Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ كِتَابُ الشّرُوطِ = وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ، والله إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابٌ مُحَمَّدٍ وَّ مَحَمَّدًا، والله إِنْ تَتَخَّمَ نُخَامَةَ إِلَّ وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ اَبْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ، فَاقْبَلُوهَا. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ: دَعُونِي آتِهِ. فَقَالُوا: آَنَّتِهِ. فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيِّ بَّهِ وَأَصْحَابِهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ: ((هذا فُلَانٌ، وَهْوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ البُدْنَ، فَابْعَثُوهَا لَهُ)). فَبُعِثَتْ لَهُ، وَاسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ يُلَبُّونَ، فَلَمَّا رَأَىّذَلِكَ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! مَا يَنْبَغِي لهؤلاء أَنْ يُصَدُّوا عَنِ البَيْتِ. فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ قَالَ: رَأَيْتُ البُدْنَ قَدْ قُلِّدَتْ وَأُشْعِرَتْ، فَمَا أَرَى أَنْ يُصَدُّوا عَنِ البَيْتِ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: مِكْرَزُ بْنُ حَقْصٍ فَقَالَ: دَعُونٍ آَتِهِ. فَقَالُوا: آتَّتِهِ. فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((هذا مِكْرَزٌ، وَهْوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ)). فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ◌َّهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُكَلِّمُهُ إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍوٍ. قَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّهُ لَا جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ النَّبِيُّ نَّه: (لَقَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ)). قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: فَجَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍوٍ فَقَالَ: هَاتِ، أَكْتُبْ بَيْنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا، فَدَعَا النَّبِيُّ ◌َّالكَاتِبَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)). قَالَ سُهَيْلٌ: أَمَّا الرَّحْمَنُ فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا هُوَ ولكن أَكْتُبْ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ. فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: والله لَا نَكْتُبُهَا إِلَّ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: «اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ)). ثُمَّ قَالَ: ((هذا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ». فَقَالَ سُهَيْلٌ: والله لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ البَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاكَ، ولكن آكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((والله إِنِّي لَرَسُولُ اللهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، آكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ)). قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ ((لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا)). فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((عَلَى أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ البَيْتِ فَنَطُوفَ بِهِ)). فَقَالَ سُهَيْلٌ: والله لَا تَتَحَدَّثُ العَرَبُ أَنَّا أُخِذْنَا ٠٠ ١٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ضُغْطَةً، ولكن ذَلِكَ مِنَ العَامِ الْمُقْبِلِ. فَكَتَبَ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَىْ دِينِكَ إِلَّ رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا. قَالَ المُسْلِمُونَ: سُبْحَانَ اللهِ! كَيْفَ يُرَّدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا؟! فَبَيْتَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرِو يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ، حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ المُسْلِمِينَ. فَقَالَ سُهَيْلٌ: هذا يَا مُحَمَّدُ أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَّ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((إِنَّا لَمْ نَقْضِ الكِتَابَ بَعْدُ)). قَالَ: فَوَاللَّهِ إِذَا لَمْ أُصَالِكَ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا. قَالَ النَّبِيّ ◌َّ: ((فَأَجِزْهُ لِي)). قَالَ: مَا أَنَّا بِمُجِيزِهِ لَكَ. قَالَ: ((بَلَى، فَافْعَلْ)). قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ. قَالَ مِكْرَزٌ: بَلْ قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ. قَالَ أَبُو جَنْدَلٍ: أَيْ مَغْشَرَ المُسْلِمِينَ، أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا؟! أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيتُ؟! وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا في اللهِ. قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الَخَطَّابِ: فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللهِ وَِّ فَقُلْتُ: أَسْتَ نَبِيَّ اللهِ حَقًّا؟ قَالَ: (بَلَى)). قُلْتُ: أَسْنَا عَلَى الَحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: ((بَلَى)). قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذَا؟ قَالَ: ((إِنِّي رَسُولُ اللهِ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ وَهْوَ نَاصِرِي)). قُلْتُ: أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثْنَا أَنَّا سَنَأْتِي البَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: «بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِهِ العَامَ؟)). قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: ((فَإِنَّكَ آتِيْهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ)). قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ هذا نَبِيَّ اللهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: أَسْنَا عَلَى الَحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى البَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذَا؟ قَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ لَّهِ، وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ وَهُوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الحَقِّ. قُلْتُ: أَلَيْسَ كَانَ يُحَدِّثْنَا أَنَّا سَنَأْتِ البَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: بَلَى، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّكَ تَأْتِهِ العَامَ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوّفٌ بِهِ. قَالَ الزُّهْرِيِّ: قَالَ عُمَرُ: فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًا. قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الكِتَابِ قَالَ رَسُولُ اللهِ بَّهِ لِأَصْحَابِهِ: ((قُومُوا فَانْحَرُوا، ثُمَّ أَحْلِقُوا)). قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ. فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَّحِبُّ ذَلِكَ؟ أَخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ ١٤٣ كِتَابُ الشَّرُوطِ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ. فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ، نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ، قَامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَخْلِقُ بَعْضًا، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمَّا، ثُمَّ جَاءَهُ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَثُ مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ﴾، حَتَّى بَلَغَ ﴿بِعِصَمِ اُلْكَوَافِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فَطَلَّقَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ أَمْرَأَتَيْنٍ كَانَتَا لَهُ فِي الشِّزْكِ، فَتَزَوَّجَ إِخْدَاهُمَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَالأُخْرِى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِلَى المَدِينَةِ، فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ - رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ - وَهْوَ مُسْلِمٌ، فَأَزْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ، فَقَالُوا: العَهْدَ الذِي جَعَلْتَ لَنَا. فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ، فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: والله إِّ لأَرَى سَيْفَكَ هذا يَا فُلَانُ جَيِّدًا. فَاسْتَلَّهُ الآخَرُ فَقَالَ: أَجَلْ، والله إِنَّهُ لَيّدٌ، لَقَدْ جَزَّيْتُ بِهِ ثُمَّ جَرَّبْتُ. فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ. فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ، فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ، وَفَرَّ الْآخَرُ، حَتَّى أَتَّى المَدِينَةَ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ يَغْدُو. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ حِينَ رَآهُ: (لَقَدْ رَأى هذا ذُعْرًا)). فَلَمَّا أَنْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: قُتِلَ والله صَاحِبِي وَإِّ ◌َقْتُولٌ. فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، قَدْ والله أَوْفَى اللهُ ذِمَّتَكَ، قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ ثُمَّ أَنْجَانِي اللهُ مِنْهُمْ. قَالَ النَّبِيُّ وَ: ((وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ، لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ). فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ البَحْرِ. قَالَ: وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيٍ، فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشِ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّ لَقَ بِأَبِي بَصِیٍ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ، فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشِ إِلَى الشَّأْمِ إِلَّ أَغْتَرَضُوا لَهَا، فَقَتَلُوهُمْ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ تُنَاشِدُهُ باللهِ وَالرَّحِم لَمَا أَزْسَلَ، فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آَمِنٌ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ بَهَ إِلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَّةَ مِنْ بَعْدٍ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿الْحَمِيَّةَ حَميَّةَ الْجَهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٤-٢٦] وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِيُّ اللهِ، وَمْ يُقِرُّوا بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ البَيْتِ. [انظر: ١٦٩٤، ١٦٩٥ - فتح: ٣٢٩/٥] ١٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: ﴿مَعَرَّةٌ﴾ العُزُّ الْجَرَبُ. ﴿تَزَيَّلُواْ﴾ أنمازوا وَحَمَيْتُ القَومَ: مَنَعْتُهُمْ حِمَايَةُ، وَأَحْمَيْتُ الحِمَى: جَعَلْتُهُ حِمِى لا يُدْخَلُ وَأَحْمَيْتُ الرَّجُلَ إِذَا أَغْضَبْتَهُ إِحْمَاءً ] ٢٧٣٣ - وَقَالَ عُقَيْلٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: قَالَ عُزْوَةُ: فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ، وَبَلَغَنَا أَنَّهُ لَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَرُدُّوا إِلَى المُشْرِكِينَ مَا أَنْفَقُوا عَلَى مَنْ هَاجَرَ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ، وَحَكَمَ عَلَى المُسْلِمِينَ أَنْ لَا يُمَسِّكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ، أَنَّ عُمَرَ طَلَّقَ آَمْرَأَتَيْنٍ: قَرِيبَةَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ، وَابْنَةَ جَزْوَلِ الْخَزَاعِيِّ، فَتَزَوَّجَ قَرِيبَةَ مُعَاوِيَةُ، وَتَزَوَّجَ الأُخْرِى أَبُو جَهْم، فَلَمَّا أَبَى الكُفَّارُ أَنْ يُقِرُوا بِأَدَاءِ مَا أَنْفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ، أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِن فَتَكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَبِكُمْ إِلَى الْكُغَارِ فَعَاقَبْتُمُ﴾ [الممتحنة: ١١] وَالْعَقِبُ مَا يُؤَدِّي المُسْلِمُونَ إِلَى مَنْ هَاجَرَتِ آَمْرَتُهُ مِنَ الكُفَّارِ، فَأَمَرَ أَنْ يُغْطَى مَنْ ذَهَبَ لَهُ زَوْجٌ مِنَ المُسْلِمِينَ مَا أَنْفَقَ مِنْ صَدَاقِ نِسَاءِ الكُفَّارِ اللَّائِ هَاجَزْنَ، وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْهَاجِرَاتِ آَزْتَدَّتْ بَعْدَ إِيمَانِهَا. وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَصِيرٍ بْنَ أَسِيدِ الثَّقَفِيَّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ رََّ مُؤْمِنًا مُهَاجِرًا فِي الْمُدَّةِ، فَكَتَبَ الأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ يَسْأَلُهُ أَبَا بَصِيرٍ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ. [انظر: ٢٧١٣ - مسلم: ١٨٦٦ - فتح: ٣٣٣/٥] ذكر فيه حديث المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ، وساق حديث الحديبية. وهو أتم ما جاء في سياقته، وقد شرحناه في باب كيف يكتب الصلح تعجيلًا(١). ونذكر هنا ما أهملناه هناك، وتكلمنا هناك على قوله: ((ما خَلَأَتِ القَصْوَاءُ))) والقصواء -ممدودة- ناقته الطَّيئة. قال الخطابي: وكانت مقصوة الأذن؛ وهو قطع طرفها(٢). (١) أنظر شرحه لحديث البراء هناك برقم (٢٦٩٨ - ٢٦٩٩) كتاب: الصلح. (٢) ((أعلام الحديث)) ٢/ ١٣٣٧. ٠ ١٤٥ = كِتَابُ الشّرُوطِ = وقال الداودي: سميت بذلك؛ لأنها كانت لا تكاد أن تسبق، وكأنهم لها يقولون: أفضل السبق والجري؛ لأن آخر كل شيء أقصاه، ويقال لها: العضباء لأن طرف أذنها كان مقطوعًا. وقال ابن فارس: العضباء: لقب ناقته، وهي لغة: المشقوقة الأذن(١)، والذي قاله أهل اللغة - كما ذكره ابن التين- أن القصواء مأخوذة من القصا وهو صدف في أذن الناقة، وجاء بلفظ فاعل، ومعناه : مقصوة قال الأصمعي: ولا يقال: بعير أقص، قال: وضبط