Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
كِتَابُ الشُّرُوطِ
=
١٠ - باب مَا يَجُوزُ مِنْ شُرُوطِ المُكَاتَبِ إِذَا رَضِيَ
بِالْبَيْعِ عَلَى أَنْ يُعْتَقَ
٢٧٢٦ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَخْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ الَكِّيُّ، عَنْ أَبِيهِ
قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيّ بَرِيرَةُ وَهْيَ مُكَاتَبَةٌ،
فَقَالَتْ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ آَشْتَرِينِي فَإِنَّ أَهْلِي يَبِيعُونٍ فَأَعْتِقِينِي. قَالَتْ نَعَمْ. قَالَتْ: إِنَّ
أَهْلِي لَا يَبِيعُونِي حَتَّى يَشْتَرِطُوا وَلَائِي. قَالَتْ لَ حَاجَةَ لِي فِيكِ. فَسَمِعَ ذَلِكَ النَّبِيُّ
وَِّ أَوْ بَلَغَهُ، فَقَالَ: ((مَا شَأْنُ بَرِيرَةَ؟)) فَقَالَ: ((اشْتَرِيهَا فَأَعْتِقِيهَا وَلْيَشْتَرِطُوا مَا
شَاءُوا)). قَالَتْ: فَاشْتَرَيْتُهَا فَأَعْتَقْتُهَا، وَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلَاءَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((الْوَلَاءُ
لِمَنْ أَعْتَقَ، وَإِنِ اشْتَرَطُوا مِائَةَ شَرْطٍ)). [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ٢٥١/٣ - فتح: ٣٢٤/٥]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ في قصة بريرة وأنه الظّهر قال لعائشة: ((اشتريها
فأعتقيها))، وقال: ((الولاء لمن أعتق)).
وترجم له أيضًا فيما يأتي باب المكاتب، وما لا يحل من الشروط
التي تخالف كتاب الله (١)، وقد سلف ما فيه في الكتابة قريبًا (٢) وغيره
أيضًا.
وقول بريرة: (إِنَّ أَهْلِي يَبِيعُونِي) قال الداودي: ليس أرى هذا
محفوظًا؛ لأن أكثر الروايات (جاءت تستعينها).
وقوله: ( ((وَلْيَشْتَرِطُوا مَا شَاءُوا)): وَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا) هذا تفسير يرد
تأويل أن (لهم) بمعنى (عليهم).
قال الداودي: وذلك مستحيل أن يؤثر في الشروط بالمشكلات.
(١) سيأتي برقم (٢٧٣٥).
(٢) سلف برقم (٢٥٦١) كتاب: المكاتب، باب: ما يجوز من شروط المكاتب.

١٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١١ - باب الشّرُوطِ في الطَّلَاقِ
وَقَالَ ابنِ المُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ وَعَطَاءٌ: إِنْ بَدَأَ بِالطَّلَاقِ أَوْ
أَخَرَ فَهُوَ أَحَقُّ بِشَرْطِهِ.
٢٧٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَزْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي
حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ لَّهَ عَنِ التَّلَقِّي، وَأَنْ يَنْتَاعَ
المُهَاجِرُ لِلْأَغْرَابِّ، وَأَنْ تَشْتَرِطَ المزْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا، وَأَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمٍ أَخِيهِ،
وَنَهَى عَنِ النَّجْشِ، وَعَنِ التَّصْرِيَةِ. تَابَعَهُ مُعَاذٌ وَعَبْدُ الصَّمَدِ، عَنْ شُغْبَةَ. وَقَالَ غُنْدَرْ
وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ: نُهِيَ. وَقَالَ آدَمُ: نُهِينَا. وَقَالَ النَّضْرُ، وَحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ: نَهَى. [انظر:
٢١٤٠ - مسلم: ١٤١٣، ١٥١٥ - فتح: ٣٢٤/٥]
وقال ابن المسيب والحسن وعطاء: إن بدأ بالطلاق أو أخر فهو
أحق بشرطه.
ثم ذكر حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَ عَنِ التَّلَقِّي، وفيه:
وَأَنْ تَشْتَرِطَ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا.
(تابعه -يعني: تابع ابنَ عرعرةَ معاذٌ وعبدُ الصمد، عن شعبة. وقال
غندر وعبد الرحمن: نُهي، وقال آدم: نهينا، وقال النضر وحجاج بن
منهال: نھی.
أسند النسائي(١) منها متابعة حجاج فقال: حدثنا عبد الله (بن)(٢)
محمد، عن حجاج.
(١) ((سنن النسائي)) ٢٥٥/٧.
(٢) في الأصل (عبد الله ومحمد) والصواب ما أثبتناه من ((سنن النسائي)) ومن ((تحفة
الأشراف)» ٨٥/١٠ (١٣٤١١).

