Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = يَا عَدُوَّ اللهِ، إِنَّ الذِينَ عَدَدْتَ لأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ، وَقَدْ بَقِيَ لَكَ مَا يَسُوءُكَ. قَالَ: يَوْمٌ بِيَوْمٍ بَدْرٍ، وَالْحزبُ سِجَالٌ، إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِ القَوْمِ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا، وَلَمْ تَسُؤْنٍ. ثُمَّ أَخَذَّ يَرْتَجِزُ: أُعْلُ هُبَلْ، أُعْلُ هُبَلْ. قَالَ النَّبِيُّ وَله: ((أَلَا تُجِيبُوا لَهُ؟)). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا نَقُولُ؟ قَالَ: ((قُولُوا: أللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ)). قَالَ: إِنَّ لَنَا العُزىُ، وَلَا عُزىُ لَكُمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((أَلَا تُجِيبُوا لَهُ)). قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا نَقُولُ؟. قَالَ: ((قُولُوا: أللهُ مَوْلَانَا، وَلَا مَوْلَى لَكُمْ)). [٣٩٨٦، ٤٠٤٣، ٤٠٦٧، ٤٥٦١ -فتح ٦ / ١٦٢] ذكر فيه حديث أبي موسى : بَعَثَ النبيِ نَّهِ مُعَاذَا وَأَبَا مُوسَى إِلَى اليَمَنِ، قَالَ: ((يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرًا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرًا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا)). وحديث البَرَاءِ: جَعَلَ النَّبِيُّ وَ لّ عَلَى الرَّجَالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ - وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا - عَبْدَ اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ فَقَالَ: ((إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ فَلَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هذا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ .. )) الحديث بطوله. الشرح : التنازع هو الاختلاف، وهو سبب الهلاك في الدنيا والآخرة؛ لأن الله ممت قد عبر في كتابه بالخلاف الذي قضى به على عباده عن الهلاك في قوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينٌ﴾ [هود: ١١٨] ثم قَالَ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، فقال: خلقهم للخلاف. وَقَالَ آخرون: خلقهم ليكونوا فريقين في الجنة وفي السعير من أجل اختلافهم. وهذا كثير في القرآن، وقد أخبر تعالى أن مع الخلاف يكون الفشل، وهو الخذلان والضعف والكسل، فيتمكن العدو من المخالفين؛ لأنهم كانوا مدافعين كلهم دفاعًا واحدًا فصار بعضهم يدافع بعضًا، فتمكن العدو. وفي حديث عبد الله بن جبير معاقبة الله تعالى على الخلاف، وعلى ترك الائتمار لرسوله والوقوف عند قوله، كما قَالَ تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] الآية. ٢٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = والريح: القوة. وقال أبو إسحاق: فشل إذا هاب أن يتقدم جبنا. نصركم(١). وقيل معناه: دولهم. وقال مجاهد: وبعثه معاذًا وأبا موسى فيه تأمير أفاضل الصحابة وتولية العلماء. ومعنى: (((يسرا))) خذا بما فيه التيسير. ومعنى: (((لا تنفرا))) لا تقصدا إلى ذكر ما فيه الشدة، و(((تطاوعا)) ): تحابا. وفي قوله: ( ((تخطفنا الطير))) دلالة على جواز الإغياء في الكلام. قَالَ الخطابي: وهو مَثَلٌ يريد به الهزيمة، يقول: إن رأيتمونا قد زلنا عن مكاننا وولينا منهزمين فلا تبرحوا أنتم، وهذا كقوله: فلان ساكن الطير. إذا كان وقورًا هادئًا، وليس هناك طير، وأيضًا فالطير لا يقع إلا على الشيء الساكن، ويقال للرجل إذا أسرع وخف: قد طار طيره(٢). وقال الداودي: معناه إن قتلنا وأكلت الطيور لحومنا فلا تبرحوا مكانكم. قَالَ: وفيه دليل أنه يريد أصحابه دونه؛ لأنه إن قتل لم يبق من تلبثون لمقامه. و(الرجالة) جمع راجل، وهم من لا خيل لهم. ومعنى: ((أوطأناهم)» مشينا عليهم وهم قتلى بالأرض. ومعنى (يشددن): يعدون. وفي نسخة: (يشردن). وفي رواية أبي الحسن (يسندن). أي: يمشين في سند الجبل یردن رُقِیَّهُ. وفيه: بيان أنه لم ينهزم كل أصحابه، ونهيه عن جواب أبي سفيان تصاون عن الخوض فيما لا