Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
- كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
((اجلس يا أبان)) ولم يقسم لهم، وفي لفظ فقال سعيد بن العاصي:
يا عجبًا لوبر (١).
قَالَ الخطيب: كذا عند أبي داود فَقَالَ سعيد: وإنما هو ابن سعيد،
واسمه أبان. قَالَ: والصحيح أن أبا هريرة هو السائل كما تقدم.
قلتُ: ويجوز أن يكونا سألا جميعًا، وأن أحدهما جاز الآخر
بقوله: لا تقسم له.
إذا تقرر ذَلِك؛ فالكلام على ما أوردناه من وجوه بعد أن يعلم أن
ترجمة الباب صحيحة، ومعناها عند العلماء: أن القاتل الأول كان
کافرًا وتوبته إسلامه :
أحدها :
(الضحك) مفسر برواية النسائي السالفة ((يعجب من رجلين)) ونقل
ابن الجوزي عن أكثر السلف أنهم كانوا يمنعون من تفسير مثل هذا
ويمرونه كما جاء، قَالَ: وينبغي أن تُرَاعَى قاعدة في هذا قبل الإمرار
وهي: أنه لا يجوز أن يحدث الله صفة ولا تشبه صفاته صفات الخلق
فيكون والعياذ بالله معنى إمرار الحديث الجهل بتفسيره(٢).
قَالَ الخطابي: الضحك الذي يعتري البشر عندما يستخفهم الفرح،
أو يستفزهم الطرب غير جائز على الله تعالى، وإنما هو مثل مضروب
لهذا الصنيع الذي يحل محل التعجب عند البشر، فإذا رأوه أضحكهم،
ومعنى الضحك في صفة الله: الإخبار عن الرضا بفعل أحد هذين
والقبول من الآخر ومجازاتهما (على صنيعهما)(٣) الجنة مع تباين
(١) أبو داود (٢٧٢٤).
(٢) تقدم الحديث مرارا عن مسألة التأويل والمعنى.
(٣) من (ص١).

٤٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
مقاصدهما(١).
وقال ابن حبان في ((صحيحه)): يريد أضحك الله ملائكته وعجبهم
من وجود ما قضى(٢).
وقال ابن فورك: أن يُبْدِي الله من فضله ونعمه توفيقًا لهذين الرجلين
كما تقول العرب: ضحكت الأرض بالنبات إذا ظهر فيها، وكذلك قالوا
للطلع إذا أنفتق عنه: كافره الضحك؛ لأجل أن ذَلِكَ يبدو منه البياض
الظاهر كبياض الثغر(٣).
وقال الداودي: أراد قبول أعمالهما ورحمتهما والرضا عنهما. وكذا
قَالَ ابن بطال: المعنى: يتلقاهما بالرحمة والرضوان، والضحك منه
على المجاز؛ لأنه لا يكون منه تعالى على ما يكون من البشر؛ لأنه
لیس کمثله شيء(٤).
ثانيها :
فيه: أن الرجل قد يوبخ بما سلف إلا أن يتوب فلا توبيخ عليه،
ولا تثريب ألا ترى أن أبا هريرة لما وبخ ابن سعيد على قتل ابن
قوقل كيف رد عليه أقبح الرد، وصارت له عليه الحجة كما صارت
لآدم على موسى؛ من أجل أنهما وبخا بعد التوبة من الذنب.
وفيه: أن التوبة تمحو ما سلف قبلها من الذنوب القتل وغيره؛
لقوله: (أكرمه الله على يدي ولم يهني على يديه) لأن ابن قوقل
(٢) ((صحيح ابن حبان)) ١٠/ ٥٢٢.
(١) ((أعلام الحديث)) ٢/ ١٣٦٥.
(٣) ((مشكل الحدیث وبيانه)) ص١٤٨ -١٤٩.
(٤) (شرح ابن بطال)) ٣٩/٥؛ وسيأتي تعليقنا على صفات الله تعمل في كتاب
التوحيد. وأنها تمر على ظاهرها دون تحريف أو تعطيل أو تكييف، وأن ذلك هو
المنهج الصحيح في ذلك.

