Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ =ِ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ ضفيرة، ما بين الضفيرة والضفيرة سبعون ألف ذؤابة، والذوائب أَضْوَءُ من البدر وخلخالها مكلّلٌ بالدر، وصفوف الجواهر، على جبينها سطران مكلل بالدر، والجوهر في الأول بسم الله الرحمن الرحيم، وفي الثاني: من أراد مثلي فليعمل بطاعة ربي ثّ؛ فقال لي جبريل: هُذِه وأمثالها لأمتك)) وقال ابن مسعود: إن الحوراء ليرى مخ ساقها من وراء اللحم والعظم ومن تحته سبعون حلة كما يرى الشراب في الزجاج الأبيض(١). وروي أنه ◌ّي سُئل عن الحور من أي شيء خلقن؟ فقال: ((من ثلاثة أشياء أسفلهن من المسك، وأوسطهن من العنبر، وأعلاهن من الكافور، وحواجبهن سواد خط في نور)) وفي لفظ: ((سألت جبريل عن كيفية خلقهن، فقال: يخلقهن رب العالمين من قضبان العنبر والزعفران، مضروبات عليهن الخيام، أول ما يُخلق منهن نهد من مسك أَذْفَر أبيض عليه يلتئم البدن)). وقال ابن عباس: خلقت الحوراء من أصابع رجليها إلى ركبتيها من الزعفران، ومن ركبتيها إلى ثديها من المسك الأَذْفر، ومن ثديها إلى عنقها من العنبر الأشهب، ومن عنقها (وثم)(٢) من الكافور الأبيض، (١) من أول قول المصنف (ذكر ابن وهب .. ) أورده القرطبي في ((التذكرة)) ص ٥٥٥- ٥٥٦. وانظر: ((إحياء علوم الدين)) ٤/ ٦٧٤. (٢) كذا صورتها التقريبية في الأصول، وفوقها في الأصل: كذا. [وقد ترجح عندنا أن هنا سقطا؛ يؤيد قولنا أن المناوي رحمه الله تعالى نقل -وهو نقل عزيز- في ((فيض القدير)) ٥٩٨/٣ عن إحدى نسخ كتابنا هذا؛ فقال: وفي ((شرح البخاري)) لابن الملقن: عن ابن عباس خلقت الحور من أصابع رجليها إلى ركبتيها من الزعفران ومن ركبتيها إلى ثدييها من المسك الأذفر ومن ثدييها إلى عنقها من العنبر الأشهب ومن عنقها إلى نهاية رأسها من الكافور الأبيض). ٣٦٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -= (تلبس سبعون)(١) ألف حُلة مثل شقائق النعمان، إذا أقبلت يتلألأ وجهها ساطعًا كما تتلألأ الشمس لأهل الدنيا، وإذا أقبلت ترى كبدها من رقة ثيابها وجلدها، في رأسها سبعون ألف ذؤابة من المسك، لكل ذؤابة منها وصيفة ترفع ذيلها (٢). وما ذكره في معنى (﴿وَزَوَّجْنَهُم﴾: أنكحناهم) سيأتي الكلام عليه في بابه(٣). و(قَيْد الرمح): قدره وقيسه. و(النصيف): الخمار. قاله صاحب ((العين)) (٤). قَالَ النابغة : سقط النصيف ولم تُرِدْ إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد وقيل: المِعْجَر؛ ذكره الهروي. فائدة : أسلفنا بعضها: قَالَ الأزهري في ((تهذيبه)) عن النضر: الشهيد: الحي. وقال ابن الأنباري: سُمي(٥)؛ لأن الله وملائكته شهود له (١) كذا في الأصول، وكتب فوقها في الأصل: كذا. [قلت: على ما جاء هنا فحقها النصب؛ - أي: تكتب بالياء- إلا أنه بعد مراجعة مصادر التخريج وجد أن كلمة (تلبس) لعلها محرفة من (عليها) والله أعلم]. (٢) ساق العيني ما ساقه المصنف في وصف الحور، ثم عقب قائلا: وهُذِه الأحاديث والآثار، نقلتها من ((التلويح))، وما وقفت على أصلها. اهــ أنظر: ((عمدة القاري)) ٣٣٤/١١. (٣) سيأتي قبل حديث (٤٨٢٠) كتاب: التفسير، سورة ﴿حَمّ ﴾﴾ الدخان. (٤) ((العين)) ١٣٣/٧، مادة: صنف. (٥) في هامش الأصل: سقط: (بذلك) أو (شهيدًا) أو نحو هذا. ٠٠ ٣٦٣ = كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ بالجنة. وقيل: لأنه يشهد يوم القيامة مع نبينا على الأمم الخالية (١). وقال الكسائي: أشهد الرجل: إذا استشهد في سبيل الله فهو شهَد بفتح الهاء. وقيل: لأن أزواجهم أحضرت دار السلام وأزواج غيرهم لا تشهدها إلى يوم القيامة. وقال في ((الجامع)): العرب تكسر الشين، وذلك إذا كان يأتي فعيل حرف حلق، ومنهم من كسر وإن لم يكن حرف حلق. وقال في ((المغيث)): سمي شهيدًا لسقوطه بالأرض وهي (الشاهدة)(٢). وقيل: لأنه يُبَيِّن إيمانه وإخلاصه ببذله روحه في الطاعة من قوله: ﴿شَهِدَ اَللَّهُ﴾ أي: بَين وأخبر (وأعلم)(٣)، وقيل: لأنه يشهد عند ربه. أي: يحضر. أو لأنه يشهد الملكوت(٤)، فعيل بمعنى مفعول. فائدة أخرى : قَالَ المهلب: إنما ذكر حديث أنس في الباب؛ لأن المعنى الذي يتمنى الشهيد من أجله أن يرجع إلى الدنيا فيقتل هو لما يرى ما يُعطي الله الشهداء من النعيم ويرزقه من الحور العين، وكل واحدة منهن لو