Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
وقال ابن القصار: ما أحرزه المشركون وخرج عن أيديهم إلى
المسلمين، فإن لم يقع في المقاسم ولا حصل في يد إنسان بعوض
فإنه يعود إلى ملك صاحبه، فالمرأة لما أخذت الناقة بغير عوض
أنتقل ملكها عن المشركين وحصل لرسول الله وَله؛ فأما إذا قسمت
الغنائم وحصل الشيء في يد أحد حصلت له شبهة ملك عليه؛ لأجل
أنه حصل له بعوض، وهو حقه من الغنائم؛ فلا يخرجه عن يده
إلا بعوض؛ لأن الغانمين قد اقتسموا وتفرقوا، فإن أعطاه الإمام
القيمة جاز، وإن لم يعطه لم يأخذه صاحبه إلا بعوض؛ لأن القسم حكم
الإمام مع كون شبهة أيدي الكفار، فيصير للغانم بحكم الإمام(١).
واستدل الطحاوي بحديث الناقة، فإن المرأة لما أخذتها أنتقل ملكها
إلى رسول الله وَل بحديث سفيان، عن سماك بن حرب، عن تميم بن
طرفة: أن رجلًا أصاب العدو له بعيرًا، فاشتراه رجل منهم فجاء به
فعرفه صاحبه، فخاصمه إلى رسول الله وَ له فقال: ((فإن شئت أعطيت
ثمنه الذي اشتراه به وهو لك، وإلا فهو له)) فهذا وجه الحكم في
الباب من طريق الآثار(٢).
وأما من طريق النظر فرأينا رسول الله وَلّر حكم في مشتري البعير من
أهل الحرب أن لصاحبه أن يأخذه منه بالثمن، وكان قد ملكه المشتري
من الحربيين، كما يملك الذي يقع في سهمه من الغنيمة ما يقع في سهمه
منها، فالنظر على ذَلِكَ أن يكون الإمام إذا قسم الغنيمة فوقع منها في يد
رجل شيء وإن كان أُسر ذَلِكَ من يد آخر، أن يكون المأسور من يده
(١) ((شرح ابن بطال)) ٢٢٧/٥-٢٢٩.
(٢) ((شرح معاني الآثار)) ٢٦٣/٣.

٣٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
كذلك أن يكون له أخذ ما كان أسر من يده من الذي وقع في سهمه بقيمته
كما يأخذ من يد مشتريه بثمنه(١).
وقوله: (أَنَّ فَرَسًا لابْنِ عُمَرَ عَارَ) هو بالعين المهملة، أي: أنفلت
من صاحبه، يَغِیرُ.
ومعنى (ظَهَرَ عَلِيهِ): غلب عليه، وقال البخاري -كما نقله ابن التين
والدمياطي -: عَارَ مشتق من العير وهو: حمارُ وَخْشٍ، أي: هرب. یرید
أنه فعل فعله في النفار.
وقال ((صاحب العين)): عار الفرس والكلب وغير ذَلِكَ عيارًا: أفلت
وذهب في الناس (٢).
وقال ابن دريد في ((جمهرته)): عار الفرس تعيرًا: إذا انطلق من
مربطه فذهب على وجهه، وكذلك البعير(٣). وقال الطبري: يقال ذَلِكَ
في الفرس إذا فعله مرة بعد أخرى، ومنه قيل للبطال من الرجال:
الذي لا يثبت على طريقة: عيار، ومنه الشاة العائرة، وسهم عائر:
لا يدرى من أين أتى(٤)، ولما ذكر ابن التين أنه لا يأخذه عندنا
إلا بالثمن، قَالَ: دليلنا أن العبد لا يدفع إلى بيت المال وإنما يرد
إلى سيده، فيجب أن تكون القيمة على أخذه أو يكون استحقاقه تامًّا،
فلا تجب فيه القيمة على أحد.
ثم نقل عن مالك كما أسلفنا أن من أسلم على شيء في أيديهم
للمسلمین ملكه. وقال الشافعي : لا يملكون إلا بما يملك به المسلمون،
(١) ((شرح ابن بطال)) ٢٢٩/٥ -٢٣٠.
(٢) ((العين)) ٢٣٨/٢، مادة: عير.
(٣) ((جمرة اللغة)) ٧٧٧/٢، مادة: عير.
(٤) ((شرح ابن بطال)) ٢٣٠/٥.
:

٣٢٣
= كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
وناقض فقال: إذا استهلكه الحربي ثم أسلم لم يغرمه. وقال أبو حنيفة:
إن غنموه في دار الإسلام فلا يملكونه حَتَّى يخرجوه إلى(١) دار الحرب،
ومالك لم يفرق، ثم قَالَ: إن الشافعي استدل بقوله: ﴿ وَأَوْرَفَكُمْ أَرْضَهُمْ
وَدِيَرَهُمْ وَأَمْوَلَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧] الآية فجعل ذَلِكَ منة علينا فانتفى
معه أن يملكوا أموالنا(٢).
وأجيب: بأنه ورد في خبر مخصوص ولم يُرد به أنه لا يصيب
المسلمين من الكفار جائحة، ألا ترى قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ
الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] فسماهم فقراء لأخذ الكفار أموالهم،
وإذا كان كذلك لم يكن في هذِه الآية دلالة.
(١) ورد في هامش الأصل: لعله (من).
(٢) سبق بيان المسألة.