٤٤٣
ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
وجبت له الجنة بقتل ابن سعيد له، ولم تجب لابن سعيد النار، لأنه تاب
وأسلم، ويصحح ذَلِكَ سكوته بَّ على قوله، ولو كان غير صحيح لما
لزمه السكوت، لأنه بعث للبيان.
قَالَ ابن الجوزي: وقوله: (قاتل ابن قوقل) بقافين لا أدري من يعني
قال العباس بن عبادة والنعمان بن مالك بن ثعلبة، وهو قوقل قتلهما
صفوان بن أمية.
قلتُ: قوله: (ابن)(١) قوقل ليس كذلك، إنما قوقل اسمه غنم بن
عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج كذا ذكره الكلبي وأبو عبيد وابن
دريد (٢) وغيرهم.
ثالثها :
(الوَبْر) بإسكان الباء قَالَ صاحب ((المطالع)): كذا لأكثر الرواة،
وهي دويبة غبراء، ويقال بيضاء، على قدر السِّنَّور، حسنة العينين من
دواب الجبال، وإنما قَالَ له ذَلِكَ احتقارًا به ونسبة إلى قلة المقدرة
على القتال، وضبطه بعضهم بفتح الباء وتأوله، وهو جمع وبرة، وهو
شعر الإبل، أي: إن شأنه كشأن الوبرة؛ لأنه لم يكن لأبي هريرة عشيرة.
قَالَ القزاز: هي ساكنة الباء دويبة أصغر من السنور طحلاء اللون،
يعني: تشبه الطحال لا ذنب لها، وهي من دواب الغور والجمع وبار،
وعن الخطابي أحسب أنها تؤكل لأني وجدت بعض السلف يوجب فيها
.(٣)
الفدية(٣).
(١) في (ص١): (وهو).
(٢) ((الاشتقاق)) ص٤٥٦.
(٣) ((أعلام الحديث)) ٢/ ١٣٧١.

٤٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال ابن سيده في ((محكمه)): الوبر على قدر السنور، والأنثى
وبرة، والجمع وُبُر. ووُبُور ووِبَار، ووُبَارَةٌ، وَأَبَارَةٌ(١).
وقال الجوهري: (تَدْجُنُ)(٢) في البيوت(٣). أي: تُقيم بها وتألفها.
وثالثها: وقال أبو موسى المديني في ((مغيثه)): في قتلها على المحرم
شاة؛ لأنها تَجْتَرُّ كالشاة، وقيل: لأن لها كَرْشًا مثل الشاة(٤)، وقال
مجاهد فيما حكاه في ((مجمع الغرائب)) مثله، وفي ((البارع)) لأبي
علي، عن أبي حاتم: الطائفيون يقولون لما يكون في الجبال من
الحشرات: الوَبْر، جمعها الوِبارة، ولغة أخرى الوَبارة، وأخرى
الإبارة بالكسر والهمز.
وذكر ابن دحية في ((مرج البحرين)): وكَلْب بن وَبْرة بن تَغْلب بن
حلوان - بسكون الباء وهي دويبة كالسنور، ووهم الجواليقي حيث
فتح (الواو)(٥).
قلتُ: لكن وافق النسابين وأهل اللغة.
وقال ابن بطال: روي رأس بدل قدوم قَالَ: ومن روى بفتح الباء من
وبر فمعناه تشبيه أبي هريرة بالوبر الذي لا خطب له ولا مقدار، لأنه لم
يكن لأبي هريرة عشيرة ولا قوم يمتنع بهم، ولا يغني في قتال ولا لقاء
عدو، كان ابن سعيد وأبو هريرة قدما عليه بخيبر، وقد سلف.
(١) ((المحكم)) ١١/ ٢٩٢.
(٢) كذا في الأصل بدال مهملة، وفي ((الصحاح)): (تَرْجُن). براء وكلاهما صواب؛
الرَّاحِنُ الألف من الطير وغيره مثل الداجِنِ؛ وزنا ومعنى. أنظر: (لسان العرب))
مادة: رجن.
(٣) ((الصحاح)) ٨٤١/٢.
(٥) في (ص١): (الباء).
(٤) ((المجموع المغيث)) ٣٧٧/٣.

٤٤٥
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
ومن رواه بإسكانها فمعناه أنه شبهه بالوبر وهي دويبة على قدر
السنور في السباع؛ وإنما سكت رو عن الإنكار على أبي سعيد؛ لأنه
لم يَرْمِ أبا هريرة بحد ولا تنقصه في دين، إنما تنقصه في قلة العشيرة
والقدر، أو بضعف (المنة)(١)، وجمع الخلاف ابن التين فقال: الوبر
دويبة يقال: إنها تشبه السنور قاله الخطابي(٢). وقال الهروي: على
قدره، وقال ابن فارس: الوبر دابة، والجمع وبار(٣).
وقوله: (تدلى علينا) أي: أنحدر ولا يخبر بهذا إلا عمن جاء من
موضع عال هذا الأشهر عند العرب.
قَالَ أبو ذر الهروي: (ضأن): جبل بأرض دوس، وهو بلد أبي
هريرة، وقال ابن التين: شبهه في قدومه بتدلي الوبر من موضعه،
قَالَ: و(قدوم ضأن): أسم موضع. قَالَ الخطابي: وهو في أكثر
الروايات ضأل باللام، وهو جبل أو ثنية أو نحوها (٤)، وذكر عن
الشيخ أبي الحسن أنه قَالَ: شبهه بما يُعلق - بزند الشاة- أي: هو
ملصق من قريش وليس منهم، ويلزم على هذا أن تقرأ (وَبَر) بفتح
الباء ولم نسمعه كذلك، إنما هو بالإسكان. قلتُ: قد حكي كما
سلف، وقال صاحب ((المطالع)): هو بفتح القاف وتخفيف الدال أسم
موضع، وضم المروزي القاف، والأول أكثر وتأوله بعضهم: قدوم
ضأن أي: المتقدم فيها، وهي رءوسها، وهو وَهَمُ بَيِّنٌ.
(١) عليها في الأصل: كذا؛ وانظر: ((شرح ابن بطال)) ٤٠/٥.
(٢) ((أعلام الحديث)) ٢/ ١٣٧١.
(٣) ((مجمل اللغة)) ٩١٤/٢.
(٤) ((أعلام الحديث)) ٢/ ١٣٧١.

٤٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقال ابن بطال: يحتمل أن يكون قدوم: جمع قادم مثل راكع
وركوع وساجد وسجود، ذكر ذَلِكَ سيبويه، فيكون المعنى تدلَّى
(علينا)(١) من جملة القوم القادمين، أقام الصفة مقام الموصوف،
ويكون (من) في قوله: (من قدوم) تبيينًا للجنس كما لو قَالَ تدلى من
علينا من ساكني ضأن، ولا تكون من مرتبطة بتدلى كما هي مرتبطة
بالفعل في قولك: تَدَلَّيْتُ من الجبل؛ لاستحالة تدليه من قوم،
ولا يقال: تدليت من بني فلان.
ويحتمل أن يكون قدوم مصدرًا وصف به الفاعلون ويكون في الكلام
حذف وتقديره: تدلى علينا من ذوي قدوم، فحذف الموصوف وأقام
المصدر مقامه، كما قالوا رجل صوم ورجل فطر، أي ذو صوم وذو
فطر، و(من) على هذا التقدير تبيين للجنس كما كانت في الوجه
الأول قَالَ: ويحتمل أن يكون معناه تدلى علينا من مكان قدوم ضأن
ثم حذف المكان وأقام القدوم مكانه، كما قالت العرب: ذهب به
مذهب وسلك به مسلك، يريد المكان الذي يسلك فيه ويذهب،
ويشهد لهذا رواية من رأس ضأن.
وفيه قول يحتمل أن يكون (قدوم)(٢) اسمًا لمكان من الجبل متقدم
منه ولا يكون مصدرًا ولا جمعًا ويدل على هذا رواية من روى: (تدلى
علينا من رأس ضأن).
ويحتمل أن يكون (اسم)(٣) المكان قدوم بفتح القاف دون الضم لقلة
الضم في هذا البناء في الأسماء وكثرة الفتح.
(١) في الأصول: عليها، والمثبت هو المقارب للسياق.
(٢) من (ص١).
(٣) في (ص١): رأس.

٤٤٧
- كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
ويحتمل أن يكون (قدُّوم ضأن) بتشديد الدال، وفتح القاف
لو ساعدته رواية؛ لأنه من بناء أسماء المواضع، وطرف القدوم
موضع بالشام(١).
قلتُ: الحازميُّ ضبطَ القرية التي اختتن بها إبراهيم والجبل الذي
بقرب المدينة بتخفيف الدال، ثم ذكر عن ثعلب أنه قَالَ: بتشديد الدال
أسم موضع فإن أراد أحد هذين فلا يتابع عليه؛ لاتفاق أئمة النقل على
خلافه، وإن أراد موضعًا ثالثًا فالله أعلم.
وقال أبو موسى في ((مغيثه)) عن ابن دريد: (قدوم) ثنية لسراة أرض
دَوْس(٢)، وقال أبو عبيد: رواه الناس عن البخاري ضأن بالنون
إلا الهَمْدَاني فإنه رواه باللام، وهو الصواب إن شاء الله، والضأل:
السدر البري.
وأما إضافة هذِه الثنية إلى الضأن فلا أعلم لها معنى، وقد قدمنا من
عند أبي داود أنه باللام، وقال ابن الجوزي: كذا هو في أكثر الروايات،
وزعم أبو ذر الهروي أنه بالنون جبل بأرض دوس، بلد أبي هريرة،
وقيل : ثنية.
قَالَ صاحب ((المطالع)): وتأوله بعضهم على أنه الضأن من الغنم،
وجعل قدومها، أي: رءوسها -يعني: المتقدم منها-، والوبر بفتح
(الباء)(٣): شعر رءوسها. قَالَ: وهذا تكلف وتحريف. فتحصلنا إسكان
الباء وفتحها وضأن بالنون واللام، وقدوم بفتح القاف وضمها.
(١) ((شرح ابن بطال)) ٤١/٥-٤٢.
(٢) ((المجموع المغيث)) ٦٧٨/٢.
(٣) في الأصل: الواو.