١٢٣
كِتَابُ الشَّرُوطِ
93
والآثار السالفة: قال ابن أبي شيبة: أخبرنا عباد بن العوام، عن
سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب والحسن في الرجل يحلف
بالطلاق، فيبدأ به قالا: له ثنياه قدم الطلاق أو أخر (١).
وحدثنا هشيم: حدثنا يونس، عن الحسن وإسماعيل بن سالم، عن
الشعبي قالا: إذا قدم الطلاق أو أخره فهو سواء إذا وصله بكلامه(٢).
ومعنى قول ابن المسيب وغيره: أن يقول: أنت طالق إن دخلت
الدار، أو إن دخلت الدار فأنت طالق. فالطلاق يلزمه عند جماعة الفقهاء.
قال تعالى ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِينَ﴾ [الفتح: ٢٧].
وإنما يُروى الخلاف في ذلك عن شريح وإبراهيم قالا: إذا بدأ بالطلاق
قبل يمينه فإنه يلزمه الطلاق، وإن برت يمينه(٣)، وإن بدأ باليمين قبل
الطلاق فإنه لا يلزمه الطلاق إذا بدأ، وخالف بعضهم في قوله: إن
بدأ بالطلاق لزمه ولم ينفعه الشرط. حكاه ابن التين قال: وقد اختلف
إذا قال: أنت طالق ثلاثًا أنت طالق ثلاثًا إن دخلت الدار؛ هل يعد
بادئًا؟ وهذا لطول ما بينهما بخلاف الأول.
ولو أراد أن المشيئة بالله تؤثر في رفع الطلاق، فهو قول أبي حنيفة
والشافعي خلافًا لمالك.
والشروط في الطلاق كالشروط في النكاح؛ فمنهم من كرهها،
ومنهم من أجازها إذا وقعت يمين، وسيأتي بسطه في النكاح إن
شاء الله.
(١) ((المصنف)) ٨٤/٤ (١٨٠١٢).
(٢) السابق ٨٣/٤ (١٨٠١١).
(٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٨٣/٤ (١٨٠١٠).

١٢٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وفي قوله: ( ((لا تشترط المرأة طلاق أختها)) ) حجة لمن أجاز
الشروط المكروهة؛ لأنه لو لم تكن هذه الشروط عاملة إذا وقعت
لم يكن لنهيه عن اشتراط طلاق أختها معنى، ولكان اشتراطها ذلك
آشتراطِ.
فكذلك ما شابه ذلك من الشروط، وإن كانت مكروهة فهي لازمة،
لقوله الثّ: ((إن أحق الشروط أن يوفى بها ما استحللتم به الفروج))(١).
وقوله: (وَأَنْ يَبْتَاعَ المُهَاجِرُ لِلأَعْرَابِيِّ) فيه: بيان أن النهي في بيع
الحاضر للبادي يتناول الشراء.
وقوله: (وَعَنِ التَّصْرِيَةِ) سلف بيانها، وهل هي من صرى يصري
أو من صرَّ يصر فهي تصرورة، ولا يكون إلا من الأول كالتزكية.
(١) سلف قريبًا (٢٧٢١) باب: الشروط في المهر.

١٢٥
كِتَابُ الشُّرُوطِ
=
١٢ - باب الشّرُوطِ مَعَ النَّاسِ بِالْقَوْلِ
٢٧٢٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابن جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُ قَالَ:
أَخْبَرَبِي يَغْلَى بْنُ مُسْلِمٍ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ - يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى
صَاحِبِهِ، وَغَيْرُهُمَا قَدْ سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ - قَالَ: إِنَّا لَعِنْدَ ابن عَبَّاسٍ
رضي الله عنهما قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِيُّ بْنُ كَغْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ مَّةِ: ((مُوسَى رَسُولُ
[الكهف: ٧٢]
اللهِ) فَذَكَرَ الحَدِيثَ. ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا (9َا﴾
كَانَتِ الأُولَى نِسْيَانًا، وَالْوُسْطَى شَرْطًا، وَالثَّالِثَةُ عَمْدًا. ﴿قَالَ لَا نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ
[الكهف: ٧٣]. ﴿لَقِيَا غُلَمًا فَقَنَلَهُ﴾ [الكهف: ٧٤]
وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُشْرًا
﴿فَأَنْطَلَقَا﴾، ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنْقَضَّ فَقَامٌَ﴾ [الكهف: ٧٧]. قَرَأَهَا ابن
عَبَّاسِ: أَمَامَهُمْ مَلِكٌ. [انظر: ٧٤ - مسلم: ٢٣٨٠ - فتح: ٣٢٦/٥]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ، عن أَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
قَالَ أَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَنْ
وَلَه : ((مُوسَى رَسُولُ اللهِ)) فَذَكَرَ الحَدِيثَ.
[الكهف: ٧٥] كَانَتِ الأُولَى نِسْيَانًا، وَالْوُسْطَى
١٧٥
تَسْتَطِيعَ مَّعِىَ صَبْرًا (
شَرْطًا، وَالثَّالِثَةُ عَمْدًا. ﴿قَالَ لَا نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى
.﴿لَقِيَا غُلَمَا فَقَتَلَهُ﴾ ﴿فَنْطَلَقَا﴾ ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ
عُشْرًا
يَنْقَضَّ فَقَامَةٌ﴾. قَرَأَهَا ابن عَبَّاسِ: (أَمَامَهُمْ مَلِكٌ).
هذا الحديث رواه الإسماعيلي بقصة في أوله من حديث هشام، عن
ابن جريج: إنا لعند ابن عباس إذ قال: سلوني. قال ابن جبير قلت:
جعلني الله فداك، بالكوفة قاص يقال له: نوف يزعم أنه ليس بموسى
بني إسرائيل، أما عمرو فقال: كذب عدو الله، وأما يعلى فقال:
حدثني أبي .. فساقه.

١٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أراد البخاري بهذا الباب - والله أعلم- ليدل على أن ما يقع من
الناس في محاوراتهم مما يكثر وقوعه بينهم، فإن الشرط بالقول يغني
في ذلك بالكتاب والإشهاد عليه.
ألا ترى أن موسى لم يُشهد أحدًا على نفسه حين قال: ﴿سَتَجِدُنِىّ إِن
شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ [الكهف: ٦٩]، وكذلك الخضر حين شرط على موسى
أن لا يسأله عن شيء حتى يحدث له منه ذكرًا، لم يكتب بذلك كتابًا،
ولا أشهد شهودًا.
وإنما يجب الإشهاد والكتاب في الشروط التي يعم المسلمين نفعها ،
ويخاف أن يكون في انتقاضها والرجوع فيها جرم وفساد، وكذا ما في
معناها مما يخص بعض الناس، فاحتيج فيها إلى الكتاب والإشهاد
خوف ذلك، ألا ترى أن سيد الأمة كتب الصلح مع سهيل بن عمرو
وأهل مكة؛ ليكون حاجزًا للمشركين من النقض والرجوع في شيء من
الصلح، وشاهدًا عليهم إن همُّوا بذلك.
وفيه: أن النسيان لا يؤاخذ به، ووجوب الرفق بالعلماء، وأن
لا يهجم عليهم بالسؤال عن معاني أقوالهم في كل وقت إلا عند
انبساط نفوسهم، وانشراح صدورهم لا سيما إذا شرط ذلك العالم
على المتعلم.
وفيه: أنه يجوز سؤال العالم عن معاني أقواله وأفعاله؛ لأن موسى
سأل الخضر عن معنى قتل الغلام، وخرق السفينة، وإقامة الجدار،
فأخبره بعلل أفعاله، ووجه الحكمة فيها، وإنما كان شرطه ألا يسأل
عن شيء حتى يحدث له منه ذكرًا -والله أعلم - أنه أراد أن يتأدب
عليه في تعلمه، ويأخذ عفوه فيه حتى ينشط إلى الشرح والتفسير، ففي

١٢٧
- ڪِتَابُ الشّرُوطِ
إخباره بتأويل ذلك دليل على أن أفعال الأنبياء وأقوالهم ينبغي أن تعرف
معانيها، ووجه ما صنعت له، لمعنى قوله: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾
[الكهف: ٦٧] أي: إنك سترى ما ظاهره منكر، ولا تصبر عليه؛ لأن
الأنبياء والصالحين لا يصبرون على ذلك.
وقوله: (وكَانَتِ الوُسْطَى شَرْطًا) يريد ﴿إِن سَأَلْنُكَ عَنْ شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلَ
تُصَحِبْنِى﴾ [الكهف: ٧٦] وقوله: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِ مِنْ أَمْرِى عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣]
أي: لا تلحق بي عسرًا من رهقه الشيء إذا غشيه، وقيل: لا تعجلني،
وقيل: لا تضيق علي و[تشدد](١).
وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ أَن يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] أي: يسقط بسرعة،
وروي: (ينقاص) بصاد غير معجمة(٢)، وقرأه ابن عباس: (أمامهم)(٣)
وقرأه الجماعة ﴿وَرَآءَهُمْ﴾ قيل: المعنى واحد، وقيل: هو بمعنى:
خلف على بابه، كأنه على طريقهم إذا رجعوا، والأول أولى لتفسيره
في قراءة ابن عباس، واللغة تجوزه؛ لأن ما يوارئ عنك فهو وراء،
وإن كان أمامك، وقد اختلف فيه: هل هو من الأضداد؟ فقال
أبو عبيدة وقطرب والأزهري وابن فارس، وغيرهم: نعم (٤).
وقال الفراء(٥) وأحمد بن يحيى: أمام ضد وراء، دائمًا يكون من
الأضداد في الأماكن، والأوقات، يقول الرجل: إذا وعد وعدًا في
(١) غير واضحة بالأصل، وأثبتناها من ((تفسير ابن كثير)) ٩/ ١٧٣.
(٢) أنظر: ((مختصر شواذ القرآن)) ص (٨٤).
(٣) ((تفسير الطبري)) ٢٦٤/٨ (٢٣٢٤١).
(٤) أنظر: ((الأضداد)) للأنباري ص٦٨، ((تهذيب اللغة)) ٣٨٧٨/٤، ((مجمل اللغة)) ٤/
٩٢٣.
(٥) انظر: ((معاني القرآن)) ١٥٧/٢.

١٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
رجب لرمضان، ثم قال: من ورائك شعبان يجوز وإن كان أمامهم؛ لأنه
یخلفه إلى وقت وعده، وكذلك وراءهم ملك يجوز؛ لأنه يكون أمامهم،
وطلبهم خلفه فهو من وراء مطلبهم.

١٢٩
كِتَابُ الشُّرُوطِ
=
١٣ - باب الشّرُوطِ في الوَلَاءِ
٢٧٢٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ قَالَتْ جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَىْ تِشْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ أُوْقِيَّةٌ،
فَأَعِينِينِي. فَقَالَتْ: إِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَهَبَثَ بَرِيرَةُ
إِلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ، فَأَبَوْا عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللهِ وَ جَالِسٌ،
فَقَالَتْ: إِّ قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إِلَّ أَنْ يَكُونَ الوَلَاءُ لَهُمْ. فَسَمِعَ النَّبِيُّ ◌َ،
فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ ◌ََّ، فَقَالَ: ((خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ
لِمَنْ أَعْتَقِ». فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ وََّ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ،
ثُمَّ قَالَ: ((مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟! مَا كَانَ مِنْ
شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهْوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ،
وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ))](١). [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح:
٣٢٦/٥]
(١) هذا الباب لم يذكره الشارح.

١٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٤ - باب إِذَا اشْتَرَطَ في المُزَارَعَةِ: إِذَا شِئْتُ أَخْرَجُتُّكَ
٢٧٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَجْيَى أَبُو غَسَّانَ الكِنَانِيُّ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ،
عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: لَا فَدَعَ أَهْلُ خَيْبَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، قَامَ
عُمَرُ خَطِيبًا فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ كَانَ عَامَلَ بَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَقَالَ:
(نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللهُ). وَإِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ خَرَجَ إِلَى مَالِهِ هُنَاكَ فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِنَ
اللَّيْلِ، فَقُدِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ، وَلَيْسَ لَنَا هُنَاكَ عَدُوٌ غَيْرُهُمْ، هُمْ عَدُوُّنَا وَتُهَمَتُنَا، وَقَدْ
رَأَيْتُ إِجْلَاءَهُمْ. فَلَمَّا أَجْمَعَ عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ أَتَاهُ أَحَدُ بَنِي أَبِي الْحُقَيْقِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ
الْمُؤْمِنِينَ، أَتَّخْرِجُنَا وَقَدْ أَقَرَّنَا مُحَمَّدٌ ،فَـلَ وَعَامَلَنَا عَلَى الأَمْوَالِ وَشَرَطَ ذَلِكَ لَنَا؟! فَقَالَ
عُمَرُ: أَظَنَنْتَ أَّ نَسِيتُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ يَّةِ: ((كَيْفَ بِكَ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْ خَيْبَرَ
تَعْدُو بِكَ قَلُوصُكَ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ))؟ !. فَقَالَ: كَانَتْ هذِه هُزَيْلَةً مِنْ أَبِي القَاسِمِ.
قَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللهِ. فَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ، وَأَعْطَاهُمْ قِيمَةَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنَ الثَّمَرِ مَالَاً
وَإِلَا وَعُرُوضًا مِنْ أَقْتَابٍ وَحِبَالٍ وَغَثْرِ ذَلِكَ.
رَوَاهُ حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَحْسِبُهُ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ،
عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ أَخْتَصَرَهُ. [فتح: ٣٢٧]
ذكر فيه حديث مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن عُمَرَ: لَمَّا فَدَعَ أَهْلُ خَيْبَرَ
عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، قَامَ عُمَرُ خَطِيبًا فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ كَانَ عَامَلَ يَهُودَ
خَيْبَرَ عَلَىْ أَمْوَالِهِمْ، وَقَالَ: ((نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللهُ)). ثم ساقه بطوله، ثم
قال: رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَحْسِبُهُ عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن
عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، عَنِ رسول الله وَ اخْتَصَرَهُ.
هذا الحديث تقدم في كتاب المزارعة معناه في باب: إذا قال رب
الأرض: أقرك ما أقرك الله(١)، وهنا أتم، وما للعلماء فيه.
(١) سلف برقم (٢٣٣٨).

١٣١
كِتَابُ الشَّرُوطِ
=
وهذا الحديث يدل أن عمر إنما أخرجهم لعدوانهم على المسلمين
ونصبهم الغوائل لهم اقتداءً به التَّ في إجلائه بني النضير، وأمره لهم ببيع
أرضهم حين أرادوا الغدر برسول الله وَّله، وأن يلقوا عليه حجرًا مع أنه
بلغه أن النبي ◌َّ﴾ قال عند موته: ((لا يبقين دينان بأرض العرب)) ذكرها
مالك في ((موطئه)) بأسانيد منقطعة(١).
وفي مسلم من حديث [عمر](٢): ((لأخرجن اليهود والنصارى من
جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلمًا))(٣).
فرأى عمر إنفاذ وصية رسول الله وَ ي عندما بدا منهم من فدعهم
لابنه، وخشي منهم أكثر من هذا.
وقال الخطابي: أتهم عمر أهل خيبر بأنهم سحروا عبد الله (٤)، وقال
الصغاني: رموه من فوق بيت ففدعت قدمه.
وقال صاحب ((المطالع)): في بعض تعاليق البخاري فدع يعني :
كسر. والمعروف ما قاله أهل اللغة. وسيأتي أن ذلك وقع ليلًا،
ولا یدری فاعله.
ولأبي داود: كان رسول الله ◌َّ عامل يهود خيبر على أنا نخرجهم
إذا شئنا فمن كان له مال فليلحق به فإني مخرج يهود(٥)، وفي ((الموطأ)»
قال مالك: وقد أجلى عمر يهود خيبر وفدك، ثم ساق الثاني(٦)، وفي كتب
السير لما أثقل بأهل فدك ما فعل رسول الله وَ﴿ بأهل خيبر بعثوا إليه
(١) ((الموطأ)) ص ٥٥٦ (١٨).
(٢) في الأصل: (ابن عمر).
(٣) مسلم (١٧٦٧) كتاب: الجهاد والسير، باب: إخراج اليهود والنصارى من جزيرة
العرب.
(٤) ((أعلام الحديث)) ١٣٢٩/٢.
(٥) أبو داود (٣٠٠٧).
(٦) ((الموطأ)) ص ٥٥٧ (١٩). وفيه: أجلى عمر يهود نجران وفدك .

١٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ليؤمنهم، ويتركوا الأموال فأجابهم إلى ذلك، وكانت مما لم توجف عليه
الخيل ولا الركاب فلم تقسم لذلك. فوضعها رسول الله حيث أمره ربه.
وحديث حماد ذكره الحُميدي بلفظ: قال حماد: أحسبه عن نافع،
عن ابن عمر قال أتى رسول الله وَسير أهل خيبر فقاتلهم حتى ألجأهم إلى
قصورهم، وغلبهم على الأرض .. الحديث، وفيه: فلما كان زمن عمر
غشوا المسلمين وألقوا ابن عمر من فوق بيت ففدعوا يديه ..
الحديث(١)، وكذا ذكره المزي(٢).
والذي في البخاري ما سقناه، وكذا هو في المستخرجين واعلم أن
البخاري روى هذا الحديث عن أبي أحمد، واختلف فيه على ثلاثة
أقوال :
أحدها: المرار بن حمويه بن منصور الهَمَذَاني النهاوندي، قتل سنة
أربع وخمسين ومائتين عن أربع وخمسين سنة، كذا ذكره البيهقي في
(دلائله))(٣) وأبو مسعود وأبو نعيم الأصبهاني وابن السكن وأبو ذر
الهروي.
ثانيها: محمد بن يوسف البيكندي، وقد أكثر البخاري الرواية عنه،
وهو من أفراده، ولا يحضرني وفاته.
قال الحاكم: أهل بخارى يزعمون أن أبا أحمد هذا هو محمد بن
يوسف البيكندي.
(١) ((الجمع بين الصحيحين)) ١٢١/١ - ١٢٢ (٤٦).
(٢) ((تحفة الأشراف)) ٦/ ١٣٣ (٧٨٧٧) ولم يعزه المزي للبخاري وإنما لأبي داود، وعلق
عليه ابن حجر في ((النكت الظراف)) فقال: علق البخاري في الشروط منه شيئًا.
(٣) ((دلائل النبوة)) ٤/ ٢٣٤ - ٢٣٥. قال: رواه البخاري في ((الصحيح)) عن أبي أحمد
وهو مرار بن حمویه.

١٣٣
كِتَابُ الشَّرُوطِ
=
قال أبو عبد الله: وقد حدثونا بهذا الحديث عن (محمد)(١) بن
هارون، حدثنا أبو أحمد مرار بن حمويه، حدثنا أبو غسان(٢).
ثالثها: محمد بن عبد الوهاب ابن عم عبد الرحمن بن بشر بن
الحكم بن حبيب بن مهران، مات سنة اثنتين وسبعين ومائتين.
قال الحاكم: قرأت هذا الحديث أيضًا بخط شيخنا أبي عمرو
المستملي، عن أبي أحمد محمد بن عبد الوهاب بن حبيب العبدي
الفراء النيسابوري، عن أبي غسان(٣). وذكره ابن حزم من رواية
محمد بن يحيى الكناني عن أبي غسان (٤).
وزعم الهروي وعبد الغافر في ((مجمعه)) أن ابن عمر أرسله عمر إلى
أهل خيبر ليقاسمهم الثمر فقُدع.
إذا تقرر ذلك؛ فالكلام عليه من أوجه:
أحدها: الفدع بفاء ثم دال مهملة ثم عين مهملة أيضًا ذكر بعد أنه
فُدعت يداه ورجلاه.
قال الأزهري في ((تهذيبه)) عن الليث: ميلٌ في المفاصل كلها كأن
المفاصل قد زالت عن مواضعها وأكثر ما يكون في الأرساغ. قال:
وكل ظليم أفدع؛ لأن في أصابعه اعوجاجًا.
وقال النضر بن شميل: إنه في اليد أن تراه يعني: البعير يطأ على أم
قِرِدَانِهِ فأشخص (صدر)(٥) خفه، ولا يكون إلا في الرسغ. وقال غيره:
(١) كذا بالأصل، وفي ((المدخل إلى الصحيح)): (موسى).
(٢) ((المدخل إلى الصحيح)) ٤/ ٢٦٣.
(٣) السابق.
(٤) هكذا بالأصل، ومحمد بن يحيى الكناني هو أبو غسان.
(٥) في الأصل (شخص) والمثبت من ((تهذيب اللغة)).

١٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الفدع أن يصطك كعباه وتتباعد قدماه يمينًا وشمالًا. وقال ابن الأعرابي:
الأفدع: الذي يمشي على ظهر قدميه، وعن الأصمعي: هو الذي ارتفع
أخمص رجله أرتفاعًا لو وطئ صاحبها على عصفور ما آذاه(١).
وقال ثابت في ((خلق الإنسان)): إذا زاغت القدم من أصلها من
الكعب وطرف الساق فذاك الفدع، رجل أفدع وامرأة فدعاء، وقد
فدع فدعا.
وقال في ((المخصص)): هو عوج في المفاصل أو داء، وأكثر
ما يكون في الرسغ فلا يستطاع بسطه. وعن ابن السكيت: الفدعة
موضع الفدع(٢).
وقال القزاز وصاحب ((الجامع)) وابن دريد في (الجمهرة))، وأبو
المعالي في ((المنتهى)): هو أنقلاب الكف إلى إنسيها(٣)، زاد القزاز
وقيل: هو التّواء رسغ الفرس من قبل الوحش، وإقبال مركب الشظاة
في الجهة من وجنتها على ما يليها من رأس الشظاة من اليد الأخرى،
ووطءٍ منه على وجنتي يديه جميعًا.
وقال الخطابي: أصل الفدع في الرجل وهو زيغ ما بينها وبين عظم
الساق، يقال: رجل أفدع إذا التوت رجله من ذلك الموضع قال:
والكوع في اليدين هو (تعوج) (٤) اليدين من قبل الكوع، وهو رأس
الزند مما يلي الإبهام(٥).
(١) ((تهذيب اللغة)) ٢٧٥٢/٣ (فدع).
(٢) ((المخصص)) ١٤٩/١.
(٣) ((جمهرة اللغة)) ٢/ ٦٦٠.
(٤) في الأصل: (تثبج)، والمثبت من ((أعلام الحديث)).
(٥) ((أعلام الحديث)) ٢/ ١٣٣٠.

١٣٥
كِتَابُ الشّرُوطِ
=
وقال الجوهري: رجل أفدع بيِّن الفدع، وهو المعوج الرسغ من اليد
والرجل فيكون منقلب الكف أو القدم إلى إنسيهما(١).
وقال ابن فارس: هو عوج في المفاصل كأنها زالت عن أماكنها
قال: وقيل: إنه انقلاب الكف إلى إنسيهما. يقال: فدع بكسر الدال(٢).
وقال الداودي: فدعت رجلاه أي ضربت حتى أثر فيهما.
ثانيها: قوله: (عامل يهود خيبر على أموالهم) يعني: التي كانت لهم
قبل أن يفيئها الله على المسلمين.
قال الداودي عن مالك: كانت خيبر صلحًا، وإنما أخرجهم عمر؛
لقوله التقلي: ((لا يبقين دينان بأرض العرب))(٣) والصحيح أن خيبر أخذت
عنوة، وقد صالحهم على النصف لما تخوفوا أن يصنع بهم ما صنع.
والذي ذكره ابن عبد البر وغيره عن مالك الثاني (٤) وهو قول جماعة
من المؤرخين: البخاري ومسلم، وحكاه ابن سعد، عن بشير بن
يسار(٥)، وقاله غير واحد أيضًا.
وقال بعضهم: فتح بعضها عنوة وبعضها صلحًا.
وقوله: ( ((نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللهُ) ) أي: إذا أمرنا في حقكم بغير ذلك
فعلناه كما قاله ابن الجوزي.
وفيه: جواز العقد مشاهرة ومشافهة خلافًا للشافعي. واختلف
أصحاب مالك: هل يلزمه واحد مما سمى أو لا يلزمه شيء؟
(١) ((الصحاح)) ١٢٥٦/٣ مادة (فدع).
(٢) ((المجمل)) ٧١٤/٣، مادة (فدع).
(٣) سبق تخريجه.
(٥) ((الطبقات الكبرى)) ١١٤/٢.
(٤) ((التمهيد)) ٤٤٥/٦.

١٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ويكون كل واحد منهما بالخيار كذا في ((المدونة)) والأول قول
عبد الملك فإذا شرع في العمل في النخل لزمه سنة.
وقوله: (هُمْ عَدُوُّنَا وَتُهَمَتْنَا)، أي: عدواتهم متحققة في صدورنا.
وفيه: أن المسلمين لم يروا أن ذلك منهم نقض للعهد أو لعلهم لم
یتمالئوا عليه.
وفيه: أن أموال المسلمين كانت مقسومة.
والتهمة: أصلها الواو؛ لأنها من الوهم، وهي محركة الهاء،
وضبطت في بعض النسخ بالسكون.
وقوله: (وَقَدْ رَأَيْتُ إِجْلَاءَهُمْ) يقال: جلا القوم عن مواضعهم جلاءً،
وأجليتهم أنا إجلاءً وجلوتهم(١). قاله ابن فارس(٢)، وقال الهروي:
يقال جلا عن وطنه، وأجلى وجلا بمعنى واحد، والإجلاء: الإخراج
من الوطن والمال على وجه الإزعاج والكراهة.
وقوله: (فَلَمَّا أَجْمَعَ عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ)، أي: عزم. يقال: أجمع الأمر
إجماعًا إذا عزم؛ قاله ابن عرفة وابن فارس(٣)، ويقال: أجمع على أمره
عزم عليه.
وقال أبو الهيثم: أجمع أمره أي: جعله جميعًا بعد ما كان متفرقًا.
وكان إجلاؤه إياهم إلى تيماء وأريحاء من أرض الشام، وبنو الحقيق
هم رؤساؤهم.
ثالثها: القلوص: الأنثى من النعام والإبل، وقيل: هي الناقة من
(١) كتب فوقها في الأصل: يعني نفسه.
(٢) ((المجمل)) ١٩٣/١ مادة: (جلا).
(٣) ((المجمل)) ١٩٨/١ مادة: (جمع).

