Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ كان في أول الإسلام ثم نسخ ذَلِكَ وأبطله قوله تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ فِ اُلْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢٢] الآية (١). وقال المهلب: حقق في ظاهر اللفظ وهو قوله: ((إنما الشؤم في ثلاثة)) حين لم يستطع أن ينسخ التطير من نفوس الناس، فأعلمهم أن الذي يتعذبون به من الطيرة لمن التزمها إنما هي في ثلاثة أشياء، وهي الملازمة لهم مثل دار المنشأ والمسكن، والزوجة التي هي ملازمة في حال العسر واليسر، والفرس الذي به عيشه وجهاده وتقلبه، فحكم بترك هذِه الثلاثة الأشياء لمن التزم التطير حين قَالَ في الدار التي سكنت والمال وافر والعدد كثير: ((اتركوها ذميمة)) خشية أن لا يطول تعذب النفوس بما تكره من هذِه الأمور الثلاثة وتتطير بها، وأما غيرها من الأشياء التي إنما هي خاطرة وطارئة وإنما تحزن بها النفوس ساعة أو أقل، مثل الطائر المكروه الأسم عند العرب يمر برجل منهم، فإنما يعرض له في حين مروره به، فقد أمر ◌ّ في مثل هذا وشبهه لا یضر من عرض له. وأمر في هذِه الثلاثة بخلاف ذَلِكَ لطول التعذب بها، وقد قَالَ وَله : («ثلاث لا يسلم منهن أحد: الطيرة، والظن، والحسد، فإذا تطيرت فلا ترجع، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تحقق)) (٢)، وسيأتي لنا عودة إلى ذَلِكَ في الطب والنكاح إن شاء الله، وظهر أن لا تعارض بين هذا وبين حديث: ((لا طيرة)) وإن توهم بعضهم المعارضة، ولله الحمد. (١) ((التمهيد)» ٢٩٠/٩. (٢) رواه الطبراني ٢٢٨/٣ (٣٢٢٧)، من حديث حارثة بن النعمان، بنحوه. وانظر: (مصنف عبد الرزاق)) ١٠/ ٤٠٣ (١٩٥٠٤). ٥٢٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٤٨ - باب الخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَاَلْحَمِيرَ لِّرْكَبُوهَا وَزِينَةٌ﴾ [النحل: ٨]. ٢٨٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِ صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﴾َ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((الْخَيْلُ لِثَلَاثَةِ: لِرَجُلِ أَجْرٌ، وَلِرَجُلِ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ، فَأَمَّا الذِي لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَطَالَّ فِي مَرْجِ أَوْ رَوْضَةٍ، فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ مِنَ المَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ، وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنٍ كَانَتْ أَرْوَاتُهَا وَآثَارُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ، وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَهَا كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِثَاءً وَنِوَاءَ لأَهْلِ الإِسْلَام فَهْيَ وِزْرٌ عَلَى ذَلِكَ)). وَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ بَّه عَنِ الْحُمُرِ، فَقَالَ: ((مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا إِلَّا هَذِه الآيَةُ الجَامِعَةُ الفَاذَّةُ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّا يَرَؤُ (4)))) [الزلزلة: ٧-٨]. [انظر: ٢٣٧١ - مسلم: ٩٨٧ - فتح: ٦٣/٦] ثم ذكر حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ النبيِ وَّ: ((الْخَيْلُ لِثَلَائَةٍ: لِرَجُلِ أَجْرٌ .. )) إلى آخره، سلف في أبواب الشرب، واستدل به على عدم أكل الخيل، لكنه ثابت بالسنة: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] قيل: إنه عام. وقيل: هو السوس في الثياب. والطّيل: الحبل الذي تربط به الدابة، ويقال بالواو بدل الياء أيضًا، والمعنى أن فرس المجاهد ليمضي على وجهه في الحبل الذي أطيل له؛ فیکتب له بذلك حسنات. ومعنى (استنت): أفلتت فمرحت تجري، والاستنان: أن تأخذ في سنن على وجه واحد ماضيًا، وهو يفتعل من السنن، وهو القصد، ٥٢٣ ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ ويقال: فلان يستن