٤٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
رابعها :
فيه حجة على الكوفيين في قولهم في المدد يلحق بالجيش في أرض
الحرب بعد الغنيمة أنهم شركاؤهم في الغنيمة. وسائر الفقهاء إنما تجب
عندهم الغنيمة لمن شهد الوقعة، واحتجوا بحديث أبي هريرة هذا؛ لأنه
لم يسهم له، كما أخرجه أبو داود كما سلف، وأبو حنيفة إنما يسهمُ لمن
غاب عن الوقعة لشغل شغله الإمام من أمور المسلمين، كما فعل بعثمان
حين قسم له من غنائم بدر بسهمه ولم يحضرها؛ لأنه كان غائبًا في حاجة
الله ورسوله فكان كمن حضرها، أو مثل أن يبعثه الإمام لقتال قوم آخرين
فتصيب الإمام غنيمة بعد مفارقة ذَلِكَ الرجل إياه، أو يبعث رجلا ممن
معه في دار الحرب إلى دار الإسلام؛ ليمده بسلاح ورجال فلا يعود
ذَلِكَ الرجل إلى الإمام حَتَّى يغتنم غنيمة فهو شريك فيها، وهو كمن
حضرها، وكذلك من أراد الغزو فرده الإمام، وشغله شيء من أمور
المسلمین فهو کمن حضرها.
قَالَ الطحاوي: وأما حديث أبي هريرة فإنما ذَلِكَ والله أعلم؛ لأنه
وجَّه أبان إلى نجد قبل أن يتهيأ خروجه إلى خيبر، فتوجه أبان ثم حدث
خروجه إليها فكان ما غاب فيه أبان ليس هو شُغْلٌ شُغِلَ به عن حضورها
بغير إرادته إياها، فيكون كمن حضرها (١).
وقال الكوفيون: لا حجة في حديث أبي هريرة؛ لأن خيبر حين
فتحت سارت دار إسلام، وهذا لا شك فيه، قالوا: وقد روى
حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي
هريرة قَالَ: ما شهدت لرسول الله وَّ مغنمًا إلا قسم لي، إلا خيبر
(١) ((شرح معاني الآثار)) ٢٤٥/٣.

٤٤٩
ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
فإنها كانت لأهل الحديبية خاصة شهدوها أو لم يشهدوها؛ لأن الله
تعالى كان وعدهم بها بقوله: ﴿وَأُخْرَىْ لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا﴾ [الفتح: ٢١]
واحتجوا بما رواه أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبيه، عن
أبي موسى قَالَ: قدمنا على النبي ◌َّ مع جعفر من أرض الحبشة بعد
فتح خيبر بثلاث، فقسم لنا، ولم يقسم لأحد لم يشهد فتحها غيرنا،
قَالَ الطحاوي: وهذا يحتمل أن يكون؛ لأنهم كانوا من أهل
الحديبية، أو يكون أستطاب أنفسَ أهلِ الغنيمة، وعلى قوله لا حجة
لأصحابهم في حديث أبي موسى، وسيأتي قريبًا تمام هذِه المسألة في
باب: إذا بعث الإمام رسولًا في حاجة.
وقوله: (ينعى عليَّ قتل رجل مسلم): أي يُعِيْبُني ويُوَبِّخُني.
وقوله: (أكرمه الله على يدي) يعني: للشهادة و(لم يهني على يديه)
يعني: لم يقدر موتي بقتله إياي كافرًا فأدخل النار.
وقوله: (قَالَ: فلا أدري أسهم له، أو لم يسهم له) هو من قول
عنبسة، أو من دونه إلى شيخ البخاري، قاله ابن التين.

٤٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٢٩ - باب مَنِ اخْتَارَ الغَزْوَ عَلَى الصَّوْمِ
٢٨٢٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، حَدَّثَنَا ثَابِتُ البُنَائِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ
مَالِكِ نَّهِ قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ لَا يَصُومُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ نَّ مِنْ أَجْلِ الغَزْوِ، فَلَمَّا
قُبِضَ النَّبِيُّ بَ لَمْ أَرَهُ مُغْطِرًا إِلَّ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى. [فتح: ٦ /٤١]
ذكر فيه حديث ثَابِتِ البُنَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ
أَبُو طَلْحَةَ لَا يَصُومُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ نَّهِ مِنْ أَجْلِ الغَزْوِ، فَلَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ
وَّه لَمْ أَرَهُ مُفْطِرًا إِلَّا يَوْمَ فِظْرٍ أَوْ أَصْحَى.
هذا الحديث من أفراده، وكأن أبا طلحة أعتمد على قوله وَله :
((تقووا لعدوكم بالإفطار))(١)، وكان فارسه (٢)، و(من)(٣) له الغَنَاءُ في
الحرب، فلذلك كان يفطر ليتقوى على العدو، وأيضًا فالمجاهد
يكتب له أجر الصائم القائم، وقد مثله 183 بالصائم الذي لا يفطر
والقائم الذي لا يفتر(٤)، فدل هذا كله على فضل الجهاد على سائر
أعمال التطوع فلما مات ◌َّر وكثر الإسلام واشتدت وطأة أهله على
عدوهم، ورأى أنه في سعة عما كان عليه من الجهاد، رأى أن يأخذ
بحظه من الصوم ليجتمع له هاتان الطاعتان العظيمتان وليدخل يوم
القيامة من باب الريان، قَالَ ابن التين: وامتناع أبي طلحة أن يصوم
من أجل الغزو صحيح، وذلك لمن خاف أن يضعف عن الجهاد
(١) رواه أبو داود (٢٣٦٥)، وأحمد ٦٣/٤، من طريق أبي بكر بن عبدالرحمن بن
الحارث، عن رجل من أصحاب النبي ◌َّ مرفوعا بنحوه.
(٢) أي: فارس رسول الله وَل، بينه ابن بطال ٤٢/٥.
(٣) كذا في الأصل، وفي ((شرح ابن بطال)): ممن. بميمين، ولعله الصواب.
(٤) رواه أحمد ٤٥٩/٢، وقد سلف بنحوه برقم (٢٧٨٧) باب أفضل الناس مؤمن
مجاهد بنفسه؛ كلاهما من حديث أبي هريرة.

