Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
١٢٨- باب مَنْ أَخَذَ بِالرِّكَابِ وَنَحْوِهِ
٢٩٨٩- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرْ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْم
تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، يَعْدِلُ بَيْنَ الأَثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلٌ
عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَنَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيَِّةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خَطْوَةٍ
يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ)). [انظر: ٢٧٠٧ -
مسلم: ١٠٠٩- فتح ١٣٢/٦]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾: ((كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ)).
وقد سلف.
وموضع الحاجة منه قوله: ((ويعين الرجل على دابته فيحمل عليها))
فإنه يدخل فيه الأخذ بالركاب وغيره، ولا شك أن الأخذ بالركاب من
الفضائل، وهي صدقة من الآخذ بالركاب على الراكب، لأنه
معروف، وقد أخذ ابن عباس بركاب زيد بن ثابت فقال له: لا تفعل
يا ابن عم رسول الله وَّله. فقال: هكذا أُمرنا أن نفعل بعلمائنا، فأخذ
زيد بيد ابن عباس فقبلها، فقال له: لا تفعل. فقال: هكذا أمرنا أن
نفعل بآل رسول الله وَاليوم (١).
وقوله: ( ((وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة)) ) أي: فيرفع له
بها درجة ويحط عنه خطيئة؛ ولهذا حث الشارع على كثرة الخطا إلى
المساجد، وترك الإسراع في السَّير إليه.
(١) رواه الحاكم ٤٢٣/٣ ومن طريقه البيهقي ٢١١/٦، من طريق محمد بن عمرو، عن
أبي سلمة به وليس فيه ذكر أن زيد بن ثابت قبّل يد ابن عباس.

١٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقوله: (يميط) أي: يزيل. يقال: ماط الرجل الشيء يميطه
(ميطًا)(١) وأماطه: إذا أزاله. ويقال: أماط الله عنك الأذى، إذا
دعوت له بزواله، قاله القزاز، وهو قول الكسائي، وأنكره الأصمعي
وقال: مطت أنا وأمطت غيري.
(١) من (ص١).

١٢٣
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
١٢٩- باب الشَّفَرِ بِالْمَصَاحِفِ إِلَى أَرْضِ العَدُوّ
وَكَذَلِكَ يُرْوىْ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعِ،
عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِّ وَلٍِّ .
وَتَابَعَهُ ابن إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله
عنهما، عَنِ النَّبِيِّ وَّةِ. وَقَدْ سَأَفَرَ النَّبِيُّ بَلِّ وَأَصْحَابُهُ فِي
أَرْضِ العَدُوِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ القُرْآنَ.
٢٩٩٠- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ
رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ العَدُوِّ. [مسلم:
١٨٦٩ - فتح ٦ / ١٣٣].
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ
رضي الله عنهما أَنَّ النبيَّ وََّ نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرَّانِ إِلَى أَرْضِ العَدُوِّ.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا كذلك وبزيادة: ((لا تسافروا بالقرآن
فإني لا آمن أن يناله العدو)). وقال أيوب: فقد ناله العدو وخاصمكم به
وفي ثالث: ((فإني أخاف)) وفي رابع: ((مخافة أن يناله العدو))(١).
وقال مالك فيما نقله أبو عمر، وهو كذلك في ((الموطأ)) (٢): أرى
ذَلِكَ مخافة أن يناله العدو. وكذلك قَالَ يحيى -الأندلسي - والقعنبي
وابن بكير وأكثر الرواة؛ ورواه ابن وهب، عن مالك فقال في آخره:
((خشية أن يناله العدو)). في سياقه الحديث، لم يجعلوه من قول
مالك؛ وكذلك قَالَ عبيد الله بن عمر وأيوب، عن نافع، عن ابن عمر
(١) أربعة هذِه الروايات رواها مسلم (١٨٦٩) كتاب: الإمارة، باب: النهي أن يسافر
بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه بأيديهم.
(٢) ((الموطأ)) ص٢٧٧.

١٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
رضي الله عنهما: نهى أن يسافر بالقرآن؛ ورواه الليث، عن نافع، عن
ابن عمر، عن النبي ◌َّ و أنه كان ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض
العدو ويخاف أن يناله العدو. وقال إسماعيل بن أمية: وليث بن أبي
سليم، عن نافع، عن ابن عمر (قَالَ:)(١) قَالَ رسول اللهِ وَلَّه: ((لا
تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو فإني أخاف أن يناله العدو)) وكذا قال
شعبة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي وَّ.
قَالَ أبو عمر: وهو مرفوع صحيح(٢). وزعم الإسماعيلي أن ابن
مهدي وصله عن مالك ولم يفصله، ولما ذكره ابن الجوزي بلفظ:
((فإني لا آمن أن يناله العدو).
(قلتُ:)(٣) ظاهره رفعه إلى رسول الله وضّله. وقال الخطيب: قوله:
(مخافة .. إلى آخره) هو قول مالك، بين ذَلِكَ أبو مصعب وابن وهب
وابن القاسم، والمسند النهي حسب (٤)، وقال الحميدي: عن
البرقاني: لم يقل: كره إلا ابن بشر، ورواه جماعة عن عبيد الله،
فاتفقوا على لفظ النهي(٥). ثم أعلم أن في بعض نسخ البخاري:
باب: كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو.
واعترض ابن بطال على الترجمة التي أوردناها أولًا فقال: هذا
الباب وقع فيه غلط من الناسخ، والصواب البداءة بالمسند، ثم بقوله:
(وكذلك يروى) إلى آخره، وتابعه ابن إسحاق(٦). قلتُ: وكذا فعله
(١) من (ص١).
(٢) ((التمهيد)) ١٥/ ٢٥٣ - ٢٥٤.
(٣) من (ص١).
(٤) ((المدرج في النقل)) ١/ ٤١١.
(٥) ((الجمع بين الصحيحين)) ٢٣٦/٢.
(٦) ((شرح ابن بطال)) ١٤٩/٥.

١٢٥
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
أبو نعيم في ((مستخرجه)) وإنما أتى بالمتابعة لأجل زيادة: ((مخافة أن يناله
العدو)» وجعله مرفوعًا، (ولن يصح ذَلِكَ عند مالك ولا عند البخاري،
وإنما هي من قول)(١) مالك.
وقال المنذري: رواه بعضهم من حديث ابن مهدي والقعنبي عن
مالك، فأدرج هُذِه الزيادة في الحديث، وقد اختلف على القعنبي فيها
فمرَّة بين أنها قول مالك، ومرة أدرجها، ورواه يحيى بن يحيى
النيسابوري عن مالك فلم يذكرها رأسًا، وقد رفع هذه الكلمات أيوب
والليث والضخّاك بن عثمان الحزامي؛ عن نافع، عن ابن عمر، وقال
بعضهم: يحتمل أن يكون مالك شك في رفعها فتحرى، فجعلها من
عنده تفسيرًا وإلا فهي صحيحة مرفوعة من رواية غيره(٢).
فإن قلت: فقول البخاري: وقد سافر النبي ◌ُّر وأصحابه وهم
يَعْلمون القرآن. ليس مما نحن فيه؛ لأن المصحف يتقى أن تناله أيدي
العدو ولا كذلك ما في الصدور، لا جرم قَالَ الداودي: لا حجة فيما
ذكره لهذا، وقد روي مفسرًا: نهى أن يسافر بالمصحف(٣). ورواه ابن
مهدي، عن مالك، وعبد الله بن عمر، عن نافع، عن أبيه (٤) مرفوعًا
بمثله بزيادة: ((إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو))(٥) والسفر أسم
واقع على السفر وغيره.
قَالَ الإسماعيلي: ما كان أغنى البخاري عن هذا الاستدلال، لم
يقل أحد أن من يحسن القرآن لا يغزو العدو في داره، وقال ابن
(١) من (ص١).
(٢) ((مختصر سنن أبي داود)) ٤١٥/٣ - ٤١٦.
(٣) رواه أحمد ٧٦/٢.
(٤) كذا بالأصل، ولعله التبس عليه نافع بسالم، ونافع مولاه لا ابنه.
(٥) رواه ابن ماجه (٢٨٧٩)، وأحمد ٧/٢، ٦٣.

١٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
المنير: الاستدلال بهذا على الترجمة ضعيف؛ لأنها واقعة عين، ولعلهم
تعلموه تلقينا وهو الغالب حينئذ(١)، فعلى هذا يقرأ: يعلِّمون بالتشديد،
لكن رأيته في أصل الدمياطي بفتح الياء، وأجاب المهلب بأن فائدة ذَلِكَ
أنه أراد أن يبين أن نهيه عن السفر به إليهم ليس على العموم ولا على كل
الأحوال، وإنما هو على العساكر والسرايا التي ليست مأمونة، وأما إذا
كان في العسكر العظيم، فيجوز حمله إلى أرضهم؛ ولأن الصحابة كان
يعلمه بعضهم بعضًا؛ لأنهم لم يكونوا مستظهرين له.
وقد يُمكن أن يكون عند بعضهم صحف فيها قرآن يعلِّمون منها،
فاستدل البخاري أنهم في تعلمهم كان فيهم من يتعلم بكتاب، فلما
جاز لهم تعلمه في أرض العدو بغير كتاب وكتاب، كان فيه إباحة
لحمله إلى أرض العدو إذا كان عسكرًا مأمونًا، وهذا قول أبي حنيفة(٢).
ولم يفرق مالك بين العسكر الكبير و(العسكر)(٣) الصغير في ذَلِكَ،
وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة الجواز مطلقًا (٤) والأول أصح. قَالَ ابن
سحنون: قلتُ لأبي: أجاز بعض العراقيين الغزو بالمصاحف في الجيش
الكبير بخلاف السرية. قَالَ سحنون: لا يجوز ذَلِكَ لعموم النهي(٥). وقد
يناله العدو في غفلة.
وقال الشيخ أبو القاسم الأندلسي: هو جائز في الكبيرة، وإنما منع
في السرية ونحوها. ولا يسلم المصحف له إذا رغب في تدبره، ذكره
(١) ((المتواري)) ص١٦٤.
(٢) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٣٥/٣.
(٣) من (ص١).
(٤) انظر: ((شرح ابن بطال)) ١٤٩/٥ - ١٥٠.
(٥) ((النوادر والزيادات)) ٣٤/٣.

١٢٧
ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
ابن الماجشون (١)، وكذلك لا يجوز أن يعلم أحدًا من ذراريهم القرآن؛
لأن ذَلِكَ سبب لتمكنهم منه، نعم قَالَ أصحابنا بجوازه إذا رغب في
إسلامه، ولا باس أن يقرأ عليهم احتجاجًا، ويكتب منه الآيات وعظًا
اقتداء بالشارع في كتبه إلى ملك الروم: و﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْ﴾ الآية
[آل عمران: ٦٤] قَالَ القاضي عياض: وكره مالك وغيره معاملة الكفار
بالدراهم والدنانير؛ لأن فيها اسم الله لك أو ذكره (٢)، وقد أسلفنا أن
معنى النهي عن ذَلِكَ مخافة أن يناله العدو فلا يكرموه، وقد أخبر الله
كِرَامِ
١٥
بِأَيْدِى سَفَةِ
◌َرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةِ (®
تعالى أنه: ﴿فِ مُحُفٍ مُكَرِّمَةٍ
[عبس: ١٣-١٦] وهم الملائكة عليهم السلام وقال:
١٦٠
بررقم
يَمَشُهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴾﴾ [الواقعة: ٧٩] قيل: وهم الملائكة أيضًا،
ففهم من هذا أنه لا يمسه منا إلا طاهر، وأن النهي عن السفر به
إليهم (ليس)(٣) على وجه التحريم، وإنما هو على معنى الندب
للإكرام، قاله ابن بطال(٤)، وقد كتب الشارع إلى قيصر بآية إلى
آخرها كما سلف، وهو يعلم أنهم مُبْعَدون وأنهم يقرءونها.
(١) ((النوادر والزيادات)) ٣٤/٣.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٦/ ٢٨٣.
(٣) من (ص١).
(٤) ((شرح ابن بطال)) ١٥٠/٥.

١٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٣٠- باب التّكْبِيرِ عِنْدَ الحَرْبِ
٢٩٩١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسِ
قَالَ: صَبَّحَ النَّبِيُّ وََّ خَيْبَرَ وَقَدْ خَرَجُوا بِالَمْسَاحِي عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا:
هذا ◌ُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ، مُحَمَّدٌ وَالَخْمِيسُ. فَلَجَنُوا إِلَى الِحِصْنِ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ ◌َ يَدَيْهِ
وَقَالَ: ((اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةٍ قَوْم فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ)).
وَأَصَبْنَا حُرَا فَطَبَخْنَاهَا، فَتَادِىُ مُنَادِي النَّبِيِّ نَّهَ إِنَّ اللهَ وَّرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُومٍ
الْحُمُرٍ. فَأُكْفِئَتِ القُدُورُ بِمَا فِيهَا. تَابَعَهُ عَلِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ: رَفَعَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَدَيْهِ. [انظر:
٣٧١- مسلم: ١٣٦٥، ١٩٤٠ - فتح ١٣٤/٦].
ذكر فيه حديث أنس في خيبر السالف في كتاب: الصلاة، في باب:
ما يذكر في الفخذ، وقوله: ((الله أكبر خربت خيبر)) تابعه علي، عن
سفيان: رفع النبي ◌ُّ يديه يعني: تابع المسندي عبد الله بن محمد،
وقد أسنده في علامات النبوة عنه، عن سفيان(١)، وإنما فعل ◌َليل هذا
استشعارًا لكبرياء الله تعالى على ما تقع عليه العين من عظيم خلقه
وكبير مخلوقاته أنه أكبر الأشياء، وليس ذَلِكَ على معنى أن غيره
كبير، وإنما معنى قوله: الله أكبر: (الله)(٢) الكبير. هذا قول أهل اللغة
كما نقله عنهم المهلب(٣). وقال معمر عن أبان: لم يعط أحد التكبير
إلا هُذِهِ الأمة (٤).
وكذلك يفعل وَّر في إشرافه على الجبال، ففرح وَّل بما فتح الله عليه
وكبر إعظامًا لله وشكرًا له.
(١) سيأتي برقم (٣٦٤٧) كتاب: المناقب.
(٢) من (ص١).
(٣) كما في ((شرح ابن بطال)) ١٥١/٥.
(٤) رواه معمر في ((جامعه)) كما في ((المصنف)) ٢٩٦/١١.

