Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
= كِتَابُ الصُّلْحِ
تعظيمًا له.
وكان أبو بكر وعمر بعد أن نزلت الحجرات لا يكلمه أحدهما
إلا كالمناجي له حتى ربما استفهم أحدهما لشدة الإخفاء.
وقوله: (فقال رجل من بني كنانة) كانت بنو كنانة ممن يمالئ قريشًا
على سيدنا رسول الله وَّة، ودخلوا في عهد قريش، كما أن خزاعة دخلت
في عهد المسلمين، وكان في بعض المدَّة عدا رجل من كنانة على آخر
من خزاعة، فعلمت قريش أن العهد أنتقض، فأرسلوا أبا سفيان ليجدد
العهد مع رسول الله وَالل، وظنوا أنه لم يعلم بقتل الخزاعي، وكان
الوحي جاءه بذلك، فلم يفصح لأبي سفيان بنقض العهد، ولا أن
يجدد، بل قال له: ((يكفى العهد الأول))، وهذا من المعاريض.
فمشى أبو سفيان إلى أبي بكر وعمر ليكلماه بذلك فأجاباه بغلظ،
وإلى فاطمة وابنيها فأبوا، فأتى الناس والنبي ◌ّ بين ظهرانيهم،
فقال: إني أجرت بين الناس، فقال الثّها، وأراد أن يوهمه: ((أسمع
ما تقول أبا سفيان؟»، ثم رجع إلى قريش فأخبرهم بما فعل فعلموا أنه
لم يفد شيئًا.
وقوله: ((سهل أمركم؟)) هو تفاؤل العَفيئها باسم سُهيل، إذ كان يحب
الفأل الحسن، وكان تفاؤله حقًّا؛ لأنه يلقى في روعه، وفي إنكار
سهيل كتب البسملة، ويمين المسلمين: (والله لا نكتب) فيه - كما قال
ابن بطال- أن أصحاب السلطان يجب عليهم مراعاة أمره. وتركه التَّا؟
إبرار قسمهم، وقد أمر به أمر ندب مما يحسن ويجمل(١).
فإذا كان الحلف في أمرٍ يؤدي إلى أنخرام المقاضاة والصلح كهذا
(١) ((شرح ابن بطال)) ١٣٠/٨.

٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فلا يندب إلى بره، مع أن ما دعى إليه سهيل لم يكن إلحادًا في أسمائه
تعالى، وكذا ما أباه من كتابة (رسول الله) ليس إلحادًا في الرسالة.
فلذلك أجابه التَّ إلى ما دعاه، ولم يأنف سهيل من هذا؛ لأنه كان
متكلمًا عن أهل مكة لا سيما وفي بعض طرقه: هذا ما قاضى عليه أهل
مكة رسول الله. فخشي سهيل أن ينعقد في مقالتهم الإقرار برسالته (١).
وليس في انتمائه إلى أبيه ما ينفي رسالته.
وقول سهيل: (لا تكتب إلَّا باسمك اللهم) أول من قالها أمية بن أبي
الصلت، كما قال السهيلي، ومنه تعلمتها قريش وتعلمها هو من الجن
فيما ذكره المسعودي.
وقوله: (إذ أتاه أبو جندل: إنا لم نقض الكتاب بعد) يقتضي أن من
صالح أو عاهد على شيءٍ بالكلام أنه بالخيار في النقض في المجلس.
وقوله: (فأجره لي)(٢).
قال الحميدي فيما نقله ابن الجوزي: بالراء. وبالزاي أليق، وكذا
قال ابن التين: أنه يروى بهما، فمن رواه بالراء فهو من الأمان. قال
تعالى: ﴿فَأَجِرُهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اَللّهِ﴾ [التوبة: من الآية ٦] ومنه أيضًا:
﴿وَهُوَ يُجِبِرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: من الآية٨٨].
وقول مكرز: (أجزناه لك) أي: أمناه لك إذ لم يفعل سهيل، وكان
سهيل من أشراف قريش، ومعنى (أجزه) بالزاي، أي: أجز لي فعلي
فيه، قاله الداودي.
وقوله: (الدنية) يعني: الدون.
(١) ((شرح ابن بطال)) ١٣٠/٨.
(٢) ضبطها الناسخ بالراء والزاي وكتب فوقها (معًا).

٦٣
كِتَابُ الصُّلّحِ
=
وقوله: ( ((إني رسول الله ولست أعصيه))) تنبيهًا لعمر. أي: إنما أفعل
هذا من أجل ما أطلعني الله عليه من حبس الناقة، وإني لست أفعل ذلك
برأيي وإنما هو بوحي، وما كان من عمر لرسول الله ولأبي بكر.
فيه: أن للمؤمنين استفهام الأنبياء عمَّا تلجلج في نفوسهم؛ ليزال
ما في نفوسهم، ويزدادوا يقينًا.
وفيه: أنَّ الكلام محمول على العموم حتى يقوم دليل على
الخصوص.
ألا ترى أن عمر حمل كلامه في دخول البيت على عمومه، فأخبره
الشارع أنه لم يعده بذلك في هذا العام، بل وعدًا مطلقًا، ويؤخذ منه أن
من حلف على فعل ولم يعين وقتًا أن وقته أيام حياته، وانظر إلى فضل
أبى بكر على عمر في جوابه بما أجابه سيدنا رسول الله وَ ل سواء، وهو
دال على توقد ذهنه، وحسن قريحته، وقوة إيمانه.
وفيه: صلابة عمر، وفضل الصديق، وأنه يقصد بالمسألة حتى
يحتاج إلى علمه.
وفيه: سابقته في العلم، وتوفيق الله إياه لمثل قوله القطبين.
وقوله: (تطوف به) هو مشدد الواو والطاء مثل قوله تعالى ﴿فَلَا
جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: من الآية ١٥٨].
والغرز للرجل بمنزلة الركاب للسرج فكأنه استعار ذلك، أي:
تمسك بركابه واتبعه.
قال الداودي في رواية أخرى: (بعروة الله) أي: بدل (بغرزه).
وقول عمر: (فعملت لذلك أعمالًا) يشير كما قال ابن الجوزي إلى
الاستغفار والاعتذار.

٦٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقال ابن بطال: يعني أنه كان يحض الناس على ألا يعطوا الدنية في
دينهم بإجابة سهيل إلى رد أبي جندل إليهم، ويدل على ذلك إتيانه
أبا بكر، وقوله له مثل ذلك(١).
وأبو بصير بالباء الموحدة المفتوحة ثم صاد مهملة مكسورة،
اسمه عتبة بن أَسِيد بن جارية بن أسيد، وقيل: عبيد بن أَسِيد حالف
بني زهرة.
وقوله: ( ((مِسْعر حرب))) هي كلمة تعجب، يصفه بالإقدام في
الحرب، والإيقاد لنارها، واشتقاقه من سعرت النار إذا أوقدتها،
والمسعر الخشبة التي تسعر النار.
وقال الداودي: هي كلمة تقال عند المدح والذم والإعجاب.
و(ويل) مكسور اللام، وموصول ألف (امه)، قال ابن التين: كذا
رويت هذِه اللفظة، وقال ابن بطال: إعرابه: ((ويل أمه مسعر
حرب)))، فانتصب على التمييز (٢)، ولم يرد الدعاء بإيقاع الهلكة
عليه، وإنما هو على ما جرت به عادة العرب على ألسنتها كـ((تربت
يداك)) ونحوه، وقتل أبي بصير أحد الرسل بعد أن أرسله رسول الله
معه، فليس عليه حراسة المشركين ممن يدفعه إليهم، ولا عليه في
ذلك دية؛ لأن هذا لم يكن في شرطه ولا طالب أولياء القتيل رسول
الله ◌َّ بالقود من أبي بصير.
وظاهر الحديث - كما قال السهيلي - رفع الحرج عنه؛ لأنه التقنيئا لم
يثرب بل مدحه فقال: ((ويل آمه مسعر))، وفي رواية: ((محش حرب))(٣)؛
(١) ((شرح ابن بطال)) ١٣٣/٨.
(٣) ((سنن البيهقي الكبرى)) ٩/ ٢٢٧.
(٢) السابق ١٣٥/٨.

٦٥
كِتَابُ المُلّحِ
=
لأن أبا بصير دفع عن نفسه ودينه، ومن قتل دون واحد منهما فهو شهيد،
قال: لم يزل أصحابه يكثروا حتى بلغوا ثلاثمائة وكان كثيرًا ما يقول:
هنا لك الله العلي الأكبر من ينصر الله فسوف ينصر
قال: فلما جاءهم الفرج من الله، وكلمت قريش رسول الله وَ له أن
يؤيهم إليه لما ضيقوا عليهم، ورد كتاب رسول الله وَله، وأبو بصير يجود
بنفسه، فلما قرأ الكتاب سُرَّ به ثم قبض والكتاب على صدره، فبني عليه
مسجد، فلما فهم من قوله: ((لو كان له أحد)) خرج حتى أتى سيف البحر
بكسر السين المهملة، أي: شاطئه وهو موضع، كما قاله الداودي.
وقوله: (وامتعضوا) هو بضاد معجمة، أي: كرهوا، وروي بتشديد
الميم، وصحف من قاله بالظاء المعجمة، واقتصر ابن بطال في أول
الشروط على قول صاحب ((العين))(١): معض الرجل وامتعض إذا
غضب للشيء، وأمعضته وأمعضه ومعضته إذا أنزلت به ذلك(٢).
وقول البخاري في آخره: (قال عقيل: عن الزهري ، قال عروة:
فحدثتني عائشة أن رسول الله ﴿ ﴿ كان يمتحنهن)(٣) الحديث ذكره
مسندًا في أول الشروط فقال: حدثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن
عقيل به (٤).
(١) ((العين)) ٢٨٧/١ مادة (معض).
(٢) ((شرح ابن بطال)) ١٠٦/٨.
(٣) سيأتي برقم (٢٧٣٣) كتاب الشروط، باب: الشروط في الجهاد.
(٤) سيأتي برقم (٢٧١٣) باب: ما يجوز من الشروط في الإسلام.

٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
٧ - باب الصُّلْحِ مَعَ المُشْرِكِينَ
فِيهِ: عَنْ أَبِي سُفْيَانَ. وَقَالَ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ: (( ثُمَّ
تَكُونُ هُدْنَةٌ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الأَصْفَرِ)). وَفِيهِ عن سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ
وَأَسْمَاءَ وَالْمِسْوَرِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ. أي: في ذكر الصلح.
٢٧٠٠ - وَقَالَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ
البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ: صَالَحَ النَّبِيُّ ◌َِّ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ عَلَى
ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: عَلَى أَنَّ مَنْ أَتَاهُ مِنَ المُشْرِكِينَ رَدَّهُ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ أَتَاهُمْ مِنَ المُسْلِمِينَ لَمْ
يَرُدُّوهُ، وَعَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا مِنْ قَابِلٍ وَيُقِيمَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَا يَدْخُلَهَا إِلَّ بِجُلُبَانِ
السِّلَاحِ: السَّيْفِ، وَالْقَوْسِ، وَنَحْوِهِ. فَجَاءَ أَبُو جَنْدَلِ يَحْجُلُ فِي قُيُودِهِ، فَرَدَّهُ إِلَيْهِمْ.
[انظر: ١٧٨١ - مسلم: ١٧٨٣ - فتح: ٣٠٤/٥]
قَالَ: لَمْ يَذْكُزْ مُؤَمَّلٌ عَنْ سُفْيَانَ: أَبَا جَنْدَلٍ، وَقَالَ: إِلَّ بِجُلُبِّ السّلَاحِ.
٢٧٠١ - حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضى الله عنهمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ خَرَجَ مُعْتَمِرَا، فَحَالَ كُفَّارُ
قُرَيْشِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ البَيْتِ، فَنَحَرَ هَذْيَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ بِالْخُدَنِيَةِ، وَقَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ
يَعْتَمِرَ العَامَ الْمُقْبِلَ، وَلَا يَجْمِلَ سِلَاحًا عَلَيْهِمْ إِلَّ سُيُوفًا، وَلَا يُقِيمَ بِهَا إِلَّ مَا أَحَبُّوا،
فَاعْتَمَرَ مِنَ العَامِ المُقْبِلِ فَدَخَلَهَا كَمَا كَانَ صَالَهُمْ، فَلَمَّا أَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا أَمَرُوهُ أَنْ يَخْرُجَ،
فَخَرَجَ. [٤٢٥٢ - فتح: ٣٠٥/٥]
٢٧٠٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ، حَدَّثَنَا بِشْرٌّ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارِ، عَنْ سَهْلٍ
بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ أَنْطَلَقَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُخَيِّصَةُ بْنُ مَشْعُودِ بْنِ زَيْدٍ إِلَى خَيْبَرَ،
وَهْيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ. [٣١٧٣، ٦١٤٢، ٦١٤٣، ٦٨٩٨، ٧١٩٢ - مسلم: ١٦٦٩ - فتح: ٣٠٥/٥]
وَقَالَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ،
عَنِ البَرَاءِ قَالَ: صَالَحَ النَّبِيُّ ◌َّهِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ
أَشْيَاءَ .. وساق الحديث.

٦٧
كِتَابُ الصُّلْحِ
-
ثم ذكر حديث ابن عُمَرَ أَنه وَّهَ خَرَجَ مُعْتَمِرًا، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ
وَبَيْنَ البَيْتِ، فَتَحَرَ هَدْيَهُ .. الحديث.
وحديث سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: أَنْطَلَقَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ بْنُ
مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ إِلَى خَيْبَرَ، وَهْيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ.
الشرح: (الهُدْنَة): السكون ورفع الحرب.
و( بنو الأصفر): الروم، وأصل الأصفر في كلام العرب: الأسود.
قيل للروم: بنو الأصفر؛ لأن جيشًا غلب على ناحيتهم في بعض
الدهور فوطئوا نساءهم فولدن أولادًا فيهم بياض الروم وسواد
الحبشة، فنسب الروم إلى الأصفر لذلك.
وقيل: بنو الأصفر اسم مخصوص به الملوك خاصة، بدليل قول
علي بن زيد:
أين كسرى كسر الملوك أنوشر وانَ أم أين بعده سابور
أم بنو الأصفر الكرام ملوك الروم لم يبق منهم مذكور
وقيل: إن الهدنة لا تكون إلا بصلح بعد قتال.
وقوله: (صالح النبي وَّه يوم الحديبية على ثلاثة أشياء) قال
الداودي: إنما ذكر بعض ما كان ليبين على أنه لم يكن من الشروط
غيرها.
وقوله: (فجاء أبو جندل) هو العاصي بن سهيل، قتل مع أبيه بالشام.
قال ابن عبد البر: غلطت طائفة ممن ألفت في الصحابة فزعمت أن
اسمه عبد الله، وأنه الذي أتى مع أبيه سهيل إلى بدر فانحاز من المشركين
إلى المسلمين، وشهد بدرًا مع رسول الله بَّر، وهو غلط فاحش؛ لأن
عبد الله ليس بأبي جندل وإنما هو أخوه، وعبد الله استشهد باليمامة مع

٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
خالد، وأبو جندل لم يشهد بدرًا ولا شيئًا من المشاهد قبل الفتح؛ لأن
أباه كان قد منعه من ذلك(١).
وقوله: (يَحْجُلُ فِي قُيُودِهِ) أي: يرسف مشية المقيد، والأصل في
ذلك أن يرفع رجلًا ويقوم على أخرى، وذلك أن المقيد لا يمكنه أن
ينقل رجليه معًا، وقيل: هو أن يقارب خطوه وهو مشية المقيد،
وقيل: فلان يحجل في مشيه، أي: يتبختر، وروي: يجلجل في قيوده.
وقوله: (فَرَدَّهُ إِلَيْهِمْ) يريد رده إلى أبيه سهيل بن عمرو، ورد غيره
للشرط الذي کان بينهم.
وفيه: جواز بعض المسامحة في أمور الدين، واحتمال اليسير من
الضيم ما لم يكن ذلك مضرًّا بأصوله، إذا رجي من ذلك نفع، وعلى هذا
محوه موضع ذكر النبوة عن اسمه، واقتصاره على أسمه واسم أبيه،
إذ ليس في نسبته إلى أبيه نفي نسبه عن النبوة، وكذلك إجابته إياهم
إلى ترك التسمية حسبما يأتي، وذلك أن الله تعالى أباح التقية للمسلم
إذا خاف هلاكًا، فرخص له أن يتكلم بالكفر مع إضماره الإيمان
بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَيِنٌّ بِاَلْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].
فظهر أن الصلح المذكور جائز عند الضرورة عند عدم الطاقة على
العدو، فأما إذا قدروا عليهم فلا يجوز مصالحتهم لقوله تعالى: ﴿فَلاَ
تَهِنُواْ وَنَدْعُواْ إِلَى السَّلْمِ﴾ الآية [محمد: ٣٥] وإنما قاضاهم هُذِه القضية،
وإن كان ظاهرها الوهن على المسلمين كما أسلفنا من نزول ناقته،
وكانت إذا حولت عن مكة قامت ومشت، وإذا صرفت إلى مكة
بركت، وكذلك كانت حالة الفيل ففهمها الكَيْئًا من ربه، ولم يتعرض
(١) ((الاستيعاب)) ٤ / ١٨٨.

٦٩
كِتَابُ الصُّلّحِ
=
لدخولها، وقبل مصالحتهم، وحبس جيشه عن انتهاك حرمة الحرم
وأهله، ولما كان قد سبق في علمه من دخول أهل مكة في الإسلام
فقال: ((لا يسألوني اليوم خطة)) إلى آخره، فكان مما سألوه أن يعظم
به أهل الحرم، أن يرد إليهم من خرج عنهم وعن حرمهم مسلمًا
أو غيره، وأن لا يردوا ولا يخرجوا من الحرم من فر إليهم من
المسلمين، وكان هذا من إجلال حرمة الحرم.
فلهذا عاقدهم على ذلك مع بعض ما وعده الله أنه سيفتح عليه
ويدخلها، حتى قال له عمر ما قال، ورد عليه الصديق.
فدل هذا على أن المدة التي قاضى عليها أهل مكة فيها إنما كانت
من الله مبالغة في الإعذار إليهم مع ما سبق من علمه من دخولهم في
الإسلام، وقد أسلفنا اختلاف العلماء في المدة التي هادن فيها على
أقوال.
وقال الشافعي: لا يجوز مهادنة أكثر من عشر اقتداءً به في الحديبية،
فإن هُودِن المشركون أكثر من ذلك فهي منتقضة؛ لأن الأصل فرض قتال
المشركين حتى يؤمنوا أو يُعطوا الجزية.
وقال ابن حبيب عن مالك: يجوز السنة والسنتين والثلاث، وإلى
غير مدة وإجازته ذلك إلى غير مدة يدل على أنه يجوز مدة طويلة،
فإن ذلك اجتهاد الإمام بخلاف قول الشافعي.

٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٨ - باب الصُّلَّحِ في الدِّيَةِ
٢٧٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنَّصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، أَنَّ أَنَسَّا،
حَدَّثَهُمْ أَنَّ الرُّبَيِّعَ - وَهْيَ: ابنةُ النَّضْرِ - كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا الأَزْشَ وَطَلَبُوا
العَقْوَ، فَأَبَوْا، فَأَتَوَّا النَّبِيَّ ◌َ فَأَمَرَهُمْ بِالْقِصَاصِ. فَقَالَ أَنَّسُ بْنُ النَّضْرِ: أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ
الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللهِ؟! لَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقٌّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا. فَقَالَ: ((يَا أَنَسُ، كِتَابُ
اللهِ القِصَاصُ)). فَرَضِيَ القَوْمُ وَعَفَوْا، فَقَالَ النَّبِيُّ بَهَ: ((إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ
أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لِأَبَرَّهُ)). زَادَ الفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ: فَرَضِيَ القَوْمُ، وَقَبِلُوا
الأَرْشَ. [٢٨٠٦، ٤٤٩٩، ٤٥٠٠، ٤٦١١، ٦٨٩٤ - مسلم: ١٦٧٥ - فتح: ٣٠٦/٥]
ذكر فيه حديث أنس عن محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثني حميد
عنه في كسر سن الربيع بطوله هو أحد ثلاثياته. زَادَ الفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ،
عَنْ أَنَسٍ: فَرَضِيَ القَوْمُ، وَقَبِلُوا الأَرْشَ.
وهذا التعليقُ أسندهُ البخاري في تفسير سورة المائدة(١)، فقال حدثنا
محمدُ بن سلام عن مروان بن معاوية الفزاريِّ .. فذكره، وفي رواية ابن
مُنير، عن عبد الله بن (بكر)(٢)، عن حُميد، عن أنس أن الرُّبيع عمته (٣)،
وذكره في الديات أيضًا (٤).
وفي مسلم(٥) من رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس أنَّ
أخت الربيع أم حارثة جرحت إنسانًا فقالت أمُّ الربيع: والله لا تكسر
(١) سيأتي برقم (٤٦١١) باب: قوله: ﴿وَاُلْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾.
(٢) في الأصل: (بكير) والصواب ما أثبتناه كما في ((صحيح البخاري)) و((تهذيب
الكمال)» ٣٤٠/١٤ (٣١٨٥).
(٣) سيأتي برقم (٤٥٠٠) في التفسير، باب: ﴿يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾.
(٤) سيأتي برقم (٦٨٩٤) باب: ﴿وَأَلْسِنَّ بِالسِّنٍ﴾.
(٥) مسلم (١٦٧٥) كتاب: القسامة، باب: إثبات القصاص، وروايته بلفظ: والله

