Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = وفيه: جواز قول الرجل للآخر: يا سيدي إذا علم منه خيرًا وفضلًا؛ وإنما جاءت الكراهة في تسويد الرجل الفاجر. وقوله: ( ((بحكم الملِك)) ) هو بكسر اللام، وهو المشهور في الرواية، وكذا هو في مسلم قطعًا، وفتح في البخاري بعضهم اللام، فإن صح فالمراد به جبريل في الحكم الذي جاء به عن الله، ورده ابن الجوزي من وجهين: أحدهما: ما نقل أن ملكًا نزل في شأنهم بشيء، ولو نزل بشيء أتبع وترك اجتهاد سعد. قلتُ: في غير رواية البخاري أنه ربَّ قَالَ في حكم سعد: ((بذلك طرقني الملك سحرا))(١). ثانيهما : في بعض ألفاظ الصحيح كما سيأتي في موضعه: ((قضيت بحكم الله))(٢)، وأما ابن التين فقال: المعنى كله واحد على الكسر والفتح. (١) قال الحافظ في ((الفتح)) ٧/ ٤١٢: هو بكسر اللام، والشك فيه من أحد رواته أي اللفظین قال، وفي رواية محمد بن صالح المذكورة: «لقد حکمت فیھم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سماوات))، وفي حديث جابر عند ابن عائذ: فقال: ((احكم فيهم يا سعد)) قال: الله ورسوله أحق بالحكم، قال: «قد أمرك الله تعالى أن تحكم فيهم)) وهذا كله يدفع ما وقع عند الكرماني ((بحكم الملَك)) بفتح اللام، وفسره بجبريل؛ لأنه الذي ينزل بالأحكام. (٢) سيأتي برقم (٤١٢١) كتاب المغازي، باب مرجع النبي صلّ من الأحزاب، ومخرجه إلى بني قريظة ومحاصرته إياهم. ٢٦٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ١٦٩ - باب قَتْلِ الأَسِيرِ وَقَتْلِ الصَّبْرِ ٣٠٤٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ﴾ُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ دَخَلَ عَامَ الفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ اِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ ابن خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ. فَقَالَ: ((اقْتُلُوهُ)). [انظر: ١٨٤٦ -مسلم: ١٣٥٧ -فتح ٦ /١٦٥] ذكر فيه حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَ دَخَلَ عَامَ الفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ ابن خَطَلٍ مُتَعَلَّقُّ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ. فَقَالَ: ((اقْتُلُوهُ)). هذا الحديث سلف في الحج، وقد تقدم القول في قتل الأسرى، وأن الإمام مخير بين القتل والمن، وكذلك فعل الشارع يوم الفتح قتل ابن خطل ومقيس بن صبابة والقينتين ومنَّ على الباقين. وفيه: أن للإمام أن يقتل صبرًا من حاد الله ورسوله وكان في قتله صلاح للمسلمين، كما قتل وقليل يوم بدر عقبة بن أبي معيط، قام إليه علي فقتله صبرًا، فقال: من للصبية يا محمد؟ قَالَ: ((النار)). وقتل النضر بن الحارث، وكذلك فعل سعد في بني قريظة. وهذا الحديث حجة لقول الجمهور: إن مكة فتحت عنوة. وقد سلف ذَلِكَ في الحج، ومن الآثار الدالة ما ذكره أبو عبيد بإسناده من حديث أبي هريرة، أنه حدث بفتح مكة (قَالَ)(١): ثم أقبل رسول الله بَّل حين قدم مكة فبعث الزبير على إحدى المجنبتين، وبعث خالد بن الوليد على الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحسر فأخذوا بطن الوادي، فأمرني رسول الله فناديت بالأنصار، فلما أطالت به قَالَ: ((أترون أوباش (١) من (ص١). ٢٦٣ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = قريش وأتباعهم؟». ثم قَالَ بيديه (إحداهما)(١) على الأخرى: ((احصدوهم حصدا حَتَّى توافوني بالصفا)). قَالَ أبو هريرة: فانطلقنا فما شاء أحد منا أن يقتل منهم من شاء إلا قتله، فجاء أبو سفيان بن حرب فقال: يا رسول الله، أبيحت خضراء قريش فلا قريش بعد اليوم. فقال ◌َّير: ((من أغلق بابه فهو آمن، (ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن))(٢) (٣). ثم ساق من حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قَالَ: قَالَ رسول الله وَالر يوم الفتح: «ألا لا يجهزن على جريح، ولا يتبعن مدبر، ولا يقتلن أسير، ومن أغلق بابه فهو آمن)) وهذا ظاهر في دخولها عنوة، ومن خالف ذَلِكَ واعتل بأنه بََّ لم يحكم فيها بحكم العنوة من الغنم لها واسترقاق أهلها فلم تكن عنوة، فقد يدعى تخصيصها بذلك كما خصت بغير ذَلِكَ (٤). (١) جاءت صورتها في الأصل: إحديهما. وهي كتابة بعض الكتبة والنساخ القدامى، وهو من أوهام الخواص، نبه عليه الحريري في ((درة الغواص)) ص ١٣٠. (٢) من (ص١). (٣) ((الأموال)) لأبي عبيد ص٧٠ (١٥٨). (٤) ((الأموال)) ص٧٠. ٢٦٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٧٠ - باب هَلْ يَسْتَأْسِرُ الرَّجُلُ؟ وَمَنْ لَمْ يَسْتَأْسِرْ، وَمَنْ رَكَعَ رَكْعَتَيْ عِنْدَ القَتْلِ ٣٠٤٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَیْبُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي سُقْيَانَ بْنِ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ - وَهُوَ حَلِيفٌ لِبَنِي زُهْرَةَ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابٍ أَبِي هُرَيْرَةَ - أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَّهِ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ بَلَّهِ عَشَرَةَ رَهْطٍ سَرِيَّةً عَيْنَا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتِ الأَنْصَارِيَّ جَدَّ عَاصِمٍ بْنِ عُمَرَ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْهَدَأَةِ وَهُوَ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ ذُكِرُوا لَحِّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو ◌ْخِيَانَ، فَتَفَرُوا لَهُمْ قَرِيبًا مِنْ مِائَتَيْ رَجُلٍ، كُلَّهُمْ رَامٍ، فَاقْتَصُوا آثَارَهُمْ حَتَّى وَجَدُوا مَأْكُلَهُمْ تَمْرًا تَزَوَّدُوهُ مِنَ المَدِينَةِ فَقَالُوا هذا تَمْرُ يَثْرِبَ. فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ ◌َثُوا إِلَى فَدْفَدٍ، وَأَحَاطَ بِهِمُ القَوْمُ، فَقَالُوا لَهُمُ: آنْزِلُوا وَأَعْطُونَا بِأَيْدِيكُمْ، وَلَكُمُ العَهْدُ وَإِْيثَاقُ، وَلَا تَقْتُلُ مِنْكُمْ أَحَدًا. قَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ أَمِيرُ السَّرِيَّةِ: أَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ لَا أَنْزِلُ اليَوْمَ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ، اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ. فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ، فَقَتَلُوا عَاصِمَا فِي سَبْعَةٍ، فَتَزَلَ إِلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ بِالْعَهْدِ وَالِمِيثَاقِ، مِنْهُمْ خُبَيْبُ الأَنَّصَارِيُّ وَابْنُ دَئِنَةَ وَرَجُلٌ آخَرُ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَأَوْتَقُوهُمْ، فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ هذا أَوَّلُ الغَذْرِ، والله لَا أَصْحَبُكُمْ، إِنَّ فِي هؤلاء لِأُسْوَةَ. يُرِيدُ القَتْلَى، فَجَزَّرُوهُ وَعَالْجُوهُ عَلَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ، فَأَبَى، فَقَتَلُوهُ، فَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَابْنِ دَثِتَةَ حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ بَعْدَ وَقْعَةٍ بَدْرٍ، فَابْتَاعَ خُبَيْبًا بَنُو الحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الَحَارِثَ بْنَ عَامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا، فَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ ◌ِيَاضِ أَنَّ بِنْتَ الحَارِثِ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُمْ حِينَ أَجْتَمَعُوا أَسْتَعَارَ مِنْهَا مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا، فَأَعَارَتْهُ، فَأَخَذَ ابنا لِي وَأَنَا غَافِلَةٌ حِينَ أَتَاهُ، قَالَتْ: فَوَجَدْتُهُ مُجْلِسَهُ عَلَى فَخِذِهِ وَالْمُوسَى بِيَدِهِ، فَفَزِعْتُ فَرْعَةً عَرَفَهَا خُبَيْبٌ فِي وَجْهِي. فَقَالَ: تَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ مَا كُنْتُ لأَفَعَلَ ذَلِكَ. والله مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطَّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، والله لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ مِنْ قِطْفِ عِنَبٍ فِي يَدِهِ، وَإِنَّهُ لَوثَقٌ فِي الحَدِيدِ، وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَرٍ. وَكَانَتْ تَقُولُ: ٢٦٥ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = إِنَّهُ لَرِزْقٌ مِنَ اللهِ رَزَقَهُ خُبَيْبًا. فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فِي الِحِلِّ، قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ: ذَرُونِي أَزْكَعْ رَكْعَتَيْنِ. فَتَرَكُوهُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنْ تَظُنُّوا أَنَّ مَا بِي جَزَعُ لَطَوَّلْتُهَا، اللَّهُمَّ أَخْصِهِمْ عَدَدًا، عَلَى أَيِّ شِقِّ كَانَ الله مَصْرَعِي ما أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأُ يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ فَقَتَلَهُ ابن الَحَارِثِ، فَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ سَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ لِكُلِّ أَمْرِئٍ مُسْلِم قُتِلَ صَبْرًا، فَاسْتَجَابَ اللهُ لِعَاصِمِ بْنِ ثَابِتِ يَوْمَ أُصِيبَ، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ◌ََّ أَصْحَابَهُ خَبَرَهُمْ وَمَا أُصِيبُوا، وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ كُفَّارٍ قُرَيْشٍ إِلَى عَاصِمِ حِينَ حُدِّثُوا أَنَّهُ قُتِلَ لِيُؤْتَوْا بِشَيْءٍ مِنْهُ يُغْرَفُ، وَكَانَ قَدْ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَبُعِثَ عَلَى عَاصِم مِثْلُ الظُّلَّةِ مِنَ الذَّبْرِ، فَحَمَتْهُ مِنْ رَسُولِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَقْطَعَ مِنْ لُحَمِهِ شَيْئًا. [٣٩٨٩، ٤٠٨٦، ٧٤٠٢ -فتح ٦ /١٦٥] حدثنا أَبُو الْيَمَانِ، أَنَا شُعَيْبٌّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ - وَهْوَ حَلِيفٌ لِبَنِي زُهْرَةَ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابٍ أَبِي هُرَيْرَةَ - أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ وَم عَشَرَةَ رَهْطٍ سَرِيَّةً عَيْنًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتِ الأَنْصَارِيَّ جَدَّ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بنِ الخطّابِ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْهَدَأَةِ وَهْوَ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ .. الحديث. وفيه قصة خبيب بكمالها، وهو من أفراده، وعند الدارقطني: قَالَ يونس -من رواية أبي صالح، عن الليث، عن يونس- وابن أخي الزهري وإبراهيم بن سعد: عُمر بن أبي سفيان(١) بضم العين. غير أن إبراهيم نسبه إلى جده فقال: عمر بن أسيد. قَالَ البخاري في (تاريخه)): الصحيح: عمرو (٢). (١) ((العلل)) ٥٨/٨. (٢) ((التاريخ الكبير)) ٣٣٦/٦ (٢٥٦٧). ٢٦٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالكلام علیه من وجوه : أحدها: هُذِه السرية تسمى سرية الرجيع. قَالَ ابن سعد: كانت في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا (١). وعن أبي هريرة وعاصم بن عمر قالا: قدم على رسول الله وَلقر رهط من عضل والقارة -وهم من الهُون ابنِ خُزيمة- فقالوا: يا رسول الله، إن فينا إسلامًا فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهونا ويقرءونا القرآن. فبعث معهم عشرة رهط: عاصم بن ثابت، ومَرْثد بن أبي مَرْثد، وعبد الله بن طارق، وخبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة، وخالد بن البكير، ومعتب بن عبيد - وهو أخو ابن طارق لأمه- وأمر عليهم عاصمًا وقال قائل: مرثد بن أبي مرتد(٢). وكذا في ((الإكليل))، قَالَ الواقدي: والرجيع على سبعة أميال من عسفان، حَدَّثَني موسى بن يعقوب عن أبي الأسود قَالَ: بعث رسول الله وَال أصحاب الرجيع عيونًا إلى مكة ليخبروه.(٣) وعند موسى بن عقبة كذلك عن الزهري قَالَ: وكانوا ستة. وفي ((الدلائل)) للبيهقي: بعث وَل عاصم بن ثابت إلى بني لحيان بالرجيع (٤)، وذكرها ابن إسحاق في صفر سنة أربع، وعدهم ستة، وأميرهم مرثد. وقال عبد الحق في ((جمعه)): إنها كانت في غزوة الرجيع، وكانت غزوة الرجيع بعد أحد. ثانيها: أسيد: بفتح الهمزة وكسر السين، وجارية: بالجيم. وقوله: (جد عاصم بن عمر). قَالَ الدمياطي بخطه: لم يكن جده وإنما كان خاله؛ لأن عاصم بن عمر بن الخطاب أمه جميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح، أخت عاصم بن ثابت، وكان اسمها عاصية فسماها رسول الله وَية جميلة. (١) ((الطبقات الكبرى)) ٥٥/٢. (٣) ((مغازي الواقدي)) ١٣٦/١. (٢) ((الطبقات الكبرى)) ٥٥/٢. (٤) ((دلائل النبوة)) ٣٣١/٣. ٢٦٧ = كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ وبنو لحيان من هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بكسر اللام، وحكى صاحب ((المطالع)) فتحها، وعند الدمياطي: إنهم من بقايا جرهم دخلوا في هذيل. وعن ابن دريد: اشتقاقه من اللَّخي من قولهم: لحيت العود ولَحَوْتُه إذا قشرته(١). و(الهدأة) -بفتح الهاء والهمزة- موضع بين عسفان ومكة. كما ذكر. وقوله: (فنفروا لهم قريبًا من مائتي رجل). هو بفتح الهاء، وكذا ضبطه الدمياطي، وضبطه بعض شيوخنا بتشديدها، وفي رواية: فنفر إليهم بقريب من مائة رجل بتخفيفها، فكأنه قَالَ: نفروا مائتي رجل، ولكن ما تبعهم إلا مائة. وفي رواية: فنفذوا. بالذال المعجمة. وقوله: (فاقتصوا آثارهم): أي: أتبعوها. قَالَ ابن التين: ويجوز بالسين. وقوله: (فلما رآهم عاصم). كذا هو في ((الصحيح)) و((شرح ابن بطال))(٢)، وذكره بعض الشراح بلفظ: فلما أحس ثم قَالَ: أي علم. وفي أبي داود: حس بغير ألف (٣). و(الفدفد) -بفاءين مفتوحتين بينهما دال مهملة ساكنة- وهو الموضع المرتفع الذي فيه غلظ وارتفاع. وقال ابن فارس: إنه الأرض المستوية(٤). وظاهر الحديث: أنه مكان مشرف تحصنوا فيه، ولأبي داود: قردد(٥)، بقاف مفتوحة ثم راء ساكنة ثم دال مفتوحة مهملة وأخرى مثلها، وهما سواء. (١) ((الاشتقاق)) ص١٧٦. (٣) ((سنن أبي داود)) (٢٦٦٠). (٤) ((مجمل اللغة)) ٢/ ٧٠١. (٥) ((سنن أبي داود)) (٢٦٦٠). (٢) ((شرح ابن بطال)) ٢٠٦/٥. ٢٦٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ثالثها: الثالث الذي قَالَ: (هذا أول الغدر) سماه ابن إسحاق: عبد الله بن طارق(١)، بدري، وقتله هؤلاء رميًا بالحجارة بالظهران، وكان خبيب قتل الحارث بن عامر يوم بدر، كما ذكره البخاري، وهو بضم الخاء المعجمة، ذكره البخاري وغيره في البدريين، وقال الدمياطي: إن الحارث بن عامر إنما قتله خبيب بن يساف بن عيينة ببدر، لأن خبيب بن عدي لم یشهد بدرًا. وقوله: (فابتاع خبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف). وقال ابن إسحاق: أبتاع خبيبًا حجير بن أبي إهاب - أخو الحارث - لأنه أبتاعه لعقبة بن الحارث ليقتله بأبيه(٢)، وقيل: اشترك في أبتياعه أبو إهاب بن عزيز وعكرمة بن أبي جهل والأخنس بن شريق وعبيدة بن حكيم بن الأوقص وأمية بن أبي عتبة وبنو الحضرمي وصفوان بن أمية، وهم أبناء من قتل من المشركين ببدر، ودفعوه إلى عقبة فسجنه حَتَّی أنقضت الأشهر الحرم فصلبوه بالتنعيم، فكان أول من صلب في ذات الله وأول من صلى ركعتين عند القتل، وقيل: زيد بن حارثة (يعني: أن زيد بن حارثة أول من سن ركعتين على قول)(٣) حين أراد المكري الغدر به فيما ذكر في ((مرشد الزوار))(٤). والدثنة -بدال مهملة مفتوحة ثم ثاء مثلثة مكسورة وساكنة ثم نون مفتوحة- قتله صفوان بن أمية بأبيه. (١) أنظر ((سيرة ابن هشام)) ١٦٤/٣. (٢) أنظر في ((سيرة ابن هشام)) ١٦٤/٣. (٣) من (ص١). (٤) ورد بهامش الأصل: قصة زيد بمكة قبل هذه القصة، وقد رواها أبو عمر في ((استيعابه)) بسنده إلى الليث بن سعد قال: بلغني أن زيد بن حارثة، فذكر القصة. ٢٦٩ - كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ وقوله: (فأخبرني عبيد الله بن عياض [أن بنت الحارث أخبرته) القائل: (فأخبرني عبيد الله)](١) هو الزهري كما نبه عليه الدمياطي، لا كما قاله بعض الشراح أنه عمرو، وعبيد الله هذا: هو القاري من القارة، تابعي، ولم يذكره أحد في رجال البخاري كما أدعاه الدمياطي، نعم ذكره المزي، وهو والد محمد(٢)، وسمَّى ابن إسحاق ابنة الحارث ماوية. وقيل: مارية. وهي مولاة حجر بن أبي إهاب، وكانت زوج عقبة بن الحارث، وسماها ابن بطال جويرية(٣)، وفي ((معجم البغوي)): هي ماوية بنت حجير بن أبي إهاب (٤). وللواقدي: هي مولاة بني عبد مناف(٥). قَالَ الحميدي في ((جمعه)): رواية عبيد الله عنها هنا إلى قوله: (فلما خرجوا به من الحرم)(٦)، والابن الذي خيف عليه من الموسى هو أبو الحسين بن الحارث بن عامر بن نوفل، وهو جد عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي شيخ مالك. وجاء (واقتلهم بددا)، هو بفتح الباء الموحدة، والبدد: التفرق. قَالَ السهيلي: ومن رواه بكسر الباء فهو جمع بدة(٧)، وهي: الفرقة والقطعة من الشيء المتبدد، ونصبه على الحال من المدعو، وبالفتح مصدر. و(المصرع): موضع سقوط الميت، و(الشِّلْو): العضو من اللحم. وعن الخليل أنه الجسد من كل شيء(٨). قَالَ صاحب ((المطالع)): وهو متعين هنا -يعني أعضاء جسد- إذ لا يقال: أعضاء عضو. (١) من (ص١). (٣) ((شرح ابن بطال)) ٥/ ٢٠٨. (٥) («مغازي