Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
= كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
وإنما أنتحى هو فزاد الواو (١)، وإنما أغتسل للتنظيف كما قاله
المهلب، وإن كان الغبار في سبيل الله شاهدًا من شواهد الجهاد وقد
قَالَ بَّهِ: ((ما أغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار))(٢)، ألا ترى
أن جبريل لم يغسله عن نفسه تبركًا به في سبيل الله، وفيه: دلالة أنه
وَّي لم يخرج إلى حرب إلا بإذن، قاله ابن بطال(٣).
وعَصَبَ: مخفَّف، يقال: عَصَبَهُ وعَصَمَهُ الغُبَار إذا رَكِبَهُ، وعَلِقَ بِهِ
ولَصِقَ، ومنه: سميت العصبة: وهم قرابة الرجل من أبيه، قَالَ ابن
التين: معناه أحاط به كالعصابة. وقيل: معناه ركب رأسه الغبار وعلق
به، يقال: عَصَبَ الرِّقُ بِفَمِي، إذا جفَّ فبقيت منه لُزُوجة تمسك الفم.
وفيه: قتال الملائكة بسلاح.
وفيه: دلالة على أن الملائكة تصحب المجاهدين في سبيل الله،
وأنها في عونهم ما استقاموا فإن خانوا وغُلُّوا فارقتهم، يدل على ذَلِكَ
قوله ◌َّل: ((مع كل قاض ملكان يسددانه ما أقام الحق فإذا جار تركاه)) (٤).
والمجاهد حاكم بأمر الله في أعوانه وأصحابه.
(١) ((المفهم)) ٥٩١/٣.
(٢) سلف برقم (٢٨١١).
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٢٨/٥.
(٤) رواه الطبراني ١٨/ ٢٤٠ من حديث عمران بن حصين، وفيه نفيع بن الحارث،
أبو داود الأعمى، متروك، أنظر: ((الضعيفة)) (٢٦١٦)، ورواه البيهقي ٨٨/١٠،
من حديث ابن عباس، وفيه: العلاء بن عمرو الحنفي، كذاب، قال الحافظ في
((التلخيص)) ١٨١/٤: إسناده ضعيف. قال صالح جزرة: هذا الحديث ليس له
أصل.اهـ وقال الألباني في ((الضعيفة)) (٢٥٣٩): هذا إسناد موضوع.اهـ
وفي الباب: أيضا عن واثلة بن الأسقع، رواه الطبراني ٢٢/ ٨٤؛ وأعله الهيثمي
في ((المجمع)) ٤/ ١٩٤ بتضعيف الأزدي لجناح مولى الوليد.

٤٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قَالَ (ابن المنير)(١): إنما بوب البخاري على هذا الحديث هنا؛
لئلا يتوهم كراهية غسل الغبار؛ لأنه من حميد الآثار كما كره بعضهم
مسح ماء الوضوء بالمنديل، وبين جوازه بالعمل المذكور(٢).
وفيه: يمين الصادق تأكيدًا لقوله: (وَأَوْمَأَ: أَشَارَ) ويقال: وَمَأَ
بمعناه.
فائدة :
قَالَ مالك: كانت غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب سنة أربع،
وقيل: سنة خمس، قال: وكانت في برد شديد ولم يستشهد يومئذ
إلا أربعة أو خمسة، ويومئذ نزلت: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ
مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٠] جاءت قريش من هاهنا، واليهود من هنا،
ونجد -يريد هوازن- من هنا، قَالَ: وانصرف من قريظة لأربع خلون
من ذي الحجة.
(١) في (ص١): ابن التين.
(٢) ((المتواري)) ص١٥٣.

٤٠٣
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
١٩ - باب فَضْلٍ قَوْلِ اللّهِ رَّ:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا:
إلى ﴿أجر المؤمنين﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧١]
٢٨١٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ
اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ عَّ قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللهِ وَّه عَلَى الذِينَ قَتَلُوا
أَصْحَابَ بِثْرِ مَعُونَةَ ثَلَاثِينَ غَدَاةَ، عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ. قَالَ
أَنَّسْ: أُنْزِلَ فِ الذِينَ قُتِلُوا بِبِثْرِ مَعُونَةَ قُزْآنٌ قَرَأْنَاهُ ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ: بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ
لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّ وَرَضِينَا عَنْهُ.
٢٨١٥ - حَدَّثَنَا عَليَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ
اللهِ رضي الله عنهما يَقُولُ: أَصْطَبَحَ نَاسٌ الَخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ قُتِلُوا شُهَدَاءَ. فَقِيلَ
لِسُفْيَانَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ اليَوْمِ؟ قَالَ لَيْسَ هذا فِيهِ. [٤٠٤٤، ٤٦١٨ - فتح: ٦ / ٣١]
ثم ساق حديث أَنَسٍ: دَعَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَلَى الذِينَ قَتَلُوا أَصْحَابَهُ
بِتْرٍ مَعُونَةَ، وقد سلف قريبا (١)، ويأتي في المغازي(٢)، وأخرجه مسلم
في الصلاة(٣).
وحديث جَابِرٍ: أَصْطَبَحَ نَاسٌ الخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ قُتِلُوا شُهَدَاءَ. فَقِيلَ
لِسُفْيَانَ: مِنْ آخِرِ ذَلِكَ اليَوْمِ؟ قَالَ: لَيْسَ هُذا فِيهِ.
قلتُ: لا شك أنه كان قبل تحريمها، فما منعهم ذَلِكَ من الشهادة؛
لأن ما قبل النهي عفو، وأما الآية فروى الحاكم في ((مستدركه)) صحيحًا
من حديث ابن عباس مرفوعًا: ((لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله
(١) سلف برقم (٢٨٠١).
(٢) سيأتي برقم (٤٠٨٨) باب: غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة.
(٣) رواه مسلم (٦٧٧) كتاب: المساجد، باب: استحباب: القنوت.