٣٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٨٨ - باب مَنْ تَكَلَّمَ بِالْفَارِسِيَّةِ وَالرَّطَانَةِ
وَقَوْلِهِ رَكْ: ﴿وَأَخْتِلَفُ أَلْسِنَئِكُمْ وَأَلْوَنَّكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] ﴿وَمَا
أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤].
٣٠٧٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمِ، أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِ سُفْيَانَ،
أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِّ رضي الله عنهما قَالَ: قُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللهِ، ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا، وَطَحَنْتُ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَتَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرّ. فَصَاحَ
النَّبِيُّ ◌َّهِ فَقَالَ: ((يَا أَهْلَ الخَنْدَقِ، إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ سُؤْرًا، فَحَيَّ هَلَّا بِكُمْ)»
[٤١٠١، ٤١٠٢ - مسلم: ٢٠٣٩ -فتح ٦ /١٨٣]
٣٠٧١ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ أُمَّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَتْ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ إَِّ مَعَ أَبِي وَعَلَيَّ قَمِيصٌ
أَصْفَرُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ إِّهِ: ((سَنَهْ سَنَهْ)). قَالَ عَبْدُ اللهِ وَهْيَ بِالْحَبَشِيَّةِ: حَسَنَةٌ. قَالَتْ:
فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ، فَزَبَرَنِي أَبِي، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: ((دَعْهَا)). ثُمَّ قَالَ رَسُولُ
اللهِ: ((أَبْلِي وَأَخْلِفِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِفِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِفِي)). قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَبَقِيَتْ
حَتَّى ذَكَرَ. [٣٨٧٤، ٥٨٢٣، ٥٨٤٥، ٥٩٩٣ -فتح ٦ / ١٨٣]
٣٠٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ أَنَّ الَحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخَذَ ثْرَةَ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ
النَّبِيُّ ◌ََّ بِالْفَارِسِيَّةِ: ((كَخْ كَخْ، أَمَا تَعْرِفُ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ)). [انظر: ١٤٨٥ -
مسلم: ١٠٦٩ -فتح ٦ /١٨٣]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها: حديث جَابِرِ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا،
وَطَحَنْتُ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَتَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ. فَصَاحَ النَّبِيُّ وَلَّ فَقَالَ: (يَا
أَهْلَ الخَنْدَقِ، إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ سُؤْرًا، فَحَيَّ هَلَّا بِكُمْ)).

٣٢٥
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
ثانيها: حديث أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ - يعني: ابن العاصي،
واسمها آمنة- قَالَتْ: أَتَّيْتُ النبيِ نَّ مَعَ أَبِي وَعَلَيَّ قَمِيصٌ أَصْفَرُ، قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلَه: ((سَنَهْ سَنَهْ)). قَالَ عَبْدُ اللهِ وَهْيَ بِالْحَبَشِيَّةِ: حَسَنَةٌ.
قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَم النُّبُوَّةِ، فَزَبَرَنِي أَبِي، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ:
((أَبْلِي وَأَخْلِقِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي)). قَالَ عَبْدُ اللهِ:
فَبَقِيَتْ حَتَّى ذَكَرَ دهرا، وذكره البخاري في موضع آخر (١)، قال
عكرمة: سنا: الحسنة بالحبشية ..
ثالثها: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَّهُ ثَمَّ تمر الصدقة، وقد سلف في
الزكاة.(٢)
الشرح :
الرطانة: كلام العجم، وقال صاحب ((الأفعال)): يقال: رطن رطانة
إذا تكلم بكلام العجم(٣)، وقال ابن التين: هي كلام لا يفهم، وخص
بذلك كلام العجم؛ وعبارة ((الصحاح)) الرَّطانة: الكلام بالعجمية.
تقول: رطنت له بكلام وراطنت إذا كلمته بها، وتراطن القوم فيما
(٤)
بينهم (٤).
وقوله: ﴿وَأَخْتِلَفُ أَلْسِنَئِكُمْ﴾ الآية [الروم: ٢٢]. اختلافهما من
الآيات، وكان أصل أختلاف اللغات من هود، ألقى الله على ألسنة
كل فريق اللسان الذي يتكلمون به ليلًا، فأصبحوا لا يحسنون غيره.
(١) سيأتي برقم (٥٩٩٣) كتاب الأدب، باب من ترك صبية غيره حتى تلعب به أو قبلها
أو مازحها.
(٢) سلف برقم (١٤٨٥).
(٣) (الأفعال)) ص٢٥٣.
(٤) ((الصحاح)) ٢١٢٤/٥، مادة: رطن.