أطلعت إلى الدنيا لأضاءت الدنيا كلها ليستزيد من كرامة الله وتنعيمه وفضله، وفي ذلك حض على طلب الشهادة وترغيب فيها(٥). (١) ((تهذيب اللغة)) ١٩٤٣/٢. مادة: شهد. (٢) في (ص١): الشهادة. (٣) من (ص١). (٤) ((المجموع المغيث)) ٢٣٤/٢-٢٣٥ مادة: شهد. (٥) نقله عن المهلب ابن بطال ١٥/٥. ٣٦٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ٧ - باب تَمَنِّي الشّهَادَةِ ٢٧٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِ سَعِيدُ بْنُ اُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلُه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َ يَقُولُ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنَّ رِجَالاً مِنَ المُؤْمِنِينَ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّقُوا عَنِّي، وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ)). [انظر: ٣٦ - مسلم: ١٨٧٦ - فتح: ٦ /١٦] ٢٧٩٨ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَغْقُوبَ الصَّفَّارُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ تَيُ قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ ◌ََّ فَقَالَ: ((أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ عَنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ)) وَقَالَ: (مَا يَسُرُّنَا أَنَّهُمْ عِنْدَنَا)). قَالَ أَيُّوبُ: أَوْ قَالَ: ((مَا يَسُرُهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَنَا)). وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. [انظر: ١٢٤٦ - فتح: ١٦/٦] ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَهِ يَقُولُ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّقُوا عَنِّي، وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّقْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أَقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أَحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ)). وحديث أَنَسٍ: خَطَبَ النَّبِيُّ وَِّ فَقَالَ: ((أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ عَنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ))، وَقَالَ: «مَا يَسُرُّنَا أَنَّهُمْ عِنْدَنَا)). قَالَ أَيُّوبُ: أَوْ قَالَ: ((مَا يَسُرُّهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَنَا)). وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. ٣٦٥ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = الشرح : الحديث الأول: أخرجه مسلم والثاني من أفراده ويأتي في غزوة مؤتة (١)، وفيه: ((حَتَّى أخذ الراية سيف من سيوف الله حَتَّى فتح الله عليهم)). وفي بعض طرقه أنه ◌ّ سماهم قبل أن يأتي خبرهم(٢)، وأخذ خالد الراية هو من باب التمني، إقامة للفعل مقام (الأول)(٣). وفيه: أنه عليه أفضل الصلاة والسلام كان يتمنى من أفعال الخير ما يعلم أنه لا يعطاه؛ حرصًا منه على الوصول إلى أعلى درجات الشاكرين وبذلًا لنفسه في مرضاةٍ ربه وإعلاء كلمة دينه، ورغبة في الازدياد من ثواب ربه ولتتأسى به أمته في ذَلِكَ، وقد يثاب المرء على نيته لحديث: ((إن الله قد أوقع أجره على قدر نيته)) (٤)، وسيأتي في كتاب: التمني(٥) ما تمناه الصالحون مما لا سبيل إلى كونه. وفيه: إباحة القسم بالله على كل ما يعتقده المرء مما يحتاج فيه إلى يمين وما لا يحتاج، وكثيرًا ما كان يقول في كلامه: ((لا ومقلب القلوب))(٦)؛ لأن اليمين بالله توحيدٌ وتعظيم له تعالى، وإنما يكره تعمد الحنث. (١) سيأتي برقم (٤٢٦٢) كتاب: المغازي. (٢) سيأتي برقم (٣٦٣٠) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة، وبرقم (٣٧٥٧) كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب خالد بن الوليد (٣) كذا في الأصل: الأول، وفوقها (كذا)؛ وفي هامشها: كذا في الهامش (القول). (٤) رواه أبو داود (٣١١١)، والنسائي ١٣/٤-١٤، وأحمد ٤٤٦/٥، من حديث جابر بن عتیك. وصححه ابن حبان ٧/ ٤٦١ (٣١٨٩)، والحاكم ٣٥١/١-٣٥٢، والألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٧٢٧). (٥) سيأتي بداية من رقم (٧٢٢٦) باب: ما جاء في التمني. (٦) سيأتي برقم (٦٦١٧) كتاب: القدر، باب: ﴿يَحُولُ بَيْنَ اٌلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ،﴾ من حديث ابن عمر. ٣٦٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وفيه: أن الجهاد ليس بفرض معين على كل أحد، ولو كان معينًا ما تخلف الشارع ولا أباح لغيره التخلف عنه، ولو شق على أمته إذا كانوا يطيقونه هذا إذا كان العدو لم يفجأ المسلمين في دارهم ولا ظهر عليهم، وإلا فهو عين على كل من له قوة. وفيه: أنه يجوز للإمام والعالم ترك فعل الطاعة إذا لم يطق أصحابه، ونصحاؤه على الإتيان بمثل ما يقدر عليه هو بها إلى وقت قدرة الجميع عليها، وذلك من كرم الصحبة و(أدب)(١) الأخلاق. وفيه: عظم فضل الشهادة؛ ولذلك قَالَ بَّر: (وما يسرنا أنهم عندنا)) لعلمه بما صاروا إليه من رفيع المنزلة والترغيب في الجهاد والإخبار عن جزیل فضله. وقوله: ( ((ثم أُقتل ثم أُحيا))) (يحتمل)(٢) كما قَالَ ابن التين حكاية أنه قاله قبل نزول: ﴿وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسَِ﴾ وقيل بعده، والخبر على المبالغة في فضل الجهاد والقتل فيه قَالَ: وهذا أشبه، ورأيت من ينقل أن قوله: (لوددت) من كلام أبي هريرة وهو بعيد، وفي ((صحيح الحاكم)) من حديث أنس -وقال: على شرط مسلم -: ((أسألك يا رب أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سَبيلك عشر مرات)) لما رأى من فضل الشهادة(٣). وله عن جابر -صحيحًا -: كان ◌َ ل﴿ إذا ذكر أصحاب أحد قَالَ: (والله لوددت أني غودرت مع أصحابي (بنُحص) (٤) الجبل))(٥). (١) في (ص١): أحب. (٢) من (ص١). (٣) ((المستدرك)) ٧٥/٢، وانظر ((الصحيحة)) (٣٠٠٨). (٤) ورد بهامش الأصل: (النُّحص) بالضم: أصل الجبل معنى أن يكون استشهد معهم. [قلت: وجاء في ((المستدرك)): حصن، ولعل المثبت هو الصواب]. (٥) ((المستدرك)) ٧٦/٢، وقال: صحيح على شرط مسلم. ٣٦٧ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ وحديث قتل زيد وجعفر يأتي إن شاء الله تعالى في المغازي (١)، وتقدم لك هنا أن فيه: الخطبة في الفتح وفي نعي يأتي وكان ذَلِكَ في جمادى الأولى سنة ثمان بعثهم إلى مؤتة من أرض الشام، فالتقوا مع هرقل في جموعه، يقال: مائة ألف(٢) غير من أنضم إليه من المستعربة، فاجتمعوا بقرية يقال لها: مؤتة (من أرض الشام)(٣)، فمات من سَمَّى رسول الله، ثم أتفق المسلمون على خالد ففتح الله عليه وقتلهم، وقدم البشير بذلك إلى رسول الله رَله وقد أخبرهم بذلك قبل قدومه، وكان فتح مكة في ذَلِكَ العام بعد ذَلِكَ (٤). وفيه: الولاية عند الضرورة من غير إمرة الأمير الأعظم. وقوله: (وعيناه تذرفان). أي: تذرفان الدمع. (١) سيأتي برقم (٤٢٦٢) باب: غزوة مؤتة من أرض الشام. (٢) في الأصل فوقها: لا .. إلى. (٣) في هامش الأصل: في عدد المشركين أربعة أقوال: ألف مائتان وخمسون ألفا ( ... ) وخمسون ألفًا نحو مائة ألف. عدد المسلمين قولان ثلاثة آلاف، لم يبلغوا ثلاثة آلاف. (٤) انظر: ((السيرة)) لابن هشام ٤٣٣/٣-٤٣٧. ٣٦٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٨ - باب فَضْلٍ مَنْ يُصْرَعُ فِي سَبِيلِ اللهِ فَمَاتَ فَهْوَ مِنْهُمْ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ اٌلْوِّتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] ٠: وَقَعَ وَجَبَ. ٢٧٩٩، ٢٨٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَخْيَى بْنِ حَبَّنَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ خَالَتِهِ أُمُ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ قَالَتْ: نَامَ النَّبِيُّ ◌َّهَ يَوْمًا قَرِيبًا مِنِّي، ثُمَّ أَسْتَيْقَظَ يَتَبَسَّمُ، فَقُلْتُ: مَا أَضَّحَكَكَ؟ قَالَ: ((أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ يَرْكَبُونَ هذا البَحْرَ الأَخْضَرَ، كَالْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ)). قَالَتْ: فَادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَدَعَا لَهَا، ثُمَّ نَامَ الثَّانِيَةَ، فَفَعَلَ مِثْلَهَا، فَقَالَتْ: مِثْلَ قَوْلِهَا، فَأَجَابَهَا مِثْلَهَا، فَقَالَتِ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: ((أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ)). فَخَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ غَازِيًا أَوَّلَ مَا رَكِبَ المُسْلِمُونَ البَحْرَ مَعَ مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا أُنْصَرَفُوا مِنْ غَزْوِهِمْ قَافِلِينَ فَنَزَّلُوا الشَّأْمَ، فَقُرّبَتْ إِلَيْهَا دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا فَصَرَعَتْهَا، فَمَاتَتْ. [انظر: ٢٧٨٨، ٢٧٨٩ - مسلم: ١٩١٢ - فتح: ٦ /١٨] ثم ساق حديث أنس في قصة أم حرام السالف (مرتبًا)(١)، وفي آخره: (فَلَمَّا أَنْصَرَفُوا مِنْ غَزْوِهِمْ (٢) قَافِلِينَ فَنَزَلُوا الشَّأْمَ، فَقُرِّبَتْ إِلَيْهَا دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا فَصَرَعَتْهَا، فَمَاتَتْ) ومصداق هذا الحديث في الآية الأولى فنزلت على ما دل عليه الحديث: أن من مات في سبيل الله فهو شهيد، وقد أسلفنا هناك حديث عقبة بن عامر(٣) فيه وأنه شهيد. (١) من (ص١). (٢) في هامش الأصل علامة أن في نسخة: غزوتهم. (٣) تقدم تخريجه، وهو في ((الصحيحة)) (٢٣٤٦). ٣٦٩ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ وفي حديث أنس أن حكم المنصرف من سبيل الله في الأجر مثل حكم المتوجه إليه في خطاه، وتقلبه وحركاته وأن له ثواب المجاهد في كل ما ينويه ويشق عليه ويتكلفه من نفقة، وغيرها حَتَّى ينصرف إلى بيته. وقوله: (﴿وَقَعَ﴾: وجب) مثل: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: وجب، والآية، قَالَ سعيد بن جبير: نزلت في ضمرة رجل من خزاعة كان مصابًا ببصره؛ فقال: أخرجوني، فلما صاروا به إلى التنعيم مات فنزلت (١)، قَالَ الأزهري: وأصل المهاجرة عند العرب خروج البدوي من البادية إلى المدن(٢). وقوله: (فلما انصرفوا قافلين) أي: راجعين من غزوهم، وأتى به البخاري هنا؛ لما ذكر أنها صرعت فكان لها بذلك كأجر من استشهد. (١) رواه الطبري في ((تفسيره) ٤/ ٢٤٠ (١٠٢٨٧)، وابن أبي حاتم ١٠٥١/٣ (٥٨٩٠)، والبيهقي ١٤/٩-١٥، وبنحوه عن ابن عباس؛ رواه الطبري ٢٤١/٤ (١٠٢٩٩)، وابن أبي حاتم ١٠٥١/٣ (٥٨٨٩). (٢) ((تهذيب اللغة)) ٣٧١٧/٤. مادة: هجر. ٣٧٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٩ - باب مَنْ يُنْكَبُ فِي سَبِيلِ اللهِ ٢٨٠١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بنُ عُمَرَ الَوْضِيُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ◌َ أَقْوَامًا مِنْ بَنِي سُلَيْمِ إِلَى بَنِي عَامِرٍ فِي سَبْعِينَ، فَلَمَّا قَدِمُوا قَالَ لَهُمْ خَالِيٍ: أَتَقَدَّمُكُمْ، فَإِنْ أَمَّنُونٍ حَتَّى أُبُلِّغَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللهَِّ وَإِلَّ كُنْتُمْ مِنِّي قَرِيبًا. فَتَقَدَّمَ، فَأَمَّنُوهُ، فَبَيْنَمَا يُحَدِّثُهُمْ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ إِذْ أَوْمَنُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَطَعَنَهُ فَأَنْفَذَهُ، فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، فُزْتُ وَرَبِّ الكَعْبَةِ. ثُمَّ مَالُوا عَلَى بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ فَقَتَلُوهُمْ، إِلَّ رَجُلٌ أَغْرَجُ صَعِدَ الْجَبَلَ - قَالَ هَمَّاٌ: فَأُرَاهُ آخَرَ مَعَهُ - فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ الَُّ النَّبِيَّ ◌َ أَنَّهُمْ قَدْ لَقُوا رَبَّهُمْ، فَرَضِيَ عَنْهُمْ وَأَزْضَاهُمْ، فَكُنَّا نَقْرَأُ: أَنْ بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّ وَأَزْضَانَا. ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، عَلَى رِغْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِي لِيَانَ وَبَنِي عُصَيَّةَ الذِينَ عَصَوا اللهَ وَرَسُولَهُ أَِّ. [انظر: ١٠٠١ - مسلم: ٦٧٧ - فتح: ١٨/٦] ٢٨٠٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُبٍ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَّ كَانَ فِي بَعْضِ المَشَاهِدِ وَقَدْ دَمِيَتْ إِصْبَعُهُ، فَقَالَ: ((هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعْ دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتٍ)). [٦١٤٦ - مسلم: ١٧٩٦ - فتح: ١٩/٦] ذكر فيه حديث (إِسْحَاقَ)(١)، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَعَثَ رسول الله وَّل أَقْوَامًا مِنْ بَنِي سُلَيْمِ إِلَى بَنِي عَامِرٍ فِي سَبْعِينَ .. الحديث في قتلهم وهم القراء