القُصوىُ بضم القاف والقصر في بعض النسخ، وفي بعضها بالفتح والمد وهو الصحيح في اللغة. قال في ((أدب الكاتب)): القُصوى - بالضم والقصر - شذ من بين نظائره وحقه أن يكون بالياء مثل: الدنيا والعليا؛ لأن الدنيا من دنوت، والعليا من علوت(٢). قوله: (مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ). قال الداودي: تهامة مكة وما حولها من البلد، وحدها من جهة المدينة العرج ومنتهاها إلى أقصى اليمن. وقال ابن فارس: التهم: شدة الحر وركود الريح. قال: وبذلك سميت تهامة. يقال: أتهم: أتى تهامة(٣). وقوله: (فقال: إِنِّي تَرَكْتُ عَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ، وكَعْبَ بْنَ لُؤَيِّ) هما قبيلان من قريش. (١) ((المجمل)) ٦٧٣/٢، مادة: (عضب). (٢) ((أدب الكاتب)) ص٤٨٨. (٣) ((المجمل)) ١٥١/١، مادة: تهم. ١٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقوله: (وهو من قوم يعظمون البدن) أي: ليسوا ممن يستحلها، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا تُحِلُواْ شَعَكَبِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٢] فكانوا يعلمون شأنها، ولا يصدون من أمَّ البيت الحرام فأمر رسول الله بَّه بإقامتها لهم من أجل علمه بتعظيمه لها ليخبر بذلك قومه فيخلوا بينه وبين البيت. والبدُن: من الإبل، والبقر، وقيل: لها بدن لسمنها وهي الهدايا. وقوله: (رأيت البدن قد قلدت وأشعرت) فيه دلالة على جواز ذلك، وخالف فيه أبو حنيفة كما سلف حيث قال: لا يجوز الإشعار، وصفته أن يكون عرضًا من العنق إلى الذنب، وفي كتاب ابن حبيب: طولًا، ويكون ذلك في الشق الأيسر. هذا مشهور قول مالك. وخالف في ((المبسوط)) فقال: في الأيمن. وقوله في مِكْرَزٍ: ( ((هوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ))) يحتمل أن يكون أُخبر بالوحي أو أن يكون ذلك ظاهر حاله، وأراد مساوئ أفعاله غير الشرك. وأنكر سهيل البسملة؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يكتبون: باسمك اللهم. وكان النبي ◌َّ في بدء الإسلام يكتب كذلك فلما نزلت: ﴿بِسْمِ اللَّهِ يَجْرِئِهَا وَمُرْسَهَا﴾ [هود: ٤١] كتب: بسم الله، فلما نزلت: ﴿أَوِ ادْعُواْ صلى الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] كتب: الرحمن، فلما نزلت: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ ﴾﴾ [النمل: ٣٠] كتب كذلك، وأدركتهم وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( حمية الجاهلية. والميم في قوله: ( ((اللَّهُمَّ)) ) بدل من ياء في قول البصريين، وقال الكوفيون: المعنى يا الله أمنا بخير فهي مضمنة ما يسأل فيها، وفي إجابة النبي ◌َّ لهم في ذلك بعض المسامحة. وفيه: إجابة النبي ◌َّيل لهم في أمور الدين ما لم يكن مضرًّا بأصله. = ١٤٧ كِتَابُ الشّرُوطِ = وقوله: (أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً) أي: مفاجأة، قاله الداودي، وقال الجوهري: يقال: ضغطه يضغطه ضغطًا زحمه إلى حائط ونحوه ومنه ضغطة القبر. و(الضُغْطَةً) بالضم: الشدة والمشقة. يقال: أرفع عنا هُذِه الضغطة، وأخذت فلانًا ضُغطةً إذا ضيقتَ عليه لتُكْرِهَهُ على الشيء(١). وسهيل أسلم بعد وحسن إسلامه، خرج في خلافة عمر إلى الجهاد فمات هناك، وكان من المؤلفة قلوبهم. وقوله: (يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ) سلف في باب الصلح مع المشركين وأنه مشي المقيد، أي: يثب وثبًا خفيفًا قدر استطاعته. وقوله: (أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ) أي: أعاقدك. وقوله: (فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًا)، قد أسلفت عن ابن الجوزي أنه إشارة إلى الاستغفار والاعتذار. وقوله: (أن عمر طلق امرأتين: قريبة بنت أبي أمية، وابنة جرول الخزاعي، فتزوج قريبة معاوية، وتزوج الأخرى أبو جهم). وقال قبله : إنه تزوج إحداهما صفوان بن أمية. وذكر بكر في كتاب ((الأحكام)) قولين كما تقدم وهي: بنت جرول، قيل: بالحاء وقيل بالجيم. و(قريبة)(٢) - بفتح القاف- كذا بخط الدمياطي، وقال ابن التين: ضبطها بعضهم بالضم، وبعضهم بالفتح. (١) ((الصحاح)) ٣/ ١١٤٠ مادة (ضغط). (٢) في هامش الأصل: قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله المخزومية، أخت أم سلمة، ذكرها كثير ممن ألف في الصحابة. ١٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقوله: (فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ) أي: مات. ويقال للسيوف: البوارد، أي: القواتل(١). وقال الداودي: إذا مات برد جسمه، فلم يبق فيه من حر الضرب شيء. وقوله: ( ((رأى هذا ذعرًا)) ) أي: فزعًا. يقال: ذُعر فهو مذعور. وقوله: (معه عِصَابَةٌ) أي: جماعة. وقوله: (فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ تُنَاشِدُهُ الله وَالرَّحِم) أي: يسألونه بالله. قال الداودي أي: يذكرونه بالله. وقوله: (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَيْدِيَّكُمْ عَنْهُم﴾) لما أرسل رسول الله وَلّر سؤال قريش من أتاه فهو آمن. وقال الداودي: ألقي في قلوبهم، ولكنه التليف ترك القتال، وقال قتادة: كف أيدي المشركين حين خرجوا إلى الحديبية وكف أيديهم عنكم. قال: فطلع رجل من أصحاب رسول الله وَلا يقال له: زنيم فرماه المشركون فقتلوه، فبعث النبي ◌َّ# فأخذوا أثني عشر فارسًا فأتوا بهم رسول الله وَلّ. فقال: ((لكم عهد أو ذمة؟))