٤٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد من أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها،
وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة (في ظل)(١) العرش، فلما وجدوا طيب
مأكلهم ومشربهم ومقيلهم، فقالوا: من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في
الجنة نرزق؟ لئلا يزهدوا في الجهاد، ويتكلوا عن الحرب، فقال الله
وَّ: أنا أبلغهم عنكم)) فأنزل الله ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَنَا﴾
الآية(٢). [آل عمران: ١٦٩].
وذكره الطبري عن ابن مسعود مرفوعًا(٣)، وروى الواحدي من
حديث طلحة بن خراش عن جابر أنها نزلت في والد جابر(٤)، وقال
سعيد بن جبير: نزلت في حمزة، ومصعب بن عمير، لما أصيبا يوم
أحد(٥)، وقال سعيد بن جبير: نزلت في أهل أحد خاصة، وقال
جماعة منهم: نزلت في شهداء بئر معونة، وقيل: نزلت تنفيسًا لأولياء
الشهداء وإخبارًا عن حال قتلاهم، فإنهم كانوا إذا أصابتهم نعمة
أو سرور تحسروا وقالوا: نحن في النعمة والسرور وأبناؤنا في
القبور، وقال مقاتل: نزلت في قتلى بدر، وكانوا أربعة عشر شهيدًا.
وقوله: (﴿فَرِحِينَ﴾) هو مثل فارحين، قَالَ الداودي: وقد يقال
الفرحين الآمنين في الدنيا، المغترين بزينتها.
ومعنى (﴿لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم﴾) أي: في الفضل، وإن كان لهم فضل
﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ﴾ المعنى: ويستبشرون ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾ وقرأ الكسائي:
(١) في (ص١): تحت.
(٢) ((المستدرك)) ٨٨/٢.
(٣) ((تفسير الطبري)) ٥١٣/٣ (٨٢٠٦).
(٤) ((أسباب النزول)) ص ١٣٣ (٢٦٣).
(٥) ((أسباب النزول)) ص١٣٣ (٢٦٤)، ورواه ابن أبي شيبة ٢٢٢/٤ (١٩٤٢٩).

=
٤٠٥
- كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
(وإن الله)(١)، بكسر الألف على أنه مقطوع من الأول المعنى، وهو
لا يضيع أجر المؤمنين ثم جيء بـ(إن) توكيدًا، وحديث أنس سلف
طرف منه أيضًا في القنوت(٢)، وسيأتي في غزوة الرجيع أيضًا.
وفي ((غرائب مالك)) للدار قطني يقول في دعائه: ((اللَّهُمَّ أشدد وطأتك
على مضر الفدادين أهل الوبر، اللَّهُمَّ سنين كسني يوسف))(٣). تفرد به
أحمد بن صالح، عن ابن نافع، عن مالك بهذا الإسناد، وللطبري من
حديث أنس: لا أدري أكانوا أربعين أو سبعين، وعلى ذَلِكَ الماء
عامر بن الطفيل الجعفري(٤).
وفيه: أن حرام بن ملحان الأنصاري هو الذي بلغ الرسالة، وأن
عامر بن الطفيل قتلهم أجمع، وأنزل الله ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ الآية.
وفي ((سير ابن إسحاق)) أن بعثهم كان على رأس أربعة أشهر من أحد
وكان أبو براء (عامر)(٥) بن مالك ملاعب الأسنة هو الذي طلبهم، وأنه
قَالَ: أنا لهم جار، فبعث رسول الله وَّر المنذر بن عمرو في أربعين رجلاً
من خيار المسلمين، فيهم الحارث بن الصمَّة، وحرام بن ملحان،
وعروة بن أسماء ونافع بن ورقاء وعامر بن فهيرة فساروا حَتَّى نزلوا
بئر معونة وهي بين أرض بني عامر وحرَّة بني سليم، واستصرخ عليهم
عامر بن الطفيل بني عامر، فأبوا أن يجيبوه، وقالوا: لن نخفر أبا براء
فاستصرخ تلك القبائل عصيَّة وغيرها فقتلوهم إلا كعب بن زيد فتركوه
(١) انظر: ((الحجة للقراء السبعة)) للفارسي ٩٨/٣.
(٢) سلف برقم (١٠٠١).
(٣) يراجع ما سلف برقم (٨٠٤).
(٤) ((تفسير الطبري)) ٥١٥/٣ (٨٢٢٤).
(٥) من (ص١).