وأنه دعا عليهم أربعين صباحًا على رعل وذكوان وبني لحيان ويأتي في المغازي (٢). (١) في الأصل: (أبي إسحاق)، والمثبت الصواب. (٢) سيأتي برقم (٤٠٨٨-٤٠٩٦) باب: غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة. ٣٧١ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = وحديث جُنْدُبٍ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ النبي ◌ََّ كَانَ فِي بَعْضٍ تِلْكَ المَشَاهِدِ فَدَمِيَتْ إِصْبَعُهُ، فَقَالَ: ((هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعُ دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتٍ)). وقوله: (من بني سليم): وهم، وصوابه من الأنصار كما ثبت في (صحيح مسلم)) من حديث ثابت عن أنس (١)؛ لأن بني سليم هم الذين قتلوا السبعين المذكورين كما نبه عليه الدمياطي ومن خطه نقلت(٢)، وإنما دعا عليهم في القنوت في الخمس؛ لأجل غدرهم وقبيح نكثهم بعد تأمينهم، وقد سلف في القنوت(٣)، (ويأتي في الغزوات)(٤)، وترك الدعاء عليهم لما أعطي في دعائه من الإجابة (قيل) (٥) قتل يوم معونة سبعون ويوم أحد كذلك ويوم اليمامة في خلافة الصديق كذلك سبعون وآنس الله نبيه بما أنزل الله عليه في حقهم: (أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا). ثم نسخ بعد، فيؤخذ منه جواز الدعاء على أهل الغدر وانتهاك المحارم والإعلان باسمهم والتصريح بذكرهم. وجاء من حديث أنس في باب قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ﴾ [آل عمران: ١٦٩] أنه دعا عليهم ثلاثين صباحًا (٦)، (١) ((صحيح مسلم)) (٦٧٧ / ١٤٧) بعد (١٩٠٢) كتاب: الإمارة، باب: ثبوت الجنة للشهيد. (٢) نقل الحافظ في ((الفتح)) ١٩/٦ قول الدمياطي، وتعقبه بقوله: التحقيق أن المبعوث إليهم بنو عامر، وأما بنو سليم فغدروا بالقراء المذكورين، والوهم في هذا السياق من حفص بن عمر شيخ البخاري. (٣) سلف برقم (١٠٠١) كتاب: الوتر، باب: القنوت قبل الركوع وبعده. (٤) من (ص١). (٥) ورد بهامش الأصل: هذا في الصحيح عن أنس. (٦) سيأتي برقم (٢٨١٤). ٣٧٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وهنا فدعا عليهم أربعين صباحًا، وفي ((المسند)): قنت رسول الله وَال عشرين يومًا (١). وقوله: (لقينا ربنا)، يقال: الأرواح يعرج بها إلى الله فتسجد له ثم يهبط بها؛ لمعاينة الملكين وتصير أرواح الشهداء إلى الجنة، وحديث جندب بن سفيان دال على أن كل ما أصيب به المجاهد في سبيل الله من نكبة أو غيره فإن له أجر ذَلِكَ على قدر نيته واحتسابه. وقوله: ((هل أنت إلا إصبع .. ))) إلى آخره: هو رجز موزون وقد يقع على لسانه وَّر مقدار البيت من الشعر أو البيتين من الرجز، كقوله وَليل : ((أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب))(٢). فلو كان هذا شعرًا لكان خلاف قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَتْبَغِى لَهُ﴾﴾ والله يتعالى أن يقع شيء من خبره أو يوجد على خلاف ما أخبر به، وهذا من الحجاج اللازم لأهل السنة والجماعة، ويقال للملحدين: إنَّ ما وقع من كلامه الموزون في النادر من غير قصد فليس بشعر لأن ذَلِكَ غير ممتنع على أحد من العامة والباعة أن يقع له كلام موزون، فلا يكون بذلك شعرًا مثل قولهم: اسقني في الكوز ماء يا فلان واسرج البغل وجئني بالطعام وقولهم: من يشتري باذنجانْ، فهذا (المقدار)(٣) ليس بشعر، والرجز ليس بشعر، ذكره القاضي أبو بكر بنُ الطيب وغيره (٤)، وقال ابن التين: هذا الشعر لابن رواحة؛ قَالَ: وقد اختلفَ (الناس في هذا (١) ((مسند أحمد)) ٣٠٧/٣. (٢) سيأتي قريبا برقم (٢٨٦٤) باب: من قاد دابة غيره في الحرب. (٣) في (ص١): القول. (٤) حكاه عنهم ابن بطال ١٩/٥ - ٢٠. ٣٧٣ ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ وشبهه)(١) من الرجز الذي جرى على لسانه فقيل: ليسَ بشعر وقيل: قاله حكايةً أو لأنه سبب صنعته، ونفى قوم أن يكون البيت الواحد شعرًا حكاه القزاز، وقال قوم: الرجز شعر، وقيل: إنه أمر اتفاقي لم يقصد ذَلِكَ وقع في القرآن: ﴿وَحِفَانِ كَالْجَوَابٍ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣]. وقيل: معنى الآية لا يلزمه هذا الاسم ولا يوجب أن يكون شاعرًا، والرواية المعروفة كما قَالَ النووي: كسر التاء وسكنها بعضهم (٢)، ووقع في مسلم: كان ◌َّ في غار فنكبت