، قالوا: لا. فأطلقهم فنزلت عليه الآية(٢). وقوله: ﴿وَالْمَدْىَ مَعْكُوفًا﴾ [الفتح: ٢٥] أي: محبوسًا. وقوله: ﴿أَنْ تَطَُّوهُمْ﴾ [الفتح: ٢٥] أي: تقتلوهم. وقوله: ﴿مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: عيب. (١) ((الصحاح)) ٤٤٦/٢ مادة: (برد). (٢) رواه الطبري ٣٥٦/١١ (٣١٥٥٩)، وذكره ابن كثير في ((التفسير)) ١١٠/١٣ عن قتادة، وفيه أن الصحابي اسمه (ابن زنيم)، وهو كذلك في مسلم (١٨٠٧) كتاب: الجهاد والسير، من حديث سلمة بن الأكوع، كما نبه عليه الحافظ في ((الإصابة)) ٥٥٢/١ (٢٨١٩). ١٤٩ كِتَابُ الشَّرُوطِ = وقوله: (نزلت: ﴿وَإِن فَاتَكُمْ شَىْءٌ﴾ الآية) [الممتحنة: ١١]، والعقب: ما يؤدي المسلمون إلى من هاجرت امرأته من الكفار، وقيل: أن تغزي في هذِه الغزاة غزاة أخرى فيعطوا المؤمنين من الفيء ما فاتهم من أزواجهم من المهور. وقال الزهري: هذا في المسلم تخرج زوجته إلى بلد الشرك ولا يجيء منهم أحد، فعلى المسلمين إذا غنموا أن يعطوه صداقها(١). وقال مسروق: معنى ﴿فَعَاقَبْتُ﴾ أي: غنمتم(٢)، وقال الأعمش: هي منسوخة، وقيل: هذا كله مما ترك العمل به وهو معنى ﴿أَوْ نُنِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. وفيه: الحكم على الغائب، قاله الداودي والمعاقبة بمثل ما يؤتى إلى المرء في الأمانة في المال وغيره. وقوله: (بَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَصِيرِ بْنَ أَسِيدٍ)، هو بالباء الموحدة المفتوحة، وكذا بالهمزة المفتوحة في أسيد. وقال ابن التين: ضبطه بعضهم بضم الهمزة، وبعضهم بفتحها وكسر السين قيل: وهو الصحيح؛ لأن أبا بصير مهاجر، وكل مهاجري أسيد بفتحها، وفي الأنصار ضمها. واستثنى هذا بعضهم، وقال: هذا يوافق الأنصار أنه بالضم. وفي الحديث من الفقه: جواز صلح المشركين ومهادنتهم دون مال يؤخذ منهم إذا رأى لذلك الإمام وجهًا. وفيه: كتابة الشروط التي تنعقد بين المسلمين والمشركين والإشهاد عليها ليكون ذلك شاهدًا على من رام نقض ذلك والرجوع فيه. (١) رواه الطبري ١٢/ ٧١ (٣٣٩٩٥). (٢) رواه الطبري ٧٢/١٢ (٣٤٠٠١). ١٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وفيه: الاستتار عن طلائع المشركين ومفاجأتهم بالجيش، وطلب غرتهم إذا بلغتهم الدعوة. وفيه: جواز التنكيب عن الطريق بالجيوش وإن كان في ذلك مشقة. وفيه: بركة التيامن في الأمور كلها. وفيه: أن ما عرض للسلطان وقواد الجيوش وجميع الناس مما هو خارج عن العادة يجب عليهم أن يتأملوه وينظروا الشبهة في قضاء الله في الأمم الخالية، ويمسكوا صواب الخير فيه، ويعلموا أن ذلك مثل ضرب لهم، ونبهوا عليه كما امتثله الشارع في أمر ناقته وبرُوكها في قصة الفيل؛ لأنها كانت إذا وجهت إلى مكة بركت، وإذا صرفت عنها مشت كما دأب الفيل، وهذا خارج عن العادة؛ فعلم أن الله صرفها عن مكة كالفيل. ولذلك قال: ((لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا))، يريد بذلك موافقة الرب جل جلاله في تعظيم الحرمات؛ لأنه فهم عن الله إبلاغ الأعذار إلى أهل مكة فأبقى عليهم لما كان سبق لهم في علمه أنهم سيدخلون في دينه أفواجًا، وقد سبق. وفيه: علامات النبوة وبركته عليه أفضل الصلاة والسلام وبركة السلاح المحمولة في سبيل الله، ونبع الماء من السهم، وإنما قدم الَّ مكة غير مستأمن مما كان بينه وبين أهل مكة من الحرب والمناصبة والعداوة، ولا أخذ إذنهم في ذلك؛ لأنه جرى على العادة من أن مكة غير ممنوعة من الحجاج والمعتمرين، فلما علم الله تعالى أنهم صادُّوه ومقاتلوه حبس الناقة عن مكة كما حبس الفيل تنبيهًا له على الإبقاء عليهم. وقوله: ( ((إِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهِكَتْهُمُ الحَرْبُ)) ) على وجه بذل النصيحة للقرابة التي كانت بينهم، فقال لهم: ((إن شئتم ماددتكم)) أي: صالحتكم ١٥١ 93 كِتَابُ الشَّرُوطِ = مدة تستجمون فيها إن أردتم القتال، وتدعوني مع الناس، يعني: طوائف العرب، فإن ظهرت عليهم دخلتم فيما دخلوا فيه. وإنما نصحهم رسول الله وّ لما فهم عن الله في حبس الناقة أنهم سيدخلون في الإسلام، فأراد أن يجعل بينهم مدة يقلب الله تعالى فيها قلوبهم، وفي لين قول بديل وعروة (١) لقريش دليل على أنهم كانوا أهل إصغاء إلى رسول الله وَّه وميل إليه كما قال في الحديث. وقول عروة له: (أرأيت إن استأصلت قومك) دليل على أنه التعليها كان يومئذٍ في جمع يخاف منه عروة على أهل مكة الاستئصال لو قاتلهم وقد سلف ذلك. خاتمة: في مواضع