٣٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
و(البُهَيمَةُ) كما قَالَ الداودي: من الأنعام. وقال ابن فارس: البَهْمُ:
صِغَارُ الغَنَمِ (١).
و(السُّؤْرُ) الوليمة بالفارسية، كذا في بعض النسخ، أي: أتخذ دعوة
لطعام الناس، وقال الداودي: هي كل طعام تدعى إليه جماعة. وقال
جماعة من أهل اللغة: الوليمة: طعام العرس، وقيل: السؤر: الصنيع
بلغة الحبشة، لكن العرب تكلمت بها فصارت من كلامها.
وأما قوله: فأكلوا وتركوا سؤرًا. فَهُذِه عربية يعني: بقية، وكل بقية
من ماء أو طعام أو غيره فهو سؤر.
وقوله: (فحيَّ هلا بكم) قَالَ الفراء: معنى حيَّ عند العرب: هلم
وأقبل، فالمعنى: هلموا إلى طعام جابر وأقبلوا إليه، ومنه قول
المؤذن: حيَّ على الصلاة أي: أقبلوا إليها، وفتحت الياء من حيَّ
لسكونها وسكون الياء التي قبلها، كما قالوا: ليت ولعل، ومنه قول
ابن مسعود: إذا ذكر الصالحون فَحَيَّ هَلَا بعمر (٢). ومعناه أقبلوا على
ذكر عمر. وقال أبو عبيد: أي أدع عمر (٣).
وفيها ست لغات: يقال: حَيَّ هَلَا بالتنوين للتنكير. وحَيَّ هَلَ منصوبة
مخففة مشبهة بخمسة عشر، وحَيهَلًا بألف مديدة، وحَيْ هَلْ بالسكون؛
لكثرة الحركات ولشبهها بِصَهْ وَمَهْ وَوَيْح، وحَيَّ هْلَ بسكون الهاء، وحَيَّ
أهلًا آل عمر، وحَيَّ هَلَّا على عمر؛ وقال صاحب ((المطالع)): يقول:
حي على كذا، أي: هلم وأقبل. يقال: حي علا، وقيل: حي: هلم،
(١) ((مجمل اللغة)) ١٣٨/١، مادة: بهم.
(٢) رواه معمر في ((جامعه)) ٢٣١/١١، والطبراني ١٦٤/٩، والحاكم ٩٣/٣.
(٣) ((غريب الحديث)) ٢١٠/٢.

٣٢٧
- ڪِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
وهلا: جئتنا، وقيل: أسرع، جعل كلمة واحدة. وقيل: هلا: أسكن،
وحي: أسرع، أي: عند ذكره واسكن حَتَّى ينقضي.
وقال الداودي: ( ((فحي هلا بكم)))، أي: هلموا أهلا بكم أتيتكم
أهلکم.
وقوله: ((سَنَهْ)) قد أسلفنا في البخاري عن عبد الله -وهو ابن
المبارك- أنها بالحبشة حَسِنَة. وفي رواية: (سَنَّا سَنَّا))(١)، وفي أخرى:
((سَنَّاهْ سَنَّاهْ)) (٢)، قَالَ صاحب ((المطالع)): كلها بفتح السين وشد النون
إلا عند أبي ذر فإنه خفف النون، وعند القابسي كسر السين.
وقوله: ( ((أَبْلِي وَأَخْلِقِي)) ) أي: أنعمي والبلاء للخير والشر؛ لأن
أصله الاختبار، وأكثر ما يستعمل في الخير مقيدًا، ولأبي ذر والمروزي:
((أخلفي)) بالفاء، والمشهور بالقاف من إخلاق الثوب، ومعناه: بالفاء
أن يكتسب خلفه بعد بلائه، يقال: خلف الله لك، وأَخْلَفَ رُباعي،
وهو الأَشْهر؛ ذكره عياض(٣)، وقال ابن بطال: هو كلام معروف عند
العرب ومعناه الدعاء بطول البقاء. قَالَ صاحب ((العين)): يقال: أَبْلِ
وأَخْلِفْ، أي: عش فخرِّقْ ثيابك وارْقَعْها، وخلفت الثوب، أي:
أخرجت باليه ولفَقْتُهُ.(٤)
وقوله: (زبرني) هو بفتح أوله يعني: أنتهرني، عن أبي علي.
وقوله: (حَتَّى ذكر)، كذا لأكثر الرواة بالذال المعجمة والراء.
(١) ستأتي برقم (٥٨٤٥) كتاب اللباس، باب ما يدعى لمن لبس ثوبا جديدا.
(٢) ستأتي برقم (٣٨٧٤) كتاب مناقب الصحابة، باب هجرة الحبشة.
(٣) ((مشارق الأنوار)) ٢٣٩/١.
(٤) ((شرح ابن بطال)) ٢٣٢/٥.