الريح إذا كان على جهتها وممرها، وأهل الحجاز يقولون: يستنها، ويقال في مثل هذا: استنت الفصال حَتَّى القرعَى تضرب مثلًا للرجل الضعيف يرى الأقوياء يفعلون شيئًا فيفعل مثله(١). والشَّرَف: ما ارتفع من الأرض. وقوله: ( ((ولو أنها مرت بنهر .. )) ) إلى آخره. قيل: إنما ذَلِكَ لأنه وقت لا ينتفع بشربها فيه فيغتم لذلك فيؤجر، ويحتمل أن يريد أنه كره شربها من ماء غيره بغير إذن. وقوله: ( ((ونواء))) هو بكسر النون والمد، وقال الداودي: هو بفتح النون والقصر. وقال بعض أهل اللغة: هو بكسر النون والمد. وهذا الذي حكاه عن بعضهم هو قول جماعة منهم، قَالَ: النواء: المعاداة، يقال: ناوأت الرجل نواء ومناوأة: إذا عادیته؛ وأصله من ناء إليك ونؤت إليه. أي: نهضت إليه، ونهض لك. وقال ابن بطال: هو مصدر ناوأت وهي المساواة ثم ذكر المعاداة عن كتاب ((العين))(٢). الوزر: الثقل المثقل للظهر. وقوله: ( ((الجامعة الفاذة)) ) يعني: جمعت أعمال البر كلها دقيقها وجليلها، وكذلك جمعت أعمال المعاصي، وفاذة: منفردة في معناها، ويقال: فاذة وفذة وفاذ وفذ، ومنه: ((تفضل على صلاة الفذ))(٣). ومعنى ذَلِكَ أنها منفردة في عموم الخير والشر لا آية أعم منها، والمعنى أنه من أحسن إلى الحُمر رأى إحسانه في الآخرة، ومن أساء إليها وكلفها فوق طاقتها رأى إساءته في الآخرة. (١) أنظر: ((جمهرة الأمثال)) ١٠٨/١-١٠٩ (٩٨). (٢) ((شرح ابن بطال)) ٦٣/٥. (٣) سلف برقم (٦٤٥) كتاب الأذان، باب فضل صلاة الجماعة، من حديث ابن عمر. ٥٢٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقوله: ( ((لم ينزل عليَّ في الحمر إلا هذِه الآية)) ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ ﴾﴾) [الزلزلة: ٧]: فيه تعليم منه لأمته الاستنباط والقياس، وكيف تفهم معاني التنزيل؛ لأنه شبه ما لم يذكر الله وهي الحمر بما ذكره، من عمل مثقال ذرة من خير، إذ كان معناهما واحدًا، وهذا نفس القياس الذي ينكره من لا تحصيل له ولا فهم عنده؛ لأن هذه الآية يدخل فيها مع الحمر جميع أفعال البر، ألا ترى إلى فهم عائشة وغيرها من الصحابة هذا المعنى من هذِه الآية حين تصدقوا بحبة عنب وقالوا: كم فيها من مثاقيل الذر. وفيه من الفقه: أن الأعمال لا يؤجر المرء في اكتسابها لاعبًا بها، وإنما يؤجر بالنية الخالصة في استعمال ما ورد الشرع بالفضل في علمه؛ لأنها خيل كلها، وقد اختلف أحوال مكتسبها لاختلاف النيات فيها. وفيه: أن الحسنات تكتب للمرء إذا كان له فيها سبب وأصل تفضلًا من الله على عباده المؤمنين؛ لأنه ذكر حركات الخيل ونقلها ورعيها وروثها، وأن ذَلِكَ حسنات للمجاهد. ٥٢٥ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = ٤٩ - باب مَنْ ضَرَبَ دَابَّةَ غَيْهِ في الغَزْوِ ٢٨٦١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو المُتَوَكِّلِ النَّاجِيُّ قَالَ: أَتَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنَّصَارِيَّ، فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْنِي بِمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ. قَالَ: سَافَزْتُ مَعَهُ فِي بَعْضٍ أَسْفَارِهِ - قَالَ أَبُو عَقِيلٍ: لَا أَدْرِي غَزْوَةً أَوْ عُمْرَةَ - فَلَمَّا أَنْ أَقْبَلْنَا قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَعَجَّلَ إِلَى أَهْلِهِ فَلْيُعَجِّلْ)). قَالَ جَابِرٌ: فَأَقْبَلْنَا وَأَنَّا عَلَى جَمَلٍ لِي أَزْمَكَ لَيْسَ فِيهِ شِيَةٌ، وَالنَّاسُ خَلْفِي، فَبَيْنَا أَنَّا كَذَلِكَ إِذْ قَامَ عَلَيَّ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ◌َلَّهِ: ((يَا جَابِرُ، أَسْتَمْسِْك)). فَضَرَبَهُ بِسَوْطِهِ ضَرْبَةً، فَوَتَّبَ البَعِيرُ مَكَانَهُ، فَقَالَ: ((أَتَبِيعُ الجَمَلَ؟)). قُلْتُ: نَعَمْ. فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ وَدَخَلَ النَّبِيُّ المَسْجِدَ فِي طَوَائِفِ أَصْحَابِهِ، فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ، وَعَقَلْتُ الَجَمَلَ فِي نَاحِيَةِ البَلَاطِ، فَقُلْتُ لَهُ: هذا جَمَلُكَ. فَخَرَجَ، فَجَعَلَ يُطِيفُ بِالْجَمَلِ وَيَقُولُ: ((الْجَمَلُ جَمَلُنَ)). فَبَعَثَ النَّبِيُّ وَ أَوَاقٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ: ((أَعْطُوهَا جَابِرًا)). ثُمَّ قَالَ: ((اسْتَوْفَيْتَ الثَّمَنَ؟)). قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ((الثَّمَنُ وَالْجَمَلُ لَكَ)). [انظر: ٤٤٣ - مسلم: ٧١٥ - فتح: ٦ /٦٥] ذكر فيه حديث جابر السالف في الصلاة (وغيره)(١). و(أبو عقيل) بفتح العين، واسمه: بشير بن عقبة الدورقي الناجي. و(أبو المتوكل الناجي) اسمه (علي بن دواد)(٢)، وقيل: ابن داود. وقوله: (وأنا على جمل لي أرمك ليس فيه شية). الأرمك من الإبل: ما في لونه غبرة يخالطها سواد، وذلك اللون هو الرمك والرمكة، والجمل أرمك، وعبارة الأصمعي فيما حكاه أبو عبيد: إذا خالط (١) علم عليها في صلب الأصل (كذا) وفي الهامش: لعله (وغيرها). (٢) كذا في الأصل، وفي حاشيتها: في أصله عمر بن داور، وقيل: ابن داود، والذي أعرفه في اسم أبي المتوكل: علي بلا خلاف، واسم أبيه فيه قولان، أحدهما : داود، والثاني : دواد. وفي (ص١): عمر بن داور. ٥٢٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = حمرته سواد فتلك الرمكة، وبعير أرمك، وناقة رمكاء. وقال صاحب ((العين)): الرمكة: لون في وُرْقةٍ وسواد(١)، والوُرْقة شبه بالغبرة. وعن ابن دريد: الرمك كل شيء خالطت غبرته سوادًا كدرًا (٢). وفي ((الكفاية)): وقال حنيف الحناتم: الحمرة صبرى، والرمكة: بهيا، والخوارة: غزرئ، والصهباء: سرعى. وقيل: الرمكة: الرماد. وقال صاحب ((المطالع)): يقال: أربك بالباء الموحدة أيضا، والميم أشهر. وقوله: (ليس فيه شية). أي: لمعة من غير لونه. قَالَ صاحب (العين)): الشية: لمعة من سواد أو بياض(٣). وعبارة غيره: بياض فيما يخالفه من الألوان، وكذلك السواد في البياض. وعن قتادة في قوله تعالى: ﴿لَّ شِيَةَ فِيهَأَ﴾ [البقرة: ٧١] لا عيب، وأصلها من الوشي، وهي محذوفة الفاء كما حذفت في دية وعدة، وجمعها شيات. وقوله: (إذ قام عليَّ). أي: الجمل، معناه: وقف من الإعياء والكلال، قَالَ تعالى: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾ [البقرة: ٢٠] أي: وقفوا. وفيه تفسير آخر، قَالَ أبو زيد: يقال: قام بي ظهري أي: أوجعني، وكل ما أوجعك من جسدك فقد قام بك، والمعنى متقارب. وفيه: المعونة في الجهاد لسوق الدابة وقودها، وقد رأى وَالآله رجلًا يحط رحل رجل ضعيف فقال: ((ذهب هذا بالأجر)). يعني المعين، وكذلك المعين في سوقها يؤجر عليه. وفيه: جواز إيلام الحيوان لما يصلحه والحمل عليها بعض ما يشق (١) ((العين) ٣٧١/٥. (٢) ((جمهرة اللغة)) ٧٩٨/٢. (٣) الذي في ((العين)) ٢٩٨/٦: الشية: بياض في لون السواد، أو سواد في لون البياض. ٥٢٧ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = بها؛ لأنه جاء أنه أعيى فإذا ضرب (المعنى)(١) فقد كلف ما يشق عليه، وإذا صح هذا فكذا يجوز أن يكلف العبد والأمة بعض ما يشق عليهما إذا كان في طاقتهما ووسعهما، ويؤدبا على تقصيرهما فيما يلزمهما من الخدمة. وفيه: أن السلطان قد يتناول الضرب بيده؛ لأنه إذا ضرب الدابة فأحرى أن يضرب الإنسان الذي يعمل تأديبًا له. وفيه: بركة الشارع؛ لأنه ضربه فأحدث الله له بضربه قوة، وأذهب عنه الإعياء. قَالَ ابن المنذر: واختلفوا في المكتري يضرب الدابة فتموت، فقال مالك: إذا ضربها ضربًا لا تضرب مثله، أو حيث لا تقدر ضمن. وبه قَالَ أحمد وإسحاق وأبو ثور، قالوا: إذا ضربها (ضربا)(٢) يضرب صاحبها مثله ولم يتعد فليس عليه شيء. واستحسن هذا القول أبو يوسف ومحمد، وقال الثوري وأبو حنيفة: هو ضامن إلا أن يكون أمره أن يضرب.