٤٥١
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
فيقوى بما لا يضر به ذَلِكَ يجتمع له طاعتان، قَالَ: وقوله: (لم أره مفطرًا
إلا يوم فطر أو أضحى) لعله يرى صيام المعدودات والفقهاء على
خلافه(١).
وفيه: جواز صيام الدهر، وقد سلف في بابه.
(١) ورد بهامش الأصل: حكى ابن المنذر جوازه عن الزبير وابن عمر وابن سيرين،
وقال مالك والأوزاعي وإسحاق والشافعي في أحد قوليه: يجوز صومها للمتمتع
إذا لم يجد الهدي، ولا يجوز لغيره.

٤٥٢
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣٠ - باب الشّهَادَةُ سَبْعَ سِوى القَتْلِ
٢٨٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِ صَالِحٍ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ عَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌َ﴿ قَالَ: ((الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ،
وَالْغَرِقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ). [انظر: ٦٥٣ - مسلم: ١٩١٤ -
فتح: ٦ /٤٢]
٢٨٣٠ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ، عَنْ حَقْصَةَ بِنْتِ
سِبِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ◌َُ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ قَالَ: ((الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ)).
[٥٧٣٢ - مسلم: ١٩١٦ - فتح: ٦ / ٤٢]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ:
المَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ)».
وحديث حَفْصَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ وَ لّ قَالَ:
((الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ)).
الشرح :
حديث أبي هريرة أخرجه مسلم وله: ((ما تعدون الشهادة فيكم))
قالوا: يا رسول الله من قتل فهو شهيد قَالَ: ((إن شهداء أمتي إذًا
لقليل)) قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ فعد القتل في سبيله، والموت
في سبيله، والمبطون، والطاعون، وزاد أبو طلحة(١): الغريق(٢).
وحديث أنس أخرجه مسلم أيضًا، وقال: عن حفصة بنت سيرين
قالت: قَالَ لي أنس: بِمَ مات يحيى بن أبي عمرة؟ قلتُ: بالطاعون
فذكر الحديث .
(١) كذا في الأصول، وفي هامش الأصل: صوابه: صالح.
(٢) مسلم (١٩١٥) كتاب الإمارة، باب بيان الشهداء.

٤٥٣
ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
وقال في ((تاريخه الأوسط)): (حَدَّثَنَا)(١) علي بن نصر، ثَنَا سليمان بن
حرب، عن حماد، عن يحيى بن عتيق قال: سمعت يحيى بن سيرين،
ومحمد بن سيرين يتذاكران الساعة التي في الجمعة. لعله بعد موت
أنس بن مالك، قَالَ البخاري: وإنما أراد (يحيى)(٢) مات بعد أنس،
وأن حديث حفصة خطأ(٣).
قلتُ: فهذا علة في إيراده، فلعله أطلع على هذا بعد أن أخرجه،
أو لم يعتمد على قول علي على أن جماعة ذكروا وفاة يحيى قبل
أخيه محمد المتوفى سنة عشر ومائة.
إذا تقرر ذَلِك؛ فلنقدم أن البخاري بوب الشهادة سبع سوى القتل،
وأتى بحديث فيه خمس أحدها القتل ولم يأت بحديث ((الموطأ)) عن
عبد الله بن عبد الله بن جابر، (عن)(٤) عتيك بن الحارث بن عتيك،
وهو جد عبد الله (بن عبد الله) (٥) أبو أمه أنه أخبره أن جابر بن عتيك
أخبره أن رسول الله ◌َّ# جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب
فصاح به فلم يجبه، وذكر الحديث، وقال فيه رسول الله وَله :
((الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغريق
شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، والحرق شهيد،
والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجَمْع شهيدة)) (٦)،
(١) في المصدر: قال بدل حدثنا.
(٢) كذا في الأصول، وفي المصدر: علي أنه.
(٣) ٢٢٣/١ (١٠٥٨).
(٤) تحرفت في الأصل إلى: (بن)، والمثبت من ((الموطأ)).
(٥) من (ص١).
(٦) ((الموطأ)) ص١٦١ (٣٦).