١٢٩
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
ورفع اليدين في الدعاء والتكبير استسلام لله ◌َك وتنزيه من الحول
والقوة إلا به، وقد روى سفيان عن أيوب في هذا الحديث: ( (حالوا)(١)
إلى الحصن). أي: تحولوا إليه، يقال: حلت عن المكان. إذا تحولت
عنه، ومثله: أحلت عنه.
وقوله: ( ((إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين))) يريد ◌َّلل أنهم
يقدم إليهم الإنذار فلما عتوا وأصروا نزل بساحتهم.
والنهي عن لحوم الحمر قد أسلفنا فيما مضى أنه عُلل؛ لئلا تفنى
أو أنه غير ذَلِكَ معلل، وقيل لمبادرتهم إليها قبل القِسمة. قَالَ
الداودي: مالك يرىُ لحومها محرمة لقوله تعالى: ﴿وَاَلْخَيَّلَ وَاُلْبِغَالَ
وَالْحَمِيرَ لِنَّكَبُهَا وَزِينَةٌ﴾ [غافر: ٧٩] وقال في الأنعام ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾
وزعم أشهب أن تحريمها إجماع من أهل الحجاز؛ وأراه أراد أكثرهم.
وقال طاوس: أي: ذَلِكَ البحر -يعني: ابن عباس- واحتج بقوله:
﴿قُل لَّ أَجِدُ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥]، واحتج من رد ذَلِكَ بأن هذا كان
قبل نزول الآية، ثم حرم وَّه الحمر، ولم يكن ينطق عن الهوى، قاله
الداودي، وأهل العلم على أنه محرم بالقرآن.
وفيه: أنه وَلّ كان إذا أراد إفشاء أمر نادى به مناديه.
(١) كذا هنا، وكذا هو في ابن بطال ٥/ ١٥١، وفي نسخ ((الصحيح)).
انظر: اليونينية ٢٠٨/٤: (فأجالوا) بالجيم، (وأحالو) بالحاء المهملة، وهو
ما حكاه أيضًا زكريا الأنصاري في ((منحة الباري)) ٦/ ٦٦٤.

١٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١٣١- باب مَا يُكْرَهُ مِنْ رَفْعِ الضَّوْتِ بِالتَّكْبِيرِ
٢٩٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ
أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ضِّ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَكُنَّا إِذَا أُشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ هَلَّلْنَا
وَكَبَّرْنَا، أَزْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَرْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ،
فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًّا، إِنَّهُ مَعَكُمْ، إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، تَبَارَلَكَ اسْمُهُ
وَتَعَالَى جَدُّهُ)). [٤٢٠٥، ٦٣٨٤، ٦٤٠٩، ٦٦١٠، ٧٣٨٦ - مسلم: ٢٧٠٤ - فتح ٦ / ١٣٥].
ذكر فيه حديث أَبِي مُوسَى: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَكُنَّا إِذَا أَشْرَفْنَا
عَلَى وَادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا، أَرْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ،
أَرْبَعُوا عَلَىْ أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّهُ مَعَكُمْ، إِنَّهُ سَمِيعٌ
قَرِيبٌ)).
هذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة (١)، وشيخ البخاري: محمد بن
يوسف هو الفريابي، كما نص عليه أبو نعيم الحافظ.
(واربعوا) براء ساكنة، ثم باء موحدة مفتوحة، قَالَ الأزهري عن
يعقوب (٢): ربع الرجل يربع إذا وقف وتحبس. وقال الليث: يقال:
أربع على نفسك، واربع على طلعك، واربع عليك كل ذَلِكَ واحد،
ومعناه: أنتظر (٣).
وقال الخطابي: يريد: أمسكوا عن الجهر، وَقِفُوا عنه (٤).
(١) مسلم (٢٧٠٤)، وأبو داود (١٥٢٨)، والترمذي (٣٣٧٤، ٣٤٦١)، والنسائي في
(«الكبرى» ٩٧/٦ (١٠١٨٨)، وابن ماجه (٣٨٢٤).
(٢) هو ابن السِّكِّيت، وكلامه في ((إصلاح المنطق)) ص ٢٦٢.
(٣) ((تهذيب اللغة)) مادة (ربع) ١٣٤٨/٢.
(٤) ((أعلام الحديث)) ٢/ ١٤٢٤.