(٣) والقول الأول أولى كما قَالَ ابن بطال، وعليه يدل الحديث؛ لأنه 100 لم يضرب الجمل إلا بما يشبه أن يكون أدبًا له مثله ولم يقعد عليه، فكان ذَلِكَ مباحًا، فلو مات الجمل من ذَلِكَ لم يضمنه، لأنه لم يكن متعديًا، والضمان في الشريعة إنما يلزم بالتعدي (٤). (١) كذا في الأصل، وفي الهامش: لعله: (المعين). (٢) من (ص١). (٣) ((الإشراف)) ٢/ ١٠٩. (٤) ((شرح ابن بطال)) ٦٦/٥. ٥٢٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٥٠ - باب الرُّكُوبِ عَلَى الدَّابَّةِ الصَّعْبَةِ وَالْفُحُولَةِ مِنَ الخَيْلِ وَقَالَ رَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ: كَانَ السَّلَفُ يَسْتَحِبُّونَ الفُحُولَةَ مِنَ الخَيْلِ؛ لأَنَّهَا أَجْرىُ وَأَجْسَرُ. ٢٨٦٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا شُغْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ رَ﴾ قَالَ: كَانَ بِالْدِينَةِ فَزَعْ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ◌َّه فَرَسًا لَأَبِي طَلْحَةَ، يُقَالُ لَهُ: مَنْذُوبٌ، فَرَكِبَهُ، وَقَالَ: «مَا رَأَيْنَا مِنْ فَزَع، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا)). [مسلم: ٢٣٠٧ - فتح: ٦٦/٦] أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا عَبْدُ اللهِ، أَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ قال: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَزٌَ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ وَهُ فَرَسًا لأَبِي طَلْحَةَ، يُقَالُ لَهُ: مَنْدُوبٌ، فَرَكِبَهُ، وَقَالَ: ((مَا رَأَيْنَا مِنْ فَزَع، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا». وقد سبق غير مرة، وأثر راشد حكاه غيره عن أنس عنهم. و(أحمد) هذا هو ابن محمد بن موسى مردويه، كما قاله الحاكم، أو ابن محمد بن ثابت شبويه، كما قاله الدارقطني. وفيه: أن ذكور الخيل أفضل للركوب من الإناث لشدتها وجُرْأَتِها، ومعلوم أن المدينة لم تخل من إناث الخيل، ولم ينقل أنه بَيرٍ ولا جملة أصحابه أنهم ركبوا غير الفحول، ولم يكن ذَلِكَ إلا لفضلها على الإناث، إلا ما ذكر عن سعد بن أبي وقاص أنه كان له فرس أنثى بَلْقَاء، نبه عليه ابن بطال(١)، وذكر سيف في ((الفتوح)): أنها التي (١) (شرح ابن بطال)) ٦٦/٥. ٥٢٩ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = ركبها أبو محجن حين كان عند سعد مُقَيَّدًا بالعراق، وفي ((سنن الدارقطني)): عن المقداد قَالَ: غزوت مع رسول الله وَّه يوم بدر على فرس لي أنثى(١). وروي عن خالد بن الوليد أنه كان لا يقاتل إلا على أنثى؛ لأنها تدفع البول وهي تجري، والفحل يحبس البول في جوفه حَتَّى يَنْفَتِقِ؛ ولأن الأنثى أقل صهيلاً، وروى الوليد، عن إسماعيل، عمن أخبره، عن عبادة بن نسيٍّ -أو ابن محيريز- أنهم كانوا يستحبون إناث الخيل في الغارات والبيات. ولما خفي من أمور الحرب، وكانوا يستحبون فحول الخيل في الصفوف والحصون (والمتستر)(٢) من العسكر، ولما ظهر من أمور الحرب، وكانوا يستحبون خصيان الخيل في الكمين والطلائع؛ لأنها أصبر وأبقى في الجهد، وروى أبو عبد الرحمن، عن معاذ بن العلاء، عن يحيى بن أبي كثير رفعه: ((عليكم بإناث الخيل، فإن ظهورها عز وبطونها كنز)). وفي لفظ: ((ظهورها حرز)). وقوله: ( ((وإن وجدناه لبحر١))) أي: واسع الجري كما سلف، و(إن) في قول الكوفيين بمعنى (ما)(٣)، واللام بمعنى (إلا) وهي عند البصريين مخففة من الثقيلة. (١) ((سنن الدارقطني) ٤/ ١٠٢. (٢) كلمة غير واضحة بالأصل وعليها: كذا ولعلها ما أثبتناه. (٣) من (ص١). ٥٣٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٥١ - باب سِهَامِ الفَرَسِ ٢٨٦٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا. وَقَالَ مَالِكٌ: يُسْهَمُ لِلْخَيْلِ وَالْبَرَاذِينِ مِنْهَا، لِقَوْلِهِ: ﴿وَالْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِّكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨] وَلَا يُشْهَمُ لِأَكْثَرَ مِنْ فَرَسٍ. [٤٢٢٨ - مسلم: ١٧٦٢ - فتح: ٦ /٦٧] وَقَالَ مَالِكٌ: يُسْهَمُ لِلْخَيْلِ وَالْبَرَاذِينِ مِنْهَا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَاَلْخَيَّلَ وَاُلْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِّكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨] وَلَا