١٣٧
كِتَابُ الشَّرُوطِ
=
النوق على السير، وقيل: هي الطويلة القوائم.
وقوله: (كَانَتْ هُزَيْلَةً مِنْ أَبِي القَاسِم)، قيل: حلف عمر، وقال:
ما هو بالهزل، ولكنه الفصل يريد قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا
[الطارق: ١٣ - ١٤].
١٤
هُوَ بِالْحَزَلِ
وفيه: دلالة أن العداوة توجب المطالبة بالجنايات، كما طالبهم عمر
بفدعهم ابنه.
ورجح ذلك بأن قال: (ليس لنا عدو غيرهم)، فعلق المطالبة
بشاهد العداوة، فأخرجهم من الأرض على ما كان أوصى به رسول
الله وَّ، وإنما ترك عمر مطالبتهم بالقصاص في فدع ابنه، لأنه فدع
ليلًا وهو نائم، كما قاله المهلب، فلم يعرف ابن عمر أشخاص من
فدعه، فأشكل الأمر كما أشكل أمر عبد الله بن سهل حين وداه رسول
الله ◌َ من عند نفسه(١).
وفيه: أن أفعال النبي وَ ه وأقواله محمولة على الحقيقة على وجهها
لا على الهزل حتى يقوم دليل المجاز والتعريض، وإنما أقر القليل يهود
خيبر على أن سالمهم في أنفسهم، ولا حق لهم في الأرض،
واستأجرهم على المساقاة، ولهم شطر الثمرة، فلذلك أعطاهم عمر
قيمة شطر الثمر من إبل وأقتاب وحبال يستقلون بها؛ إذ لم يكن لهم
في رقعة الأرض شيء.
رابعها: استدل بعضهم من هذا الحديث أن المزارع إذا أكرهه رب
الأرض بجناية بدت منه أن له أن يخرجه بعد أن يبتدئ في العمل، ويعطيه
(١) سيأتي برقم (٣١٧٣) كتاب: الجزية، باب: الموادعة، من حديث سهل بن أبي
حثمة، ورواه أيضًا مسلم (١٩٦٩) كتاب: القسامة.

١٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قيمة عمله، ونصيبه كما فعل عمر، وقال غيره إنما يجوز إخراج المساقي
والمزارع عند رءوس الأعوام وتمام الحصاد والجداد.
خاتمة :
الترجمة على جواز اشتراط الخيار من المالك إلى غير أمد،
والحديث لا يدل على ذلك كما نبه عليه ابن المنير.
قال: والصحيح أن الخيار لابد من تقييده بمدة يجوز مثلها الخيار،
وإن أطلق نزل في كل عقد على ما يليق به من المدة التي في مثلها يقع
الخيار. والحديث غير متناول للترجمة لاحتمال أن يريد: نقركم ما لم
يَشَأ الله إجلاءكم منها؛ لأن المقدور كائن، ولا ينافي وجود استرسال
الأحكام الشرعية، وقد تنفسخ العقود اللازمة بأسباب طارئة، وقد
لا تنفسخ، ولكن يمتنع مباشرة أحد المتعاقدين لاستيفاء المنفعة كما
لو ظهر فساد العامل على المساقاة وجنايته، فإن مذهب مالك
إخراجه، وكذلك مستأجر الدار إذا أفسد، فهذا - والله أعلم- مراد
الحديث؛ أي يستقرون فيها ما لم يجاهروا بفساد، فإذا شاء الله
إجلاءكم تعاطيتم السبب المقتضي للإخراج فأخرجتم، وليس في
الحديث أنه ساقاهم مدة معينة إما لأنهم كانوا عبيدًا للمسلمين،
ومعاملة السيد لعبده لا يشترط فيها ما يشترط في الأجنبي؛ لأن العبد
مال السيد، وله على ماله سلطنة الانتزاع فكان الجميع ماله، وإما
لأن المدة لم تنقل مع تحررها حينئذٍ(١).
(١) ((المتواري)) ص ٣١٣- ٣١٤.
٠٠