٣٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقوله: (دهرًا) محذوف في كتاب ابن بطال(١)، وذكره ابن السكن
أيضًا وهو تفسير لهذه الرواية، كأنه أراد بقي هذا القميص مدة طويلة من
الزمان نسيها الراوي فعبر عنها بقوله: (ذكر دهرًا) أي: زمانًا فنسيت
تحديده، وقيل: هذا الضمير يرجع على الراوي، يدل عليه ما في
رواية أخرى: (فبقيت) (يعني) (٢): أم خالد، وقيل: في ذكر ضمير
القميص، أي: بقي هذا القميص، حَتَّى ذكر دهرًا، كما يقال: شيخ
مسن يذكر دهرًا، أي: يعقل زمانًا طويلًا قد مضى، ولأبي الهيثم:
(دكن) بالنون ودال مهملة، والدكنة غبرة (كدرة)(٣) من طول ما لبس
فیسود لونه، ورجحه أبو ذر.
أما فقه الباب؛ فسمعناه في تأمين المسلمين لأهل الحرب بلسانهم
ولغتهم أن ذَلِكَ أمان لهم؛ لأن الله تعالى يعلم الألسنة كلها، وأيضًا فإن
الكلام بالفارسية يحتاج إليه المسلمون للتكلم به مع رسل العجم، وقد
أمر الشارع زيد بن ثابت (بتعلم)(٤) لسان العجم، وكذلك أدخل
البخاري عن رسول الله وسلم أنه تكلم بألفاظ من الفارسية كانت
متعارفة عندهم معلومة، وفهمها عنه الصحابة، فالعجم أحرى أن
يفهموها إذا خوطبوا بها؛ لأنها لغتهم، وسيأتي زيادة في بيان هذا في
(١) قوله ذكر دهرا، في المطبوع من ((شرح ابن بطال)) ٢٣٠/٥: ذكر دكن.
وعلق المحقق بقوله: (كذا بالأصل: جمع بين الكلمتين)؛ ثم أورد اختلاف
الروايات في ((الصحيح)). وهي رواية أبي الهيثم، والقول ما قاله المصنف. وانظر
((فتح الباري)) ٦/ ٢١٣ - ٢١٤.
(٢) من (ص١).
(٣) يقارب رسمها في الأصل (كدرة) والكاف تقارب اللام في رسم الناسخ، وأرجح
أنها محرفة عن (لونه). والله أعلم.
(٤) في (ص): أن يتعلم.

٣٢٩
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
باب قوله إذا قالوا: صبأنا ولم يحسنوا أسلمنا بعد. (١) قَالَ ابن التين:
وإنما يكره أن يتكلم بالعجمية إذا كان بعض من حضر لا يفهمها
فيكون تناجي القوم دون ثالث، قاله الداودي؛ قَالَ: ويلزمه إذا لم
يعرفها أثنان فأكثر أن يجوز ذلك. قال المهلب: وأما دعاؤه بأهل
الخندق أجمع لطعام جابر فإنما فعله؛ لأنه علم منهم حاجة إلى
الطعام، وعلم أنه طعام قد أذن له فيه ببركته لتكون آية وعلامة للنبوة،
فلذلك دعاهم أجمع، ولم يدع السادس إلى دار الخياط، واستأذن
الخياط أن يدخل معهم ليكون لنا سنة؛ ولأنه طعام لم يؤذن له في
إتيانه، وإن كان كل طعامه فيه بركة، ولكن بركة تكون آية وعلامة
لنبوته فليس هذا من ذَلِكَ الطعام(٢).
وأستحصر(٣) فوائد هذا الحديث.
منها: مداعبة الشارع للأطفال ومخاطبتهم بما يخاطب به الكبار
الفقهاء إذا فهموا، وهذه المخاطبة وإن كانت للحسن ففيها تعريف
المسلمين أنه لا يأكل الصدقة.
ومنها: توقير الأئمة عن لعب الصبيان.
ومنها: المسامحة للأطفال في اللعب بحضرة آبائهم وغيرهم، وكان
صَلىالله
وسلم
على خلق عظيم.
ومنها: إتيانهم بالبنات الصغار لبركة دعائه وليثبت لهن الصحبة.
ومنها: حمل الصبيان وتدريبهم على الشرائع والتجنب بهم الحرام
(١) سيأتي في كتاب الجزية والموادعة، باب: إذا قالوا صبأنا ولم يحسنوا أسلمنا.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٢٣١/٥.
(٣) لم تنقط في الأصل، ولعل فيها الوجهان: الصاد والضاد.