يُسْهَمُ لأَكْثَرَ مِنْ فَرَسٍ. وذكر فيه حديث أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن عُمَرَ رضى الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِهِ جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا. هُذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، وأخرجه الدارقطني من حديث حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن عبيد الله، عن نافع .. فذكره، وفيه: للفارس سهمين وللراجل سهمًا (١). ومن حديث ابن أبي شيبة: ثنا أبو أسامة وابن نمير قالا: ثَنَا عبيد الله، عن نافع بمثله (٢). قَالَ الرمادي: كذا يقول ابن نمير. وقال أبو بكر النيسابوري شيخ الدارقطني: هذا عندي وَهَمِّ من ابن أبي شيبة أو من الرمادي؛ لأن أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن بشر وغيرهما رووه عن ابن نمير بخلاف هذا. قلتُ: ورواه ابن أبي عاصم عن ابن أبي شيبة كما سلف، ولفظه: جعل للفرس سهمين وللرجل سهمًا. ثم ساقه الدارقطني من حديث نعيم بن حماد، ثَنَا ابن المبارك عن عبيد الله، وفيه: أسهم للفارس (١) ((سنن الدارقطني)) ١٠٤/٤. (٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٦/ ٤٩٢ (٣٣١٥٩). ٥٣١ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ سهمين وللراجل سهمًا. قَالَ أحمد بن منصور: كذا لفظ أبي نعيم عن ابن المبارك، والناس يخالفونه. قَالَ النيسابوري: لعل الوَهَمَ من نعيم(١). ورواه القعنبي عن ابن وهب عن عبيد الله بالشك في الفارس أو الفرس. قَالَ ابن حزم: رواه عبيد الله بن عمر عن نافع بلفظ: جعل للفارس سهمين وللراجل سهمًا(٢). وفي الباب أحاديث: أحدها: حديث مُجمِّع بن جارية قَالَ: شهدت الحديبية وكان الجيش ألفًا وخمسمائة، فيهم ثلاثمائة فارس، وقسمت خيبر على أهل الحديبية فأعطى رسول الله وَّر الفارس سهمين والراجل سهمًا. رواه أبو داود عن محمد بن يحيى عن مُجمِّع بن يعقوب بن مجمِّع: سمعت أبي، عن عمه عبد الرحمن بن زيد، عن مُجمِّع بن جارية، به. قَالَ أبو داود: وحديث أبي معاوية أصح والعمل عليه. (يعني)(٣): أنَّ الوَهَمَ في حديث مجمع ثلاثمائة فارس، وإنما كانوا مائتين (٤)، كما في حديث أبي معاوية؛ ولهذا قال البيهقي: حديث مجمِّع خولف فيه، ففي حديث جابر أنهم كانوا ألفًا وأربعمائة، وفي حديث صالح بن كيسان وبشير بن يسار: كان الخيل مائتي فرس (٥). وأعلَّهُ ابن حزم بمجمِّع بن يعقوب؛ فقال: مجهولان (٦)؛ وأخطأ (١) (سنن الدراقطني) ١٠٦/٤. (٢) ((المحلى)) ٣٣٠/٧. (٣) لعلها : وأرى. (٤) أبو داود (٢٧٣٦). (٥) ((سنن البيهقي)) ٣٢٦/٦. (٦) ((المحلى)) ٣٣٠/٧. ٥٣٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فمجمِّع روى عنه جماعة، منهم قتيبة والقعنبي، ووثقوه، منهم ابن معين، وأبوه روى عنه ابن أخيه أيضًا إبراهيم بن إسماعيل بن مجمِّع، وعبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة بن صهيب، وذكره ابن حبان في (ثقاته)) (١). ثانيها: حبيب بن أبي عمرة، عن أبيه. قَالَ: أتينا النبي ◌َّ أربعة نفر، فأعطى كل إنسان منا سهما وأعطى الفرس سهمين أخرجه أبو داود من حديث عبد الرحمن المسعودي، عن ابن أبي عمرة، عن أبيه به (٢)، وأخرجه الدارقطني من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبيه، عن جده بشير بن عمرو بن محصن قَالَ: أسهم لي النبي ◌َّل ﴿ لفرسي أربعة أسهم ولي سهمًا، فأخذت خمسة(٣). ثالثها: حديث يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن جده قَالَ: ضرب رسول الله ومدير عام خيبر للزبير أربعة أسهم: سهم للزبير، وسهم لصفية، وسهمین للفرس. رواه النسائي من حديث يحيى به (٤)، ورواه الدارقطني من حديث إسماعيل بن عياش، عن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير(٥). رابعها وخامسها: رواه أحمد من حديث ياسين بن معاذ، عن الزهري، عن مالك بن أوس، عن عمر وطلحة بن عبيد الله والزبير قالوا: کان رسول الله څچلے يسهم للفرس سهمين. سادسها: رواه الدارقطني من حديث أبي الوليد بن برد الأنطاكي: ثَنَا (١) ((الثقات)) ٤٩٨/٧. (٢) أبو داود (٢٧٣٤). (٣) (سنن الدارقطني)) ١٠٤/٤. (٤) النسائي ٢٢٨/٦. (٥) ((سنن الدارقطني)) ١٠٩/٤-١١٠. ٥٣٣ ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ الهيثم بن جميل: ثَنَا قيس: ثَنَا محمد بن علي السلمي، عن إسحاق بن عبد الله، عن أبي حازم مولى أبي رهم قَالَ: غزونا أنا والنبي وَليّ أنا وأخي ومعنا فرسان، فأعطانا ستة أسهم: أربعة لفرسينا وسهمين لنا(١). سابعها: رواه الدارقطني أيضًا من حديث محمد بن الحسين الحنيني: ثَنَا معلى بن أسد: ثَنَا محمد بن حمران، عن عبد الله بن بسر، عن أبي كبشة الأنماري قَالَ: لما فتح رسول الله وَِّ قَالَ: ((إني جعلت للفرس سهمين وللفارس سهمًا، فمن نقصهما نقصه الله جل وعز))(٢). ثامنها: رواه أيضًا من حديث قريبة بنت عبد الله، عن أمها بنت المقداد، عن ضباعة بنت الزبير، عن المقداد قَالَ: أسهم لي رسول الله ◌ٌَّ يوم بدر سهمًا ولفرسي سهمين(٣). تاسعها: رواه أيضًا من حديث يحيى بن أيوب قَالَ: قَالَ لي إبراهيم عن كثير مولى بني مخزوم، عن عطاء، عن ابن عباس أن رسول الله وليه قسم لمائتي فرس (بحنين) (٤) سهمين سهمين(٥). عاشرها: رواه أيضًا من حديث محمد بن يزيد بن سنان: ثَنَا أبي: ثَنَا هشام بن عروة، عن أبي صالح، عن جابر قال: شهدت مع رسول الله وَّ غزاة فأعطى الفارس منا ثلاثة أسهم، وأعطى الراجل سهمًا(٦). (١) (سنن الدارقطني)) ١٠١/٤. (٢) ((سنن الدارقطنى)) ١٠١/٤. (٣) ((سنن الدارقطني)) ٤/ ١٠٢. (٤) تحرفت في الأصل إلى (بخيبر)، والمثبت من مصدر التخريج. (٥) ((سنن الدارقطني)) ١٠٣/٤. (٦) (سنن الدارقطني)) ١٠٥/٤. ٥٣٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - الحادي عشر: رواه أيضًا من حديث الواقدي: ثنا محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة، عن أبيه، عن جده أنه شهد حنينًا مع رسول الله وَل فأسهم لفرسه سهمين وله سهمًا. قَالَ محمد بن عمر: وحَدَّثَنَا أبو بكر بن يحيى بن النضر، عن أبيه أنه سمع أبا هريرة يقول: أسهم رسول الله وَّ للفرس سهمين ولصاحبه سهما (١)، وهذا هو الثاني عشر. الثالث عشر: رواه البيهقي من حديث الزنبري عن مالك عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه قَالَ: أعطى النبي وَل الزبير يوم (حنين)(٢) أربعة أسهم: سهمين للفرس، وسهمًا له، وسهمًا للقرابة، ثم قَالَ: هذا من غرائب الزنبري عن مالك، وإنما يعرف بإسناد يحيى بن عبد الله بن الزبير يعني السالف. قَالَ: وفيه كفاية(٣). وفي ((مراسيل أبي داود)) من حديث عبد العزيز بن رفيع، عن رجل من أهل مكة أن النبي ◌َّيّ قسم للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهمًا، وللدارع سهمين(٤). إذا تقرر ذَلِكَ؛ قَالَ الله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] ورسوله قد قسم للفارس ثلاثة أسهم: سهمًا له، وسهمين لفرسه، واتباعه وطاعته فرض، وكذا فعله عمر بن الخطاب وعلي، ولا مخالف لهما من الصحابة، وهو قول عامة العلماء قديمًا، وحَديثًا غير أبي حنيفة فإنه قَالَ: لا يسهم للفرس إلا سهم واحد، وقال: أكره (١) ((سنن الدارقطني)) ١١١/٤ (٢) تحرفت في الأصل إلى (خيبر)، والمثبت من مصدر التخريج. (٣) ((سنن البيهقي)) ٣٢٦/٦-٣٢٧. (٤) ((المراسيل)) ص٢٢٨ (٢٩٠). ٥٣٥ -- كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ أن أفضل بهيمة على مسلم. وخالفه أصحابه، فبقي وحده، وخالفه العلماء الثلاثة: الشافعي ومالك وأحمد، وأبو يوسف ومحمد بن الحسن(١)، وذكر المنذري أن قوله روي عن علي وأبي موسى. وقال ابن حزم: روى ليث عن الحكم أن أول من جعل للفرس سهمين عمر بن الخطاب(٢). قَالَ ابن سحنون: ما أرى أن يدخل قول أبي حنيفة هذا في الاختلاف لمخالفته جميع العلماء(٣)، وما ذكره من تفضيل الفرس على المسلم شبهة ضعيفة؛ لأن السهام كلها في الحقيقة للرجل، وحجته رواية المقداد أنه ◌َ* أعطاه يوم بدر سهمًا له وسهمًا لفرسه، وجوابه أن ما سلف أكثر، فهو أولى، ولأنه