مفرقة من الحديث أيضًا: تدلكهم بالنخامة منه على وجه التبرك ورجاء نفعها في أعضائهم. وفيه: طهارة النخامة بخلاف من نجسها ونجس الماء بها، إنما أكثروا من ذلك بحضرة عروة، وتزاحموا عليه لأجل قوله: (إني لأرى وجوهًا وأشوابًا من الناس .. ) إلى آخره، فأروه أنهم أشد اغتباطًا وتبركًا بأمره وتثبتًا في نصرته من القبائل التي تراعي الرحم بينهم. وفيه: التفاؤل من الأسم وغيره كما سلف، وقول سهيل: ما نعرف الرحمن. قد أخبر الرب جل جلاله عن العرب بذلك حيث قال: ﴿قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]. وفي يمين المسلمين: (والله لا نكتب إلا البسملة) أن أصحاب السلاطين [يجب عليهم مراعاة أمره](٢) وعونه وعزة الله تعالى التي (١) في الأصل: غيره، ولعل المثبت أقرب للصواب كما ورد في الحديث. (٢) غير واضحة بالأصل، والمثبت من ((شرح ابن بطال)) ١٣٠/٨. ١٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = بها عزة السلطان، وتركه إبرار قسمهم مع أنه أمرنا بإبراره، إنما هو مندوب إليه فيما يحسن ويجمُل. وأما من حلف عليه في أمر لا يحسن ولا يجمُل في دين ولا مروءة فلا يجيب إليه، كما لم يجب إلى ما حلف عليه أصحابه؛ لأنه كان يئول إلى أنخرام المقاضاة بالصلح، مع أن ما دعا إليه سهيل لم يكن إلحادًا في أسمائه تعالى، وكذلك ما أباه سهيل من كتابة محمد رسول الله ليس فيه إلحاد في الرسالة؛ فلذلك أجابه الظّهر إلى ما دعا إليه مع أنه لم يأنف سهيل من هذا إلا أنه كان مساق العقد عن أهل مكة، وقد جاء في بعض الطرق: (هُذا ما قاضى عليه أهل مكة رسول الله)، فخشي أن ينعقد في مقالهم الإقرار برسالته، وقد سلف أيضًا. وقوله: (وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ) يدل أن المقاضاة إنما أنعقدت على الرجال دون النساء، فليس فيه نسخ حكم النساء على هذه الرواية؛ لأن النساء لم يردهن كما رد الرجال؛ من أجل أن الشرط إنما وقع برد الرجال خاصة، ثم نزلت الآية في أمر النساء حين هاجرن إلى رسول الله وَالله مبينة لما تقدم من حكم ذلك، وقد سلف ذلك أيضًا. وقوله لسهيل: ( ((إِنَّا لَمْ نَقْضِ الكِتَابَ بَعْدُ)))، أراد أن يخلص أبا جندل، وقد كان تم الصلح بالكلام، والعقد قبل أن يكتب. وفيه: أن من صالح أو عاقد على شيء بالكلام ولم يوف له به، أنه بالخيار في النقض. وأما قول عمر وما قرر عليه رسول الله وَله من أنهم على الحق: (ولِمَ نُعْطِ الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا) أي: نرد من أستجار بنا من المسلمين إلى المشركين. فقَالَ له: ((إِنِّي رَسُولُ اللهِ وَلَةِ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ)) تنبيهًا لعمر كما سلف. ١٥٣ كِتَابُ الشَّرُوطِ = وفيه: جواز المعارضة في العلم حتى تبين المعاني. وفيه: أن الكلام محمول على العموم حتى يقوم عليه دليل الخصوص. ألا ترى أن عمر حمل كلامه على الخصوص؛ لأنه طالبه بدخول البيت في ذلك العام فأخبره أنه لم يعده بذلك في ذلك العام، بل وعده وعدًا مطلقًا في الدهر حتى وقع فدل أن الكلام محمول على العموم حتى يأتي دليل الخصوص. وفي قوله: (فإنك آتيه) دليل أنه من حلف على فعل ولم يوقت وقتًا أن وقته أيام حياته. قال ابن المنذر: فإن حلف بالطلاق ليفعلن كذا إلى وقت غير معلوم. فقالت طائفة: لا يطؤها حتى يفعل الذي حلف عليه فأيهما مات لم يرثه صاحبه، هذا قول سعيد بن المسيب والحسن والشعبي والنخعي، وأبي عبيد. وقالت طائفة: إن مات ورثته وله وطؤها، روي هذا عن عطاء. وقال يحيى بن سعيد: ترثه إن مات، وقال مالك: إن ماتت امرأته يرثها، وقال الثوري: إنما يقع الحنث بعد الموت، وبه قال أبو ثور، وقال أبو ثور أيضًا : إذا حلف ولم یوقت فهو على يمينه حتى يموت، ولا يقع حنث بعد الموت، فإذا مات لم يكن عليه شيء. قال ابن المنذر: وهذا النظرُ. وقالت طائفة: يضرب لها أجل المولى أربعة أشهر. روي هذا عن: القاسم وسالم، وهو قول ربيعة ومالك والأوزاعي. وقال أبو حنيفة: إن قال: أنت طالق إن لم آت البصرة، فماتت امرأته قبل أن يأتي البصرة، فله الميراث، ولا يضره أن لا يأتي ١٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = البصرة بعد؛ لأن امرأته ماتت قبل أن يحنث، ولو مات قبلها حنث، وكان لها الميراث؛ لأنه فارٌّ ولأن الطلاق إنما وقع عليها قبل الموت بقليل، فلها الميراث. ولو قال لها أنت طالق إن لم تأت البصرة أنت، فماتت فليس له منها ميراث، وإن مات قبلها فلها الميراث، ولا يضرها أن لا تأتي البصرة. وفيه قول سادس؛ حكاه أبو عبيد عن بعض أهل النظر قال: إن أخذ الحالف في التأهب لما حلف عليه والسعي فيه حين تكلم باليمين حتى يكون متصلاً بالبر، وإلا فهو حانث عند ترك ذلك. قال ابن المنذر: في هذا الحديث دليل أن من لم يحد ليمينه أجلًا، أنه على يمينه ولا يحنث إن وقف عن الفعل الذي حلف يفعله. وتوقُّف أصحاب النبي ◌َّهِ عن النحر والحلق لمخالفتهم العادة التي كانوا عليها، أن لا ينحر