٣٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
والمكروه، وسلف تفسير ( ((كخ كخ)) ) في الزكاة، وهما بفتح الكاف
وكسرها وسكون الخاء وكسرها، وبالتنوين مع الكسر وبغيره، قَالَ ابن
دريد: يقال: كخ يكخ كخا إذا نام فغط(١). وقال الداودي: هي كلمة
أعجمية عربت.
(١) ((جمهرة اللغة)) ١/ ١٠٧، مادة: خكك.
٠٠٠

-
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
٣٣١
١٨٩ - باب الغُلُولِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا عَلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١].
٣٠٧٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ أَبِي حَيَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو زُرْعَةَ قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَامَ فِينَا النَّبِيُّ ◌َ فَذَكَرَ الغُلُولَ، فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ،
قَالَ: ((لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ، عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ
حَمْحَمَةٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي. فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ.
وَعَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي. فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ
شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. وَعَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي. فَأَقُولُ:
لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. أَوْ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ
اللهِ، أَغِثْنِي. فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ)). وَقَالَ أَيُّبُ، عَنْ أَبِي حَيَّنَ:
((فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ)). [انظر: ٢٣٧١ - مسلم: ٩٨٧، ١٨٣١ -فتح ٦ / ١٨٥]
ذكر فيه حديث أَبي هُرَيْرَةَ : قَامَ فِينَا النَّبِيُّ وَّهِ فَذَكَرَ الغُلُولَ ..
الحدیث.
وهو على سبيل الوعيد من الله لمن أنفذه عليه من أهل الغلول، وقد
تكون العقوبة حمل البعير وسائر ما عليه على رقبته على رءوس الأشهاد
وفضيحته به، ثم الله تعالى بعد ذَلِكَ مخير في تعذيبه بالنار أو العفو عنه.
فإن عذبه بناره أدركته الشفاعة إن شاء الله تعالى، وإن لم يعذبه بناره فهو
واسع المغفرة.
ومعنى: ( («لا ألفينَّ))) لا أجدن، ألفينا: وجدنا. قَالَ القرطبي: كذا
الرواية الصحيحة بالمد والفاء، ومعناه: لا يأخذن أحد شيئًا من المغانم
فأجده يوم القيامة على تلك الحال(١).
(١) ((المفهم)) ٢٨/٤.

٣٣٢
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقال النووي: هو بضم الهمزة وكسر الفاء، ورواه العذري بفتح
الهمزة والقاف من اللقاء، وله وجه(١)، وجاء في رواية: ((لا أعرفن))
والمعنى متقارب، وبعض الرواة يقول ((لأعرفن)) بغير مد على أن
تكون لام القسم، وفيه بُعْدٌ، والأول أحسن.
والثُّغَاء: بضم الثاء صوت الشاة. يقال: ثغت، تثغو.
والرغاء: صوت الإبل. واليعار صوت المعز خاصة، ومنه شاة
تَيْعَرُ (٢).
والحمحة: صوت الفرس عند العلف، قَالَ ابن قتيبة(٣): سمي
غلولا؛ لأن آخذه كان يغله في متاعه، أي: يدخله في أصنافه، ومنه
سمي الماء الجاري بين الشجر غللًا. وقال يعقوب: يقال: غل في
المغنم يغُل ويغِل إذا خان، والصامت: الذهب والفضة.
ومعنى: ( ((لا أملك لك شيئًا)) ) أي: من المغفرة ومن الشفاعة حَتَّى
يأذن الله في الشفاعة لمن أراد، كما قَالَ تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ
أَرْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨].
وفيه: أن العقوبات قد تكون من جنس الذنوب، وهذا الحديث
يفسر قوله تعالى: ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ [آل عمران ١٦١]
وفيه: أنه يأتي به يحمله على رقبته، ليكون أبلغ في فضيحته، ويتبين
للأشهاد خيانته، وحسبك بهذا تعظيمًا لإثم الغلول وتحذيرًا منه. وقوله:
( ((على رقبته رقاع تخفق)) ) يقال: أخفق الرجل بثوبه إذا لمع.
(١) ((شرح مسلم)) ٢١٦/١٢. وقوله: (ورواه العذري .. ) إلخ من قول القاضي.
(٢) أنظر: ((النهاية في غريب الحديث) ٢٩٧/٥ مادة [يعر].
(٣) ((غريب الحديث)) ٢٢٦/١.

٣٣٣
= كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَدِ
إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالغلول كبيرة بالإجماع، وأجمعوا أيضًا على تغليظ
تحريمه، وقام الإجماع أيضًا كما حكاه ابن المنذر على أن الغال يرد
ما غل إلى صاحب المقسم ما لم يفترق الناس(١).
واختلفوا فيما يفعل بذلك إذا افترقوا؛ فقالت طائفة: يدفع إلى
الإمام بخمُسه ويتصدق بالباقي هذا قول الحسن والزهري ومالك
والأوزاعي والليث والثوري، وروي معناه عن معاوية بن أبي سفيان،
وروي عن ابن مسعود أنه رأى أن يتصدق بالمال الذي لا يعرف
صاحبه، وروي معناه عن ابن عباس. قَالَ أحمد في الحبة والقيراط
يبقى للبقال على الرجل ولا يعرف موضعه: يتصدق به (٢). وكان
الشافعي لا يرى الصدقة به، ويقول: لا أرى للصدقة به وجهًا؛ لأنه
إن كان من ماله فليس عليه أن يتصدق به، وإن كان لغيره فليس له
الصدقة بمال غيره(٣).
(١) ((الإجماع)) ص٨٢.
(٢) («المغني)) ١٧١/١٣-١٧٢.
(٣) ((الأم)) ١٧٨/٤.