٤٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
وأخرجه أبو داود، وصححه ابن حبان والحاكم، وقال: صحيح الإسناد
رواته قرشيون مدنيون(١). وفي رواية لأبي نعيم في ((معرفة الصحابة)) فيه:
((وسادن بيت المقدس)).
واعترض ابن بطال فقال: لا تخرج هذه الترجمة من الحديث أصلًا
قَالَ: وهذا يدل أن البخاري مات ولم يهذب كتابه لأنه لم يذكر فيه
الحديث الذي فيه أن الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله (٢).
وقال الإسماعيلي: الترجمة مخالفة للحديث.
قلتُ: البخاري أشار إليه في الترجمة وليس على شرطه فكذا لم
يسقه؛ وبه أجاب ابن المنير فقال: يحتمل عندي أن يكون أراد التنبيه
على أن الشهادة لا تنحصر في القتل بل لها أسباب أخر وتلك
الأسباب أيضًا اختلفت الأحاديث فيها ففي بعضها خمسة وهو ما صح
عنده، ووافق، وفي بعضها سبع لكن لم يوافق شرطه، فنبه عليه في
الترجمة إيذانًا بأن الوارد في عددها من الخمسة أو السبعة ليس على
معنى التحديد الذي لا يزيد ولا ينقص بل هو إخبار عن خصوص
فيما ذكر والله أعلم بحصرها(٣).
قلتُ: وحاصل ما وقع لي أن الشهداء جم غفير، ومجموع ما ذكر
في هذا الباب ثمانية، أعلاها القتل في سبيل الله، والمطعون والمبطون
والغرق والحرق وصاحب الهدم وذات الجنب والمرأة تموت بجمع،
وفي ((الصحيح)): ((من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو
(١) أبو داود (٣١١١)، ((صحيح ابن حبان)) ٤٦١/٧ (٣١٨٩)، ((المستدرك)) ٣٥٢/١.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٤٣/٥.
(٣) ((المتواري)) ص١٥٤.

٤٥٥
= ڪِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، من قتل دون دينه فهو شهيد))(١).
وقد أسلفنا في باب الدعاء بالجهاد، ومن وقصه فرسه، أو لدغته
هامة، أو مات على فراشه على أي حتف شاء الله فهو شهيد، ومن
حبسه السلطان ظالمًا له أو ضربه فمات فهو شهيد، وكل موتة يموت
بها المسلم فهو شهيد، وفي حديث ابن عباس: ((المرابط يموت على
فراشه في سبيل الله شهيد، والشَّرِقُ شهيد، والذي يفترسه السبع
شهيد))، وعن ابن مسعود من عند ابن عبد البر: ((من تردى من الجبال
شهيد))(٢).
قَالَ ابن العربي: وصاحب النظرة - هو المعين- والغريب شهيدان
قَالَ: وحديثهما حسن(٣)، ولما ذكر الدارقطني حديث ابن عمر:
((الغريب شهيد))، صححه، ولابن ماجَه مرفوعًا من حديث أبي هريرة:
((من مات مريضًا مات شهيدًا ووقي فتنة القبر وغُدي عليه وريح برزقه
من الجنة))(٤)، وله عن ابن مسعود: ((وإن الرجل ليموت على فراشه
وهو شهيد))(٥) وجاء من حديث ابن عباس: ((من عشق وعف وكتم
ومات مات شهيدًا))(٦)، وقد ضعفوه، والفقهاء ذكروه من الشهداء.
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: ((من قتل دون ماله)) إلى آخره، هو في أبي داود والنسائي
وابن ماجه؛ وقال الترمذي: حسن صحيح. [أبو داود (٤٧٧٢)، والترمذي (١٤٢١)،
والنسائي ١١٦/٧، وابن ماجه (٢٥٨٠)، من حديث سعيد بن زيد].
(٢) ((التميهد)) ٢٠٩/١٩.
(٣) ((عارضة الأحوذي)) ٢٨٥/٤.
(٤) ((ابن ماجه)) (١٦١٥).
(٥) رواه الحاكم ١١١/٢.
(٦) رواه ابن الجوزي فى ((العلل)) ٢٨٥/٢-٢٨٦، من حديث ابن عباس، وقال:
لا يصح عن رسول الله دولار.

٤٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وفي النسائي من حديث سويد بن مقرن: ((من قتل دون مظلمة فهو
شهيد))(١)، وفي الترمذي من حديث معقل بن يسار: ((من قَالَ حين
يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وقرأ
ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، فإن مات من يومه مات شهيدًا)).
ثم قَالَ: حسن غريب(٢)، وفي ((معرفة الصحابة)) لأبي موسى الحافظ
عن علي بن الأقمر عن أبيه مرفوعًا وفيه: ((ومن مات يشهد أن
لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله)).
وفي ((علل ابن أبي حاتم)) سألت أبي عن حديث ابن أبي ليلى، عن
أبيه، عن جده أبي ليلى مرفوعًا: ((من أكله السبع فهو شهيد، ومن أدركه
الموت وهو يكد على عياله من حلال فهو شهيد)) فقال: حديث منكر(٣).
وفي حديث آخر من طريق ابن عباس مرفوعًا: ((اللديغ شهيد
والشريق شهيد، والذي يفترسه السبع شهيد، والخار عن دابته
شهيد)) (٤) علته عمرو بن عطية الوادعي، ضعفه الدارقطني(٥)، وفي
الثعلبي من حديث يزيد الرقاشي عن أنس: ((من قرأ آخر سورة الحشر
فمات من ليلته مات شهيدًا)).
وروى الآجري: نَا أنس إن استطعت أن تكون (أبدًا) (٦) على وضوء
فافعل، فإنَّ ملك الموت إذا قبض روح العبد وهو على وضوء كتب له
(١) النسائي ٧/ ١١٧.
(٢) الترمذي (٢٩٢٢).
(٣) ((علل ابن أبي حاتم)) ٣٣٠/١.
(٤) رواه الطبراني ٢٦٣/١١ -٢٦٤ (١١٦٨٦).
(٥) ((الضعفاء والمتروكون)) (٣٨٩).
(٦) من (ص١).