أحد حتى يبلغ الهدي محله، ولا يحلق إلا بعد الطواف والسعي حتى شاور الشارع أم سلمة، فأراه الله بركة المشورة ففعل ما قالت، فاقتدى به أصحابه. فكذلك لو فعل في حجة الوداع ما أمر به أصحابه من الحلاق والحل ما اختلف عليه اثنان. معنى هذا من الفقه: أن الفعل أقوى من القول. وفيه: جواز مشاورة النساء ذوات الفضل والرأي، وأما إسلامه العليا لأبي بصير وصاحبه إلى رسل مكة هو على ما أنعقد في الرجال. وأما قتلُ أبي بصير لأحد الرسل بعد أن (أسلمة)(١) إليهم النبي ◌َّ فليس عليه حراسة المشركين ممن يدفعه إليهم، ولا عليه القود ممن قتل (١) في الأصل: (أشار) والمثبت من ((شرح ابن بطال)) ١٣٣/٨، وهو الملائم للسياق. ١٥٥ كِتَابُ الشُّرُوطِ = في الله وجاهد؛ لأن هذا لم يكن من شرطه ولا طالب أولياء القتيل رسول الله ◌َّ بالقود من أبي بصير على ما سلف. وقول أبي بصير لرسول الله وَله: (قد أوفى الله ذمتك) أنك رددتني إليهم كما شرطت لهم، ولا تردني الثانية فلم يرض رسول الله وَله إلا بما لا شك فيه من الوفاء، فسکت عنه، ونبهه على ما ينجو به من كفار قريش بتعريض عرض له به. وذلك قوله: ((لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ)) يعني: من ينصره ويمنعه، فعلمها أبو بصير وخرج سيف البحر، وجعل يطلب غرة أهل مكة وأذاهم، حتى لحق به أبو جندل وجماعة، فرضي المشركون بحلّ هذا الشرط، وأن يكفيهم الشارع نكايته ويكف عنهم عادیته. وقوله: (ما كانوا يؤدونه إلى المشركين عوضًا مما أنفقوا على أزواجهم المهاجرات في ذلك الصلح) فهو منسوخ عن الشعبي وعطاء ومجاهد، وقد سلف. ١٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٦ - باب الشّرطِ في القَرْضِ ٢٧٣٤ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُزْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ ◌ِّهِ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمِّى. [انظر: ١٤٩٨ - فتح: ٣٥٢/٥] وَقَالَ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما وَعَطَاءٌ: إِذَا أَجَّلَهُ فِي القَرْضِ جَازَ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلَّ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى. هذا الحديث سلف موصولًا والكلام عليه(١)، وما ذكره عن ابن عمر وعطاء، خالف فيه أبو حنيفة حيث قال: إذا كان القرض إلى أجل أو غير أجل، فله أن يأخذه منه متى أحب. وكذلك العارية ولا يجوز عنده تأخير القرض البتة. وبنحوه قال الشافعي وخالفهما مالك، وراجع ذلك في باب الاستقراض والدیون. (١) سلف برقم (٢٠٦٣) كتاب: البيوع، باب: التجارة في البحر. ١٥٧ كِتَابُ الشّرُوطِ ١٧ - باب المُكَاتَبٍ، وَمَا لَ يَحِلٌّ مِنَ الشَّرُوطِ التِي تُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما فِي المُكَاتَبِ: شُرُوطُهُمْ بَيْنَهُمْ. وَقَالَ ابن عُمَرَ - أَوْ عُمَرُ -: كُلُّ شَرْطِ خَالَفَ كِتَابَ اللهِ فَهْوَ بَاطِلٌ، وَإِنِ أُشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: يُقَالُ عَنْ كِلَيْهِمَا، عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ. ٢٧٣٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَخْيَى، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: أَتَتْهَا بَرِيرَةُ تَسْأَلُهَا فِي كِتَابَتِهَا، فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ وَيَكُونُ الوَلَاءُ لِي. فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ وَيَ ذَكَّرْتُهُ، ذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ بَّه عَلَى المِنْبَرِ فَقَالَ: ((مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟! مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِّ فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ)). [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ٣٥٣/٥] وَقَالَ جَابِرُ فِي المُكَاتَبِ: شُرُوطُهُمْ بَيْنَهُمْ. وقال ابن عمر -أو عمر -: كل شرط خالف كتاب الله فهو باطل وإن اشترط مائة شرط. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: يُقَالُ عَنْ كِلَيْهِمَا، عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ. ثم ساق حديث عَائِشَةَ في قصة بريرة. وقد سلف ذلك في أبواب الكتابة في باب نحو هذا(١). (١) سلف برقم (٢٥٦٠) باب: المكاتب ونجومه في كل سنة نجم. ١٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ١٨ - باب مَا يَجُوزُ مِنَ الاشْتِرَاطِ وَالثُّنْيَا فِي الإِقْرَارِ وَالشُّرُوطِ التِي يَتَعَارَفُهَا النَّاسُ بَيْنَهُمْ، وَإِذَا قَالَ: مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنٍ. وَقَالَ ابن عَوْنٍ، عَنِ ابن سِيرِينَ: قَالَ رَجُلٌ لِكَرِيِّهِ: أَدْخِلْ رِكَابَكَ، فَإِنْ لَمْ أَرْحَلْ مَعَكَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَلَكَ مِائَةُ دِرْهَم. فَلَمْ يَخْرُجْ، فَقَالَ شُرَيْحٌ مَنْ شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ طَائِعًا غَيْرَ مَّكْرَهٍ فَهْوَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَيُّوبُ، عَنِ ابن سِيرِينَ: إِنَّ رَجُلًا بَاعَ طَعَامًا وَقَالَ: إِنْ لَمْ آتِكَ الأَرْبِعَاءَ فَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بَيْعٌ. فَلَمْ يَجِئْ، فَقَالَ شُرَيْحٌ لِلْمُشْتَرِي: أَنْتَ أَخْلَفْتَ. فَقَضَى عَلَيْهِ. ٢٧٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَّهِ قَالَ: ((إِنَّ الله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ أَسْمَا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ)). [٦٤١٠، ٧٣٩٢ - مسلم: ٢٦٧٧ - فتح: ٣٥٤/٥] وَقَالَ ابن عَوْنٍ، عَنِ ابن سِيرِينَ: قَالَ رَجُلٌ لِكَرِيِّهِ: أَدْخِلْ رِكَابَكَ، فَإِنْ لَمْ (أَرْحَلْ) (١) مَعَكَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا فَلَكَ مِائَةُ دِرْهَمٍ. فَلَمْ يَخْرُجْ، قال شُرَيْحُ: مَنْ شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ طَائِعًا غَيْرَ مُكْرَهٍ فَهْوَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَيُّوبُ، عَنِ ابن سِيرِينَ: إِنَّ رَجُلًا بَاعَ طَعَامًا وَقَالَ: إِنْ لَمْ آتِكَ الأَرْبِعَاءَ فَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بَيْعٌ. فَلَمْ يَجِئُ، فَقَالَ شُرَيْحٌ لِلْمُشْتَرِي: أَنْتَ أَخْلَفْتَ. فَقَضَى عَلَيْهِ. ثم ساق حديث أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((إِنَّ الله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ أَسْمَا، مِائَةً إِلَّ وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ)). (١) في هامش الأصل: (أدخل) وعليها علامة أنها نسخة. ١٥٩ كِتَابُ الشَّرُوطِ = الشرح : وقع في بعض النسخ باب ما لا يجوز .. إلى آخره بإثبات (لا)، والصواب: حذفها كما أوردناه، وكذا هو ثابت في رواية أبي ذر وغيره، وحديث أبي هريرة يشهد له. وما ذكره عن ابن سيرين من الحظر للنهي عنه، ومن أكل أموال الناس بالباطل، ولا يجوز اشتراط ذلك عند أكثر العلماء وقضى به شريح؛ لأنه من طريق العدة والتطوع، ومن تطوع بشيء يستحب له إنجازه وإنفاذه، إلا أن جمهور الفقهاء لا يقضون بوجوب العدة وإنما يستحبون الوفاء بها، وعادة المكارين يخرجون إبلهم إلى المراعي ويتواعدون في الرحيل، فربما حصل لبعض من كاراه مانع فيتضرر بالعلف فيقول: إن لم أرحل معك يوم كذا، فلك كذا تعلف به إبلك. والأثر الثاني: قال الداودي: قال بعض أصحابنا: ولا أعلم ما يمنع منه. وقال مالك: البيع جائز والشرط باطل. وقال بعض أصحابنا : هو بيع فاسد. وقال آخر: إن ضربا من الأجل ما يجوز أن يضرب في مثل تلك السلعة للخيار جاز، وإلا لم يجز. وقال ابن بطال: اختلف العلماء في جواز ذلك؛ فقال ابن الماجشون: الشرط والبيع جائزان، وحمله محمل بيع الخيار إلى وقت مسمى، فإذا جاز الوقت فلا خيار له، ويبطل البيع، ومصيبته قبل ذلك من البائع، كان ذلك بيده أو بيد المبتاع على سنة بيع الخيار، وممن أجازهما هنا الثوري وأحمد وإسحاق وقال أبو حنيفة: إن كان الأجل ثلاثة أيام فالبيع جائز. وقال محمد بن الحسن: يجوز الأجل أربعة أيام وعشرة أيام. ١٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقال مالك في ((المدونة)): من باع سلعة وشرط إن لم ينقده المشتري إلى أجل فلا بيع بينهما. فهذا بيع مكروه؛ فإن وقع ثبت البيع وبطل الشرط، ومصيبة السلعة من البائع حتى يقبضها المشتري(١). وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضًا(٢) وأخرجه ابن ماجه من هذا الوجه أيضًا، وسرد الأسماء، ولفظه: ((إن لله تسعة وتسعين أسمًا مائة إلا واحدًا، إنه وتر، من حفظها دخل الجنة)) ثم ذكرها. وقال في آخره: قال زهير: فبلغنا عن غير واحدٍ من أهل العلم أن أولها يُفْتَح بقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله له الأسماء الحسنى(٣). وأخرجه الترمذي أيضًا، وسرد الأسماء، ثم قال: غريب، وقد روي من غير وجه، عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ. ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث، وقد روى آدم بن أبي إياس هذا الحديث بإسناد غير هذا، عن أبي هريرة، عن رسول الله وَل﴿ وليس له إسناد صحيح(٤). وخرجه الحاكم من طريق الترمذي ثم قال: هذا حديث قد خرجاه في الصحيحين بأسانيد صحيحة دون ذكر الأسامي فيه، والعلة فيه عندهما: أن الوليد بن مسلم تفرد به كذلك، ولم يذكرها غيره، وليس هذا بعلة فإني لا أعلم خلافًا بين أئمة الحديث، أن الوليد أوثق (١) ((شرح ابن بطال)) ٨/ ١٣٨ - ١٣٩، ((المدونة)) ٢٢٢/٣. (٢) مسلم (٢٦٧٧) كتاب: الذكر والدعاء، باب: في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها. (٣) ابن ماجه (٣٨٦١). (٤) الترمذي (٣٥٠٧).