٧١
كِتَابُ الصُّنْحِ
=
ثنيتها، وكذا هو أيضًا في ((سنن النسائي))(١) ورجح جماعة من العلماء
رواية البخاري (د.س.ق)، وقال النووي: هما قضيتان(٢) فالله أعلم.
إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه من أوجهٍ :
أحدها :
الثنية: مقدم الأسنان، والأرش: الدية، قال ابن التين، وقيل: هو
بفتح الهمزة وكسرها.
وقال ابن فارس: أرش الجراحة: ديتها، وضبط بفتح الراءٍ، قال:
وذلك لما يكون فيه من المنازعة، قال: ويقال: إن أصله الهرش(٣).
بمعنى طلبوا الأرش، أي: طلبوا أن يعطوه، ويعفى عن القصاص،
فأتى أهلها وتحاكموا إلى رسول الله، فأمر بالقصاص.
ثانیھا :
الْرُبَيَّعُ بضم الراءِ وفتح الباءِ الموحدة، ثمَّ ياءٍ مثناة تحت مشددة
مكسورة. وأنس هذا هو: ابن النضر عم أنس بن مالك، وقتل يوم أحد.
قال أنس: وجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية
لا يقتص منها. لا كما هنا: والله لا تكسر ثنيتها، ولعل السبب في هذا الخطأ أن
المصنف -فيما يظهر لي- نقل هذا الكلام عن النووي بتصرف؛ لأن عبارة النووي
تعني أن الاختلاف بين روايتي البخاري ومسلم حاصل من وجهين أحدهما: أن
الحالف لا تكسر ثنيتها في رواية مسلم هم أم الربيع وفي رواية البخاري أنس بن
النضر ثم ذكر الوجه الثاني. ا. هـ فيتضح أن المصنف -رحمه الله - نقل عبارة
لا تكسر ثنيتها على أنها رواية مسلم.
(١) النسائي ٨/ ٢٦ - ٢٧.
(٢) ((صحيح مسلم بشرح النووي)) ١١/ ١٦٣.
(٣) ((المجمل)) ٩١/١ - ٩٢ (أرش).

٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
بسهم، ومثل به، وما عرفه أحد إلا أخته ببنانه وفيه وفي أشباهه نزلت :
﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيَّةٍ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٣].
وفيه: ثقته بالله، وقسمه لقوة رجائه.
ثالثها :
قوله: ( ((كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ)) ) أي: فرض الله على لسان نبيه
وحيًا. وقيل: أراد قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنٍ﴾ [المائدة: ٤٥] على
قول من يرى أنَّا مخاطبون بشرع من تقدمنا من الأنبياءِ.
وقيل هو: إشارة إلى قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ الآية [النحل: ١٢٦]
فعمومه يأتي على السنِّ وغيرها من الأعضاءِ.
وفيه: تلطفه التَّه لأنس؛ لعلمه بصحة مراده.
وفيه: أن الله جلَّ جلالُه لعبده عند حسن ظنه.
ومعنى («لأبره))، أي: أبر قسمه لكرامته عليه، وأتى الأمر على طبق
مراده لما فيهم من الفضل.
وفيه: أن من له القود ليس عليه قبول الدية إلا أن يشاء.
رابعها :
فيه وجوب القصاص في السن -وهو إجماع- إذا قلعها كلها، فإن
كسر بعضها ففيها وفي كسر العظام خلاف مشهور للعلماءِ، والأكثرون
على أنه لا قصاص، وذهب مالك إلى أنَّ القصاص في ذلك كلِّه إذا
أمكنت المماثلة وما لم يكن مخوفًا كعظم الفخذ والصلب، أخذًا
بقوله: ﴿فَمَنِ اُعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وبقوله: ﴿وَأَلِسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾
[المائدة: ٤٥].
وذهب الكوفيون، والليث، والشافعيُّ: إلى أنه لا قود في كسر