٤٥٧
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
شهادة، وللنسائي من حديث عقبة بن عامر: ((والنفساء في سبيل الله
شهادة))(١)، وللبزار من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا: ((والنفساء
شهادة))، ولأبي نعيم عن ابن عمر: ((من صلى الضحى، وصام ثلاثة أيام
من كل شهر، ولم يترك الوتر كتب له أجر شهيد))(٢)، وعن جابر: ((من
مات ليلة الجمعة أو يوم الجمعة أجير من عذاب القبر وجاء يوم القيامة
وعليه طابع الشهداء)) قَالَ أبو نعيم: غريب من حديث جابر وابن
المنكدر، تفرد به عمر بن موسى الوجهي -وفيه لين- عن ابن المنكدر(٣).
وعند الطبراني وأبي موسى من حديث عبد الملك بن هارون بن
عنترة، عن أبيه، عن جده مرفوعًا فذكر حديثًا فيه: ((والسل شهيد
والغريب شهيد))(٤)، وعبد الملك ووالده ضعيفان، وجده لم يذكره في
الصحابة إلا الطبراني وفي ((الأفراد والغرائب)) للدارقطني من حديث
أنس مرفوعًا: ((المحموم شهيد)) ثم قَالَ: تفرد به الموقري عن ابن
شهاب عنه ولأبي عمر في كتاب ((العلم)) من حديث أبي ذر وأبي
هريرة ((إذا جاء الموت طالب العلم وهو على حاله مات شهيدًا))(٥)،
ولابن أبي عاصم في ((الجهاد)) من حديث ابن سلام عن ابن معانق
الأشعري عن أبي مالك الأشعري مرفوعًا: ((من خرج به خراج في
سبيل الله كان عليه طابع الشهداء))(٦).
(١) النسائي ٦/ ٣٧.
(٢) ((حلية الأولياء)) ٣٣٢/٤.
(٣) ((حلية الأولياء)) ١٥٥/٣-١٥٦.
(٤) ((المعجم الكبير)) ٨٧/١٨-٨٨ (١٦١).
(٥) ((جامع بيان العلم)) ١٢١/١ (١١٥)، ١٥٢/١ (١٥٦).
(٦) ((الجهاد)) ٥٩٦/٢ (٢٤٨).

٤٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وذكر أبو عمر المنتجالي في ((تاريخه)) عن ابن سيرين قال: رأيت
كثير بن أفلح مولى أبي أيوب في المنام فقلت: كيف أنت؟ قَالَ:
بخير، قلتُ: أنتم الشهداء؟ قَالَ: إن المسلمين إذا اقتتلوا فيما بينهم
لم يكونوا شهداء، ولكنا نُدَبَاء قَالَ محمد: وأعياني أن أعرف النُّدَبَاء
وغلبني على ذلك، وللنسائي بإسناد جيد عن العرباض بن سارية:
((يختصم الشهداء والمتوفون على فرشهم إلى ربنا في الذين يتوفون
زمن الطاعون، فيقول الشهداء: قتلوا كما قتلنا، ويقول المتوفون على
فرشهم: إخواننا ماتوا على فرشهم كما متنا، فيقول ربنا تعالى: أنظروا
إلى جراحهم فإن أشبهت جراح المقتولين فإنهم منهم، فإذا جراحهم
أشبهت (جراح المقتولين)(١))(٢)، ولابن عبد البر في ((تمهيده) عن
عائشة: أن ((فناء أمتي بالطعن والطاعون)) قالت: يا رسول الله، أما
الطعن فقد عرفناه فما الطاعون قَالَ: ((غدة كغدة البعير تخرج في
المراق والآباط من مات منها مات شهيدًا))(٣)، ولابن أبي عاصم في
((الجهاد)) من حديث كريب بن الحارث، عن أبي بردة بن قيس أخي
أبي موسى أنه بََّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ اجعل فناء أمتي قتلًا في سبيلك
بالطعن والطاعون)) وأخرجه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد(٤).
قَالَ ابن العربي: يريد به الذي مات في الطاعون ولم يفر منه، وقيل :
الذي أصابه الطعن، وهو الوجع الغالب الذي (يطفئ)(٥) الروح،
(١) في (ص١): جراجهم.
(٢) النسائي ٣٧/٦-٣٨.
(٣) ((التمهيد)) ٢٠٥/١٩.
(٤) ((الجهاد)) ٥٠١/٢ (١٨٩)، و((المستدرك)) ٩٣/٢.
(٥) في (ص١): تطعن به.