٣٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٩٠ - باب القَلِيلِ مِنَ الغُلُولِ
وَلَمْ يَذْكُرْ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ أَنَّهُ حَرَّقَ
مَتَاعَهُ، وهذا أَصَحُ.
٣٠٧٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو، عَنْ سَالم بْنِ أَبِي
الَجَعْدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ ◌َ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: كِزْكِرَةُ،
فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّةِ: ((هُوَ فِي النَّارِ)). فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ
غَلَّهَا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ ابن سَلَامٍ: كَزْكَرَةُ - يَعْنِي: بِفَتْحِ الكَافِ- وَهْوَ مَضْبُوطُ
كَذَا. [فتح ٦ / ١٨٧]
ثم ساق حديث ابْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ ◌َّهِ رَجُلٌ يُقَالُ
لَهُ: كِرْكِرَةُ، فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: (هُوَ فِي النَّارِ)). فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ
إِلَيْهِ، فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ ابن سَلَامٍ: كَرْكَرَةٌ.
الشرح:
قوله: (وهذا أصح)، يعني: أنه وَلّ لم يحرق رحل كركرة حين وجد
فيه الغلول، فهو أصح من حديث ابن عمرو الذي أخرجه أبو داود، عن
محمد بن عوف، عن موسى بن أيوب، عن الوليد بن مسلم، عن زهير بن
محمد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله وَلا وأبا
بكر وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه.
قَالَ أبو داود: وزاد فيه علي بن بحر، عن الوليد ولم أسمعه منه:
ومنعوه سهمه.
قَالَ: وثَنَا الوليد بن عتبة وعبد الوهاب بن نجدة، عن الوليد، عن
زهير، عن عمرو قوله.
٠

٣٣٥
= كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
ولم يذكر ابن نجدة منع سهمه(١).
وقد اختلف العلماء في عقوبة الغال فقال الجمهور: يعذر على قدر
حاله على ما يراه الإمام، ولا يحرق متاعه، وهو قول الأربعة خلا أحمد
وجماعة كثيرة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، منهم: الليث
والثوري(٢).
وقال الحسن وأحمد وإسحاق ومكحول والأوزاعي: يحرق رحله
ومتاعه كله، قَالَ الأوزاعي: إلا سلاحه وثيابه التي عليه. وقال
الحسن: إلا الحيوان والمصحف (٣).
وادعى ابن العربي في ((مسالكه)) أنه ثبت في الصحيح من الحديث
أنه وَلّ قَالَ: ((من غل فاضربوه وأحرقوا رحله)).
وأما حديث ابن عمر، عن عمر مرفوعًا في تحريق رحل الغال(٤)،
فهو حديث تفرد به صالح بن محمد، وهو ضعيف عن سالم.
قَالَ أبو عمر: تفرد به صالح ولا يحتج به(٥).
وقال أبو داود لما ذكره بعد رفعه موقوفًا من فعل الوليد بن هشام بن
عبد الملك: وهذا أصح الحديثين (٦).
(١) رواه أبو داود (٢٧١٥) وهو حديث ضعيف وسيأتي كلام المصنف عليه وتضعيفه له
بعد قليل.
(٢) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٧٥/٣-٤٧٦ و((المنتقى)) ٢٠٤/٣، ((والمغني))
١٦٨/١٣-١٧٠.
(٣) أنظر: ((المغني)) ١٦٨/١٣، ((مصنف عبد الرزاق)) ٢٤٦/٥-٢٤٧ كتاب الجهاد،
باب كيف يصنع بالذي يغل، و((مصنف ابن أبي شيبة)) ٥٢٥/٥، ٥٣٠/٦.
(٤) أخرجه أبو داود (٢٧١٣)، ومن طريقه البيهقي في ((سننه) ١٠٣/٩.
(٥) ((التمهيد)) ٢٢/٢.
(٦) ((سنن أبي داود)) (٢٧١٤).