٤٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وبه رمق، فعاش حَتَّى قتل يوم الخندق، وأسر عمرو بن أمية وكان على
سرح القوم، ثم أطلق لما أخبر أنه من مضر أطلقه عامر، وجزّ ناصيته
وأعتقه عن رقبة كانت على أمه فيما يزعم، فلما أخبر عمرو رسول
اللهِ وَّ الخبر قَالَ: ((هذا عمل أبي براء قد كنت لهذا كارهًا))(١).
وفي ((مغازي موسى بن عقبة)) فقال: كان أمير السرية مرثد بن أبي مرثد.
ولمسلم: أن ناسًا جاءوا إلى رسول الله وَله فقالوا: أبعث معنا
رجالًا يعلمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار،
يقال لهم: القراء قَالَ أنس: منهم خالي حرام، فتعرضوا لهم فقتلوهم
قبل أن يبلغوا المكان(٢).
وللبيهقي في ((دلائله)) عن أنس أيضًا: لما أصيب خبيب بعثهم رسول
الله وَّ فأتوا على حي من بني سليم قَالَ: فقال خالي حرام لأميرهم:
دعني فلأخبر هؤلاء أنا ليس إياهم نريد، فيخلون وجوهنا قَالَ:
فأتاهم، فاستقبله رجل منهم برمح فأنفذه به ثم أنطووا عليهم فما بقي
منهم مخبر(٣).
قَالَ ابن التين: ويقال: إن عامر بن فهيرة لم يوجد، يرون أن
الملائكة وارته.
و(مَعُونة) بالنون وفتح الميم وضم العين، بين مكة وعسفان أرض
لهذيل، وعن الكندي هي جبال يقال لها: أبلى في طريق المصعد من
(١) رواه الطبراني ٣٥٦/٢٠ - ٣٥٨، عن محمد بن إسحاق به؛ قال الهيثمي في
((المجمع)) ١٢٩/٦: رجاله ثقات إلى ابن إسحاق. اهـ. كما حكاه عن ابن إسحاق
ابن هشام في ((سيرته)) ١٨٣/٣-١٨٧.
(٢) ((صحيح مسلم)) (٦٧٧ / ١٤٧) كتاب: الإمارة، باب: ثبوت الجنة للشهيد.
(٣) ((الدلائل)) ٣٤٩/٣.
1

٤٠٧
بـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
المدينة إلى مكة وهي لبني سليم، وقال أبو عبيدة في (كتاب المقاتل)):
هي ماء لبني عامر بن صعصعة، وقال الواقدي: هي أرض لبني سليم
وأرض بني كلاب(١).
و(رِعْل) بكسر الراء ثم عين مهملة ساكنة ثم لام؛ ابن مالك بن
عوف بن أمرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة.
و(ذَكْوان) هو ابن ثعلبة بن سليم بن منصور، قَالَ ابن دريد: اشتقاقه
من شيئين: إما من الذكاء ممدود، وهو تمام السن أو من ذكا النار
مقصور(٢)، واشتقاق رِعل من الرعلة، وهي النخلة الطويلة، والجمع
رعال، والرعلة القطعة من الخيل، والراعل نخل من النخل معروف
بالمدينة، وناقة رعلاء إذا قطعت أذنها فتركت منها قطعة معلقة،
وعصية قَالَ الهجري: هو الخفاف بنُ أمرئ القيس بن بهثة بن سليم بن
(٣)
منصور
٠
تتمات :
أحدها : قَالَ الداودي: قوله: (ثم نسخ بعد) يريد سقطت عن ذكره؛
لتقادم عهده إلا أن تذكر بمعنى الرواية ليس النسخ الذي يبدل مكانه
خلافه؛ لأن الخبر لا يدخله نسخ، وعبارة غيره: إن القرآن ربما نسخ
لفظه، وبقي حكمه مثل: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة.
فمعنى النسخ هنا أنه أسقط من التلاوة.
وقال السهيلي: هذا المذكور -أعني: ما نزل ونسخ- ليس عليه
(رونق) (٤) الإعجاز، قَالَ: ويقال: إنه لم ينزل بهذا النظم، ولكن بنظم
(١) أنظر: ((معجم البلدان)) ١٥٩/٥.
(٣) ((الاشتقاق)) ص٣٠٩.
(٢) ((الاشتقاق)) ص١٨٧.
(٤) في (ص١): رؤى.