متأخر (فهو) (٤) ينسخ المتقدم، ذكره ابن التين. وما نقله البخاري عن مالك هو في ((موطئه)) بزيادة: والبراذين والهَجِين من الخيل إذا أجازها الوالي(٥). وبقول مالك يقول أبو حنيفة والثوري والشافعي وأبو ثور أنه يسهم للبراذين والهجين؛ لأنها من الخيل فيسهم (لها)(٦)(٧). وقال الليث: لهما سهم دون سهم الفرس ولا يلحقان بالعراب. (١) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣/ ٤٣٧. (٢) ((المحلى)) ٣٣١/٧. (٣) ((النوادر الزيادات)) ١٥٧/٣. (٤) في (ص١): ليس. (٥) ((الموطأ)) ص ٢٨٣. (٦) أنظر: ((الهداية)) ٢ / ٤٣٨ - ٤٣٩، ((الأوسط)) ١١/ ١٦٠ - ١٦٢. ((البيان)) ١٢/ ٢١١ - ٢١٣، ((الشرح الكبير)) ١٠/ ٢٥٧ - ٢٦١. (٧) في (ص١): له. ٥٣٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح === وقال ابن المناصف: وأول من أسهم للبِرْذَوْن رجل من هَمْدَان يقال له: المنذر الوادِعي، وكتب بذلك إلى عمر فأعجبه، فجرت سنة للخيل والبراذين، وفي ذَلِكَ يقول شاعرهم: ومِنَّا الذي قَدْ سَنَّ في الخيل سُنَّةً وكانت سواءً قبلَ ذاك سهامُها وفي ((مراسيل أبي داود)) عن مكحول أنه وَلقر هجن الهجين يوم خيبر وعرب العربي، للعربي سهمان، وللهجين سهم(١). قَالَ عبد الحق: وروي موصولًا بزيادة زياد بن (جارية)(٢) عن حبيب بن (سلمة)(٣) مرفوعًا، والمرسل أصح(٤)، وروى مكحول: أول من أسهم للبرذون خالد بن الوليد، قسم لها نصف سهمان الخيل، وبه قَالَ أحمد. قَالَ ابن المناصف: وروي أيضًا عن الحسن. وقال مكحول: لا شيء للبراذين، وهو قول الأوزاعي(٥). قَالَ ابن حزم: (للراجل)(٦) وراكب البغل والحمار والجمل سهم واحد فقط، وهو قول مالك والشافعي وأبي سليمان. وقال أبو حنيفة: للفارس سهمان: له سهم ولفرسه أو لسائر ما ذكرنا سهم، (وهو قول أبي موسى الأشعري. وقال أحمد: للفارس ثلاثة أسهم)(٧)، ولراكب البعير سهمان (٨)، واحتج مالك في ((الموطأ)) بالآية السالفة (٩). (١) ((المراسيل)) ص ٢٢٧ (٢٨٧). (٢) في (ص١): حارثة. (٤) ((الأحكام الوسطى)) ٨٢/٣. (٥) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣/ ٤٤٠. (٦) من (ص١). (٨) ((المحلى)) ٣٣٠/٧. (٣) في (ص١): مسلمة. (٧) من (ص١). (٩) ((الموطأ)) ص٢٨٣. ٥٣٧ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = واسم الخيل يقع على الهجين والبراذين، وهي تغني غناها في كثير من المواضع، فمن زعم فرقا بينهما فعليه الدليل، واحتج مالك أيضًا بقول سعيد بن المسيب أنه سئل: هل في البراذين صدقة؟ قَالَ: وهل في الخيل صدقة (١)؟ وذهب مالك وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن والشافعي إلى أنه لا يسهم لأكثر من فرس الذي يقاتل عليه، وبه قَالَ أهل الظاهر. وقال الثوري والأوزاعي وأبو يوسف والليث وأحمد وإسحاق: يسهم لفرسين. وهو قول ابن وهب وابن الجهم من المالكية، ونقله ابن أبي عاصم عن الحسن ومكحول وسعيد بن عثمان. قَالَ ابن الجهم: أنا بريء من قول مالك، فإنه لم (يشاهد فيشاهد)(٢) الحال، ولعله ذهب هذا عليه(٣). قَالَ القرطبي: فلم يقل أحد: إنه يسهم لأكثر من فرسين إلا شيئًا روي عن سليمان بن موسى الأشدق قَالَ: يسهم لمن عنده أفراس، لكل فرس سهمان، وهو شاذ(٤). وحجة القول الأول أنهم أجمعوا على أن سهم فرس واحد يجب مع ثبوت الخبر بذلك عن رسول الله، فثبت القول به إذ هو سُنة وإجماع، ووجب التوقف عن القول بأكثر من ذَلِكَ إذ لا حجة مع القائلين به، وعن مالك فيما ذكره ابن المناصف: إذا كان المسلمون في سفن (١) ((الموطأ)) ص ٢٨٣. (٢) في (ص١): ينبأ حديث هذا. (٣) أنظر: ((بدائع الصنائع)) ٧/ ١٢٦، ((الموطأ)) ص ٢٨٣، ((النوادر والزيادات)) ٣/ ١٥٨، ((الأم)) ٧/ ٣١١، ((الأوسط)) ١١/ ١٥٧ - ١٥٨، ((المحلى)) ٣٣١/٧. (٤) ((المفهم)) ٥٥٩/٣. ٥٣٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == فلقوا العدو فغنموا، أنه يضرب للخيل التي معهم في السفن بسهمهم، وهو قول الشافعي والأوزاعي وأبي ثور. وقال بعض الفقهاء: القياس أنه لا يسهم لها. واختلف في الفرس يموت قبل حضور القتال، فقال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: لا يسهم له إلا إذا حضر القتال.