٣٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، والعمل عليه عند
بعض أهل العلم(١) وسألت محمدًا عن هذا الحديث فقَالَ: إنما روى
صالح بن محمد، وهو منكر الحديث، قَالَ: وقد روي في غير حديث
الغال، ولم يأمر فيه وَّلَه بحرق متاعه(٢).
قَالَ البخاري في ((تاريخه)): عامة أصحابنا يحتجون بحديث صالح
في الغلول، وهو باطل ليسَ بشيء(٣).
وقال الدارقطني: أنكروا هذا الحديث على صالح، قال: وهو
حديث لم يتابع عليه، ولا له أصل عن رسول الله وَليم(٤).
قلتُ: ومما يوهنه حديث الباب كما ذكره البخاري، فإنه وَّ لم
يحرق رحل الذي وجد عنده العباءة، ولا الخرز، ثم على تقدير
صحته فهو محمول كما قاله الطحاوي على أنه كان حين كانت
العقوبة في الأموال جائزة، كما في أخذ شطر المال من مانع الزكاة
وضالة الإبل وسرقة التمر، وكله منسوخ(٥).
وأنكر مالك حرق الرحل، ويؤدب إن ظهر عليه قبل أن يتنصل.
(١) ذكره عقب الحديث (١٤٦١).
(٢) ((علل الترمذي)) ٦٢٥/٢-٦٢٦.
(٣) ما ذكره المصنف من قول البخاري لم أقف عليه. وإنما ذكر في ((تاريخه الكبير)) ٤/
٢٩١، في ترجمة صالح بن محمد بن زائدة أنه منكر الحديث وتركه سليمان بن
حرب وذكر حديثه عن ابن عمر في الغلول ثم ذكر ما يخالفه عن ابن عباس عن
النبي ◌َّ في الغلول: ولم يحرق وقد نقل المصنف هذا القول الذي هو في الصلب
في ((البدر المنير)) ٩/ ١٤٠ وعزاه للبخاري، والكلام بنصه في ((سنن البيهقي)) ٩/
١٠٣.
(٤) ((تعليقات الدار قطني على المجروحين لابن حبان البستي)) ١/ ١٣١.
(٥) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٧٦/٣.

٣٣٧
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
واختلف هل يؤدب إذا جاء تائبًا؟ فقال مالك: لو أدب كان أهلًا.
وقال ابن القاسم وابن حبيب وسحنون لا يؤدب؛ لأنها تسقط النكال
والتقريع، وإنما الذي لا تسقطه التوبة الحدود، فإن ظهر عليه قبل أن
يتنصل أُدِّب وتصدق بثمنه. قاله مَالك عند محمد(١).
وفي الحديث ما ترجم له وهو تحريم قليل الغلول وكثيره كما قَالَ
﴿ للذي أتاه بالشراك من المغنم، فقال: ((شراك أو شراكان من نار))
وقال في الشملة ((إنها تشعل عليه يوم القيامة نارًا))(٢).
قَالَ المهلب: وحديث الباب يشبه ما قبله، أي في أنه في طريق النار
إن أنفذ الله عليه الوعيد.
وقال ابن التين: يحتمل أن يكون هو جزاؤه إلا أن يغفر الله له،
ويحتمل أن يصيبه في القبر، ثم ينجو من جهنم، ويحتمل أن يكون
وجوب النار من نفاق كان يسره، أو بذنب مات عليه مع غلول أو بما
غل، فإن مات مسلمًا فقد قَالَ بَلّ: ((يخرج من النار من في قلبه مثقال
ذرة من إيمان))(٣)، ولم يقل: إن له النار من أجل العباءة التي غل
ذكره کله الداودي.
فائدة: (كركره) بفتح الكاف وكسرها، وقد حكاهما البخاري، فإنه
أولًا بالكسر فيما رأيته في أصل الدمياطي، ثم قَالَ: قَالَ ابن سلام:
کرْکَرَة بالفتح مضبوطًا.
(١) ((النوادر والزيارات)) ٢٠٣/٣.
(٢) سيأتي برقم (٤٢٣٤) كتاب المغازي، باب: غزوة خيبر.
(٣) علقه البخاري بعد حديث (٤٤) من حديث أنس ، وقال الحافظ في ((الفتح)) ١/
١٠٤: رواه الحاكم في ((الأربعين))؛ ورواه النسائي مطولا في ((الكبرى)) ٦/ ٣٦٤ -
٣٦٥، ومن حديث أنس رواه الترمذي (٢٥٩٨) وقال: حديث حسن صحيح.

٣٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٩١ - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ ذَبْحِ الإِبِلِ وَالْغَنَمِ فِي المَغَانِمِ
٣٠٧٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ مَسْرُوقٍ،
عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ◌َّهِ بِذِي الْخُلَيْفَةِ، فَأَصَابَ
النَّاسَ جُوعٌ وَأَصَبْنَا إِلَا وَغَنَمَّا، وَكَانَ النَّبِيُّ ◌ََّ فِي أَخْرَيَاتِ النَّاسِ، فَعَجِلُوا فَنَصَبُوا
القُدُورَ، فَأَمَرَ بِالْقُدُورِ فَأَكْفِئَتْ، ثُمَّ قَسَمَ فَعَدَلَ عَشَرَةً مِنَ الغَثَمِ بِبَعِيرٍ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ،
وَفِيِ القَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرٌ، فَطَلَبُوهُ فَأَغْيَاهُمْ، فَأَهْوِىُ إِلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْم، فَحَبَسَهُ اللهُ فَقَالَ:
((هذِهِ الْبَهَائِمُ لَهَا أَوَابِدُ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ، فَمَا نَذَّ عَلَيْكُمْ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا)).
فَقَالَ جَدِّي: إِنَّا نَرْجُو - أَوْ نَخَافُ - أَنْ نَلْقَى العَدُوَّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا مُدَى، أَفَنَذْبَحُ
بِالْقَصَبِ؟ فَقَالَ: ((مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ،
وَسَأُحَدِّثْكُمْ عَنْ ذَلِكَ: أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّ الظَّفُرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ)). [انظر:
٢٤٨٨ - مسلم: ١٩٦٨ -فتح ١٨٨/٦]
ذكر فيه حديث رافع بن خديج السالف في (آخر) (١) الشركة قريبًا
بطوله(٢).
و(أُخْرَيَاتِ النَّاسِ) أي: آخرهم؛ رفقًا بالجيش وليحمل الكل
والمنقطع.
وقوله: (فَعَجِلُوا فَنَصَبُوا القُدُورَ) يحتمل أن يريد أنهم تجاوزوا في
ذَلِكَ، وتبويب البخاري دال على كراهة ذَلِكَ.
ونقل ابن المنير عن بعض العلماء أن المذبوح بغير إذن صاحبه تعدیًا
سرقة أو غصبًا: ميتة. قَالَ: وله أنتصر البخاري(٣).
(١) في (ص): باب.
(٢) سلف برقم (٢٤٨٨) باب قسمه الغنم.
(٣) ((المتواري)) ١٨٢/١.

