Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = وفيه: جواز حمل الصبيان في الغزو كما بوب له (١). وقوله: (يحوي لها وراءه) فالحوية: مركب يهيأ للمرأة، قاله في ((العين))(٢)، فكان ◌َليه يجعل العباءة حوية، يجعلها حول سنام البعير. وقوله: ( «اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز الكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين وغلبة الرجال)) ) قَالَ الخطابي: أكثر الناس لا يفرقون بين الهم والحزن، وهما على اختلافهما في الأسم متقاربان في المعنى، إلا أن الحزن إنما يكون على أمر قد وقع، والهم إنما هو فيما يتوقع ولما يكون بعد(٣). وقال القزاز: الهم: هو الغم والحزن. تقول: أهمني هذا الأمر أحزنني وهو مُهِم، ويحتمل أن يكون من همه المرض إذا أذابه وأنحله، مأخوذ من هم الشحم إذا أذابه، والشيء مهموم أي: مذاب، فيكون تعوذه من المرض الذي ينحل جسمه، (وضلع الدين): ثقله وغلظه، يقال: رجل ضليع إذا كان بدينًا قويًّا. وقوله: (وكانت عروسًا) قَالَ الخليل: (رجل) (٤) عروس في رجال عرس، وامرأة عروس في نساء عرائس قَالَ: والعروس نعت يستوي فيه الرجل والمرأة ما داما في تعريسهما أياما، وأحسن ذَلِكَ أن يقال للرجل مُعرس؛ لأنه قد أعرس أي: أتخذ عروسًا، وسيأتي طرف منه في المغازي. (١) ((شرح ابن بطال)) ٨٧/٥-٨٨. (٣) ((أعلام الحديث)) ١٣٩٤/٢. (٢) ((العين)) ٣١٨/٣. (٤) في (ص١): أسلفت. ٦٠٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٧٥ - باب رُكُوبِ البَحْرِ ٢٨٩٤، ٢٨٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدِ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَخْيَى بْنِ حَبَّنَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ◌َ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُ حَرَامٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ قَالَ يَوْمًا فِي بَيْتِهَا، فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يُضْحِكُكَ؟ قَالَ: ((عَجِبْتُ مِنْ قَوْم ◌ِنْ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ البَحْرَ، كَالْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ)». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اَدْعُ اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ: ((أَنْتِ مَعَهُمْ)). ثُمَّ نَامَ، فَاسْتَيْقَظَ وَهْوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ الهِ، أَدْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَيَقُولُ: ((أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ)). فَتَزَوَّجَ بِهَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، فَخَرَجَ بِهَا إِلَى الغَزْوِ، فَلَمَّا رَجَعَتْ قُرِّبَتْ دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا، فَوَقَعَتْ فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا. [انظر: ٢٧٨٨، ٢٧٨٩، مسلم: ١٩١٢ - فتح: ٨٧/٦] ذكر فيه حديث أنس في قصة أم حَرَام، وقد سلف. وقدمنا أن فيه جواز ركوب البحر للجهاد، وإذا جاز للجهاد فالحج أجوز، لا جرم أن الأظهر عند الشافعي وجوب ركوبه له إن غلبت السلامة. وبه قَالَ مالك وأبو حنيفة؛ وكره مالك للمرأة الحج في البحر، وهو للجهاد أكره، وسببه أن المرأة لا تكاد تستر عن الرجال ولا يستترون عنها، ونظرها إلى عَورات الرجال ونظرهم إليها حرام، فلم (ير لها)(١) استباحة فضيلة ولا أداء فريضة بمواقعة محرم. وذكر مالك أن عمر بن الخطاب كان يمنع الناس من ركوب البحر فلم يركبه أحد طول حياته، فلما مات أستأذن معاوية عثمان بن عفان في ركوبه فأذن له، فلم يزل يركب حَتَّى كان عمر بن عبد العزيز فمنع من (١) في الأصل: يُولها. وأثبتنا الموافق لما في ابن بطال. ٦٠٣ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ ركوبه، ثم ركب بعده إلى الآن(١). ولا حجة لمن منع ركوبه، لأن السنة أَبَاحَتْهُ (للجهاد)(٢) للرجال والنساء في حديث الباب وغيره، وهي الحجة وفيها الأسوة، وقد ذكر أبو عبيد أنه وَّل نهى عن ركوبه في وقت ارتجاجه وصعوبته، ساقه من حديث أبي عمران الجوني عن زهير بن عبد الله يرفعه: ((من ركب البحر إذ التَجَّ)) أو قَالَ: ((ارْتَجَّ فقد برئت منه الذمَّة)) أو قَالَ: ((فلا يلومن إلا نفسه))(٣)، قَالَ أبو عبيد: وأكثر ظني أنه قَالَ التج باللام(٤)، فدل على أن ركوبه مباح