(١) وقال مالك وابن القاسم وأشهب وعبد الملك بن الماجشون: بالإدراب يستحق الفرس الإسهام. وإليه ذهب ابن حبيب، (قَالَ)(٢): ومن حطم فرسه أو كسر بعد الإيجاف أسهم له. قَالَ مالك: ويسهم للرهيص من الخيل وإن لم يزل رهيصًا من حين دخل إلى (حين)(٣) خرج بمنزلة الإنسان المريض (٤)، وقاله ابن الماجشون وأشهب وأصبغ. وقال اللخمي: وروي عن مالك أنه لا يسهم للمريض من الخيل. (٥) وقال الأوزاعي في رجل دخل دار الحرب بفرسه ثم باعه من رجل دخل دار الحرب راجلًا، وقد غنم المسلمون غنائم قبل شرائه وبعده أنه يسهم للفرس فما غنموا قبل الشراء للبائع، وما غنموا بعد الشراء فسهمه للمشتري، فما اشتبه من ذَلِكَ قسم بينهما. وبه قَالَ أحمد وإسحاق. (٦) قَالَ ابن المنذر: وعلى هذا مذهب الشافعي إلا فيما اشتبه، فمذهبه أن يوفر الذي أشكل من ذَلِكَ بينهما حَتَّى يصطلحا(٧). (١) انظر: ((الأوسط)) ١٦٤/١١، ((البيان)) ٢١٤/١٢، ((الشرح الكبير)) ١٠/ ٢٦٤ - ٢٦٥. (٣) من (ص١). (٢) من (ص١). (٤) ((النوادر والزيادات)) ١٥٩/٣. (٥) أنظر: ((المنتقى)) ٣/ ١٩٦. (٦) انظر: ((الشرح الكبير)) ١٠/ ٢٦٦ - ٢٦٩، ((الإنصاف)) ١٠/ ٢٦٦. (٧) ((الأوسط)) ١١/ ١٦٤. ٥٣٩ = كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ وقال أبو حنيفة: إذا دخل أرض العدو غازيًا راجلًا ثم ابتاع فرسًا يقاتل عليه وأحرزت الغنيمة وهو فارس، أنه لا يضرب له إلا بسهم راجل(١). فائدة : في قسمته ◌َّ للفرس سهمين حض على إكساب الخيل واتخاذها، لما جعل الله فيها من البركة في إعلاء (كلمة الله)(٢) وإعزاز حزبه، وليعظم شوكة المسلمين بالخيل الكثير. قَالَ تعالى: ﴿وَمِنْ رِّبَاطِ اُلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. فائدة : (البرذون)(٣) كما قَالَ ابن حبيب هو: العظيم. يريد: الجافي الخلقة العظيم الأعلى، وليست العراب كذلك فإنها أضمر وأرق أعضاء وأعلى خلقة. قَالَ ابن التين: والمعروف من قول مالك أن البراذين كالخيل. وقد سلف ذلك. وقال ابن حبيب: إذا اشتبهت الخيل في القتال عليها والطلب أسهم لها. قَالَ في ((المعونة)): لأنها (تراد للشعاب)(٤) والجبال بخلاف الخيل، والهجين، والبراذين: خيل الروم والفرس(٥). قَالَ غيره: وهو الذي أبوه نبطي وأمه نبطية. قَالَ ابن فارس: اشتقاق البرذون من برذن الرجل برذنة إذا ثقل (٦). (١) أنظر: ((بدائع الصنائع)) ٧/ ١٢٧، ((فتح القدير)) ٥٠٠/٥. (٢) في (ص١): (كلمته). (٤) في (ص١): زاد للسفار. (٥) ((المعونة)) ٤٠٣/١. (٦) ((مجمل اللغة)) ١/ ١٤٢. (٣) من (ص١). ٥٤٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقال مكحول والأوزاعي: لا يسهم إلا للعربي، وهي عند مالك کالخيل كما سلف. واستدلال مالك بالآية لأن اسم الخيل يتناول البراذين؛ لأنه تعالى قَالَ: ﴿وَالْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِّكَبُوهَا وَزِينَةٌ﴾ [النحل: ٨] فكأنه تعالى استوعب ذكر جميع الحيوان المشار إلى ركوبه والحمل عليه لتعدد النعمة منه علينا، فذكر الأنعام وما يحمل عليه منها ثم ذكر الثلاثة، فكأنه أستوعب هذا الجنس ولم يذكر البراذين ولا الهجين، فدل على أن اسم الخيل يتناولها(١). وقيل: في قول مالك: (يسهم للخيل، والبراذين منها). أن حكمهما واحد وإن لم يتناولها اسم الخيل لقوله وَلي: ((إن الأشعريين إذا (أملقوا)(٢) جمعوا أزوادهم فتساووا فيها، فهم مني وأنا منهم))(٣)، لم يرد أنه منهم في النسب ولا أنهم من قريش، وإنما أراد أن خلقهم في المساواة أقرب إلى خلقه العظيم(٤). (١) أنظر: ((الموطأ)) ص ٢٨٣. (٢) كذا في الأصل، وفي ((الصحيح)): أرملوا. (٣) سلف برقم (٢٤٨٦) كتاب: الشركة، باب: الشركة في الطعام، من حديث أبي موسى، ورواه مسلم (٢٥٠٠) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل الأشعريين (٤) ورد بهامش الأصل: أعلم أن العربي الذي أبواه عربيان، وعكسه البرذون. والهجين: هو مَنْ أبوه عربي وأمه عجمية، والمقدف عكسه. والله أعلم.