٤٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
معجز كنظم القرآن، ولا يقال: إنه خبر، والخبر لا ينسخ، إنما نسخ منه
الحكم فقط، فإن حكم القرآن التلاوة، وأن لا يمسه إلا طاهرٌ وأن يكتب
بين الدفتين، وأن يكون تعلمه من فروض الكفاية، فكل ما نسخ،
(ورفعت)(١) منه هذِه الأحكام وإن بقي محفوظًا فإنه منسوخ، فإن
تضمن حكمًا جاز أن يبقى ذَلِكَ الحكم معمولا به، وأنكرت ذَلِكَ
المعتزلة، وإن تضمن خبرًا بقي ذَلِكَ الخبر مصدقًا به، وأحكام التلاوة
منسوخة عنه، كما نزل: لو أن لابن آدم وادِيَان من ذهب. فهذا خبر
حق، والخبر لا ينسخ، لكن نسخ منه أحكام التلاوة له، وكان قوله:
لو أن لابن آدم، في سورة يونس بعد قوله: ﴿كَأَنْ لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِّ
كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٥] كذا قَالَ ابن سلام(٢).
ثانيها: فيه دلالة كما قَالَ المهلب: أن من قُتل غدرًا شهيد، لأن
أصحاب بئر معونة قتلوا غدرًا بهم.
ثالثها: اختلف الناس في كيفية حياة الشهيد، وأولاها - كما قَالَ ابن
بطال- أن تكون الأرواح ترزق، وكذا جاء الخبر: ((إنما نسمة المؤمن
طائر تعلق في شجر الجنة))(٣)، قَالَ أهل اللغة: يعني يأكل منها (٤).
قَالَ صاحب ((المطالع)) تعلق: بضم اللام أي: تتناوله، وقيل: نسمة
وبالفتح أيضًا، ومعناه: تتعلق وتلزم ثمارها وتأوي إليها، وقيل: هما
(١) كذا بالأصل وأعلاها: كذا، وفي هامشها: ينبغي أن تكون بغير واو.
(٢) ((الروض الأنف)) ٢٣٩/٣-٢٤٠.
(٣) رواه الترمذي (١٦٤١)، والنسائي ١٠٨/٤، وابن ماجه (٤٢٧١)، وأحمد ٣/
٤٥٥ من حديث كعب بن مالك، وصححه الترمذي، وابن حبان ٤١٣/١٠،
والألباني في ((المشكاة)) (١٦٣٢).
(٤) ((شرح ابن بطال)) ٢٩/٥.

٤٠٩
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
سواء، وقد روي تسرح، وهو يشهد للضم ومن رواه بالتاء على النسمة،
ويحتمل أن يرجع إلى التطير على أن يكون جمعًا، ويكون ذكر النسمة؛
لأنه أراد الجنس لا الواحد، وقد يكون التأنيث للروح؛ لأنها تذكر
وتؤنث، وهذا الحديث أنها تعلق عام والقرآن ذكر في الشهداء.
قَالَ الداودي: وقيل: تمثل أرواحهم طيرًا تسرح في الجنة، قَالَ:
وذكر بإسناد ضعيف أنها تجعل في حواصل طير، ولا يصح في النقل
ولا الاعتبار؛ لأنها إن كانت هي أرواح الطير. فكيف يكون في الحواصل
دون سائر الجسد؟ وإن كان لها أرواح غيرها فكيف يكون لها روحان
في جسد؟ وكيف تصل لهم الأرزاق التي ذكر الله تعالى؛ قَالَ: وإنما
الصحيح أن أرواحهم طائر تعلق في شجر الجنة، (أي)(١) ترعى حَتَّى
يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه ويعرض عليه مقعده بالغداة والعشي.
قلتُ: وما أنكره هو ثابت في ((صحيح مسلم))، وهو معدود من أفراده
من حديث مسروق، قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
قُتِلُواْ﴾ فقال: أما إنا قد سألنا عن ذَلِكَ فقال: ((إن أرواحهم في جوف طير
خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي
إلى تلك القناديل فاطلع إليهم ربكم إِطْلاعةً فقال: هل تشتهون شيئًا؟
فقالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح في الجنة حيث شئنا، ثم نأوي إلى
تلك القناديل، فقال لهم ذَلِك ثلاثًا. فلما رأوا أنهم لم يتركوا من أن
يسألوا، قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في
سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا))(٢).
(١) في (ص١): أو.
(٢) مسلم (١٨٨٧) كتاب: الإمارة، باب: بيان أن أرواح الشهداء في الجنة ..