١٣١
- كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَدِ
وقال صاحب ((المطالع)): أعطفوا عليها الرفق بها والكف عن
الشدة. ونقل ابن بطال(١) عن كتاب ((الأفعال)): ربع به: رفق به،
وربع عن الشيء: كف عنه، ومنه قيل: أربع على نفسك(٢). وقال ابن
التين: قيل: معناه: أرفق بنفسك. وقيل: أنتظر. وقيل: قف. يقال:
ربع بالمكان إذا وقف عن السير وأقام به.
وإنما نهاهم - والله أعلم- عن رفع الصوت إبقاء عليهم ورفقًا بهم؛
لأنهم كانوا في مشقة السفر، فأراد ◌َّل: ((اكلفوا من العمل
ما تطيقون))(٣)، وكان بالمؤمنين رحيما، ثم أعلمهم أن الله يسمع خفي
كلامهم بالتكبير كما يسمع عاليه إذ لا مانع؛ لأنه سميع قريب.
وفيه: كراهية رفع الصوت بالدعاء، وهو قول عامة السلف من
الصحابة والتابعين، وروى قيس بن عُباد قَالَ: كان أصحاب رسول
الله يكرهون رفع الصوت عند ثلاثة مواطن: عند الذكر، وعند القتال،
وعند الجنائز(٤). وفي رواية: كان أصحاب رسول الله وَله يكرهون
رفع الصوت ورفع الأيدي عند القتال و(عند)(٥) الدعاء. قَالَ سعيد بن
أبي عروبة: ثَنَا قتادة، عن سعيد بن المسيب قَالَ: ثلاث مما أحدث
الناس: رفع الصوت عند الدعاء، ورفع الأيدي، واختصار السجود(٦).
وذكر عن مجاهد أنه رأى رجلا يرفع صوته بالدعاء فحصبه(٧).
(١) ((شرح ابن بطال)) ١٥٢/٥.
(٢) ((الأفعال)) ص١٠١ بمعناه.
:
(٣) بهذه الرواية يأتي برقم (٦٤٦٥) كتاب: الرقاق، باب: القصد والمداومة.
رواه ابن أبى شيبة ٦/ ٥١٧ (٣٣٤٠٩)، والبيهقي ٧٤/٤.
(٤)
(٥) من (ص١).
(٦) رواه عبد الرزاق ٢٥١/٢ (٣٢٥١) عن معمر، عن قتادة، به.
(٧) رواه ابن أبي شيبة ٢٣٣/٢ (٨٤٥٨).

١٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١٣٢- باب التّسْبِيحِ إِذَا هَبَطَ وَادِيًّا
٢٩٩٣- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ
سَالمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّنَا،
وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا. [٢٩٩٤ - فتح ٦ / ١٣٥]
ذكر فيه حديث جَابِرِ ﴾ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا، وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا.