٣٣٩
ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
ومذهب مالك أن البقر والغنم بمنزلة الطعام، لا يحتاج في
استباحتها إلى قسم ولا إذن الإمام؛ لأن الحاجة إليها كالحاجة إلى
العسل والعنب، بل هذِه أحرى وأولى(١).
وقال الشافعي: لا يذبح شيء من ذَلِكَ إلا لضرورة(٢).
قَالَ ابن القاسم: ولهم أن يضخّوا بالغنم المجزرة في المغانم
وما أخذ من ذَلِكَ للاستعداد كالفرس والثوب ينتفع به حَتَّى ينقضي
غزوه، فقال ابن القاسم: يأخذه بغير إذن الإمام، وينتفع به حَتَّى
ينقضي غزوه(٣).
وروي عن علي وابن وهب وغيرهما: لا يأخذ شيئًا من ذلك (٤). قَالَ
المهلب: وإنما أمر بإكفاءِ القدور من لحوم الإبل والغنم، وأكلها جائز
في دار الحرب بعد إذن الإمام عند العلماء، هذا قول مالك والليث
والأوزاعي والشافعي.
وجماعة من العلماء رخصوا في ذبح الأنعام في بلاد العدو للأكل
وفي أكل الطعام؛ لأن هؤلاء الذين أكفئت عليهم القدور إنما ذبحوها
بذي الحُلَيْفَة وهي أرض الإسلام، وليسَ لهم أن يأخذوا في أرض
الإسلام إلا ما قسم لهم؛ لأنها حاصلة، وإباحة الأكل من الغنم
إنما هو في أرض العدو قبل تخليص القسمة وإحرازها، فهذا الفرق
بینھما.
(١) أنظر ((المدونة)) ٣٩٤/١-٣٩٥، و((النوادر والزيادات)) ٢٠٤/٣ ((والمنتقى))
١٨٣/٣.
(٢) ((الأم)) ١٧٨/٤، ((والبيان)) ١٧٩/١٢.
(٣) ((المدونة)) ٣٩٦/١، و((المنتقى)) ١٨٣/٣.
(٤) المصدرين السابقين .

٣٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقد قَالَ الثوري والشافعي: إِن ما أخذه المرءُ من الطعام في أرض
العدو وفضلت منه فضلة ويقدم بها بلاد الإسلام أنه يردها إلى الإمام(١).
وقال أبو حنيفة: يتصدق به. فكيف من يتسور فيه في أرض الإسلام،
ويأخذه بغير إذن الإمام؟
ورخص مالك في فضلة الزاد مثل الخبز واللحم إذا كان يسيرًا لا مال
له(٢). وهو قول أحمد(٣).
وقال الليث: أحب إلي إذا دنا من أهله أن يطعمه أصحابه.
وقال الأوزاعي: يهديه إلى أهله (٤)، وأما البيع فلا يصلح، فإن باعه
وضع ثمنه في المغنم، فإن فاتَ ذَلِكَ تصدق به عن الجيش ورخص فيه
سليمان بن موسى(٥) وأمر بإكفاء القدور ليعلمهم أن الغنيمة إنما
يستحقونها بعد قسمته لها، فلا يفتاتوا في أخذ شيء قبيل وجوبه بقوله
تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، وقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١].
قَالَ الحسن: إن هُذِه الآية نزلت في قوم نحروا قبل أن يصلي رسول
الله ◌َّر، فأمرهم أن يعيدوا الذبح(٦).
(١) ((الأم)) ١٧٨/٤.
(٢) ((المدونة)) ٣٩٧/١، و((المنتقى)) ١٨٣/٣.
(٣) («المغني)) ١٣٢/١٣.
(٤) ((المغني)) ١٢٨/١٣.
(٥) المصدر السابق.
(٦) رواه الطبري ٣٧٨/١١ (٣١٦٦١)، وزاد السيوطي نسبته في ((الدر المنثور)) ٨٥/٦
إلى عبد بن حميد وابن المنذر.