٤١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وفي ((مستدرك الحاكم)) وقال: على شرط مسلم من حديث محمد بن
إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير -زاد ابن أبي عاصم :-
وسعيد بن جبير، عن ابن عباس قَالَ: قَالَ رسول الله وَلِ هِ: ((لما أصيب
إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر ترد من أنهار الجنة
وتأكل من ثمارها .. )) الحديث(١).
ومن حديث الحسين بن واقد -عند ابن أبي عاصم- عن الأعمش،
عن شقيق، عن ابن مسعود أن الثمانية عشر من أصحاب رسول الله وَله
جعل الله أرواحهم في الجنة في طير خضر (٢)، وفي لفظ: ((أرواح
الشهداء عند الله كطير خضر في قناديل تحت العرش)).
ومن حديث عطية، عن أبي سعيد مرفوعًا: ((أرواح الشهداء في طير
خضر ترعى في رياض الجنة، ثم يكون مأواها قناديل معلقة بالعرش)).
ومن حديث موسى بن عبيدة الرَّبَذَي عن (عبيد الله بن يزيد)(٣)، عن
أم فلانة -أظنها: أم (مبشر)(٤) - قَالَ رسول الله بَّه: ((إن أرواح المؤمنين
طير خضر في حجر من الجنة يأكلون من الجنة، ويشربون من الجنة)).
وبإسناد جيد إلى كعب بن مالك مرفوعًا: ((أرواح الشهداء في طير
خضر)) (٥).
(٥)
(١) ((المستدرك)) ٨٨/٢، ورواه ابن أبي عاصم في ((الجهاد)) ٢١٥/١ (٥٢)،
والحدیث قال عنه الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٢٧٥): حديث حسن صححه
الحاكم والذهبي؛ وأقره المنذري.
(٢) ((الجهاد)) ٥١٧/٢ (١٩٨).
(٣) في (ص١): عبيد الله بن زيد.
(٤) في (ص١): ميسر.
(٥) ((الجهاد)) ٥١٨/٢-٥٢١ (٢٠٠-٢٠٢)، ولمزيد بيان تنظر حاشيته.

٤١١
= كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
ولمالك في ((الموطأ)): ((نسمة المؤمن طائر)) (١).
وأَوَّلَ بعض العلماء (في) بمعنى (على) أي: أرواحهم على جوف
طير خضر، كما قَالَ تعالى: ﴿وَلَأُصَلَِنَّكُمْ فِ جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: على
جذوع، وجائز أن يسمى الطير جوفًا لهم أو هو محيط به ومشتمل
عليه كالحامل والجنين، كما نبه عليه عبد الحق.
(١) ((الموطأ)) ص١٦٤.

٤١٢
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٢٠ - باب ظِلِّ المَلَائِكَةِ عَلَى الشّهِيدِ
٢٨١٦ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابن عُيَيْنَةَ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ
المُنْكَدِرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: جِيءَ بِأَبِي إِلَى النَّبِيِّ ◌ََّ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ وَوُضِعَ بَيْنَ
يَدَيْهِ، فَذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْ وَجْهِهِ، فَنَهَانٍ قَوْمِي، فَسَمِعَ صَوْتَ صَائِحَةٍ، فَقِيلَ: ابنةُ
عَمْرِو - أَوْ أُخْتُ عَمْرِو - فَقَالَ: ((لِمَ تَبْكِي - أَوْ: لَا تَبْكِي - مَا زَالَتِ المَلَائِكَةُ
تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا)). قُلْتُ لِصَدَقَةَ: أَفِيهِ: ((حَتَّى رُفِعَ؟)) قَالَ: رُبَّمَا قَالَهُ. [انظر: ١٢٤٤ -
مسلم: ٢٤٧١ - فتح: ٣٢/٦]
ذكر فيه حديث مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: جِيءَ بِأَبِي
إِلَى النَّبِيِّ وََّ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ وَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْ وَجْهِهِ،
فَنَهَانِي قَوْمِي، فَسَمِعَ صَوْتَ (صَائِحَةٍ) (١)، فَقِيلَ ابنةُ عَمْرٍو - أَوْ أُخْتُ
عَمْرٍو - فَقَالَ: ((لِمَ تَبْكِي - أَوْ: لَا تَبْكِي - مَا زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ
بِأَجْنِحَتِهَا)). قُلْتُ لِصَدَقَةَ- أي: ابن الفضل؛ شيخ البخاري -: أَفِيهِ:
((حَتَّى رُفِعَ))؟ قَالَ: رُبَّمَا قَالَهُ.
هذا الحديث سلف، وفيه من فضل الشهادة وضع الملائكةِ أجنحتها
عليه رحمة له، كما نبه عليه المهلب.
وفيه: أن النياحة ليست الشدة في النهي عنها إلا إذا كان معها شيء
من أفعال الجاهلية، من شق وخمش ودعوى الجاهلية، على ما سلف في
الجنائز.
وفيه: أن الشهيد والرجل الصالح ومن يرجى له الخير لا يحب أن
يبكى عليه، ألا ترى أنه قَالَ لها: ((لم تبكي؟)) فأخبرها بالأمن عليه في
الآخرة، وإنما البكاء لمن يُخشى عليه النار، وشهد لهذا المعنى حديث
(١) في هامش الأصل: في أصله: نائحة، ومقتضى ما شرحه أن تكون كذلك.