١٣٩
كِتَابُ الشَّرُوطِ
%3
١٥ - باب الشّرُوطِ في الجِهَادِ وَالْمُصَالَحَةِ مَعَ أَهْلِ الحَرْبِ
وَكِتَابَةِ الشَّرُوطِ والشروط مع الناس
٢٧٣١، ٢٧٣٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرْ قَالَ:
أَخْبَنِ الزُّهْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنِ اِشْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَزْوَانَ - يُصَدِّقُ
كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ - قَالَا: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ◌َ﴿ِ زَمَنَ الحَدَنِيَةِ، حَتَّى
إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَالَ النَّبِيُّ ◌َله: ((إِنَّ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ بِالْغَمِيم فِي خَيْلٍ
لِقُرَيْشِ طَلِيعَةً، فَخُذُوا ذَاتَ الْيَمِينِ)). فَوَاللَّهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا هُمْ بِقَتَرَةِ
الَجَيْشِ، فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشِ، وَسَارَ النَّبِيُّ نَِّ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ التِي
يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا، بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ. فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ. فَأَلَحَتْ، فَقَالُوا: خَلْأَتِ
القَصْوَاءُ، خَلْأَتِ القَصْوَاءُ. فَقَالَ النَّبِيُّ وَلَ: «مَا خَلَأَتِ القَصْوَاءُ، وَمَا ذَاَ لَهَا
بِخُلُقٍ، ولكن حَبَسَهَا حَابِسُ الفِيلِ)) ثُمَّ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْأَلُونِي
خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا)). ثُمَّ زَجَرَهَا فَوَثَبَتْ، قَالَ:
فَعَدَلَ عَنْهُمْ حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحَدَيْبِيَةِ عَلَى ثَدٍ قَلِيلِ الماءِ يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ تَبَرُّضًا،
فَلَمْ يُلَبَّثْهُ النَّاسُ حَتَّى نَزَحُوهُ، وَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّه العَطَشُ، فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ
كِنَانَتِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ، فَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرِّيِّ حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ،
فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الُزَاعِيُّ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ خُزَاعَةَ -
وَكَانُوا عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللهِ ◌ََّ مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ - فَقَالَ: إِنَّ تَرَكْتُ كَغْبَ بْنَ لُؤَيِّ
وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيِّ نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ الْحُدَنِيَةِ، وَمَعَهُمُ العُوذُ اَطَافِيلُ، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ
وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ يَّهِ: ((إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّا جِثْنَا
مُعْتَمِرِينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهِكَتْهُمُ الحَرْبُ، وَأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْتُهُمْ
مُدَّةً، وَيُخَلَّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ، فَإِنْ أَظْهَرْ فَإِنْ شَاءُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ
النَّاسُ فَعَلُوا، وَإِلَّا فَقَدْ جَمُّوا، وَإِنْ هُمْ أَبَوْا، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِأُقَاتِلَنَّهُمْ
عَلَى أَمْرِي هذا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي، وَلَيُنْفِذَنَّ اللهُ أَمْرَهُ)». فَقَالَ بُدَيْلٌ: سَأُبَلَّغُهُمْ مَا

١٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
تَقُولُ. قَالَ: فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا قَالَ: إِنَّا قَدْ جِثْنَاكُمْ مِنْ هذا الرَّجُلِ، وَسَمِعْنَاهُ
يَقُولُ قَوْلًا، فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَخْرِضَهُ عَلَيْكُمْ فَعَلْنَا. فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ: لَ حَاجَةَ لَنَا أَنْ تُخْبِرَنَا
عَنْهُ بِشَىءٍ. وَقَالَ ذَوُو الرَّأْىُ مِنْهُمْ: هَاتِ مَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ. قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذَا
وَكَذَا. فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ◌َةَ، فَقَامَ عُزْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَيْ قَوْمٍ، أَلَسْتُمْ
بِالْوَالِدِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: أَوَلَسْتُ بِالْوَلَدِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَهَلْ تَتَّهِمُونِي؟ قَالُوا: لَا.
قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِي أَسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ عُكَاظِ، فَلَمَّا بَلَّحُوا عَلَيّ جِئْتُكُمْ بِأَهْلِي وَوَلَدِي
وَمَنْ أَطَاعَنِي؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ هذا قَدْ عَرَضَ لَكُمْ خُطََّ رُشْدٍ، أَقْبَلُوهَا وَدَعُونِي
آتِهِ. قَالُوا: آتَّتِهِ. فَأَتَاهُ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ◌َ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ نَحْوَا مِنْ قَوْلِهِ لِبُدَيْلِ،
فَقَالَ عُزْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: أَيْ نُحَمَّدُ، أَرَأَيْتَ إِنِ اسْتَأْصَلْتَ أَمْرَ قَوْمِكَ؟ هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ
مِنَ العَرَبِ أَجْتَاحَ أَهْلَهُ قَبْلَكَ وَإِنْ تَكُنِ الأُخْرِى؟ فَإِّ والله لأَرَى وُجُوهَا، وَإِّ لْأَرَىْ
أَوْشَابًا مِنَ النَّاسِ خَلِيقًا أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ. فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: أَمْصُصْ بِبَظْرِ اللَّتِ،
أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ ؟! فَقَالَ: مَنْ ذَا؟ قَالُوا: أَبُو بَكْرٍ. قَالَ: أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ
لَوْلَا يَدْ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لِأَجَبْتُكَ. قَالَ: وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ◌َِّ، فَكُلَّمَا
تَكَلَّمَ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، وَالْغِيرَةُ بنُ شُغْبَةَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ نَّهِ وَمَعَهُ السَّيْفُ وَعَلَيْهِ
المِغْفَرُ، فَكُلَّمَا أَهْوِىُ عُزْوَةُ بِيَدِهِ إِلَى ◌ْخِيَّةِ النَّبِيِّ رَ ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ، وَقَالَ
لَهُ: أَخِّزْ يَدَكَ عَنْ لِخِيَةِ رَسُولِ اللهِ إَِّ. فَرَفَعَ عُزوَةُ رَأْسَهُ فَقَالَ: مَنْ هذا؟ قَالُوا: المُغِيرَةُ
بْنُ شُغْبَةَ. فَقَالَ: أَيْ غُدَرُ، أَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ؟ وَكَانَ المُغِيرَةُ صَحِبَ قَوْمًا في
الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَتَلَهُمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((أَمَّا الإِسْلَامَ
فَأَقْبَلُ، وَأَمَّا المَالَ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ». ثُمَّ إِنَّ عُزْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ
وَ بِعَيْنَيْهِ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللهِ يَِّ نُخَامَةَ إِلَّ وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ،
فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ أَنْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى
وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُجِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، فَرَجَعَ
عُزْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَيْ قَوْمٍ، والله لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى المُلُوكِ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