الواقدي)) ٣٥٤/١. (٧) ((الروض الأنف)) ٤/ ٢٣٧. (٢) ((تهذيب الكمال)) ١٣٩/١٩. (٤) ((معجم الصحابة)) ٢/ ٢٦٥. (٦) ((الجمع بين الصحيحين)) ٢٥٤/٣. (٨) ((العين)) ٢٨٤/٦، مادة: شلو. ٠ ٢٧٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - و(الأوصال): جمع وصل. قاله الداودي، والممزع - بضم الميم وبالزاي وعين مهملة - المفرق ويروى أن الذي قتل خبيبًا هو أبو سروعة بكسر السين وقيل بفتحها، وفتح الراء وقيل بضمها، وقيل: إنه عقبة بن الحارث وقيل: أخوه، وكلاهما أسلم بعد ذلك، وكان عاصم قتل يوم أحد فتيين من بني عبد الدار أخوين، أمهما سلافة بنت سعد بن (شهيد)(١)، وهي التي نذرت إن قدرت على قحف عاصم لتشربن فيه الخمر. و(الظلة): السحابة. وقيل: هي كل ما غطى وستر. وقال القزاز: ما يستظل به من ثوب أو شجر. و(الدبر): الزنابير، واحدها دبرة. وقال ابن فارس: هي النحل، وجمعه دبور(٢). وقال ابن بطال: الدبر: جماعة النحل لا واحد لها، وكذلك الثَّوْلُ والخشرم ولا واحد لشيء منها، كما يقال لجماعة الجراد: رجل، ولجماعة النعام: خيط، ولجماعة الظباء: إجل، وليس بشيء (من)(٣) ذَلِكَ واحد (٤). ولم يرع ذَلِكَ المشركين وصدهم اللهو كما سبق في علم الله، والشعر الذي أنشده خبيب قَالَ ابن هشام في ((السيرة)): أكثر أهل العلم بالشعر ينكرها له(٥). رابعها: في فوائده، فيه: أنه جائز أن يستأسر الرجل إذا أراد أن يأخذ برخصة الله في إحياء نفسه، كما فعل خبيب وصاحباه، وقال (١) في (ص): سهيل. (٢) ((مجمل اللغة)) ٣٤٥/١، مادة: دبر. (٣) من (ص١). (٤) ((شرح ابن بطال)) ٢٠٩/٥. (٥) ((سيرة ابن هشام)) ١٦٩/٣، وفيه: بعض أهل العلم. ٢٧١ = كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ الحسن البصري: لا بأس أن يستأسر الرجل إذا خاف أن يغلب. وقال الأوزاعي: لا بأس بالأسير المسلم أن يأبى أن يمكن من نفسه ويمد عنقه للقتل(١). وفيه: الأخذ بالشدة والإنابة من الأسر والأنفة من أن يجري عليه ملك كافر، كما فعل عاصم، وأحد صاحبي خبيب حين أَبَى من السير معهم حَتَّى قتلوه. وقال الثوري: أكره للأسير المسلم أن يمكن من نفسه إلا مجبورا. وفيه أستنان الركعتين لكل من قتل صبرًا. وفيه: استنان الاستحداد لمن أسر ولمن يقتل، والتنظيف لمن يضيع بعد القتل لئلا يطلع منه على قبح عورة. وفيه: أداء الأمانة إلى المشرك وغيره، وفيه: التورع من قتل أطفال المشركين؛ رجاء أن يكونوا مؤمنين. وفيه: الأمتداح بالشعر في حين ينزل بالمرء هوان في دين أو ذلة ليسلي بذلك نفسه ويرغم بذَلِكَ أنف عدوه ويجدد في نفسه صبرًا وأنفة. وأما قولها: (يأكل من قطف عنب وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمر، وكانت تقول: إنه لرزق من الله رزقه خبيبًا). قَالَ ابن بطال: هذا ممكن أن يكون آية لله على الكفار وبرهانًا لنبيه، وتصحيحًا لرسالته عند الكافرة وأهل بلدها الكفار؛ من أجل ما كانوا عليه من تكذيب رسول الله وَير، وأما من يدعي اليوم مثل هذا بين ظهراني المسلمين، فليس له وجه. إذ المسلمون كلهم قد دخلوا في دين الله أفواجًا وآمنوا بمحمد وأيقنوا به، فأي معنى لإظهار آية عندهم؟ وعلى ما يستشهد (١) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٣١٧/٣. ٢٧٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - بها فيهم؛ لأنه قد يشك المرتاب ومن في قلبه جهل، فيقول: إذا جاز ظهور هذه الآيات من غير نبي، فكيف يصدقها من نبي وغيره يأتي بها؟ فلو لم يكن في رفع هذِه إلا رفع الريب عن قلوب أهل التقصير والجهل؛ لكان قطع الذريعة واجبًا والمنع منها لازمًا لهُذِه العلة، فكيف ولا معنى لها في الإسلام بعد تأصله، وعند أهل الإيمان بعد تمكنه؟ إلا أن يكون من ذَلِكَ مالا يخرق عادة، ولا يقلب عينا، ولا يخرج عن معقول البشر، مثل أن يكرم الله عبدًا بإجابة دعوة من حينه في أمر عسير وسبب ممتنع ودفع نازل، وشنعة قد أضلت فيصرفها بلطفه عن وليه، وهذا ومثله مما يظهر فيه فضل الفاضل وكرامة الولي عند ربه، قَالَ: وقد أخبرني أبو عمران الفقيه الحافظ بالقيروان أنه وقف أبا بكر بن الطيب الباقلاني على تجويزه لهذه المعجزات، فقال له: أرأيت إن قالت لنا المعتزلة: إن برهانًا على تصحيح مذهبنا وما ندعيه من المسائل المخالفة فحكم ظهور هذه الآية على يدي رجل صالح منا؟ قَالَ أبو عمران: فأطرق عني ومطلني بالجواب، ثم أقتضيته في مجلس آخر فقال لي: كل ما أعترض من هذِه الأشياء شيئًا من الدين أو السنن، أو ما عليه صحيح العلم فلا يقبل أصلًا على أي طريق جاء. فهذا آخر ما رجع إليه ابن الطيب. وأما حماية الله عاصمًا من الدبر فلئلا ينتهك حرمته عدوه، فهذِه الكرامة التي تجوز، مثل ذَلِكَ غير منكر؛ لأن الله تعالى حماه على طريق العادات، ولم يكن قلب عين ولا خرق عادة، هذا وشبهه جائز. وفيه: علامة من علامات النبوة بإجابة دعوة عاصم بأن أخبر الله نبيه بالخبر قبل بلوغه على ألسنة المخلوقين(١). (١) ((شرح ابن بطال)) ٢٠٨/٥-٢٠٩. ٠٠ ٢٧٣ ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ ١٧١ - باب فَكَاكِ الأَسِيرِ فِيهِ عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ. ٣٠٤٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى عُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((فُكَّوا العَانِيَ - يَغْنِي: الأَسِيرَ - وَأَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ)). [٥١٧٤، ٥٣٧٣، ٥٦٤٩، ٧١٧٣ -فتح ٦ / ١٦٧] ٣٠٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ، أَنَّ عَامِرًا حَدَّثَهُمْ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﴿ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيّ ◌َ﴾: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٍ مِنَ الوَحِْي إِلَّ مَا فِي كِتَابٍ اللهِ؟ قَالَ: وَالَّذِي فَلَقَ الَحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا أَعْلَمُهُ إِلَّ فَهْمَا يُغْطِيهِ اللهَ رَجُلًا فِي القُرْآنِ، وَمَا فِي هذِهِ الصَّحِيفَةِ. قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. [انظر: ١١١ - مسلم: ١٣٧٠ -فتح ٦ / ١٦٧] ثم ذكر حديث أَبِي مُوسَىْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: «فُكُوا العَانِيَ -يَعْنِي: الأَسِيرَ - وَأَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ)). وحديث أَبِي جُحَيْفَةَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ عَُّ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنَ الوَحْي إِلَّا مَا فِي كِتَابِ اللهِ؟ قَالَ: وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللهُ رَجُلًا فِي القُرْآنِ، وَمَا فِي هُذِهِ الصَّحِيفَةِ. قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ گافِرٍ. هذا الحديث من أفراده، وقد سلف في كتاب العلم، ويأتي في الديات أيضًا(١)، وفكاك الأسير فرض كفاية لهذا الحديث وعلى هذا كافة العلماء. (١) سيأتي برقم (٦٩٠٣) باب العاقلة. ٢٧٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قَالَ: فكاك كل أسير من أسرى المسلمين من بيت المال(١). وبه قَالَ إسحاق، وروي عن ابن الزبير أنه سأل الحسن بن علي عن فكاك الأسير قَالَ: على أهل الأرض التي يقاتل عليها (٢). وروى أشهب وابن نافع، عن مالك أنه سُئل: أواجب على المسلمين أفتداء من أسر منهم؟ قَالَ: نعم، أليس واجبًا عليهم أن يقاتلوا حَتَّى يستنقذوهم، فكيف لا يفدونهم بأموالهم(٣)؟ وعن أحمد: يفادون بالرءوس، وأما بالمال فلا أعرفه (٤). والحديث وهو ( ((فكوا العاني)) ) عمومٌ في كل ما يفادى به، فلا معنى لقول أحمد، وقد قَالَ عمر بن عبد العزيز: إذا (خرج)(6) الذمي بالأسير من المسلمين فلا يحل للمسلمين أن يردوه إلى الكفر ليفادوه بما أستطاعوا. قَالَ تعالى: ﴿وَإِن يَأْتُكُمْ أُسَرَىْ تُفَدُوهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]. وإطعام الجائع فرض على الكفاية أيضًا، ألا ترى لو أن رجلًا يموت جوعًا وعندك ما تُجِيبُه به، بحيث لا يكون في ذَلِكَ الموضع أحد غيرك فقد تعين الفرض عليك في إحياء نفسه وإمساك رمقه، فإذا ارتفعت حال الضرورة كان ذَلِكَ ندبًا، وسيأتي شيء منه في الأطعمة إن شاء الله. وعيادة المريض سنة متأكدة، ويحتمل كما قَالَ ابن بطال أن يكون فرض كفاية أيضًا. (١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٥٠١/٦ (٣٣٢٥١). (٢) المصدر السابق. (٣) ((النوادر والزيادات)) ٣٠١/٣. (٤) انظر: ((الكافي)) ٤٨٥/٥. (٥) في (ص): أُخرِج. ٢٧٥ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَدِ = وأما يمين علي أن ما عنده إلا كتاب الله أو فهمًا يعطيه الله رجلًا، ففيه دلالة على صحة قول مالك: ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما هو نور وفهم