إصبعه(٣)، قَالَ عياض: لعله غازيا فتصحف(٤)، قَالَ: ويحتمل أن يريد بالغار هنا الجيش لا الكهف(٥)، وجعلهما ابن العربي واقعتين: واحدة في غزوة، وأخرى في كهف (٦)، وقال بعضهم: لما دعا ◌َّ للوليد بن الوليد باع مالًا له بالطائف، وهاجر على رجليه إلى المدينة فقدمها وقد تقطعت رجلاه وأصابعه، فقال: هل أنتِ إلا إصبع .. إلى آخره، يا نفس إلا تقتلي تموتي، ومات في زمنه گلڑ. فائدة: في الإصبع عشر لغات بتثليث الهمزة مع تثليث الباء، والعاشرة: إصبوع، واقتصر منها ابن التين على أربعة تبعًا لابن قتيبة(٧). (١) من (ص١). (٢) ((شرح مسلم)) ١٢/ ١٥٦. (٣) (صحيح مسلم)) (١٧٩٦) كتاب: الجهاد، باب: ما لقي النبي ◌َّ من أذى المشركين والمنافقين. (٤) نقله القاضي عياض، عن القاضي أبي الوليد الكناني. (٦) ((العارضة)) ٢٤٧/١٢. (٥) ((إكمال المعلم)) ٦/ ١٧٠. (٧) ((أَدَبُ الكَاتِبِ)) لابن قُتَيِبة ص٤٦٥؛ والأربعةُ كما وردَتْ في مطبوعِ الكتابِ: إِصْبَع، أَصْبَعَ، أُصْبَع، ◌ُصْبُع. ٣٧٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ١٠ - باب مَنْ يُجْرَحُ فِي سَبِيلِ اللهِ ◌ّ ٢٨٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِيِ الزّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِّ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللهِ - والله أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ- إِلَّا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ)). [انظر: ٢٣٧ - مسلم: ١٨٧٦ - فتح: ٢٠/٦] ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قال النبي ◌َِّ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللهِ -والله أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ - إِلَّا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ)). هذا الحديث سلف في باب: ما يقع من النجاسات. و(الكلم): الجرح، والمراد بسبيل الله: الجهاد، ويدخل فيه بالمعنى كل من جرح في سبيل بر أو وجه مما أباحه الله كقتال أهل البغي، والخوارج، واللصوص، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر ألا ترى قوله: ((من قتل دون ماله فهو شهيد))(١). وقال ابن التين: يحتمل أن يريد الجهاد، ويحتمل أن يريد كل من جرح في ذات الله، وكل ما دافع فيه المرء بحق فأصيب فهو مجاهد. وقوله: ( ((والله أعلم بمن يكلم في سبيله)) ) فإنه يدل على أنه ليس كل من جرح في الغزو تكون هُذِه حاله عند الله حَتَّى تصحَّ نيته، ويعلم الله من قلبه أنه يريد وجهه ولم يخرج رياءً ولا سُمعة ولا ابتغاء دنيا يصيبها. وفيه: أن الشهيد يبعث (في حاله)(٢) وهيئته التي قبض عليها، وقد (١) سلف برقم (٢٤٨٠) كتاب: المظالم، باب: من قاتل دون ماله، من حديث عبد الله بن عمرو. (٢) في (ص١): على حالته. ٣٧٥ = كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ أحتج الطحاوي به لمن لا يرى غسل الشهيد في المعترك (١)، وقد روي عن رسول الله وقيل أنه: (يبعث الميت في ثيابه التي قبض فيها))(٢)، أي: يعاد خلق ثيابه كما يعاد خلقه، وقد أُوِّلَ بالعَمَلِ أيضًا. وقوله: ( ((اللون لون الدم، والريح ريح المسك)) ) فيه دلالة أن الشيء إذا حال عن حالة إلى غيرها كان الحكم إلى الذي حال إليه، ومنه الماء تحل فيه نجاسة فتغير أحد أوصافه فتخرجه عن الماء المطلق، فإن لم تغير شيئًا منها فهو على حكمه كما أسلفناه هناك، ومنه: إذا انتقلت الخل إلى الخمر، وعُورض بأن المراد بالخبر التذاذ المجروح بأجر جرحه كالتذاذ المتمضخ بالمسك برائحته. ولا يشبه الأحكام الشرعية. (١) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٧٩/١ -١٨٠. (٢) رواه أبو داود (٣١١٤)، من حديث أبي سعيد الخدري، وصححه ابن حبان ١٦/ ٣٠٧ (٧٣١٦)، والحاكم ١/ ٣٤٠، وكذا الألباني في ((الصحيحة)) (١٦٧١). ٣٧٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ١١ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: [التوبة: ٥٢] ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلََّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ وَالْحَرْبُ سِجَالٌ ٢٨٠٤ - حَدَّثَنَا يَجْيَى بْنُ بُكَثِرِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ: كَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّ الَحَزْبَ سِجَالٌ وَدُوَلٌ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبِتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العَاقِبَةُ. [انظر: ٧ - مسلم: ١٧٧٣ - فتح: ٦ / ٢٠] ثم ساق فيه حديث ابن عَبَّاسِ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ: سَأَلْتُكَ: كَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّ الحَرْبَ سِجَالٌ وَدُوَلٌ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العَاقِبَةُ. هذا الحديث سيق أول الكتاب بطوله، والمراد بالآية: الفتح والغنيمة، أو الشهادة والجنة، كما قاله المهلب، وهو قول جماعة أهل التأويل(١)، واللفظ لفظ استفهام، والمعنى التوبيخ. فإن قلتَ: أغفل البخاري أن يذكر تفسير الآية في الباب، وذكر حديث ابن عباس: أن الحرب سجال؛ فما تعلقه بالآية التي ترجم لها؟ فالجواب: تعلقه بها صحيح، والآية مصدقة للحديث، والحديث مبين للآية، وإذا كان الحرب سجالًا فذلك إحدى الحسنيين؛ لأنها إن كانت علينا فهي الشهادة، وتلك أكبر الحسنيين، وإن كانت لنا فهي الغنيمة وتلك أصغر الحسنيين؛ فالحديث مطابق لمعنى الآية، فكل (١) هو قول ابن عباس ومجاهد، رواه عنهما الطبري ٣٨٩/٦ (١٦٨١١-١٦٨١٥)، وابن أبي حاتم ١٨١٢/٦ (١٠٣١٧-١٠٣١٨). ٣٧٧ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = فتح يقع إلى يوم القيامة أو غنيمة فإنه من إحدى الحسنيين، وكل قتيل يقتل في سبيل الله إلى يوم القيامة فهو من إحدى الحسنيين له، وإنما يبتلي الله الأنبياء؛ ليعظم لهم الأجر والثواب، ولمن معهم ولئلا يخرق العادة الجارية بين الخلق، ولو أراد الله خَرْقها لأهلك الكفار كلهم بغير حرب، ولثبط أيديهم عن المدافعة حَتَّى يؤسروا أجمعين، ولكن أجرى الله تعالى الأمور على العوائد ليأجر الأنبياء ومن معهم ويأتوا يوم القيامة مكلومين(١)، وقد سلف تفسير: الحرب سجال. في أول الكتاب فراجعه، وهو جمع: سَجْل مثل: عبد وعباد، والسَّجْل: الدلو إذا كانت ملأى ماء ولا تكون الفارغة سَجْلًا، وسجال من المساجلة وهي المنازلة في الأمر، وهو أن يفعل كل من المتساجلين مثل صاحبه، أي: له مرة ولصاحبه مرة. وقال ابن المنير: التحقيق أن البخاري ساق الحديث لقوله: (وكذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لهم العاقبة)، فهذا يتحقق أنهم على إحدى الحسنين، ففي تمام حديث هرقل تظهر المطابقة(٢). (ودولًاً): جمع دولة، يقال: دَولة ودُولة، ومعناه: رجوع الشيء إليك مرةً وإلى صاحبك أخرى تتداولانه. وقال أبو عمرو: هي بالفتح: الظفر في الحرب، وبالضم: ما يتداوله الناس من المال. وعن الكسائي بالضم: مثل العارية، يقال: أتخذوه دولة يتداولونه، وبالفتح: من دال عليهم الدهر دولة، ودالة الحرب بهم، وقيل: الدولة: بالضم الاسم، وبالفتح المصدر. (١) ذكر ذلك ابن بطال في ((شرحه)) ٢١/٥-٢٢. من قول المهلب. (٢) ((المتواري)) ص ١٥٠. ٣٧٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وقال القزاز: العربُ تقول الأيام دول، ودُول، ودِول؛ ثلاث لغات. زاد غيره: دولات، فدول ودولات جمع دُولة بالضم. وقال ابن عديس في ((باهره)) عن الأحمر: جاء بالتؤلة والدؤلة تهمز ولا تهمز. وفي ((البارع)) عن أبي زيد: دَولة بفتح الدال وسكون الواو، ودَوَل بفتح الدال والواو، وبعض العرب يقول: دُولة. وقوله: (وكذلك الرسل تبتلى) أي تختبر وعاقبة الشيء: آخر أمرِه ومصيره الذي يصير إليه. ٣٧٩ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ == ١٢ - باب قَوْلِ اللّهِ رُلّ: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى [الأحزاب: ٢٣] تَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَن يَنْتَظِّمٌ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا ٢٨٠٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْخَزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَغْلَى عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَا. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، حَدَّثَنَا زِيَادٌ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ الطَِّيلُ، عَنْ أَنَسِ وَّ قَالَ: غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ المُشْرِكِينَ، لَئِنِ اللهُ أَشْهَدَنِي قِتَالَ المُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللهُ مَا أَصْنَعُ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَانْكَشَفَ المُسْلِمُونَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِّ أَغْتَذِرُ إِلَيْكَ بِمَّا صَنَعَ هؤلاء - يَغْنِي: أَصْحَابَهُ - وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مَِّّا صَنَعَ هؤلاء - يَغْنِي: المشْرِكِينَ - ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ: يَا سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍ، الَجَنَّةَ، وَرَبِّ النَّصْرِ إِّ أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ. قَالَ سَعْدٌ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَا صَنَعَ. قَالَ أَنَسْ: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحِ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْم، وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلَّا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ. قَالَ أَنَسْ: كُنَّا نُرِىُ - أَوْ نَظُنُّ - أَنَّ هَذِه الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] إِلَى آخِرِ الآيَةِ. [٤٠٤٨، ٤٧٨٣ - مسلم: ١٩٠٣ - فتح: ٢١/٦] ٢٨٠٦ - وَقَالَ: إِنَّ أُخْتَهُ - وَهْيَ تُسَمَّى الزُّبَيِّعَ - كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ آَمْرَأَةٍ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسْ: يَا رَسُولَ الهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحِقٌّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا. فَرَضُوا بِالأَزَشِ وَتَرَكُوا القِصَاصَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ)). [٢٧٠٣ - مسلم: ١٦٧٥ - فتح: ٦/ ٢١] ٢٨٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، أُرَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ خَارِجَةً بْنِ زَيْدِ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَُّهَ قَالَ: نَسَخْتُ الصُّحُفَ فِي المَصَاحِفِ، فَفَقَدْتُ آيَةً مِنْ ٣٨٠ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح سُورَةِ الأَحْزَابِ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقْرَأُ بِهَا، فَلَمْ أَجِدْهَا إِلَّ مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتِ الأَنَّصَارِيِّ الذِي جَعَلَ رَسُولُ اللهِ وَلّهِ شَهَادَتَهُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿مِّنَ اُلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. [٤٠٤٩، ٤٦٧٩، ٤٧٨٤، ٤٩٨٦، ٤٩٨٨، ٤٩٨٩، ٧١٩١، ٧٤٢٥ - فتح: ٢١/٦] ثم ساق حديث حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ: غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّصْرِ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ المُشْرِكِينَ .. فذكر قتله یوم أحد. قَالَ أَنَسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ تِسْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْم، وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلَّا أَخْتُهُ بِبَنَانِهِ. قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُرِىُ - أَوْ نَظُنُّ- أَنَّ هُذِه الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيَّةِ﴾ الآيَةِ [الأحزاب: ٢٣]. ثم ذكر قصة الرُّبَيِّع في كسر الثَّنِيَّةِ بطوله. وحديث خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: نَسَخْتُ الصُّحُفَ فِي المَصَاحِفِ، فَفَقَدْتُ آيَةً مِنْ الأَحْزَابِ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقْرَأُهَا ، فَلَمْ أَجِدْهَا إِلَّ مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتِ الأَنْصَارِيِّ الذِي جَعَلَ رَسُولُ اللهِ وَلـ شَهَادَتَهُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنٍ، وَهْوَ قَوْلُهُ تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾. الشرح : ﴿يَحْبَهُ﴾: عهده(١). وقال السهيلي: عُذْرَهُ، وقال ابن عباس: أي: (١) هو من تفسير مجاهد كما في ((تفسيره)) ٢/ ٥١٧، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عنه. ورواه الطبري ١٠/ ٢٨٠ (٢٨٤١٩).