في غير هذا الوقت في كل شيء في التجارة وغيرها وقد سبق في باب التجارة في البحر من البيوع واضحًا. (١) ((الاستذكار)) ٢٨٦/١٤-٢٨٧. (٢) في (ص١): في الجهاد. (٣) قال الحافظ في ((الفتح)) ٨٨/٦: زهير مختلف في صحبته، وقد أخرج البخاري حديثه في ((تاريخه))؛ فقال في روايته: (عن زهير عن رجل من الصحابة)؛ وإسناده حسن. (٤) ((غريب الحديث)) ١٦٦/١. ٦٠٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٧٦ - باب مَنِ اسْتَعَانَ بِالضُّعَفَاءِ وَالصَّالِحِينَ في الحَرْبِ وَقَالَ ابنِ عَبَّاسِ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ قَالَ: قَالَ لِي قَيْصَرُ: سَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ أَتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَزَعَمْتَ ضُعَفَاؤُهُمْ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ. ٢٨٩٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: رَأَى سَعْدٌ ◌َُ أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهُ ((هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؟)). [فتح: ٨٨/٦] ٢٨٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرًا، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ ﴿، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ ◌ّهِ قَالَ: ((يَأْتِي زَمَانٌ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ النَّبِيّ ◌ََّ؟ فَيُقَالُ نَعَمْ. فَيُفْتَحُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ فَيُقَالُ: فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ أَصْحَابَ النَّبِّ ◌ِ﴿؟ فَيُقَالُ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ، ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ فَيُقَالُ: فِيَكُمْ مَنْ صَحِبَ صَاحِبَ أَصْحَابِ النَّبِّ نَ؟ فَيُقَالُ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ)). [٣٥٩٤، ٣٦٤٩ - مسلم: ٢٥٣٢ - فتح: ٨٨/٦] ثم ساق حديث مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: رَأىْ سَعْدٌ ﴾ أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؟». وحديث أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِّي ◌َّرِ قَالَ: ((يَأْنِي زَمَانٌ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ◌َ؟ فَيُقَالُ نَعَمْ. فَيُفْتَحُ عَلَيْهِم، ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ فَيُقَالُ: فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ نَّه؟ فَيُقَالُ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ، ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ فَيُقَالُ: فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ صَاحِبَ أَصْحَابٍ رسول الله وَِّ؟ فَيُقَالُ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ)). ٦٠٥ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = الشرح : التعليق عن ابن عباس سلف أول الكتاب وغيره مسندًا(١). وحديث سعد من أفراده وعند الإسماعيلي: ((إنما نصر)) وفي لفظ: ((نصر الله هذِه الأمة بضعفائهم بدعواتهم وصلواتهم وإخلاصهم)) وفي لفظ: ظن أن له فضلًا على من دونه من أصحاب رسول الله وَله . وللنسائي: ((بصومهم وصلاتهم ودعائهم))(٢). ولعبد الرزاق عن مكحول أن سعدًا قَالَ: يا رسول الله، أرأيت رجلًا يكون حامية القوم، ويدفع عن أصحابه أيكون نصيبه كنصيب غيره؛ فقال وَالر: ((ثكلتك أمك يا ابن أم سعد، وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم؟!))(٣). وحديث أبي سعيد سيأتي في أعلام النبوة وغيرها، وتأويل ذَلِكَ أن عبادة الضعفاء ودعاءهم أشد إخلاصًا وأكثر خشوعًا لخلو قلوبهم من التعلق بزخرف الدنيا وزينتها، وصفاء ضمائرهم مما يقطعهم عن الله تعالى، فجعلوا همَّهم همَّا واحدًا فزكت أعمالهم، وأجيب دعاؤهم. وعبارة ابن التين تعني: أنهم قليلو المال والعشائر؛ لأنهم من قبائلَ شتى، يدعون من أقاصي البلاد، وهم أهل الضُّفَّة، حبسوا أنفسهم لله، فأكثر قصدهم الغزو والصلاة والدعاء. قَالَ المهلب: إنما أراد ◌َ له بهذا القول لسعد الحض على التواضع، ونفي الكبر والزهو عن قلوب المؤمنين. (١) سلف برقم (٧) كتاب بدء الوحي. (٢) النسائي ٤٥/٦؛ بلفظ: ((بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم)). (٣) ((مصنف