٤٥٩
= كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
كالذبحة ونحوها. وروى أسامة عن رسول الله وَ لا أنه قَالَ: ((الطاعون
رجز أرسل على من كان قبلكم)) (١)، وإنما سمي طاعونًا لعموم مصابه
وسُرعة قتله فيدخل فيه مثله مما يصلح اللفظ له (٢)، وهو الوباء وهو
مرض عام يفسد الأمزجة والأبدان فيخرج له خراج في بعض
الأرفاغ(٣)، وسيأتي له تتمة في ذكر بني إسرائيل.
وفي الإسلام عدة طواعين جمعتها في جزء، وذكرت ما أدركناه
أيضًا، ومنها طاعون عمواس موضع بالشام مات منه معاذ وابنه
وجميع أهله، ما بين الجمعة إلى الجمعة، واستشهد به أبو عبيدة،
وكثير من المسلمين.
والمبطون: هو الذي يموت بعلة البطن كالاستسقاء وانتفاخ البطن
أو الإسهال، وقيل: هو الذي يشتكي بطنه ويموت بدائه، وعبارة ابن
بطال: إنه المجنوب، وقيل: هو صاحب أنخراق البطن بالإسهال (٤).
وعبارة ابن التين: أنه الذي يكون به بطن منخرق ويسمى
الاستسقاء، وقال الداودي: إنه من يموت بإسهال البطن، وذات
الجنب وهي الشوصة، وفي بعض الآثار المجنوب شهيد، يريد
صاحب ذات الجنب، يقال منه: رجل جنب بكسر النون إذا كان به
(١) سيأتي برقم (٣٤٧٣) كتاب أحاديث الأنبياء، من حديث سعد بن أبي وقاص،
ورواه مسلم (٢٢١٨) كتاب السلام، باب الطاعون والطيرة.
(٢) ((عارضة الأحوذي)) ٢٨٥/٤.
(٣) قال في ((اللسان)) (رفع): الرَّفْغُ والرُّفْغُ أُصُولُ الفَخِذْنِ من باطن وهما ما أكْتَفَا
أَعالي جانِبَي العانةِ عند مُلْتَقَى أَعالي بَواطِنِ الفخذين وأَعلى البطن وهما أَيْضًا
أُصول الإِبْطَيْنِ، وقيل الرُّفْغ من باطن الفَخذِ عند الأُرْبِيَّةِ والجمع: أَرْفُغْ وأَرْفاٌ.
(٤) ((شرح ابن بطال)) ٤٣/٥.

٤٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ذلك، وفي الحديث: ((إنها نخسة من الشيطان))، ولهذا أنهم لما ظنوا أنه
وَل* به ذات الجنب لدوه فقال: ((إن هذا الداء لم يكن الله ليسلطه علي))
وعبارة ابن التين: هو داء بالجانب. وجع بالخاصرة وسيأتي له عودة في
الطب إن شاء الله.
والجُمع: بضم الجيم وفتحها وكسرها والضم أشهر كما قَالَهُ
النوويُ(١)، وفيه قولان:
أحدهما: المرأة تموت من الولادة وولدها في بطنها قد تم خلقه،
قَالَ مالك: وقيل: إذا ماتت من النفاس فهي شهيدة سواء ألقت ولدها
وماتت، أو ماتت وهو في بطنها(٢).
والثاني: هي التي تموت عذراء قبل أن تحيض لم يمسها الرجال،
(والأول أشهر في اللغة كما قاله ابن بطال)(٣).
وفي ((المثلث)) لابن عديس: يقال للمرأة إذا لم تفتض: هي بجمع،
وجمع بالكسر والضم، وكذلك إذا ماتت وفي بطنها ولد، ويقال للمرأة
إذا كانت حاملة مثقلة هي بجمع وجمع بالضم والكسر، وقال ابن التياني
في ((موعبه)): يقال للمرأة إذا كانت حبلى هي بجمع، وإن لم تمت،
وكذلك إذا كانت بكرًا لم تزوج، وكذا ذكره ابن سيده، والجوهري(٤)
وغيرهما، وفي الحديث: ((أيما امرأة ماتت بجمع لم تطمث دخلت
الجنة)) ذكرها الأزهري(٥) كأنها اجتمعت لها السلامة إذ لم يمسها
(١) ((شرح مسلم)) ١٣/ ٦٣.
(٢) ((الموطأ)) برواية الشيباني ص ٣٤.
(٣) من (ص١)، وانظر: ((شرح ابن بطال)) ٤٤/٥.
(٤) ((المحكم)) ٢١٢/١، ((الصحاح)) ١١٩٨/٣، مادة: جمع.
(٥) ((تهذيب اللغة)) ١/ ٦٥٣.