٤١٣
= كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
أم حارثة إذ قالت لرسول الله وَلقر: أخبرني بمنزلة ابني، فإن كان في الجنة
صبرت واحتسبت(١).
وفيه: أن الشهيد لا يضره بكاء من بكى عليه من النساء وأن أهل
الشهيد من النساء أعذر في البكاء ممن يموت حتف أنفه؛ إذ لم يقل
لهن هاهنا شيئًا؛ كذا قَالَ الداودي.
قَالَ ابن التين: والذي في الحديث شك، هل هو نهاها أو قَالَ:
((لم تبكي)) يقوله لغيرها، أو لو خاطبها لقال: لم تبكين.
(١) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٢٩/٥.

٤١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
=
٢١ - باب تَمَنِّي المُجَاهِدِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا
٢٨١٧ - حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ
قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ تَهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ
أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَىء إِلَّ الشَّهِيدُ، يَتَمَنَّى أَنْ
يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ؛ لِمَا يَرِىُ مِنَ الكَرَامَةِ)). [انظر: ٢٧٩٥ -
مسلم: ١٨٧٧ - فتح: ٣٢/٦]
ذكر فيه حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ قَالَ: (مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ
الجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَىءٍ إِلَّ الشَّهِيدُ،
يَتَمَنَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ؛ لِمَا يَرِى مِنَ الكَرَامَةِ)).
هذا الحديث أخرجه أبو داود أيضًا (١)، وفي لفظ له: ((لما يرى من
فضل الشهادة)) (٢).
وهذا الحديث أجل ما جاء في فضل الشهادة والحض عليها
والترغيب فيها، وإنما يتمنى الشهيد أن يقتل عشر مرات -والله أعلم-
لعلمه بأن ذَلِكَ مما يرضي الله ◌َ، ويقرب منه؛ لأن من بذل نفسه
ودمه في إعزاز دين الله ونصرة دينه ونبيه فلم يبق غاية وراء ذَلِكَ،
وليس في أعمال البر ما تُبذل فيه النفس غير الجهاد؛ فلذلك عظم
الثواب عليه والله أعلم.
(١) كذا رمز في الأصل، وفيه نظر فالمقصود هو أبو داود الطيالسي، وقد رواه في
((مسنده)) ٤٦٨/٣ (٢٠٧٦)، وانظر: ((تحفة الأشراف)) (١٢٥٢).
(٢) سلف برقم (٢٧٩٥).

٤١٥
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
٢٢ - باب الجَنَّةُ تَحْتَ بَارِقَةِ الشُّيُوفِ
وَقَالَ المُغِيرَةُ: أَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا: ((مَنْ قُتِلَ مِنَّا
صَارَ إِلَى الجَنَّةِ)).
وَقَالَ عُمَرُ ه لِلنَّبِيِّ وَِّ: أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ
فِي النَّارِ؟ قَالَ: (بَلَىْ)).
٢٨١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ،
عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ - مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، وَكَانَ كَاتِبَهُ -
قَالَ: كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّ﴾ قَالَ:
(وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ)). تَابَعَهُ الأَوَيْسِيُّ، عَنِ ابن أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ
مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ. [٢٨٣٣، ٢٩٣٣، ٢٩٦٥، ٢٩٦٦، ٣٠٢٤، ٣٠٢٥، ٤١١٥، ٦٣٩٢، ٧٢٣٧، ٧٤٨٩ -
مسلم: ١٧٤٢ - فتح: ٣٣/٦]
ثم ساق حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ:
((وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ)).
قال أبو عبدالله: تَابَعَهُ الأُوَيْسِيُّ، عَنِ ابن أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُوسَى بْنِ
عُقْبَةَ.
الشرح :
التعليق الأول: أسنده في الجزية عن الفضل بن يعقوب، عن
عبد الله بن جعفر الرقي، عن المعتمر بن سليمان، عن سعيد بن
عبيد الله الثقفي، عن بكر بن عبد الله المزني وزياد بن جبير كلاهما،
عن جبير بن حية الثقفي عنه مطولًا يذكر إسلام المرزبان ومشاورة
عمر له في أمر القتال(١).
(١) سيأتي برقم (٣١٥٩).

٤١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
و(المعتمر) (هذا)(١) هو ابن سليمان بن طرخان التيمي كما قاله
أصحاب الأطراف، والمستخرجات والمترجمون.
وأما الحافظ الدمياطي فقال: إنه وَهَمٌ، والصواب: المُعَمَّرُ بنُ
سليمان الرَّقِّي؛ لأن عبد الله بن جعفر الرقي لا يروي عن التيمي(٢).
ولم نره لغيره؛ بل ولا ذكر المعمر في رجال البخاري (٣) ولما ذكروا
ابن جعفر قالوا: روى عن المعتمر التيمي (٤).
والتعليق الثاني: عن عمر خرجه أيضًا عن أحمد بن إسحاق، عن
يعلى بن عبيد، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت،
عن أبي وائل، عن سهل بن حنيف قَالَ: قَالَ عمر .. فذكره(٥).
وحديث ابن أبي أوفى متفق عليه.
وقوله: (تابعه .. إلى آخره): يعني: أن الأويسي تابع معاوية بن
عمر، والذي رواه عن أبي إسحاق، عن موسى بن عقبة.
(١) من (ص١).
(٢) وتعقب الدمياطيَّ أيضًا الحافظُ ابن حجر في ((الفتح)) ٦/ ٢٦٣ بأن ذلك ليس بكاف
في رد الروايات الصحيحة؛ وهَبْ أن أحدهما لم يدخل بلد الآخر، أما يجوز أن
يكونا التقيا مثلا في الحج أو في الغزو؟ وما ذكره معارض بمثله فإن المعتمر بن
سليمان رقي، وسعيد بن عبيد الله بصري؛ فمهما استبعد من لقاء الرقي البصري،
جاء مثله في لقاء الرقي للبصري ..
(٣) ورد في هامش الأصل: الصحيح، وقد ذكرها مطولة ابن قرقول في ((مطالعه)) في
حرف الميم.
(٤) قال الحافظ في ((الفتح)) ٦/ ٢٦٣: أغرب الكرماني فحكى أن قيل: الصواب في
هُذا معمر بن راشد يعني شيخ عبد الرزاق.
قال الحافظ: وهذا هو الخطأ بعينه.
(٥) سيأتي برقم (٤٨٤٤) كتاب: التفسير.

=
٤١٧
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
قَالَ ابن المنير (١): كأن البخاري أراد بالترجمة أن السيوف لما كانت
لها بارقة شعاع كان لها أيضًا ظل تحتها، وترجم ببارقة، يريد لمع
السيوف، من قولهم ناقة بروق إذا لمعت بذنبها من غير لقاح وهو
مثل: ((الجنة تحت ظلال السيوف)) وكذا قَالَ ابن بطال(٢): هو من
البريق، وهو معروف. قَالَ الخطابي: يقال: أبرق الرجل بسيفه إذا
لمع به، ويسمى السيف إبريقًا، وهو أفعل من البريق(٣).
إذا تقرر ذَلِك؛ فالكلام عليه من وجهين :
أحدهما: قَالَ المهلب: فيه: أنه قد يجوز أن يُقطع لقتلى المسلمين
كلهم بالجنة؛ لقول عمر على الجملة من غير أن يُشخص من هذِه الجملة
واحد فيقال: إن هذا في الجنة إلا بخبر فيه بعينه لقوله ◌َّيقول: ((والله أعلم
بمن يجاهد في سبيله)) (٤)، فنحن نقطع بظاهر الحديث في الجملة ونكل
التفصيل والغائب من النيات لله تعالى؛ لئلا يقطع في علم الله بغير
(خبر)(٥) ألا ترى أنه وَ ل حين سُئل فقيل له: منا من يقاتل للمغنم،
وليُرى مكانه، وللدنيا. وغير ذَلِكَ فلما فصل له تَبرأ من القطع على
الغيب فقال: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله))(٦).
وهذا القول يقضي على سائر معاني الحديث، والمسألة والترجمة
صحيحة، وأن من قَتَل أو قُتِل في إعلاء كلمة الله فهو في الجنة.
(١) ((المتواري)) ص١٥٣.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٣١/٥.
(٣) ((غريب الحديث)) ٢/ ١٥٣.
(٤) سلف برقم (٢٧٨٧).
(٥) في (ص١): جزاء.
(٦) سلف قريبًا.

٤١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ثانيهما: قوله: ( ((واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)) ) أي:
ثواب الله، والسبب الموصل إلى الجنة عند الضرب بالسيوف في
سبيل الله ومشي المجاهدين في سبيله، فأحضروا فيه بصدق وأثيبوا،
وهذا من كلامه البديع النفيس الذي جمع ضروب البلاغة من جزالة
اللفظ وعذوبته، فإنه أستفيد منه مع وجازته الحض على الجهاد،
والإخبار بالثواب عليه، والحض على مقارنة العدو واستعمال السيوف
والاعتماد عليها، واجتماع المقاتلين حين الزحف حَتَّى تكون سيوفهم
بعضها يقع على العدو، وبعضها يرتفع عنهم حَتَّى كأن السيوف أظلت
الضاربين بها، قَالَ ابن الجوزي: والمراد أن دخوله الجنة يكون
بالجهاد، والظلال: جمع ظل، فإذا دنا الشخص من الشخص صار
تحت ظل سيفه، وقَالَ في موضع آخر: وإذا تدانا الخصمان صار كل
واحد منهما تحت ظل سيف الآخر، فالجنة تنال بهذا.