عبدالرزاق)) ٣٠٣/٥ (٩٦٩١). ٦٠٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ففيه من الفقه: أن مَنْ زَهَا على مَنْ هو دونه، أنه يَنْبغي أَنْ يُبَيَّنَ من فضله ما يُحْدِثُ له في نفس المَزْهُوِّ مِقْدَارًا وفضلًا حَتَّى لا يحتقر أحدًا من المسلمين، ألا ترى أنه وَ ﴿ أبان من حال الضعفاء ما ليس لأهل القوة من الغناء، فأخبر أن بدعائهم وصومهم وصلاتهم ينصرون. ويمكن أن يكون هذا المعنى الذي لم يذكره في حديث سعد الذي (ذكرناه)(١) الذي رأى به الفضل لنفسه على من دونه، وفي حديث أبي سعيد ما يشهد لصحته، ويوافق معناه قوله ◌َّقة: ((خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم))(٢)، لأنه يفتح لهم لفضلهم ثم يفتح للتابعين لفضلهم، ثم يفتح لتابعيهم، فأوجب الفضل للثلاثة القرون، ولم يذكر الرابع، ولم يذكر له فضلًا فالنصر منهم أقل. وفيه: معجزة لسيدنا رسول الله وَّله وفضله لأصحابه وتابعيهم. والفئام: بفاء مكسورة وهمزة، ويقال بتخفيفها، وثالثة فتح الفاء ذكره ابن عديس، قَالَ الأزهري والجوهري: العامة تقول فيام بلا همز (٣)، وهي الجماعة من الناس وغيرهم، قاله صاحب ((العين)) (٤)، ولا واحد له من لفظه. وجاء في لفظ: ((هل فيكم من رأى رسول الله (وَّ)) بدل من (صحب))، وهو رد لقول جماعة من المتصوفة القائلين أن سيدنا رسول الله ◌ّي لم يره أحد في صورته، ذكره السمعاني. (١) في الأصل: زدناه. (٢) سلف برقم (٢٦٥١) كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور. (٣) ((تهذيب اللغة)) ٢٧٢٧/٣، ((الصحاح)) ٢٠٠٠/٥. (٤) ((العين)) ٤٠٥/٨. ٦٠٧ = ڪِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ ٧٧ - باب لَ يَقُولُ: فُلَانَّ شَهِيدٌ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ: ((اللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ، اللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ)). ٢٨٩٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ سَهْلٍ بْنِ سَغْدِ السَّاعِدِيِّ رضى الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّه التَّقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُوَنَ فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ ﴿ إِلَى عَسْكَرِهِ، وَمَالَ الآخَرُونَ إِلَی عَسکرِهِمْ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ نَّه رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةَ إِلَّ أَتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ، فَقَالَ: مَا أَجْزَأَ مِنَّ الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَثَةَ: ((أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ)). فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: أَنَا صَاحِبُهُ. قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ، وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ، قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُزْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ المؤْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَئِهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ. قَالَ: ((وَمَا ذَاكَ؟)). قَالَ: الرَّجُلُ الذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ، فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ، ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ المؤْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الأَرَضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ عِنْدَ ذَلِكَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهْوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهْوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ)). [٤٢٠٢، ٢٠٧. ٦٤٩٣، ٦٦٠٧ - مسلم: ١١٢ - فتح: ٨٩/٦] ثم ساق حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ التَّقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهِ إِلَى عَسْكَرِهِ، وَمَالَ الآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِي القومِ رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً إِلَّا أَتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ، فَقَالَ: مَا أَجْزَأَ مِنََّ اليَوْمَ أَحَدٌ مَا أَجْزَأَ فُلَانٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ .. )) فاتبعه رجل إلى أن ذكر ٦٠٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح أنه جرح نفسه؛ فقتل نفسه .. الحديث، وفي آخره: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهْوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَّلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ». الشرح : التعليق الأول سلف قريبًا مسندًا (١). وحديث سهل يأتي في غزوة خيبر أيضًا، وقال ابن الجوزي: كان يوم أحد، (قَالَ)(٢): واسم الرجل قزمان وهو معدود في المنافقين، وكان تخلف يوم أحد فعيره النساء، وقلن له: ما أنت إلا أمرأة فخرج، فكان أول من رَمَی بسهم، ثم کسر جفن سيفه ونادى: يا للأوس قاتلوا على الأحساب، فلما جرح مَرَّ به قتادة بن النعمان فقال له: هنيئًا لك الشهادة، فقال: إني والله ما قاتلت على دين ما قاتلت إلا على الحناط (٣) ثم قتل نفسه، فقال رسول الله وَالخلية: ((إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر))(٤). واعترض المحب الطبري فقال: كذا زعم ابن الجوزي أن أسمه قزمان، وأنه الَّه قال: ((إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر))، وذكر أنها كانت بأحد، ويؤيده سياق ابن إسحاق في ((سيرته))(٥)، لعل (١) سلف برقم (٢٨٠٣) باب: من يجرح في سبيل الله. (٢) من (ص١). (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: الحنوط والحناط واحد، وهو ما يخلط من الطيب لأكفان الموتى وأجسامهم خاصة. (٤) الجزء المرفوع سيأتي برقم (٣٠٦٢) باب: ((إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر))، من حديث أبي هريرة؛ ورواه مسلم (١١١) كتاب: الإيمان، باب: غلظ تخريم قتل الإنسان نفسه .. (٥) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٣٧/٣. ٦٠٩ - كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ ابن الجوزي وَهِمَ في تسميته ذلك بقزمان لتشابه اللفظ. قال: وفي رواية: كان ذلك بخيبر، وفي أخرى: بحنين. إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالكلام علیه من وجوه: أحدها: أعترض المهلب فقال: في الحديث ضد ما ترجم به البخاري أنه لا يقال: فلان شهيد، ثم أدخل هذا الحديث وليس فيه من معنى الشهادة شيء، وإنما فيه ضدها، والمعنى الذي ترجم به قولهم: (ما أجزأ منا اليوم أحد، ما أجزأ فلان)، فمدحوا جزاءه وغَنَاءَهُ، ففهم منهم (أنهم)(١) قضوا له بالجنة في نفوسهم بغنائه ذَلِكَ، فأوحى الله إليه بغيب مآل أمره لئلا يشهدوا لحي شهادة قاطعة عند الله ولا لميت كما قَالَ رسول الله وَّ في عثمان بن مظعون: ((والله ما أدري وأنا رسول الله ما يُفعل به))(٢)، وكذلك لا يعلم شيئًا من الوحي حَتَّى يوحى إليه به، ويعرف بغيبه فقال: ((إنه في النار)) بوحي من الله له. ثانيها: الشاذة والفاذة: بذالين معجمتين، والشين في الأولى معجمة: ما شذت عن صواحبها، وكذا الفاذة التي انفردت، وصفه بأنه لا يبقى شيء إلا أتى عليه، وأنثها على وجه المبالغة كما قالوا: علامة ونسابة. وعن ابن الأعرابي: فلان لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إذا كان شجاعًا لا يلقاه أحد، وقيل: أنث الشاذة؛ لأنها بمعنى النسمة. وقال الخطابي: الشاذة: هي التي كانت في القوم ثم شذت منهم، والفاذة: من لم تختلط معهم أصلًا(٣)، وقال الداودي: يعني هما ما صغر و کېر ویرکب کل صعب وذلول. (١) في الأصل: أنه. ولعل الصواب ما أثبتناه. (٢) سلف برقم (١٢٤٣) كتاب الجنائز، باب الدخول على الميت بعد الموت .. (٣) ((أعلام الحديث)) ١٧٤١/٣. ٦١٠ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح و(أجزأ) مهموز، أي: ما أغنى منا ولا كفى. قَالَ القرطبي: كذا صحت روايتنا فيه رباعيًّا(١). وفي ((الصحاح)) أجزأني الشيء: كفاني، وجزأ عني هذا الأمر، أي: قضى(٢). و(ذباب السيف) طرفه كما قاله القزاز، (وحدُّه)(٣) كما قاله ابن فارس (٤). وقوله: (بين ثدييه) قَالَ ابن فارس: الثدي للمرأة، والجمع التُّدى، ويذكر ويؤنث، وثُنْدُؤَةُ الرجل كثدي المرأة، وهو مهموز إذا ضم أوله، فإذا فتحت لم يهمز، ويقال: هو طرف الثدي(٥). ووصفه الرجل بأنه من أهل النار يحتمل أمورًا : أحدها: لنفاقه في الباطن ويؤيده ما أسلفناه. ثانيها: أنه لم (يكن ليقاتل)(٦) لتكون كلمة الله هي العليا. ثالثها: أنه آرتاب عند الجزع فمات على شك. رابعها: أنه لم يبلغ به الجراح إلى أن أنفذت