فائدة فيه، وعن خصام مثله أيضًا، وإجابة عمر بعد نهيه إنما هي حماية للظن برسول الله وَّيقول أنه قتل، (١) ((تفسير الطبري)) ٦/ ٢٦١ (١٦١٧٨). (٢) ((أعلام الحديث)) ١٤٣٣/٢. ٢٤٣ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ وأن بأصحابه الوهن، فليس في هذا عصيان له في الحقيقية، وإن كان في الظاهر، فهو مما يؤجر به، وأمره وَليه لجوابه؛ لأنه بُعث بإعلاء كلمة الله وإظهار دينه، فلما سمع هذا الكلام لم يسعه السكوت عنه حَتَّى يعلي كلمة الله، ثم عرفهم في جوابه أنهم يُقرون أن الله أعلى وأجل؛ لقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اَللَّهِ زُلْفَ﴾ [الزمر: ٣] فلم يراجعه أبو سفيان ولا نقض عليه كلامه اعترافًا بما قَالَ، فلما ذكر العزى أمر وَالر بمجاوبته، وعرف في جوابه أنها ومثلها من الأصنام لا موالاة لها ولا نصر، فعرف أن النصر من عند الله وأن الموالاة والنصر لا تكون من الأصنام فبكته بذلك ولم يراجعه. وقوله: (قد بدت خلاخلهن وأسوقهن). أي ظهرت، وأسوق: جمع ساق، وضبطه بهمز الواو على معنى أن الواو إذا أنضمت جاز همزها. وفيه: جواز النظر إلى أَسْوُق المشركات ليعلم حال القوم لا لشهوة. وقوله: (فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم). أي: آخرهم قاله أبو عبيد. وقوله: (قد بقي لك ما يسوؤك) إرهاب عليه لما ظن به الوقيعة، وكسر شوكة الإسلام، وأنه قد مضى الرسول وسادة أصحابه، فعرفه أنهم أحياء، وأنه قد بقي له ما يسوؤه، يعني: يوم الفتح. وقوله: (فأصابوا منا سبعين). قَالَ غيره: خمسة وستون، منهم أربعة من المهاجرين. وقال مالك: قتل من الأنصار سبعون، ومن المهاجرين أربعة. وقوله: (وكان النبي ◌َّه وأصحابه أصاب من المشركين سبعين أسيرًا وسبعين قتيلًا). ذكر الشيخ أبو محمد في ((جامع مختصره)) أنه قتل من ٢٤٤ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح المشركين يوم بدر خمسون. وقال مالك: كان الأسرى شبهًا بمن كان قتل من المشركين أربعة وأربعون رجلًا. وقول عمر لأبي سفيان: (كذبت والله يا عدو الله) فيه: قلة صبر عمر عند قول الباطل، وقد نهى(١) الشارع عن جواب أبي سفيان، لكن عمر لم يرد العصيان كما سلف، وإنما أنكر قول الباطل. وروي أن أبا سفيان لما أجابه عمر قَالَ له: أنشدك الله أمحمد حي؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نعم، وهو ذا يسمعك. قَالَ: أنت أصدق عندنا من ابن قمئة. وكان ابن قمئة قَالَ لهم: قتلته. وقوله: (الحرب سجال) أي: دُوَلًا، مرة لهؤلاء ومرة لهؤلاء، وأصله أن المستقين بالسجل -وهو الدلو - يكون لكل واحد منهم سجال. وقوله: (ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني). يعني: أنهم جدعوا أنوفهم وشقوا بطونهم، وكان حمزة مثل به. وقوله: (لم آمر بها). قَالَ الداودي: يعني أنه لا يأمر بالأفعال الخبيثة التي ترد على فاعلها نقصًا. وقوله: (لم تسؤني): یرید إنكم عدوي، وقد كانوا قتلوا ابنه(٢) يوم بدر، وخرجوا لينالوا العير التي كان بها، فوقعوا في كفار قريش وسلمت العير. وقوله: (أُعْلُ هُبَل) يريد صنمًا لهم أي: علا حزبك، وفي رواية: أعلى(٣) هبل أرق الجبل. يعني: علوت حَتَّى صرت كالجبل العالي، (١) ورد في هامش الأصل: لم ينه الشارع عمر عن جوابه في هذِه المرة. (٢) ورد في هامش الأصل: يعني حنظلة. (٣) كذا بالأصل، وفي ((المنحة)) ضبطها شيخ الإسلام زكريا الأنصاري بـ (فتح الهمزة وسكون المهملة). ٢٤٥ ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ ذكرها الداودي، قَالَ: ويحتمل أن يريد بقوله: أرق الجبل تعيير المسلمين حين أنحازوا إلى الجبل. و(العزى): صنم كانوا يعبدونه، قاله الضحاك وأبو عبيد، وجزم به ابن التين وابن بطال(١)، وقال غيرهما: هي شجرة لغطفان كانوا يعبدونها. وروى أبو صالح عن ابن عباس قَالَ: بعث رسول الله وَاله خالد بن الوليد إلى العزى يقطعها. والمولى: الناصر، فإن قلت: قوله: ((الله مولانا ولا مولى لكم)) أليس الله تعالى مولى الخلق كلهم؟ قلتُ: المولى هنا بمعنى الولي، والله تعالى يتولى المسلمين بالنصر والإعانة ويخذل الكفار، نبه عليه ابن الجوزي. (9 (١) ((شرح ابن بطال)) ١٩٦/٥. ٢٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ١٦٥ - بابَّ إِذَا فَزِعُوا بِاللَّيْلِ ٣٠٤٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَسِ عَُّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ. قَالَ: وَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ المَدِينَةِ لَيْلَةَ، سَمِعُوا صَوْتًا. قَالَ: فَتَلَقَّهُمُ النَّبِيُّ ◌َلِّ عَلَى فَرَسِ لِأَبِي طَلْحَةَ عُزي، وَهْوَ مُتَقَلِّدٌ سَيْفَهُ، فَقَالَ: (لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا)). ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((وَجَدْتُّهُ بَحْرًا)). يَغْنِي: الفَرَسَ. [انظر: ٢٦٢٧ - مسلم: ٢٣٠٧ -فتح ٦ /١٦٣] ذكر فيه حديث أَنَسٍ ﴾، في ركوبه العَيْ فرس أبي طلحة عُريًا ، وقد سبق غير مرة. ٢٤٧ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ ١٦٦ - باب مَنْ رَأى العَدُوَّ فَنَادى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا صَبَاحَاْ. حَتَّى يُسْمِعَ النَّاسَ. ٣٠٤١ - حَدَّثَنَا الَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ قَالَ: خَرَجْتُ مِنَ المَدِينَةِ ذَاهِبًا نَحْوَ الغَابَةِ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِثَنِيَّةِ الغَابَةِ لَقِيَنِي غُلَامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قُلْتُ: وَيُحَكَ! مَا بِكَ؟ قَالَ: أُخِذَتْ لِقَاحُ النَّبِيِّ نََّ. قُلْتُ: مَنْ أَخَذَهَا؟ قَالَ: غَطَفَانُ وَفَزَارَةُ. فَصَرَخْتُ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ أَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لَبَتَيْهَا: يَا صَبَاحَاه، يَا صَبَاحَاه. ثُمَّ أَنْدَفَعْتُ حَتَّى أَلْقَاهُمْ، وَقَدْ أَخَذُوهَا، فَجَعَلْتُ أَزْمِيهِمْ وَأَقُولُ: أَنَا ابن الأَكْوَع وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ فَاسْتَنْقَذْتُهَا مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبُوا، فَأَقْبَلْتُ بِهَا أَسُوقُهَا، فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ ◌ََّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ القَوْمَ عِطَاشٌْ، وَإِّي أَعْجَلْتُهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا سِقْيَهُمْ، فَابْعَثْ فِي إِثْرِهِمْ، فَقَالَ: ((يَا ابن الأَْوَعِ، مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ، إِنَّ القَوْمَ يُقْرَوْنَ فِي قَوْمِهِمْ)). [٤١٩٤ - مسلم: ١٨٠٦ -فتح ٦ / ١٦٤] ذكر فيه بإسناده الثلاثي: حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بن الأكوعِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ .. فذكر قصته في الغابة. وهي غزوة ذي قرد بفتح القاف والراء، وبالدال المهملة، ويقال: بضمتين. وقال السهيلي: كذا ألفيته مقيدًا عن أبي علي. والقرد في اللغة: الصوف الرديء(١)، وهو على نحو من يوم من المدينة. قَالَ ابن سعد: والغابة على يوم من المدينة في طريق الشام، كانت في شهر ربيع الأول سنة ست(٢). (١) ((الروض الأنف)) ٤/ ١٤. (٢) ((الطبقات الكبرى)) ٢/ ٨٠. ٢٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيرهما قالوا: لما قدم النبي ◌َّ من بني لحيان لم يقم بعد قدومه إلا ليالي حتى أغار عيينة، وكان خرج إلى بني لحيان في جمادى الأولى. وقال البخاري: إنها قبل خيبر بثلاثة أيام. وفي مسلم نحوه، وفيه نظر، ولابن سعد: كانت لقاح رسول الله وَلل عشرين لقحة ترعى بالغابة، وكان أبو ذر فيها، فأغار عليهم عيينة بن حصن ليلة الأربعاء في أربعين فارسًا، فاستاقوها وقتلوا ابن أبي ذر، وجاء الصريخ فنودي: يا خيل الله اركبي. فكان أول ما نودي بها، وركب رسول الله وَّر، وخرج غداة الأربعاء في الحديد مقنعًا فوقف، فكان أول من أقبل إليه المقداد بن عمرو وعليه الدرع والمغفر شاهرًا سيفه، فعقد له رسول الله لواء في رمحه وقال: ((امض حَتَّى تلحق الخيول وأنا في إثرك)). واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وخلف سعد بن عبادة في ثلاثمائة من قومه يحرسون