٧٣
كِتَابُ الصُّلْحِ
=
العظام ما خلا السن لعدم الثقة بالمماثلة.
قال أبو داود: قيل لأحمد: كيف تقتصُّ من السنِّ؟ قال: تبرد.
وذكر ابن رشد في «قواعده))(١): أن ابن عباس رُوي عنه: أنه
لا قصاص في عظم. وكذا عن عمر قال: وروي أن رسول الله وَلو لم
يقد من العظم المقطوع في غير المفصل، إلا أنه ليس بالقويِّ(٢) .
وعن مالك أن أبا بكرٍ ابن محمد بن عمرو بن حزم أقاد من كسر
الفخذ(٣)، وفي ((شرح الهداية))، روي مثل هذا الأول عن ابن مسعود،
قال في ((الشرح)): ولا قصاص بين الرجل وامرأته فيما دون النفس،
ولا بين الحرِّ والعبد.
خامسها :
قوله: (وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا) ليس ردًّا لقول سيدنا
رسول الله ◌َ، بل المراد الرغبة إلى مستحق القصاص أن يعفو،
وإلى رسول الله وَّ في الشفاعة إليهم في العفو، وإنما حلف ثقة بهم
أن لا يخيبوه أو ثقة بفضل الله ولطفه أن لا يخيبه ويجعل له مخرجًا؛
لأنه كان ممن يتقيه كما سلف، بل يلهمهم العفو ولم يجعله في معنى
المتألي على الله بغير ثقةٍ.
وفيه: جواز الحلف مما يظنه الإنسان، وجواز الثناء على من
لا يخاف عليه الفتنة بذلك.
(١) ((بداية المجتهد)) ٤/ ١٧٠٠.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٣٩٤/٥ (٢٧٢٩٣) (٢٧٢٩٤)، والبيهقي في
((السنن الكبرى)) ٨/ ٦٥.
(٣) ((الموطأ)» ص٥٤٥.

٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفيه: إثبات كرامات الأولياءِ واستحباب العفو عن القصاص،
والشفاعة فيه.
سادسها :
ما ترجم له من الصلح في الدية ظاهرٌ فيما أورده، وقد قال تعالى:
﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَانْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية (١) [البقرة: ١٧٨].
(١) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الرابع بعد الثمانين كتبه مؤلفه.

٧٥
كِتَابُ الصُّلْحِ
=
لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: ((إن ابني
صَلىالله
وسلم
٩ - باب قَوْلُ النَّبِيّ
هذا سَيِّدْ، وَلَعَلَّ اللَّهِ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنْ عَظِيمَتَيْ)).
وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ [الـ
[الحجرات: ٩]
٢٧٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ
الَحَسَنَ يَقُولُ: أَسْتَقْبَلَ والله الَحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ مُعَاوِيَةَ بِكَتَائِبَ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَقَالَ عَمْرُو
بْنُ العَاصِ: إِّ لأَرَىْ كَتَائِبَ لَا تُوَلِّ حَتَّى تَقْتُلَ أَقْرَانَهَا. فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ - وَكَانَ والله
خَيْرَ الرَّجُلَيْنِ -: أَيْ عَمْرُو، إِنْ قَتَلَ هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، مَنْ لِي بِأُمُورِ
النَّاسِ؟ مَنْ لِي بِنِسَائِهِمْ؟ مَنْ لِي بِضَيْعَتِهِمْ؟ فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي
عَبْدِ شَمْسٍ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ، فَقَالَ: أَذْهَبَا إِلَى هذا
الرَّجُلِ فَاغْرِضَا عَلَيْهِ، وَقُولَا لَهُ، وَاطْلُبَا إِلَيْهِ. فَأَتَيَّاهُ، فَدَخَلَا عَلَيْهِ فَتَكَلَّمَا، وَقَالَا لَهُ،
فَطَلَبَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمَا الحَسَنُ بْنُ عَلَّ: إِنَّا بَنُو عَبْدِ المُطَّلِبِ، قَدْ أَصَبْنَا مِنْ هذا المَالِ،
وَإِنَّ هَذِهِ الأَمَّةَ قَدْ عَاثَتْ فِي دِمَائِهَا. قَالَا فَإِنَّهُ يَغْرِضُ عَلَيْكَ كَذَا وَكَذَا، وَيَطْلُبُ إِلَيْكَ
وَيَسْأَلُكَ. قَالَ: فَمَنْ لِي بهذا؟ قَالَا: نَحْنُ لَكَ بِهِ. فَمَا سَأَلَهُمَا شَيْئًا إِلَّ قَالَا: نَحْنُ لَكَ
بِهِ. فَصَالَهُ. فَقَالَ الَحَسَنُ: وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَّ عَلَى
اِنْبَرِ، وَالْحَسَنُ بنُ عَلِّ إِلَى جَنْبِهِ، وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرِى وَيَقُولُ:
((إِنَّ ابني هذا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ
المُسْلِمِينَ)). قَالَ لِي عَلَيَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: إِنَّمَا ثَبَتَ لَنَا سَمَاعُ الَحَسَنِ مِنْ أَبِي بَكْرَةَ بهذا
الحَدِيثِ. [٣٦٢٩، ٣٧٤٦، ٧١٠٩ - فتح: ٣٠٦/٥]
ثم ساق من حديث سُفْيَانٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الحَسَنَ
يَقُولُ فذكره بطوله. وفي آخره ((مِنَ المُسْلِمِينَ)).
قَالَ البخاري: قال لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ المديني: إِنَّمَا ثَبَتَ لَنَا سَمَاعُ
الحَسَنِ مِنْ أَبِي بَكْرَةَ بهذا الحَدِيثِ.

٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال البزار: حديث إسرائيل عن أبي موسى لا نعلمه رواه عنه
إلا ابن عيينة(١). قلت: ذكره البخاري في علامات النبوة عن عبد الله بن
محمد، ثنا يحيى بن آدم، ثنا حسين الجعفي عن أبي موسى، عن
الحسن، عن أبي بكرة .. الحديث(٢).
قال البزار أيضًا: والحديث روي عن جابر وأبي بكرة، وحديث أبي
بكرة أشهر وأحسن إسنادًا، وحديث جابر أغرب(٣).
قلت: وذكره ابن بطال من حديث المغيرة بن شعبة(٤) كما سيأتي،
وزعم الدارقطني أن الحسن رواه أيضًا عن أمِّ سلمة، قال: وهُذِه الرواية
وهم، ورواه داود بن رشيد(٥)، وعوف الأعرابي عن الحسن مرسلًا.
قال: ورواه أحمد بن عبد الله النهرواني(٦)، عن ابن عيينة، عن
أيوب، عن الحسن، ووهم فيه(٧).
ومن أوهام الداودي قوله: الحسن مع قربه من رسول الله وقليل توفي
وهو ابن سبع سنين، لا يشك في سماعه منه، وأنه تعدله الصحبة، وهو
(١) ((مسند البزار)) ١١١/٩.
(٢) سيأتي برقم (٣٦٢٩) كتاب: المناقب.
(٣) ((مسند البزار)) ٩/ ١١٠ - ١١١.
(٤) (شرح ابن بطال)) ٨/ ٩٧.
(٥) كذا في الأصل والصواب (داود بن أبى هند) فإن ما بين وفاة داود بن رُشيد ووفاة
الحسن البصري حوالي مائة وتسعة وعشرين فيصعب أن يروي عنه. هذا وقد ذكر
الحافظ في ((الفتح)) ١٣/ ٦٦ أن داود بن أبي هند هو الذي رواه عن الحسن وهو
الصواب إن شاء الله فإن له رواية عن الحسن في مسلم كما ذكر ذلك المزي في
((تهذيب الكمال)) ٨/ ٤٦٢ في ترجمة داود بن أبي هند، والله أعلم.
(٦) كذا بالأصل، وفي ((العلل)) للدارقطني: أحمد بن عبد الصمد النهرواني ولعله
الصواب فقد قال ابن حجر في ((لسان الميزان)) ٢١٤/١: وقد ذكر الدارقطني في
((العلل)) أنه وهم في إسناد حديث مع أنه مشهور لا بأس.
(٧) ((علل الدار قطني)) ٧/ ١٦١.

٧٧
كِتَابُ الصُّلْحِ
1
عجب. فالحسن هذا الذي أراده البخاري هو ابن أبي الحسن البصري في
سماعه من أبي بكرة، فإنه رواه عنه.
وأبو موسى الراوي عن الحسن هو إسرائيل (خ. ت. د. س) بن
موسى البصري، نزل الهند، عنه ابن عيينة، وحسين الجعفي، قاله
مسلم في كناه، وانفرد به البخاري. قال أحمد: هو مقارب الحديث.
إذا تقرر ذلك فالفئة: الفرقة، مأخوذ من فأوت رأسه، وفأيته.
والكتيبة: ما جمع بعضها إلى بعض، ومنه قيل للقطعة المجتمعة من
الجيش: كتيبة. وقال الداودي: سميت بذلك؛ لأنه يكتب اسم كل طائفةٍ
في كتاب فلزمها هذا الاسم.
وقوله: (أَمْثَالِ الحِبَالِ) أي: لا يُرى لها طرف لكثرتها، كما لا يرى
من قابل الجبل طرفيه. والحسن لما مات عليٌّ بايع له أهل العراق وكانوا
له أمثال أهل الشام لمعاوية.
وذكر أهل الأخبار فيما حكاه ابن بطال أن عليًّا لما مات بايع أهل
الكوفة ابنه الحسن، وبايع أهل الشام معاوية، فسار معاوية بأهل الشام
يريد الكوفة، وسار الحسن بأهل العراق فالتقيا بمنزل من أرض الكوفة،
فنظر الحسن إلى كثرة من معه من جيوش العراق فنادى: يا معاوية، إني
أخترت ما عند الله، فإن يكن هذا الأمر لك فما ينبغي لي أن أنازعك
عليه، وإن يكن لي فقد خلعته لك. فكبر أصحاب معاوية. وقال
المغيرة بن شعبة عند ذلك أشهد أني سمعت رسول الله وصله يقول
للحسن: ((إن ابني هذا سيد سيصلح الله به بين فئتين من المسلمين))،
فجزاك الله عن المسلمين خيرًا. وقال الحسن: اتق الله يا معاوية على
أمة محمد لا تفنيهم بالسيف على طلب الدنيا، وغرور فانية زائلة،

٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فسلم الحسن الأمر إلى معاوية وصالحه، وبايعه على السمع والطاعة
على إقامة كتاب الله وسنة نبيه، ثم دخلا الكوفة فأخذ معاوية البيعة
لنفسه على أهل العراقين، فكانت تلك السنة سنة الجماعة، لاجتماع
الناس واتفاقهم، وانقطاع الحرب، وبايع معاوية كل من كان معتزلًا
عنه، وبايعه سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة،
وتباشر الناس بذلك، وأجاز معاوية الحسن بثلاثمائة ألف وألف ثوب
وثلاثين عبدًا، ومائة جمل، وانصرف الحسن إلى المدينة. وولى
معاوية الكوفة المغيرة بن شعبة، وولى البصرة عبد الله بن عامر،
وانصرف إلى دمشق واتخذها دار مملكته(١).
وقول عمرو بن العاصي: (إِنِّي لأَرَى كَتَائِبَ لَا تُوَلِّي حَتَّى تَقْتُلَ
أَقْرَانَهَا) أي: إن قوتلت بغير حيلة غلبت لكثرتها.
وقوله: (فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ، وهو خَيْرَ الرَّجُلَيْنِ: أي عَمْرُو) إلى آخره.
يقول: لما أشار إليه عمرو فهمها وسارع إليها، وعرف ما فيها من
الصلاح فراسل الحسن، ومراده أن معاوية كان خيرًا من عمرو بن
العاصي.
وقوله: (إِنْ قَتَلَ هؤلاء هؤلاء) يدل على نظر معاوية في العواقب
ورغبته في صرف الحرب.
وقوله: (اذْهَبَا إِلَى هُذَا الرَّجُلِ وَاطْلُبَا إِلَيْهِ واعْرِضَا عَلَيْهِ) يدل على
أن معاوية كان الراغب في الصلح، وأنه عرض المال على الحسن وبذله
ورَغَّبه؛ حقنا للدماء وحرصًا على رفع سيف الفتنة وعرفه ما وعده به
رسول الله وَل من سيادته والإصلاح به.
(١) ((شرح ابن بطال)) ٨/ ٩٦ -٩٧.
-

٧٩
=
كِتَابُ الصُّلّحِ
=
فقال له الحسن: إنا بنو عبد المطلب المجبولون على الكرم والتوسع
لمن حوالينا من الأهل والموالي، وقد أصبنا من هذا المال بالخلافة
ما صارت لنا به عادة أنفاق وإفضال على الأهل والحاشية، فإن
تخلفت من هذا الأمر قطعنا العادة، وإن هذِه الأمة قد عاثت في
دمائها. يقول: قتل بعضها بعضًا فلا يكفون إلا بالمال. فأراد أن يسكن
أمر الفتنة ويفرق المال فيما لا يرضيه غير المال، فقالا: يفرض له
من المال في كل عام كذا، ومن الأقوات والثياب ما يحتاج إليه لكل
ما ذكرت، فصالحه على ذلك(١). وبنو عبد شمس منهم بنو أمية.
وفيه: أن الرسل لا تُهاج ويُسمع قولها.
وقول الحسن: (أَصَبْنَا مِنْ هُذا المَالِ) أي: حكمنا فيه حياة عليٍّ
وبعده بما رأيناه صلاحًا، وخشي أن يتثاقل عليه فيضمن، فضمن له
الرجلان ذلك، وأنه لا يطالب فقبل منهما لعلمه أن معاوية
لا يخالفهما، واشترط شروطًا وسلم الأمر إلى معاوية.
وفيه: ولاية المفضول على الفاضل؛ لأن الحسن ومعاوية وليا
وسعد وسعيد حيَّان(٢)، وهما بدريان.
وفيه: أن التصالح على الخلافة والعهد بها على أخذ مال جائز،
وكذلك هو جائز إذا كان كل واحد منهما له سبب في الخلافة يستند
إليه، وعقد من الإمارة يعود عليه. ذكره ابن بطال.
وفيه: أن قتال المسلم للمسلم لا يخرجه عن الإسلام إذا كان على
تأويل.
(١) (شرح ابن بطال)) ٨/ ٩٥ - ٩٦.
(٢) ورد في هامش الأصل: الستة الباقون أفضل بعد الأربعة، على الترتيب ثم أهل
بدر.

٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقوله: ( ((إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار)) )
المراد: إن أنفذ الله عليهما الوعيد(١).
و(السَيِّد): الرئيس. قال كراع: وجمعه سادة. وعندي أن سادة جمع
سائد وهو من السُّؤدد وهو الشرف. قال ابن سيده: وقد يهمز ويضم
الدال، طائيَّة، وقد سادهم سودًا وسؤددًا وسيادة وسيدودة، واستادهم
کسادهم وسوده هو (٢).
وذكر الزبيدي في ((طبقات النحاة)): أن محمدًا الأعرابي العذري قال
لإبراهيم بن الحجاج الثائر بإشبيلية: تالله أيها الأمير ما سيدتك العرب
إلا بحقك. يقولها بالياء، فلما أُنْكِرَ عليه قال: السواد: السخام.
وأصر على أن الصواب معه، ومالأه على ذلك الأمير لعظم منزلته في
العلم. وقيل: اشتقاق السيد من السواد أي: الذي يلي السواد العظيم
من الناس.
قال المهلب: والحديث دال على أن السيادة إنما يستحقها من ينتفع
به الناس؛ لأنه التَّ علق السيادة بالإصلاح بين الناس ونفعهم، هذا
معنى السيادة.
وقوله: ( ((ابْنِي هذا سَيِّدٌ))) هو من قوله تعالى: ﴿وَحَلَمِلُ أَبنَابِكُمُ
الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وقوله: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم
مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢].
اتفق الجميع على أن أمرأة الجد أبي الأم محرمة على ابن البنت،
وأن أمرأة ابن البنت محرمة على جده.
(١) ((شرح ابن بطال)) ٨/ ٩٦.
(٢) ((المحكم)) ٣٩٨/٨.