مقاتِلَهُ ليكون كمن استسرع الموت، وكمن احترق مركب وهو فيه فرمى بنفسه إلى البحر وإن كان ربيعة يكره ذَلِكَ، قَالَ ابن التين: وذكره أن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة يدل أنه لم يكن منافقًا ولا قاتل لغير الله، وإنما ذَلِكَ لقتله نفسه. ثالثها: فيه صدق الخبر عما يكون وخروجه على ما أخبر به المخبر زيادة في زكاته، وهو من الشارع من علامات النبوة، وزيادة في يقين (١) ((المفهم)) ٣١٧/١. (٣) في (ص١): أو حدُّه. (٥) ((مجمل اللغة)) ١/ ١٥٧. (٢) ((الصحاح)) ٤٠/١. (٤) ((مجمل اللغة)) ٣٥٥/١. (٦) في (ص١): يقاتل. ٦١١ = ڪِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ == المؤمنين به، ألا ترى قول الرجل حين رأىْ قَتْلَهُ لِنَفْسِهِ: أشهد أنك رسول الله، وهو قد كان شهد قبل ذلك، وقد قال ذلك الصديق في غير ما قصة، حين كان يرى صدق ما أخبر به، كان يقول: أشهد أنك رسول الله. وفيه: جواز الإغياء(١) في الوصف لقوله: (ما أجزأ منا اليوم أحد مثل ما أجزأ)، ولا شك أن في الصحابة من كان فوقه، وأنه قد ترك شاذات وفاذات لم يدركها، وإنما خرج كلامه على الإغياء والمبالغة، وهو جائز عند العرب. وقوله: (إلا أتبعها بسيفه) معناه: يضرب الشيء المتبوع؛ لأن المؤنث قد يجوز تذكيره على معنى أنه شيء وأنشد الفراء (للأعرابية)(٢): تركتني في الحي ذا غربة تريد ذات (غربة)(٣)، لكنها ذكرت على تقدير تركتني في الحي (إنسان)(٤) ذا غربة أو شخصا ذا غربة، قَالَ القرطبي في حديث أبي هريرة: ((إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة ثم يختم له بعمل أهل النار فيدخلها)) وهو غير حديث سهل، لأن ذاك لم يكن مخلصًا، وهنا يتأول -على بُعْدٍ - على من كان مخلِصًا في أعماله قائمًا على شروطها، لكن سبقت عليه سابقة القدر الذي لا محيص عنه فبدل به عند خاتمته(٥). (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: يقال: أغيا الرجل إذا بلغ [الغاية] في الشرف والأمر و[الغاية] في سباقه كذلك. (٢) بياض في الأصل، والمثبت من (ص١). (٣) من (ص١). (٤) كذا في الأصول، والصحيح: إنسانًا، وعليها في الأصل: كذا. (٥) ((المفهم)) ٣١٩/١. ٦١٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٧٨ - باب التَّحْرِيضِ عَلَى الرَّمْيِ وَقَوْلِ اللهِ دَّ: ﴿وَعِدُواْ لَهُم مَا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِنْ رِّبَاطِ اُلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾. [الأنفال: ٦٠] ٢٨٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ عَّهِ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ بَّهَ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّة: «ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًّا، أَرْمُوا وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلانٍ)). قَالَ: فَأَمْسَكَ أَحَدُ الفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ؟)). قَالُوا: كَيْفَ نَزْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ؟ قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((ارْمُوا فَأَنَا مَعَكُمْ كُلَّكُمْ)). [٣٣٧٣، ٣٥٠٧ - فتح: ٦ /٩١] ٢٩٠٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الغَسِيلِ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َهَ يَوْمَ بَدْرِ حِينَ صَفَفْنَا لِقُرَيْشٍ وَصَقُّوا لَنَا: ((إِذَا أَكْنَبُوكُمْ فَعَلَيْكُمْ بِالنَّبْلِ)). [٣٩٨٤، ٣٩٨٥ - فتح: ٩١/٦] ذكر فيه حديث سَلَمَة بْنِ الأَكْوَعِ: مَرَّ النَّبِيُّ ◌َّهَ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَهِ: ((ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًّا، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ)). قَالَ: فَأَمْسَكَ أَحَدُ الفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ؟. قَالُوا: كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ؟ قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((ارْمُوا فَأَنَا مَعَكُمْ كُلَّكُمْ)). وحديث أبي نُعَيْم، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الغَسِيلِ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ، عَنْ أَبِيِهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهَ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ صَفَفْنَا لِقُرَيْشٍ وَصَفَّوا لَنَا: ((إِذَا أَكْثَبُوكُمْ فَعَلَيْكُمْ بِالنَّبْلِ)». ٦١٣ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = الشرح : أما الآية: فالقوة المذكورة فيها هو الرمي، كما أخرجه مسلم من حديث عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله وسلم يقول وهو على المنبر: ((﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] ألا إن القوة الرمي)) ثلاثًا(١). وقال ابن المنذر أيضًا: إنه ثابت. والقوة: التقوِّي بإعداد ما يحتاج إليه من الدروع والسيوف وسائر آلات الحرب، إلا أنه لما كان الرمي أنكاها في العدو، وأنفعها على ما هو مشاهد، فسرها به وخصها بالذکر وأكدها ثلاثًا. وفيه أيضًا من هذا الوجه مرفوعًا: ((من علم الرمي ثم تركه فليس منا))(٢)، وفي رواية الحاكم ((فهي نعمة كفرها)). ثم قَالَ: صحيح الإسناد (٣). ولأبي داود: ((إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر في الجنة، صانعه يحتسب به، والرامي به، ومنبله، فارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إليَّ من أن تركبوا، ليس من اللهو إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله، ومن ترك الرمي بعدما علمه رغبة عنه فإنها نعمة تركها)) أو قَالَ: ((كفرها))(٤). وللترمذي من طريق منقطعة: ((ألا إن الله سيفتح عليكم الأرض، وستكفون المؤنة، فلا يعجزن أحدكم أن يلهو بسهمه))(٥). (١) مسلم (١٩١٧) كتاب الإمارة، باب فضل الرمي والحث عليه. (٢) مسلم (١٩١٩) كتاب الإمارة، باب فضل الرمي، من حديث عقبة بن عامر. (٣) ((المستدرك)) ٢ /٩٥. (٤) ((سنن أبي داود)) (٢٥١٣) وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٤٣٣). (٥) ((سنن الترمذي)) (٣٠٨٣)، من طريق صالح بن كيسان، عن رجل لم يسمه، عن عقبة بن عامر، به مرفوعًا. ٦١٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وحديث سلمة: من أفراده، وفي رواية للحاكم: فلقد رموا عامة يومهم ذَلِكَ ثم تفرقوا على السواء ما يضل بعضهم بعضا. وقال في أوله: ((حسن هذا اللهو))(١) مرتين أو ثلاثًا، ثم قَالَ: صحيح الإسناد(٢). وروى ابن (مطير)(٣) في كتاب ((الرمي)) بإسناده عن أبي العالية عن ابن عباس أنه ◌ُ * مر بنفر يرمون فقال: ((رميًا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميًا)) (٤). وروى ابن حبان في (صحيحه)) من حديث أبي هريرة خرج النبي وَل وأسلم يرمون، فقال: ((ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميًا، أرموا وأنا مع ابن الأدرع)). فأمسك القوم قسيهم قالوا: من كنت معه غلب. قَالَ: ((ارموا وأنا معكم كلكم)) (٥). قلتُ: وابن الأدرع أسمه محجن كما أفاده ابن عبد البر(٦)، وفي حديث سلمة هذا تقويةٌ لما رواه ابن سعد من حديث ابن لهيعة، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، أخبرني بكر بن سوادة، سمع علي بن رباح يقول: قَالَ رسول الله وَ له: ((كل العرب من ولد إسماعيل بن إبراهيم)) (٧)، وذكره ابن هشام أيضًا عن بعض أهل اليمن يعني (١) تحرفت (اللهو) في مطبوع الحاكم إلى: (اللهم). (٢) ((المستدرك)) ٩٤/٢. (٣) تحرفت الميم منها في الأصل إلى باء. والصواب المثبت؛ وهو أبو القاسم الطبراني ونسب هنا إلى جد له، وهو صاحب المعاجم الثلاثة. (٤) ((الرمي)) (١٢)، وفي ((المعجم الكبير)) ١٥٦/١٢ (١٢٧٤٦)، ورواه ابن ماجه (٢٨١٥)، وأحمد ٣٦٤/١، وصححه الحاكم ٩٤/٢ على شرط مسلم. (٥) ((صحيح ابن حبان)) ١٠/ ٥٤٨ (٤٦٩٥). (٦) ((الاستيعاب)) ٤١٩/٣. (٧) ((الطبقات الكبرى)) ١/ ٥١. ٦١٥ = كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ النسابين(١)، وفي كتاب الزبير: حَدَّثَني إبراهيم الجزامي، حَدَّثَني عبد العزيز بن عمران، عن معاوية بن صالح الحميري، عن ثور، عن مكحول قَالَ رسول الله وَّ: ((العرب كلها بنو إسماعيل إلا أربع قبائل: السلف، والأوزاع، وحضرموت، وثقيف)). ورواه صاعد في ((فصوصه)) من حديث عبد العزيز بن عمران، عن معاوية أخبرني مكحول، عن مالك بن يخامر وله صحبة، فذكره(٢). قَالَ ابن عبد البر: قَالَوا: قحطان بن تيمن بن هميسع بن نبت وهو نابت بن إسماعيل، وقيل: قحطان بن يمن بن هميسع بن نابت، وقيل : قحطان بن هميسع بن أصياف بن هميسع بن أصياف بن هميسع بن أصياف بن هود بن شروان بن الثيان بن العامل بن مهران بن يحيى بن يقظان بن (سادب)(٣) وهو نابت بن تيمن بن النبت بن إسماعيل وَلآ، ومن جعل قحطان من ولد إسماعيل يشهد له قول المنذر بن حرام جد حسان بن ثابت حيث يقول: وحارثة الغِطْرِيف مجدًا مؤثَّلا ورثنا من البهلول عمرو بن عامر ونبت بن إسماعيل ما إن تحولا مآثر من نبت بن نبت بن مالك وحديث أبي أسيد - بضم الهمزة- ذكره في المغازي عن عبد الله بن محمد الجعفي، عن أبي أحمد الزبيري، عن ابن الغسيل، عن حمزة والزبير بن المنذر بن أبي أسيد، عن أبيهما. وخالف في ذَلِكَ أبو نعيم الحافظ فأدخل بين حمزة وابن الغسيل عباس بن سهل بن سعد من طريق أبي أحمد الزبيري، عن (١) ((سيرة ابن هشام)) ٤/١-٥. (٢) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ١٥٥/٣٥؛ من طريق عبد العزيز بن عمران، به. (٣) كذا بالأصل. ٦١٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = عبد الرحمن، عن عباس، عن حمزة، عن أبيه، ورواه الطبراني من طريق يحيى الحماني وأبي نعيم الذكيني، عن ابن الغسيل، عن عباس وحمزة بن أبي أسيد(١). وقال أبو نعيم مرة: عن المنذر بن أبي أسيد. ولم يقل: الزبير بن المنذر بن أبي أسيد. وكأنه أشبه لقوله: عن أبيهما. فائدة : قيل: سمي الغسيل لأن الملائكة غسلته. وعبد الرحمن قيل: عاش مائة وستين سنة حكاه ابن التين. إذا تقرر ذَلِكَ؛ فمعنى: (يَنْتَضِلُون): بالضاد المعجمة يَرْتَمُون، يقال: ناضلت الرجل: رميته. والنَّضْلُ الرمي مع الأصحاب، وقال ابن فارس: نَضَلَ فَلانٌ فلانًا في المُرَاماة إذا غلبه، ونَاضَلْت فلانًا غلبته، وانْتَضَل القوم وتَنَاضَلُوا إذا رموا للسَّبْقِ(٢). ثم فيه فوائد: الأولى: قوله ((ارموا بني إسماعيل)) فيه دلالة على رجحان قول من قَالَ من أهل النسب أن اليمن من ولد إسماعيل وأسلم من قحطان، وقد سلف واضحًا. الثانية: قوله: ((فإن أباكم)): فيه أن الجد وإن علا يسمى أبًا. الثالثة: أن السلطان يأمر رجاله بتعلم الفروسية ويحض عليها. الرابعة: أن الرجل يطلب الخلال المحمودة ويتبعها ويعمل (بمثلها)(٣)، قَالَ: (١) ((المعجم الكبير)) ٢٦٢/١٩ (٥٨١-٥٨٢). (٢) ((مجمل اللغة)) ٨٧٠/٢-٨٧١، مادة: (فضل). (٣) في (ص١): (بها). ٦١٧ ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ يومًا على الأحساب نتكل ألسنا وإن كرمت أوائلنا. نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثل ما فعلوا الخامسة: قوله: (حين صففنا لقريش). وفي بعض النسخ: أسففنا، حكاه الخطابي ثم قَالَ: فإن كان محفوظًا فمعناه القرب منهم والتدلي عليهم؛ كأن مكانهم الذي كانوا فيه أهبط من مصاف هؤلاء، ومنه قولهم: أسف الطائر في طيرانه، إذا أنحط إلى أن يقارب إلى وجه الأرض، ثم يطير صاعدًا(١). السادسة: (أكثبوكم). بثاء مثلثة ثم باء موحدة، أي دنوا منكم وقاربوكم، وفي ((الغريبين)) حذف الألف، فلعلهما لغتان، وقال ابن فارس: أكثب الصيد إذا أمكن من نفسه، وهو (من)(٢) الكَثَبَ وهو القُرْب(٣). وقال الداودي معنى أكثبوكم: كثروا وحملوا عليكم، وذلك أن النبل إذا رمي في الجمع لم يخطئ، ففيه ردع لهم. ونقل ابن بطال عن ((الأفعال)) أن العرب تقول: أكثبك الصيد قرب منك، والكثب: القرب، فمعنى أكثبوكم قربوا منكم (٤). السابعة: أن السلطان يعلم المجودين بأنه معهم، أي: من حزبهم، ومحب لهم كما فعل وَلّ للمجودين في الرماية، فقال: ((وأنا مع بني فلان)). أي أنا محب لهم ولفعلهم، كما قَالَ: ((المرء مع من أحب))(٥). الثامنة: أنه يجوز للرجل أن يبين عن تفاضل إخوانه وأهله وخاصته (١) ((أعلام الحديث)) ١٣٩٥/٢. (٢) من (ص١). (٣) ((مجمل اللغة)) ٧٧٩/٢، مادة: كثب. (٤) ((الأفعال)) ص٦٥-٦٦، ((شرح ابن بطال)) ٩٥/٥. (٥) سيأتي برقم (٦١٦٨) كتاب الأدب، باب علامة الحب في الله مق. ٦١٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = في محبته ويعلمهم كلهم أنهم في حزبه ومودته كما قَالَ رَله: ((أنا معكم كلكم)) بعد أن كان أفرد إحدى الطائفتين. التاسعة: أن من صار السلطان عليه في جملة الحزب المناضلين له أن لا يتعرض لمناوأته كما فعل القوم حين أمسكوا؛ لكونه وَلّر مع مناضليهم خوف أن يرموا فيسبقوا فيكون وَل ﴿ مع من سُبق، فيكون ذَلِكَ جنفًا على رسول الله وَّر، فأمسكوا تأدبًا، فلما أعلمهم أنه معهم أيضًا رموا؛ لسقوط هذا المعنى. العاشرة: أن السلطان يجب أن يعلم بنفسه أمور القتال اقتداءً به. فائدة : في فضل الرمي والتحريض عليه غير ما سبق، ولنذكر منها خمسة أحاديث : أحدها: حديث أبي نجيح عمرو بن عبسة مرفوعًا في فضل من رمى بسهم في سبيل الله، أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح (١). ثانيها: حديث كعب بن مرة: ((من رمى بسهم في سبيل الله فبلغ العدو أو لم يبلغ كان له كعتق رقبة)). أخرجه النسائي (٢)، ولابن حبان: ((من رمى فبلغ العدو بسهم رفع الله به درجته)) فقال عبد الرحمن بن النَّخَّام: يا رسول الله، ما الدرجة؟ قَالَ: ((أما إنها ليست بعتبة أمك، ما بين الدرجتين مائة عام))(٣). (١) (سنن الترمذي)) (١٦٣٨). (٢) ((سنن النسائي)) ٢٧/٦؛ وهذا لفظ ابن حبان، وإنما أخرجه النسائي باللفظ الذي عزاه المصنف لابن حبان. (٣) ((صحيح ابن حبان)) ١٠/ ٤٧٥ (٤٦١٤) باللفظ الذي عزاه المصنف للنسائي دون قوله: ((فبلغ العدو أو لم يبلغ)). ٦١٩ = كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ ثالثها: حديث عقبة، وقد سلف أول الباب، ورويناه في ((الخلعيات)) من حديث الربيع بن صبيح عن الحسن -يعني: ابن أبي الحسناء؛ فيما صوبه الخطيب- عن أنس ((يدخل الله الجنة بالسهم ثلاثة: الرامي به، وصانعه، والمحتسب به))، وفي لفظ: ((من أتخذ قوسًا عربية وجبيرها -يعني: كنانته- نفي عنه الفقر)) وفي لفظ: ((أربعين سنة)). رابعها: حديث علي رأى رسول الله وَعليه رجلًا يرمي بقوس فارسية فقال: ((ارم بها)) فنظر إلى قوس عربية فقال: ((عليكم بهذِه وأمثالها، فإن بهذِه يمكن الله لكم في البلاد ويزيدكم في النصر)) أخرجه أبو داود(١) من حديث أبي راشد الحبراني عنه(٢)، وإنما نهى عن القوس الفارسية؛ لأنها إذا انقطع وترها لم ينتفع بها صاحبها، والعربية إذا أنقطع وترها كان له عصا ينتفع بها، حكاه البيهقي (٣). خامسها: حديث أبي عبيدة(٤) عن أبيه عبد الله قَالَ: قَالَ رسول الله 48* يوم الطائف: ((قاتلوا أهل الصنع(٥) فمن بلغ بسهم فإنه درجة في الجنة)). أخرجه الطبراني. (١) المعنيُّ به هنا هو الطيالسي. (٢) ((مسند أبي داود الطيالسي)) ١٣٠/١ (١٤٩). (٣) ((سنن البيهقي الكبرى)) ١٤/١٠. (٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: أخرج حديث عبد الله هذا القراب في كتاب ((الرمي)) من حديث ابنه أبي عبيدة عنه ((قاتلوا أهل الصنع فمن جمع منهم فله درجة)) قالوا يا رسول الله ما الدرجة؟ قال: ((من بين الدرجتين خمسمائة عام». أبو عبيدة لم یسمع من أبيه شيئًا. (٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: الصنع بالصاد المهملة المكسورة ثم نون ساكنة ثم عين مهملة: وهو الموضع الذي يتخذ بناءً وجمعه أصناع، ويقال منها: مصنع ومصانع، وقيل: أراد بالصنع ما فيه الجص، والمصانع: المباني من القصور وغيرها. : ٦٢٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٧٩ - باب اللَّهُوِ بِالْحِرَابِ وَنَحْوِهَا ٢٩٠١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابن المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَّهِ قَالَ: بَيْنَا الَحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َّرَ بِحِرَابِهِمْ دَخَلَ عُمَرُ، فَأَهْوِى إِلَى الَحَصَى فَحَصَبَهُمْ بِهَا، فَقَالَ: ((دَعْهُمْ يَا عُمَرُ)). وَزَادَ عَلِي: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ: في المسْجِدِ. [مسلم: ٨٩٣ - فتح: ٦ / ٩٢] ذكر فيه حديث مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابن المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: بَيْنَا الحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ عِنْدَ النَّبِّ وَ بِحِرَابِهِمْ دَخَلَ عُمَرُ، فَأَهْوِى إِلَى الحَصَى فَحَصَبَهُمْ بِهَا، فَقَالَ: ((دَعْهُمْ يَا عُمَرُ)). وَزَادَ عَلِيُّ: ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ: فِي المَسْجِدِ. وأخرجه الإسماعيلي من حديث الوليد ، ثنا الأوزاعي، عن الزهري؛ فقال: في المسجد. وكذا هو في ((صحيح مسلم))، وهذا الحديث سبق في مثله في الصلاة، وترجم عليه: باب: أصحاب الحراب في المسجد(١)، وقد سلف هناك. واللعب بالحراب سنة؛ ليكون ذَلِكَ (عدة)(٢) للقاء العدو؛ وليتدرب الناس فيه، ولم يعلم عمر معنى ذَلِكَ حين حصبهم حَتَّى قَالَ وَلِّ: ((دعهم)). ففيه: أن من تأول فأخطأ لا لوم عليه؛ لأنه وَلّ لم يوبخ عمر على ذَلِكَ، إذ كان متأولًا، وقال ابن التين: حصب عمر الحبشة يحتمل أن يكون لم ير رسول الله، ولم يعلم أنه رآهم، أو يكون ظن أنه استحى (١) سلف برقم (٤٥٤) من حديث عائشة. (٢) مكررة في الأصل.