يضعه الله في قلب من يشاء. فمن أنكر هذا على مالك فلينكره على علي. وفيه: أن كتاب الله أصل العلم وأن الفهم عنه وعن الحديث المبين له. وقوله: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة). هو من أيمان العرب. قَالَ أبو عبيدة: (فلق الحب): شقها في الأرض حَتَّى تنبت ثم أثمرت، فكان منها حب كثير، وكل شيء شققته باثنين فقد فلقته. ومنه قوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىَّ﴾ [الأنعام: ٩٥] و(النسمة): كل ذات نفس فهي نسمة، سميت بذلك لتنسمها الهواء، وبرأ الله الخلق: (١) برأ خلقهم (١). (١) ((شرح ابن بطال)) ٢١٠/٥-٢١١. ٢٧٦ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٧٢- باب فِدَاءِ المُشْرِكِينَ ٣٠٤٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكِ هِ أَنَّ رِجَالاً مِنَ الأَنَّصَارِ أَسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللهِ بِّهِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتْذَنْ فَلْنَتْرُكْ لائْنِ أَحْتِنَا عَبَّاسِ فِدَاءَهُ. فَقَالَ: (لَا تَدَعُونَ مِنْهَا دِرْهَمًا)). [انظر: ٢٥٣٧ -فتح ١٦٧/٦] ٣٠٤٩ - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أُنِيَ النَّبِيُّ بِمَالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ، فَجَاءَهُ العَبَّاسُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطِنِي فَإِّ فَادَيْتُ نَفْسِي، وَفَادَيْتُ عَقِيلًا. فَقَالَ: ((خُذْ)). فَأَعْطَاهُ فِي تَوْبِهِ. [انظر: ٤٢١ - فتح ٦/ ١٦٧] ٣٠٥٠ - حَدَّثَنِي مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ - وَكَانَ جَاءَ فِي أُسَارِى بَدْرٍ - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َّ يَقْرَأُ فِي المغْرِبِ بِالطّورِ. [انظر: ٧٦٥ - مسلم: ٤٦٣ -فتح ٦ /١٦٨] ذكر فيه حديث مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عن أَنَسٍ أَنَّ رِجَالًا مِنَ الأَنْصَارِ أُسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللهِ وَلَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْذَنْ لَنَا فَلْنَتْرُكْ لاِبْنِ أُخْتِنَا العَبَّاسِ فِدَاءَهُ. فَقَالَ: ((لَا تَدَعُونَ مِنْهُ دِرْهَمًا» وَقَالَ أَنَسُِّ: أَتِيَ النَّبِيُّ بَّهِ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَجَاءَهُ العَبَّاسُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطِنِي فَإِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي، وَفَادَيْتُ عَقِيلًا. قَالَ: ((خُذْ)). فَأَعْطَاهُ فِي ثَوْبِهِ. وحديث جُبَيْرٍ بن مطعم - وَكَانَ جَاءَ فِي أُسَارىْ بَدْرٍ - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َهِ يَقْرَأْ فِي المَغْرِبِ بِالطُّورِ. ٢٧٧ ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ وحديث أنس الأول من أفراده. قَالَ الإسماعيلي: ولم يسمع موسى بن عقبة من ابن شهاب شيئًا(١). والحديثان بعده سلفا في الصلاة(٢). والعباس أسر يوم بدر وكان غنيًّا فندى نفسه من القتل، وفدى عقيلًا بمال، ثم بقي على حاله بمكة إلى زمن خيبر، وقيل: إنه أسلم سنة ثمان قبل الفتح، وإنما سأل الأنصار الذين أسروا العباس أن يتركوا فداءه لمكان عمومته من رسول الله ﴿ ﴿ إكرامًا له بذلك فأبى نَ ◌ّ مِن ذَلِكَ، وأراد توهين المشركين بالغرم، وأن يضعف قوتهم بأخذ المال منهم، وقيل: إنه كان تداين في ذَلِكَ العباس وبقي عليه الدين إلى وقت إسلامه. وكذلك قَالَ للنبيِ رَّ: أعطني فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلا، فغرم ◌َّ ما يحمله العباس من ذَلِكَ بعد إسلامه مما أفاء الله على رسوله. والترجمة صحيحة في جواز مفاداة المشركين من أيدي المسلمين وأن ذَلِكَ مباح بعد الإثخان، ومفاداة العباس لنفسه ولعقيل كان قبل الإثخان؛ فعاتب الله نبيه على ذَلِكَ، فلا تجوز المفاداة إلا بعد الإثخان وقلة قوة المشركين على المسلمين، أو لوجه من وجوه الصلاح يراه الإمام للمسلمين في ذَلِكَ. قاله ابن بطال. (١) ورد بهامش الأصل: تعقبه ذلك العلائي في ((مراسيله))؛ فقال: وذلك بعيد؛ لأن البخاري لا يكتفي بمجرد إمكان اللقاء، ولم أر من ذكر موسى بن عقبة بالتدليس. أنتهى. وإني أيضًا أستبعد أن لا يكون سمع منه أيضًا؛ لأنه بَلَدِيُّه وفي عصره، والله أعلم. (٢) حديث أنس سلف برقم (٤٢١) باب التسمية وتعليق القنو في المسجد، وحديث جبير بن مطعم سلف برقم (٧٦٥) كتاب الأذان، باب الجهر في المغرب. ٢٧٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وكذلك حديث جبير بن مطعم فيه: جواز فداء أسرى المشركين؛ لأن جبيرًا جاء في فداء أسارى بني نوفل رهطه، فأطلقوا له بالفداء، وكان ذَلِكَ قبل الإثخان أيضًا، وقد سلف اختلاف العلماء في فداء الأسرى أو المن عليهم أو قتلهم في باب: فإما منا بعد وإما فداء(١). وقال ابن أبي صفرة: لم يأذن الشارع للأنصار في أسرى بدر لكفرهم وشدة وطأتهم، ألا ترى أنه عوتب في الفداء حَتَّى يثخن في الأرض، فكيف يأذن في تركه حَتَّى يثخن أدبًا لهم، وإن كانت الأنصار قد طابت أنفسها، وشفع لأهل هوازن للرضاع الذي كان له فيهم، كما منَّ على أهل مكة بإسلامهم، وترك مكة بما فيها من جميع الأموال للرحم (٢). (١) سلف بعد حديث (٣٠١٧). (٢) ((شرح ابن بطال)) ٢١٢/٥-٢١٣. ٢٧٩ ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ ١٧٣ - باب الحَرْبِيّ إِذَا دَخَلَ دَارَ الإِسْلَامِ بِغَيْرٍ أَمَانٍ ٣٠٥١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ◌َّهُ عَيْنٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ ثُمَّ أَنْفَتَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َةِ: ((اطْلُبُوهُ وَاقْتُلُوهُ)). فَقَتَلَهُ، فَتَقَّلَهُ سَلَبَهُ. [مسلم: ١٧٥٤ -فتح ٦ /١٦٨] ذكر فيه حديث سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ﴾ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ نَّهَ عَيْنٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَهْوَ فِي سَفَرٍ، فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ ثُمَّ أَنْفَتَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((اطْلُبُوهُ وَاقْتُلُوهُ)). فَقَتَلْتُهُ، فَنَفَّلَنِ سَلَبَهُ. هذا الحديث أخرجه مسلم، وفيه: غزونا مع رسول الله ﴾ هوازن يعني حنينا. فذكره، وفي آخره: فقال: ((من قتل الرجل؟» قالوا: ابن الأكوع. قَالَ: ((له سلبه أجمع)) وللإسماعيلي: ((على الرجل فاقتلوه)) فابتدره القوم، وفي رواية: ((من قتله فله سلبه)). قَالَ ابن المنير: ترجمة الباب أعم؛ لأن الجاسوس حكمه غير حكم الحربي المطلق الداخل بغير أمان(١). أما فقه الباب ففيه: قتل الجاسوس الحربي، وعليه جماعة العلماء، وفيه: طاعة الشارع. وفيه: نفل الأسلاب، ويأتي بيانه. واختلف في الحربي يدخل دار الإسلام بغير أمان، فقال مالك: هو فيء لجميع المسلمين(٢)، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: لمن وجده (٣). وقال الشافعي: هو فيء إلا أن يسلم قبل الظفر (١) ((المتواري)) ص١٧٦. (٢) أنظر: ((المدونة)) ٣٧٢/١-٣٧٣، ((مواهب الجليل)) ٤/ ٥٦٢. (٣) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٤٧/٣. ٢٨٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = به.(١) وظاهر الحديث يدل أنه لمن وجده؛ لأنه وَّ إنما أعطى سلبه لسلمة وحده؛ لأنه كان وجده، ومن قَالَ: إنه فيء فلأنه مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، خرج من باب المغانم إلى باب الفيء، والفيء للإمام يصنع فيه ما شاء حيث شاء، ومن قَالَ: إنه لمن وجده حكم له بحكم الغنائم أنها لمن أخذها بعد الخمس، وهو القياس كما قَالَ الطحاوي، وفيه الخمس؛ لأنه لم يؤخذ بقوة من المسلمين. واختلفوا في الحربي يدخل دار الإسلام ويقول: جئت مستأمنًا. فقال مالك: الإمام مخير في ذَلِكَ يرى رأيه فيه (٢)، وهو قول الأوزاعي. وقال أبو حنيفة: هو فيء(٣). وروى ابن وهب عن مالك في مركب تطرحه الريح إلى ساحل المسلمين، فيقولون: نحن تجار، إنهم فيء ولا يخمسون (٤). واحتج الشافعي بحديث سلمة بن الأكوع في أن السلب من رأس الغنيمة(٥). قَالَ ابن القصار: وسلمة إنما كان مستحقًا لكل الغنيمة إلا الخمس منها؛ لأنه لم يكن من جملة عسكر، وإنما أتبعه وحده، فله ما أخذ منه غير الخمس، فترك الشارع له الخمس زيادة على الأربعة أخماس التي له، قَالَ: وهذا يجوز عندنا كما لو رأى الحط في رد الخمس في وقت من الأوقات على الغانمين بفعل؛ لأن الخمس إليه يصرفه على ما يؤدي إليه اجتهاده، فلا دليل لهم في الحدیث. (١) ((التهذيب)) ١٥٦/٥ -١٥٧. (٣) أنظر: ((مختصر الطحاوي)) ص٢٩٢. (٤) ((المدونة)) ٣٧٣/١. (٥) ((الأم)) ٦٦/٤. (٢) ((المدونة)) ٣٧٣/١.