١٣٣
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
١٣٣- باب التَّكْبِيرِ إِذَا عَلَا شَرَفًا
٢٩٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا ابن أَبِي عَدِيٌّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ
سَالمُ، عَنْ جَابِرِ عَّهُ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا، وَإِذَا تَصَوَّبْنَا سَبَّحْنَا. [انظر: ٢٩٩٣ - فتح
٦ / ١٢٣].
٢٩٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ
كَيْسَانَ، عَنْ سَالمُ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ
وَّ إِذَا قَفَلَ مِنَ الحَجِّ أَوِ العُمْرَةِ - وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّ قَالَ: الغَزْوِ- يَقُولُ: كُلَّمَا أَوْفَى عَلَى
ثَنِيَّةٍ أَوْ فَدْفَدٍ كَبََّ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: ((لا إله إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ،
وَلَهُ الحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ، عَابِدُونَ سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا
حَامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ)). قَالَ صَالِحُ:
فَقُلْتُ لَهُ: أَمْ يَقُلْ عَبْدُ اللهِ: إِنْ شَاءَ اللهُ؟ قَالَ: لَا. [انظر: ١٧٩٧ - مسلم: ١٣٤٤ - فتح ٦ /
١٣٥].
ذكر فيه حديث جابر هذا بلفظ: قَالَ: وَإِذَا صوَّبْنَا سَبَّحْنَا بدل: نزلنا.
وحديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ إِذَا قَفَلَ مِنَ الحَجِّ
أَوِ العُمْرَةِ - وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ: من الغَزْوِ - يَقُولُ: كُلَّمَا أَوْفَىْ عَلَىُ ثَنِيَّةٍ أَوْ
فَدْفَدٍ كَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: ((لا إله إِلَّ اللهُ .. )) الحديث. قَالَ صَالِحٌ: فَقُلْتُ لَهُ:
أَلَمْ يَقُلْ عَبْدُ اللهِ: إِنْ شَاءَ اللهُ؟ قَالَ: لَا.
الشرح :
شيخ البخاري في حديث جابر في الباب الأول: محمد بن يوسف
هو الفریابي، وشيخه سفيان هو الثوري.
وشيخه في حديث ابن عمر: هو عبد الله. قيل: ابن يوسف. وقيل:
ابن صالح. قَالَ أبو مسعود الدمشقي: الناس رووا هذا الحديث عن

١٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
عبد الله بن صالح. وقال الجياني: نسبه ابن السكن فقال: حدثنا عبد الله بن
يوسف(١).
ومعنى: (أوفى): علا وأشرف.
و(الثنية): أعلى الجبل، وهو ما يرى منه على البعد، وقال ابن
فارس: الثنية من الأرض كالمرتفع(٢). وقال الداودي: هي الطريق
التي في الجبال نظير الطريق بين الجبلين.
والفَدْفَد: الأرض الغليظة ذات الحصى لا تزل الشمس تدف فيها،
ذكره القزاز. وقال ابن فارس: الأرض المستوية(٣). وقال الخطابي: رابية
مشرفة(٤). وقال أبو عبيد: الفدفد: المكان المرتفع فيه صلابة(٥). والثنية:
أعلى مسيل في رأس الجبل. وقال صاحب ((العين)): الثنايا: العِقَاب(٦).
وتكبيره وَ﴿ عند إشرافه على الجبال استشعارٌ لكبرياء الله، عندما تقع
عليه العين من عظيم خلقه أنه أكبر من كل شيء كما سلف قريبًا، وأما
تسبيحه في بطون الأودية فهو مستنبط من قصة يونس القليلة وتسبيحه في
بطن الحوت. قَالَ تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينِّ ◌َ لََّبِثَ فِى
بَطْنِ إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ (٣٤)﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤] فنجاه الله تعالى
بذلك من الظلمات، فامتثل الشارع هذا التسبيح في بطون الأودية؛
لينجيه الله منها ومن أن يدركه عدو، وقيل: إن تسبيح يونس كان
(١) ((تقييد المهمل)) ٩٩٣/٣.
(٢) ((المجمل)) ١٦٤/١، مادة (ثنى).
(٣) ((مقاييس اللغة)) مادة (فدَّ)
((أعلام الحديث)) ٢/ ١٤٣٦.
(٤)
(٥) فيما رواه عن الأصمعي، كما في ((تهذيب اللغة)) مادة (فدَّ) ٣/ ٧٥١.
(٦) فى ((العين)) ٣٥٧/٥: الكَفَرَ (بالتحريك) الثنايا من الجبال. اهـ

١٣٥
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
صلاة قبل أن يلتقمه الحوت فروعي فيه فضلها، والأول أولى بدليل
التسبيح من الشارع في بطون الأودية وكل منخفض، وقيل: معنى
تسبيحه هنا في ذَلِكَ، أنه لما كان (١) التكبير لله تعالى عند رؤية عظيم
مخلوقاته وجب أن يكون فيما أنخفض من (الأرض)(٢) تسبيح الله
تعالى؛ لأن التسبيح في اللغة: تنزيه الله تعالى من النقائص كالولد
والشريك والصاحبة(٣)، فسبحان الله: براءته من ذلك (٤).
(١) في (ص١) زيادة: في.
(٢) في (ص١): الموت.
(٣) هذا كلام ابن الأنباري في ((شرح ابن بطال)) ١٥٣/٥.
(٤) تعليل التكبير إلى هنا نقله عن ((شرح ابن بطال)) ١٥٣/٥ من قول المهلب وغيره.

١٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٣٤- باب يُكْتَبُ لِلْمُسَافِرِ مِثْلُ مَا كَانَ
يَعْمَلُ في الإِقَامَةِ
٢٩٩٦ - حَدَّثَنَا مَطَرُ بْنُ الفَضْلِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا العَوَّامُ، حَدَّثَنَا
إِبْرَاهِيمُ أَبُو إِسْمَاعِيلَ السَّكْسَكِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بُزْدَةَ وَاصْطَحَبَ هُوَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي
كَبْشَةَ فِي سَفَرٍ، فَكَانَ يَزِيدُ يَصُومُ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بُزْدَةَ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى مِرَارًا
يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا مَرِضَ العَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ
مُقِيمًا صَحِيحًا)). [فتح ٦ /١٣٦].
ذكر فيه حديث (إبراهيم أبي إِسْمَاعِيلَ)(١) السَّكْسَكِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ
أَبَا بُرْدَةَ وَاصْطَحَبَ هُوَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي كَبْشَةَ فِي سَفَرٍ، فَكَانَ يَزِيدُ يَصُومُ
فِي السَّفَرِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بُرْدَةَ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَىُ مِرَارًا يَقُولُ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا مَرِضَ العَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ
مُقِيمًا صَحِيحًا)).
هذا الحديث من أفراده وله شواهد: منها حديث أبي موسى
الأشعري رفعه: ((إذا كان العبد يعمل عملا صالحًا يشغله عن ذَلِكَ
مرض أو سفر كتب الله له كصالح ما كان يعمل وهو صحيح مقيم))
أخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري(٢).
ومنها حديث سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن جده رفعه: ((ألا إن
الله يكتب للمريض أفضل ما كان يعمل في صحته ما دام في وثاقه،
والمسافر أفضل ما كان يعمل في حضره)) أخرجه الطبراني في ((أكبر
معاجمه))(٣).
(١) في الأصل: (أبي إبراهيم إسماعيل) والتصويب من اليونينية ٤ / ٥٧.
(٣) أخرجه في ((الأوسط)) ٢٧٣/٨.
(٢) ((المستدرك)) ٣١٤/١.

١٣٧
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
ومنها حديث أنس قَالَ: قَالَ رسول الله وَلَّ: ((إذا ابتلى الله العبد
المسلم ببلاء في جسده قَالَ الله تعالى: أكتب له صالح عمله الذي
كان يعمل. فإن شفاه غسله وطهره، وإن قبضه غفر له ورحمه)) رواه
أحمد، عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن أبي ربيعة سنان، عن
أنس به(١). ومنها حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي الآتي(٢).
فصل :
وهذا الحديث أيضًا أصله في كتاب الله تعالى قَالَ جل من قائل:
﴿لَقَدْ خَلَقْنَ اُلْإِنْسَنَ فِيَّ أَحْسَنِ تَقْوِيمِ ﴿٣) ثُمَّ رَدَدْتَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ فَلَهُمْ أَجْرُ غَيْرُ مَنُونٍ ﴾﴾ [التين: ٤-٦]، أي: مقطوع. يريد: أن
لهم أجرهم في حال الكبر والضعف عما كانوا يعملونه في الصحة غير
مقطوع لهم، فكذلك كل مرض من غير الزمانة، وكل آفة من سفر
وغيره تمنع من العمل الصالح المعتاد، فإن الله تعالى قد تفضل
بإجراء أجره على من منع ذَلِكَ العمل بهذا الحديث، ثم هو ليس
على عمومه، وإنما هو لمن كانت له نوافل وعادة من عمل صالح
فمنعه الله تعالى منها بالمرض أو السفر، وكانت نيته لو كان صحيحًا
أو مقيمًا أن يدوم عليها ولا يقطعها، فإن الله سبحانه يتفضل عليه بأن
يكتب له أجر ثوابها حين حبسه عنها، فأما من لم يكن له نفل
ولا عمل صالح فلا يدخل في معنى هذا الحديث، كما نبه عليه ابن
بطال(٣)، فإنه لم يمنعه مرضه من شيء، فكيف يكتب له ما لم يكن
یعمله؟
(١) ((المسند)) ١٤٨/٣، وفيه (عن حسن وعفان) اهـ يعني: كلاهما عن حماد.
(٢) يعني الآتي لاحقًا في الشرح، ضمن الفصل الآتي.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ١٥٤/٥ - ١٥٥.

١٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ومما يدل على أن الحديث في النوافل ما روى معمر، عن عاصم بن
أبي النجود، عن خيثمة، عن عبد الله بن عمرو قال النبي ◌َّ: ((إن العبد
إذا كان على طريقة حسنة من العبادة ثم مرض، قيل للملك الموكل به:
أكتب له مثل عمله إذا كان طلقًا حَتَّى أطلقه أو أكفته إليَّ))(١) وأخرجه
أحمد بلفظ: ((ما من أحد من الناس يصاب ببلاء في جسده إلا أمر الله
الملائكة الذين يحفظونه، يقول: اكتبوا لعبدي في كل يوم وليلة ما كان
يعمل من خير ما كان في وثاقي)) (٢)، وأخرجه الحاكم في ((مستدركه))
أيضًا وقال: ((ما من مسلم)) بدل: ((ما من أحد)) وقال: صحيح على
شرط الشيخين(٣).
وقوله: ( ((إذا كان على طريقة حسنة من العبادة)) ) لا يقال إلا في
النوافل، ولا يقال ذَلِكَ لمؤدي الفرائض خاصة؛ لأن المريض والمسافر
لا تسقط عنهما صلوات الفرائض، فسنة المريض الجلوس في الصلاة إن
لم يطق القيام، والإيماء إن لم يطق الجلوس، وسنة المسافر القصر ولم
يبق أن يكتب لهما إلا أجر النوافل، كما قَالَ وَلِّ: ((ما من أمرئ يكون له
صلاة بالليل يغلبه عنها نوم إلا كتب له أجر صلاته، وكان نومه صدقة
عليه)) (٤) وهذا لا إشكال فيه.
(١) ((الجامع)) لمعمر مع ((المصنف)) ١٩٦/١١.
(٢) ((مسند أحمد)) ٢٠٣/٢، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٣٠٣/٢ إسناده
صحیح.
(٣) ((المستدرك) ٣٤٨/١.
(٤) رواه النسائي ٣/ ٢٥٧، وابن ماجه (١٣٤٤)، وصححه ابن خزيمة (١١٧٢)، وابن
حبان ٦/ ٣٢٣ (٢٥٨٨)، والعراقي في ((تخريج الإحياء)) ٣١٤/١، والألباني في
((الإرواء)) (٤٥٤).

١٣٩
■ِ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
واعترضه ابن المنير، وقال: هذا تحجير واسع؛ بل يدخل فيه
الفرائض التي شأنه أن يعمل بها وهو صحيح إذا عجز عنه فعلًا؛ لأنه
قام به عزمًا أن لو كان صحيحًا، حَتَّى صلاة الجالس في الفرض
لمرضه يكتب له بها أجر صلاة القائم (١).
وقال ابن التين: هذا مجازاة على النية، فنية المؤمن خير من عمله
كما قيل.
قلتُ: وقد ورد أيضًا، ويحتمل إن تكلف المريض أو المسافر أقل
العمل كان أفضل من عمله وهو صحيح مقيم.
فصل :
هُذِهِ الأحاديث دالة على أن الأعذار المرخصة لترك الجماعة كما
تنفي الحرج عن التارك يحصل له فضل الجماعة إذا صلاها منفردًا،
وكان قصده الجماعة لولا العذر، وبه صرح الروياني في ((تلخيصه))
قَالَ للأخبار الواردة في الباب.
ويشهد له أيضًا حديث أبي هريرة: ((من توضأ فأحسن وضوءه ثم
خرج إلى المسجد فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله رَك مثل أجر من
صلاها وحضرها، لا ينقص ذَلِكَ من أجرهم شيئًا)) رواه أبو داود
والنسائي والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم(٢). وهو راد على
قول النووي في ((شرح المهذب)) (حيث قَالَ:)(٣) إن هذِه الأعذار
تسقط الكراهة أو الإثم ولا تكون محصلة للفضيلة.
(١) ((المتواري)) ص١٦٥. بتصرف.
(٢) أبو داود (٥٦٤)، والنسائي ٢/ ١١١.
(٣) من (ص١).

١٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فصل :
يزيد بن أبي كبشة سكسكي دمشقي من بيت لَهْيا وعقبه بها، واسم
أبي كبشة: جبريل بن يسار، أحد أمراء العراق، روى عن مروان بن
الحكم وأبيه، ورجل له صحبة، فهو إذن تابعي، مات في خلافة
سليمان بن عبد الملك(١).
(١) ينظر ترجمته في ((تاريخ خليفة)) ص٢٧٨، ((التاريخ الكبير)) ٨/ (٣٣١٢)، ((الثقات))
٥٤٤/٥، ((تهذيب الكمال)) ٢٢٨/٣٢ (٧٠٣٩)، ((سير أعلام النبلاء)) ٤٤٣/٤.