المدينة. قَالَ المقداد: فأدركتُ أخريات العدو، وقد قتل أبو قتادة مسعدة، وقتل عكاشة أبان بن عمرو، وقتل المقداد حبيب بن عيينة وفرقد بن مالك بن حذيفة بن بدر، وأدرك سلمة بن الأكوع القوم. وهو على رجليه فجعل يراميهم بالنبل ويقول: خُذْهَا وَأَنَا ابن الأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ وفي البخاري: أَنَا ابن الأَكْوَعِ وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ حَتَّى أنتهى بهم إلى ذي قرد، وهي ناحية خيبر مما يلي المستناخ. قَالَ سلمة: فلحقنا رسول الله بَّهِ والناس عشاء، قلتُ: يا رسول الله، إن القوم عطاش فلو بعثتني في مائة رجل أستنقذت ما بأيديهم من السرح، ٢٤٩ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = وأخذت بأعناق القوم، فقال: ((ملكت فأسجح)) ثم قَالَ: ((إنهم الآن ليقرون في غطفان)). ولم تزل الخيل تأتي، والرجال على أقدامهم حَتَّى أنتهوا إلى رسول الله وَ﴿ بذي قرد، فاستنقذوا عشر لقاح، وأفلت ما بقي وهي عشرون، وصلى رسول الله صلاة الخوف بذي قرد وأقام بها يومًا وليلة، الثبت عندنا أن رسول الله وَّل أمر على هذِه السرية سعيد بن زيد الأشهلي، ولكن الناس نسبوها إلى المقداد لقول حسان: غداة فوارس المقداد فعاتبه سعيد بن زيد فقال: أضطرني الرَّوِيُّ(١) إلى المقداد. ورجع رسول الله ﴾ إلى المدينة يوم الأثنين وقد غاب خمس ليال. وقال: ((خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة))، قَالَ سلمة: وأعطاني رسول الله بَّر سهم الفارس والراجل(٢). وفي ((الدلائل)) للبيهقي: أوفى سلمة على سلع ثم صرخ: يا صباحاه الفزع. فبلغ ذَلِكَ رسول الله وَلِينَ (٣). وفي ((الإكليل)) للحاكم: باب غزوة ذي قرد. قَالَ: هُذِه الغزوة هي الثالثة لذي قرد، فإن الأولى: سرية زيد بن حارثة في جمادى الآخرة على رأس ثمانية وعشرين شهرًا من الهجرة، والثانية: خرج فيها رسول الله ◌َ* بنفسه إلى بني فزارة، وهي على تسعة وأربعين شهرًا (١) الروي: هو النبرة أو النغمة التي ينتهي بها البيت، وعليه تبنى القصيدة، فيقال دالية، بائية، همزية .. دواليك. انظر: ((المعجم المفصل في علم العروض)) ص٢٤٧. (٢) ((الطبقات الكبرى)) ٨٠/٢-٨٤. (٣) ((دلائل النبوة)) ٤ /١٧٨. ٢٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == من الهجرة، وهُذِه الثالثة: التي أغار فيها عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله، فخرج أبو قتادة وابن الأكوع في طلبها، وذلك في سنة ست من الهجرة. إذا تقرر ذَلِكَ؛ ففيه: النذير بالعسكر والسرية بالصراخ، وهي رفع الصوت بكلمة تدل على ذلك. ومعنى: (يا صباحاه): أغير عليكم في الصباح، أو قد صوبحتم فخذوا حذركم، ومعناه الإعلام بهذا الأمر المهم الذي دهمهم في الصباح. وقال ابن المنير: الهاء للندبة، وهي تسقط وصلًا، والرواية إثباتها فيقف على الهاء، وقيل: لأنهم كانوا يغيرون وقت الصباح. وقيل: جاء وقت الصباح فتأهبوا للقاء فإن الأعداء يتراجعون عن القتال ليلًا فإذا جاء النهار عاودوه. وفيه: جواز الأخذ بالشدة، ولقاء الواحد أكثر من المثلين؛ لأن سلمة كان وحده وألقى بنفسه إلى التهلكة، وفيه تعريف الإنسان بنفسه في الحرب لشجاعته وتقدمه، وسيأتي في الباب بعده زيادة فيه. وفيه: فضل الرمي لأنه وحده قاومهم بها، ورد الغنيمة. و(الغابة): الأجمة، والثنية من الأرض كالمرتفع، قاله ابن فارس(١). وقيل: هي أعلى الجبل؛ وسلف. و(اللقاح): النوق ذات الدر، واحدها: لقحة بكسر اللام. وقيل: بفتحها، و(غَطَفَان) و(فَزَارة): قبيلتان من العرب. وقوله: (واليوم يوم الرضع). فيه أقوال للعلماء، منها أن معناه: من (١) ((مجمل اللغة)) ٢/ ٦٩٠ مادة: غاب. ٢٥١ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = أرضعته الحرب من صغره، فهو الظاهر، وقيل معناه: إن اليوم يعرف من رضع كريمة أو لئيمة، قيل: أو حرة، فيبدو فعله في الدفع عن حريمه. وقال الخطابي: معناه: إن اليوم يوم هلاك اللئام، من قولهم: لئيم راضع، وهو الذي يرضع الغنم لا يحلبها فيسمع صوت الحلب. وعبارة غيره: وهو الذي رضع اللؤم من ثدي أمه. فقال: راضع ورضع مثل راكع وركع(١). وقيل في المثل: ألأم من راضع، (ذلك)(٢) إذا أحس بالضيف رضع اللبن بفيه كما ذكرناه، وقال أبو عبد الملك: يحتمل أن يريد: اليوم تعلم المرضعة هل أرضعت شجاعًا أم جبانًا؟ وقال الداودي: أراد: يومًا شديدًا عليكم تفارق فيه المرضعة رضيعها، فلا يجد من يرضعه أو شيئًا معها. قَالَ: وأتى به على السجع، وهو قريب من الشعر، وروِي أنه قَالَ لهم: إني رجل شديد الطلب قليل السلب. وفي الكنانة ثلاثون سهمًا، ولا والله أرد يدي إليها وأضع منها سهمًا إلا في كبد إنسان منكم وأنه استلبهم ثلاثين بردة، ذكره في البخاري بعد هذا. وقال ابن الأنباري في «زاهره)): هو الذي رضع اللؤم من ثدي أمه. أي: غذي به، وقيل: هو الذي يرضع ما بين أسنانه يستكثر من الجشع بذلك. وقال أبو عمر: هو الذي يرضع الشاة أو الناقة من قبل أن يحلبها من شدة الشره. وقال قوم: الراضع الذي لا يمسك معه محلبًا، فإذا جاءه إنسان فسأله أن يسقيه أحتج أنه لا محلب معه، وإذا أراد أن يشرب هو (١) ((أعلام الحديث)) ٢/ ١٤٣٤. (٢) في (ص): وكذلك أنه. ٢٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = رضع الناقة أو الشاة. وقال في ((الموعب)): رضع الرجل رضاعة وهو رضيع وراضع للئيم، وجمعه: راضعون. وقال ابن دريد: أصل الحديث أن رجلًا من العماليق طرقه ضيف ليلًا فمص ضرع شاته لئلا يسمع الضيف الشخب، فکثر حَتَّى صار كل لئيم راضعا، فعل ذَلِكَ أو لم يفعله(١). وقال إبراهيم: من عيوب الشاة أن ترتضع لبن نفسها. وقيل: هو الذي يرضع طرف الخلال التي يخلل بها أسنانه ويمص ما يتعلق به. وقوله: اليوم يوم الرضع. قَالَ السهيلي: هو برفعهما، وبنصب الأول ورفع الثاني(٢). وقوله: ( ((ملكت فأسجح)) ) أي: سهل العقوبة ولا تأخذ بالشدة، بل أرفق فقد حصلت النكاية فيهم. يقال: أسجح الكريم إلى من أذنب علیه یسجح إسجاحًا. وقوله: (فاستنقذتها منهم قبل أن يشربوا). يعني: الماء، وعلى ذَلِكَ يدل قوله: (إن القوم عطاش) يحضه على أتباعهم وإهلاكهم، فقال له النبي ◌ّير: (ملكت فأسجح)) أي: أستنقذت الغنيمة فملكتها، وملكت الحماية فأسجح. أي: لا تبالغ في المطالبة، فربما عادت عليك (كبيرة)(٣) من حيث لا تظن، فبعد أن ظفرت يظفر بك، قال ذَلِكَ وَّل و لهم حضًا لهم ورجاء توبة منهم وإنابة ودخولهم في الإسلام. (١) ((جمهرة اللغة)) ٧٤٦/٢، مادة: رضع. (٢) ((الروض الأنف)) ٤/ ١٥. (٣) من (ص١). ٢٥٣ = كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ وقوله: ( ((إن القوم يقرون في قومهم)) ) وهو من القرى وهو الضيافة، والمعنى: أنهم قد وصلوا إلى قومهم، وقيل: إنهم يضيفون الأضياف، وقال ابن بطال: ((يقرون)) سيبلغون أول بلادهم فيطعمون ويسقون قبل أن تبلغ منهم ما تريد. قَالَ: ومن روى: (يقرون) جعل القرى لهم أنهم يضيفون الأضياف(١)، وصحفه بعضهم فقال: يغزون بغين معجمة. ونقل ابن الجوزي عن بعضهم يُقْرُون، وفسره بأنهم يجمعون الماء واللبن. وفي ((دلائل البيهقي)): ((إنهم ليغبقون الآن في غطفان)) فجاء رجل من غطفان فقال: مروا على فلان الغطفاني فنحر لهم جزورًا، فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة فتركوها وخرجوا هرابًا، وفيها أيضًا أن أمرأة الغفاري ركبت العضباء ناقة رسول الله وص له ونذرت إن الله نجاها عليها لتنحرنها، فلما قدمت المدينة أخبرت رسول الله بنذرها فقال: (بئس ما جزيتها، لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم)» (٢). قَالَ السهيلي: واسمها ليلى، ويقال: كانت امرأة أبي ذر(٣). وزعم المبرد أن المرأة كانت أنصارية وكانت بمكة، وفيه نظر. (١) ((شرح ابن بطال)) ١٩٨/٥-١٩٩. (٢) ((دلائل النبوة)) ١٨٨/٤-١٨٩. (٣) ((الروض الأنف)) ١٥/٤. ٢٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ١٦٧ - باب مَنْ قَالَ: خُذْهَا، وَأَنَا ابنِ فُلَانٍ وَقَالَ سَلَمَةُ: خُذْهَا، وَأَنَا ابن الأَكْوَعِ. [انظر: ٣٠٤١] ٣٠٤٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ البَرَاءَ فَقَالَ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، أَوَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنِ؟ قَالَ البَرَاءُ وَأَنَّا أَسْمَعُ: أَمَّا رَسُولُ اللهِ وَلَمْ يُوَلِّ يَوْمَئِذٍ، كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الحَارِثِ آخِذًا بِعِنَانِ بَغْلَتِهِ، فَلَمَّا غَشِيَهُ الْمُشْرِكُونَ نَزَّلَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: ((أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابن عَبْدِ المُطَّلِبْ)) قَالَ: فَمَا رُئِيَ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ أَشَدُّ مِنْهُ. [انظر: ٢٨٦٤ -مسلم: ١٧٧٦ -فتح ٦ /١٦٤] ثم ساق حديث البَرَاءَ: ((أَنَا النَّبِيُّ لَاكَذِبْ)). وقد سلفا. وأسند الأول أيضًا. ومعنى: (خذها): الرمية. قَالَ ابن التين: وهي كلمة يقولها الراعي عندما يصيب فرحًا. وكان ابن عمر إذا رمى فأصاب يقول: خذها وأنا أبو عبد الرحمن، ورمى بين الهدفين وقال: أنا بها أنا بها، وكان راميًا، كان يرمي الطير على سنام البعير فلا يخشى أن يصيب السنام، وقال: أنا الغلام الهذلي، وروي عنه وَلجر: ((أنا ابن العواتك))(١)، وقال ابن بطال: معنى: (خذها وأنا ابن الأكوع). أي: أنا ابن المشهور في الرمي بالإصابة عن القوس، وهذا على سبيل الفخر؛ لأن العرب تقول: أنا ابن نجدتها، أي: القائم للأمر، وأنا ابن جلاء، يريد: (١) رواه ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) ٩٥/٣، والطبراني في (الكبير)) ١٦٨/٧ (٦٧٢٤)، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن سعيد بن العاصي، عن سبابة بن عاصم. قال الهيثمي في ((المجمع)) ٢١٨/٨: رجاله رجال الثقات. وحسنه الألباني في ((الصحيحة)) (١٥٦٩). ٢٥٥ = كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ المنكشف الأمر الواضح الجلي. وقال الهذلي : وَرَمَيتُ فَوْقَ مُلاءَةٍ مَحْبُوكَةٍ وَأَبَنْتُ لِلأَشْهادِ حَزَّةَ أَذَّعِي يقول: أبنت لهم قولي: خذها وأنا ابن فلان. وحزة: يعني ساعة أدعي إلى قومي، ولا يقول مثل هذا إلا الشجاع البطل، والعادة عند العرب أن يعلم الشجاع نفسه بعلامة في الحرب يتميز بها عن غيره ليقصده من يدعي الشجاعة فأعلم النبي وَلّر نفسه بالنبوة المعصومة وبنسبه الطاهر، فقال ذَلِكَ ليقوي قلب من تمكن الشيطان منه فاستزله فانهزم، ولذلك نزل ◌َل# بالأرض؛ لأن النزول غاية ما يكون من الطمأنينة والثقة بالله، ليقتدي به المؤمنون فيثبتوا؛ لأنه ◌ّل# لا يجوز علیه من کید الشيطان أن يقذف في قلبه خوفًا تزل به قدمه، أو ینکص على عقبيه فينهزم؛ لأنه على بصيرة من أمره، ويقين من نصر الله له، وإتمام أمره ومنعه من عدوه، وقد سلف هذا المعنى(١). ووقع في الداودي: فلما غشيه المشركون تولى، يعني: أبا سفيان بن الحارث. قَالَ: وليس هذا في أكثر الروايات، وهذا لم يروه أحد غيره، والمعروف في الروايات: (فلما غشيه المشركون نزل فجعل يقول: ((أنا النبي لا كذب)) ) إلى آخره، وفي ((النوادر)): قَالَ محمد بن عبد الحكم: لا بأس بالافتخار عند الرمي والانتماء للقبائل والرجز(٢)، وكل ذَلِكَ إذا رمى بالسهم وظنه مصيبًا أن يصيح عليه، وبالذكر الله أحب إلي، وإن قَالَ: أنا الفلاني. لقبيلته فذلك جائز كله مستحب، وفيه إغراء لبعضهم ببعض. (١) ((شرح ابن بطال)) ١٩٩/٥ -٢٠٠. (٢) ((النوادر والزيادات)) ٣/ ٤٤٦. ٢٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = واختلف السلف كما قَالَ الطبري: هل يعلم الرجل الشجاع نفسه عند لقاء العدو، فقال بعضهم: ذَلِكَ جائز على ما دل عليه هذا الحديث، وقد أعلم نفسه حمزة بن عبد المطلب يوم بدر بريشة نعامة في صدره، وأعلم نفسه أبو دجانة بعصابة بمحضر رسول الله وَلآه، وكان الزبير يوم بدر معتمًّا بعمامة صفراء فنزلت الملائكة معتمين بعمائم صفر، وقال ابن عباس: في قوله تعالى في: ﴿بِخَمْسَةِ ءَالَفٍ مِّنَ اُلْمَلَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥] أنهم أتوا محمدًاً وَّه مسومين بالصوف، فسوم محمد وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف(١)، وكره آخرون التسويم والإعلام في الحرب، وقالوا: فعل ذَلِكَ من الشهرة ولا ينبغي للمسلم أن يشهر نفسه في خير ولا شر، قالوا: وإنما ينبغي للمؤمن إذا فعل شيئًا لله تعالى أن يخفيه عن الناس، إن الله لا يخفى عليه شيء روي