، أي: لا كفارة لها؛ لأنه لم يشرع فيها كفارة، فهي إلى أمر الله، إن شاء عذب بها وإن شاء غفرها على مذهب أهل السنة في الوعيد. ٦١٩ كِتَابُ الجزْيَةِ وَالْمُوَادَعَةِ = ١١ - باب إِذَا قَالُوا: صَبَأْنَا، وَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا وَقَالَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ وَِّ: ((أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ)). وَقَالَ عُمَرُ عََّ: إِذَا قَالَ: مَتْرَسْ. فَقَدْ آمَنَهُ، إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ الأَلْسِنَةَ كُلَّهَا. وَقَالَ: تَكَلَّمْ لَا بَأْسَ. [انظر: ٣١٥٩ -فتح ٦ / ٢٧٤] الشرح: تعليق ابن عمر أسنده في المغازي، فقال: حدثني محمود، أنا عبد الرزاق: أنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: بعث النبي ◌َ ◌ّ خالدًا إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا، فجعل خالد يقتل ويأسر، فلما قدمنا ذكرنا ذلك للنبيِ رَ له، فقال: ((اللَّهُمَّ إني أبرأ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَّعَ خَالِدٌ)) مرتين(١)، ويأتي في الأحكام أيضًا (٢)، ومقصود البخاري منه لفظة: صبأنا، ولم يذكرها وكأنه أحال على أصله. ٠٠ : وأثر عمر أخرجه مالك في: ((الموطأ)) عن رجلٍ من أهل الكوفة عنه: أنه كتب إلى عامله حين كان بعثه: إنه بلغني أن رجالًا منكم يطلبون العلج حتى إذا أسند في الجبل وامتنع قال رجل: مترس - وفي رواية: ((مطرس)) يقول: لا تخف، فإذا أدركه قتله، وإني والذي (١) سيأتي برقم (٤٣٣٩) كتاب: المغازي، باب: بعث النبي ◌ُّ خالد بن الوليد إلى بني خذیمة. (٢) سيأتي برقم (٧١٨٩) كتاب: الأحكام، باب: إذا قضى الحاكم بجور، أو خلاف أهل العلم فهو رد. ٦٢٠ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح نفسي بيده لا أعلم مكان أحد فعل ذلك إلا ضربت عنقه. قال مالك: وليس على هذا العمل، في قتل المسلم بالكافر(١). وعليه العمل في جواز التأمين. قاله ابن بطال(٢). ورواه البيهقي من حديث الأعمش، عن أبي وائل قال: جاءنا كتاب عمرو: إذا قال الرجل للرجل: لا تخف، فقد آمنه، وإذا قال: مترس، فقد أمَّنه، فإن الله يعلم الألسنة، وفي رواية له: ((وإذا قال: لا تذهل، فقد أمَّنه، فإن الله يعلم الألسنة))(٣). فائدة : (مترس) بفتح الميم والتاء وسكون الراء، كذا ضبطه الأصيلي، وضبطه غيره بفتح الراء، وضبطه أبو ذر بكسر الميم، وسكون الراء، وأهل خراسان كانوا يقولون ليحيى بن يحيى في (الموطأ)): مترس(٤). قال عياض: معناها في لسان العجم: لا بأس، وقال ابن الأثير: هي لفظة فارسية أي: لا تخف، وبخط الدمياطي في الأصل: مترس -بفتح الميم والتاء وسكون الراء-، وكتب في الحاشية: مترس ومترس. فصل : قوله: أو قال: تكلم لا بأس، هو من قول عمر، وقد أسلفناه في الجزية والموادعة قريبًا، وأخرجه ابن أبي شيبة عن مروان بن معاوية، عن حميد، عن أنس قال: حاصرنا تستر فنزل الهرمزان على حكم (١) ((الموطأ)» ص٢٧٨. (٢) ((شرح ابن بطال)) ٣٥٣/٥. (٣) ((السنن الكبرى)) ٩/ ٩٦. (٤) ((الموطأ)» ص٢٧٨.