٤١٩
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
٢٣ - باب مَنْ طَلَبَ الوَلَدَ لِلْجِهَادِ
٢٨١٩ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُزْمُزَ قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَُّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ قَالَ: ((قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا
السَّلَامُ: لِأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةٍ أَمْرَأَةٍ - أَوْ تِسْعِ وَتِسْعِينَ - كُلُّهُنَّ يَأْتِي بِفَارِسٍ
يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إِنْ شَاءَ أَّلهُ. فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلَمْ
يَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا أَمْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ
قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فُرْسَانًّا أَجْمَعُونَ)). [٣٤٢٤، ٥٢٤٢، ٦٦٣٩،
٦٧٢٠، ٧٤٦٩ - فتح: ٦/ ٣٤]
ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ -معلقا- فَقَالَ: (قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ:
لِأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ - أَوْ تِسْعِ وَتِسْعِينَ - كُلَّهُنَّ يَأْتِي بِفَارِسٍ
يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ. فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ
اللهُ، فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا أَمْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُل، وَالَّذِي نَفْسُ
مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فُرَّسَانًا أَجْمَعُونَ)).
هذا الحديث كذا أخرجه البخاري هنا معلقًا وأسنده في (ستة)(١)
مواضع منها في الأيمان والنذور عن أبي اليمان، عن شعيب، عن
أبي الزناد، عن الأعرج.
وفي لفظ: ((ستين أمرأة))، وفي لفظ: ((سبعين))، وفي آخر: ((مائة))؛
من غير شك، وفي آخر: ((تسعة وتسعين))؛ من غير شك، ولا منافاة بين
هُذِه الروايات؛ لأنه ليس في ذكر القليل نفي الكثير، وهو من باب مفهوم
العدد، ولا يعمل به جمهور أهل الأصول، وفي آخر: ((فقال له الملك:
قل: إن شاء الله، فلم يقل ونسي))، وطريق الليث أخرجها أبو نعيم من
(١) لم أقف عليه إلا في خمسة مواضع مسندة كما عددها بعدُ.

٤٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
حديث يحيى بن بكير عنه، وكذلك مسلم في ((صحيحه)) من حديثه(١).
إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالكلام عليه من وجوه:
أحدها: فيه: الحض على طلب الولد بنية الجهاد في سبيل الله، وقد
يكون الولد بخلاف ما أمله فيه فيكون كافرًا، ولكن قد تم له الأجر في
نيته وعمله.
ثانيها: أن من قَالَ: إن شاء الله وتبرأ من المشيئة إلا لله ولم يعط
(الخاصة)(٢) لنفسه في أعماله أنه حري بأن يبلغ أمله ويُعطى أُمنيّته،
ألا ترى أن سليمان لما لم يرد المشيئة إلى الله ولم يستثن ما الله في
ذَلِكَ حُرم أمله، ولو استثنى بلغ أمله. كما أخبر الصادق، وليس كل
من قَالَ قولًا ولم يستثن فيه المشيئة فواجب ألا يبلغ أمله، بل منهم
من يشاء الله إتمام أمله، ومنهم من لا يشاء بسابق علمه، ولكن هذه
التي أخبر عنها الصادق أنها مما لو أستثنى المشيئة لتم له أمله، فدل
هذا على أن الأقدار في علم الله على ضروب، فقد يُقدر للإنسان
الولد والرزق والمنزلة إن فعل كذا، أو قَالَ أو دعا، فإن لم يفعل
ولا قَالَ لم يعط ذَلِكَ الشيء وأصل هذا في قصة يونس وَّ قَالَ
تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينُّ (١٣) لَبِثَ فِى بَطْنِ: إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ
١٤٤
[الصافات: ١٤٣-١٤٤] فبان بهذه الآية أن تسبيحه كان سبب خروجه
من بطن الحوت، ولو لم يسبح ما خرج منه.
ثالثها: أن الاستثناء قد یکون بإثر القول، وإن كان فيه سكوت یسیر
لم تنقطع به دونه الأفكار الحائلة بين الاستثناء واليمين، وستعلم ذَلِكَ في
موضعه.
(١) ((صحيح مسلم)) (١٦٥٤) كتاب: الأيمان والنذور، باب: الاستثناء.
(٢) في الأصل: الخصة. ولعل المثبت هو الصواب؛ وانظر ((شرح ابن بطال)) ٣٢/٥.