هذا عن بريدة الأسلمي، والصواب كما قَالَ الطبري أنه لا بأس بالتسويم والإعلام في الحرب إذا فعله الفاعل من أهل البأس والنجدة، وهو قاصد بذلك شحذ الناس على الأئتساء به والصبر للعدو والثبات لهم في اللقاء، وهو يريد ترهيب العدو إذا عرفوا مكانه، وإعلام من معه من المسلمين أنه لا يخذلهم ولا يسلمهم، وإذا لم يرد ذَلِكَ وقصد به الافتخار، فهذا المعنى هو المكروه لأنه ليس ممن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وإنما قاتل للذكر(٢). (١) ((تفسير الطبري)) ١٢٨/٣ (٧٧٨٥). (٢) ((شرح ابن بطال)) ٢٠٠/٥-٢٠١. ٢٥٧ = ڪِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ ١٦٨ - باب إِذَا نَزَلَ العَدُوُّ عَلَى حُكْمِ رَجُلٍ ٣٠٤٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَزْبٍ، حَدَّثَنَا شُغبَةُ، عَنْ سَغدٍ بْنِ إِنْرَاهِیمَ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - هُوَ ابن سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ - عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ عَّ قَالَ: لَا نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْم سَعْدٍ - هُوَ ابنِ مُعَاذٍ - بَعَثَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ، وَكَانَ قَرِيبًا مِنْهُ، فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا دَنَا قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ)). فَجَاءَ فَجَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ لَهُ: ((إِنَّ هؤلاء نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ)). قَالَ: فَإِّ أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ، وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ. قَالَ: ((لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ المَلِك)). [٣٨٠٤، ٤١٢١، ٦٢٦٢ - مسلم: ١٧٦٨ -فتح ٦ / ١٦٥] ذكر فيه حديث أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ: لَمَّا نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْم سَعْدٍ بْنِ مُعَاذٍ بَعَثَ إليه النبيِ نََّ، وَكَانَ قَرِيبًا مِنْهُ، فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا دَنَا قَالَ رَسُولُ اللهِ وَالَ: ((قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ)). فَجَاءَ فَجَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّةِ، فَقَالَ لَهُ: ((إِنَّ هؤلاء نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ)). قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ المُقَاتِلَةُ، وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ. فَقَالَ: ((لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ المَلِك)). الشرح : موضع الترجمة من الحديث لزوم حكم المحكم برضا الخصمين وإن لم ينتصب عمومًا، وهو ظاهر في جوازه في أمور الحرب وغيرها، وهو رد على الخوارج الذين أنكروا التحكيم على علي، والنزول على حكم الإمام أو غيره جائز، ولهم الرجوع عنه ما لم يحكم، فإذا حكم فلا رجوع، ولهم أن ينتقلوا من حكم رجل إلى غيره. وفيه: أن التحاكم إلى رجل معلوم الصلاح والخير لازم للمتحاکمین، فكيف بيننا وبين عدونا في الدين؟ فالمال أخف مؤنة من النفس والأهل. ٢٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وفيه: أمر السلطان والحاكم بإكرام السيد من المسلمين، وجواز إكرام أهل الفضل في مجلس السلطان الأكبر، والقيام فيه لغيره من أصحابه وسادة أتباعه، وإلزام الناس كافة القيام إلى سيدهم، وقد اعترض هذا من قَالَ: إنما أمر الشارع الأنصار بهذا خاصة؛ لأنه سيدهم، ولا دليل عليه بل هو سيد من حضر من أنصاري ومهاجري؛ لأنه قَالَ فيه قولًا مجملًا لم يخصَّ به أحدًا ممن بين يديه من غيره، وسيأتي في الاستئذان تأويل حديث الباب مع ما عارضه إن شاء الله(١). وفيه: كما قَالَ الطبري: البيان عن أن لإمام المسلمين إذا حاصر العدو فسألوهم أن ينزلوهم على حكم رجل من المسلمين مرضيَّة أمانته على الإسلام وأهله، موثوق بعقله ودينه أن يجيبهم إلى ذَلِكَ، وإن كان ذَلِكَ الرجل غائبًا عن الجيش؛ لأن سعدًا لم (يحضر)(٢) حصار رسول الله وَّه لبني قريظة، حين سألوا رسول الله صل﴾ أن ينزلوا على حكمه، وكان بالمدينة يعالج كَلْمَهُ الذي كلم بالخندق، فأرسل إليه رسول الله وَلّ حَتَّى حكم فيهم، فإن وافق حكمه حكم الله ورسوله أمضي، وإن خالف رد، وقيل للنازلين على حكمه: إن رضيتم بحكم غيره بما يجوز أمضينا حكمه، وإن كرهتم ذَلِكَ رددناكم إلى حصنكم. والحكم الذي لا يجوز لأحد الفريقين الرجوع عنه هو أن يحكم بقتلهم وسبي ذراريهم ونسائهم وقسم أموالهم، إن كان ذَلِكَ هو النظر للمسلمين، وإن حكم باسترقاق مقاتلتهم أو المن عليهم ووضع الخراج على رءوسهم فجائز بعد أن يكون نصرًا للمسلمين. (١) سيأتي برقم (٦٢٦٢) باب: قول النبي ◌َّ: ((قوموا إلى سيدكم)). (٢) في (ص): یشهد. ٢٥٩ = كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ والحكم المردود: أن يحكم أن يقروا في أرض المسلمين كفارًا بغير خراج ولا جزية؛ لأنه لا تجوز الإقامة بغير جزية، وإن سألوه أن ينزلهم على حكم الله، أو يحكم فيهم بحكم الله، فإنه لا ينبغي أن يجيبهم إلى ذَلِكَ، لصحة خبر بريدة . ((وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوا أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا))(١). فإن قلتُ: فكيف جاز للإمام أن ينزلهم على حكم رجل مرضي دينه لا يتجاوز حكم الله ورسوله، ثم أنت تقول: لا يجوز للإمام الإجابة إذا سألوه النزول على حكم الله ورسوله وهذان متباينان؟ قلتُ: لا تباين، فأما كراهتنا للإمام الإجابة على ذَلِكَ فإن ذَلِكَ لا يعلمه إلا علام الغيوب، وإنما يحكمون إذا كانوا أهل دين وأمانة فأصلح ما حضرهم في الوقت، ولا سبيل لهم إلى الحكم بعلم الله، فهذا معنى نهيه، وإن هم نزلوا على حكم رجل من المسلمين ثم بدا لهم في الرضا بحكمه قبل الحكم وسألوا الإمام غيره ممن هو رضي، فللإمام أن يجيبهم إلى ذَلِكَ، وذلك أنه مَّ ذكر عنه أن بني قريظة كانوا نزلوا على حكمه ثم سألوه أن يجعل الحكم لسعد بن معاذ فأجابهم إلى ذَلِكَ، فأما إذا حكم بينهم الذي نزلوا على حكمه ثم بدا لهم في حكمه لم يكن للإمام رد حکمه إذا لم يخالف حکمه ما يجوز عندنا. وفيه: أن للإمام إذا ظهر من قوم من أهل الحرب الذي بينه وبينهم موادعة وهدنة على خيانة وغدر أن ينبذ إليهم على سواء، وأن يحاربهم، وذلك أن بني قريظة كانوا أهل موادعة من رسول الله وَلقر قبل الخندق، (١) رواه مسلم (١٧٣١) كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها. ٢٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - فلما كان يوم الأحزاب ظاهروا قريشًا وأبا سفيان على رسول الله وَالـ وراسلوهم: إنا معكم فاثبتوا مكانكم. وأحل الله بذلك من فعلهم قتالهم ومنابذتهم على سواء، وفيهم نزلت ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ الآية [الأنفال: ٥٨] فحاصرهم والمسلمون معه حَتَّى نزلوا علی حکم سعد. وفيه - كما قَالَ المهلب -: قد يوافق برأيه ما في حكم الله تعالى، ولا يعلم ذَلِكَ إلا على لسان نبيِّه كما قَالَ بَّهَ في سعد(١). وقد أسلفنا أن قوله: ( ((قوموا إلى سيدكم)) ) ظاهر في القيام لأهل الدين والعلماء على وجه الإكرام والاحترام، وقد قام طلحة بن عبيد الله لكعب بن مالك لما تيب عليه فكان كعب يراها له. قَالَ السهيلي: وقام رسول الله وَّي لصفوان بن أمية ولعدي بن حاتم حين قدما عليه، وقام لمولاه زيد بن حارثة ولغيره أيضًا، وكان يقوم لابنته فاطمة إذا دخلت عليه وتقوم له إذا قدم عليها، وقام لجعفر ابن عمه، وليس هذا معارض لحديث معاوية ((من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبؤا مقعده من النار))(٢)، لأن هذا الوعيد إنما يوجه للمتكبرين وإلى من يغضب أو يسخط ألا يقام له (٣). وقال القرطبي: إنما المكروه القيام للمرء وهو جالس. وتأول بعض أصحابنا ((قوموا إلى سيدكم)). على أن ذَلِكَ مخصوص بسعد، وقال بعضهم: أمرهم بالقيام لينزلوه عن الحمار لمرضه، وفيه بعد (٤). (١) ((شرح ابن بطال)) ٢٠٢/٥-٢٠٤. (٢) رواه الترمذي (٢٧٥٥)، وقال: حديث حسن. (٣) ((الروض الأنف)) ١٩٨/٤-١٩٩. (٤) ((المفهم)) ٣/ ٥٩٢-٥٩٣.