Indexed OCR Text
Pages 661-680
٦٦١ كِتَابُ الشَّهَادَاتِ وقال أبو حنيفة: يحكم بعلمه فيما علمه بعد القضاء من حقوق الآدميين، ولا يحكم فيما علمه قبله(١). وقال مالك: لا يحكم بعلمه مطلقًا(٢). وتبويب البخاري بمن أقام البينة بعد اليمين، يدل أن هذا الحكم إنما يكون مع يمين المدعي، بإقامة البينة بعده يبطل الحكم الظاهر. قال ابن التين: وقد وقع لبعض أصحابنا مراعاة حكم الحاكم، فقال: لو أقر الولد بولد آخر فلم يدفع إليه شيئًا؛ حتى أقر بثانٍ لزمه للأول نصف ما بيده، وإن دفعه إليه بحكم لم يضمن الثاني شيئًا، ودفع إليه ثلث ما بيده وهو سدس الجميع. وإن دفع إليه بغير حكم غرم للثاني تمام حقه، وهو ثلث جميع المال، والمذهب أنه إن كان عالمًا بالباقي ضمن له ما أتلف عليه، وإلا لم يضمن له ودفع له ثلث ما بيده(٣). وقال أشهب: يضمن له، سواء علم أو لم يعلم، دفع بحكم أم لا. (١) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٦٩/٣. (٢) أنظر: ((المنتقى)) ١٨٥/٥-١٨٦. (٣) أنظر: ((عقد الجواهر الثمينة)) ٨٤٩/٢. ٦٦٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٢٨ - باب مَنْ أَمَرَ بِإِنْجَازِ الوَعْدِ وَفَعَلَهُ الحَسَنُ، وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾. [مريم: ٥٤]. وَقَضَى ابن الأَشْوَع يعني: سعيد بن عمرو بن الأشوع - بِالْوَعْدِ، وَذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ سَمُرَةَ. وَقَالَ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَِّ، ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ فقَالَ: ((وَعَدَنِي فَوَفَى لِي)). [انظر: ٣١١٠]. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: رَأَيْتُ إِسْحَاقَ ابْنَ إِبْرَاهِيمَ يَحْتَجُّ بِحَدِيثِ ابن أَشْوَعَ. ٢٦٨١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَنِي أَبُو سُفْيَانَ، أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلَتُكَ: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ، وَالصِّدْقِ، وَالْعَفَافِ، وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ. قَالَ: وهذِهِ صِفَةُ نَبِيٍّ. [انظر: ٧ - مسلم: ١٧٧٣ - فتح: ٢٨٩/٥] ٢٦٨٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِ سُهَيْلٍ نَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قَالَ: ((آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا أُؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخَلَف)). [انظر: ٣٣ - مسلم: ٥٩ - فتح: ٢٨٩/٥] ٢٦٨٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلَيَّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضى الله عنهم قَالَ: لَا مَاتَ النَّبِيُّ ◌َّهِ جَاءَ أَبَّا بَكْرِ مَالَّ مِنْ قِبَلِ العَلَاءِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى النَّبِيِّ ◌َِِّ دَيْنٌ، أَوْ كَانَتْ لَهُ قِبَلَهُ عِدَةٌ، فَلْيَأْتِنَا. قَالَ جَابِرٌ: فَقُلْتُ: وَعَدَنِي رَسُولُ اللهِ وَِّ أَنْ يُعْطِيَنِي هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا. فَبَسَطَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ جَابِرٌ: فَعَدَّ فِي يَدِي ◌َخْسَمِائَةٍ، ثُمَّ ◌َمْسَمِائَةٍ، ثُمَّ خْسَمِائَةٍ. [انظر: ٢٢٩٦ - مسلم: ٢٣١٤ - فتح: ٢٨٩/٥] ٦٦٣ كِتَابُ الشَّهَادَاتِ = ٢٦٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مَزْوَانٌ بْنُ شُجَاعٍ، عَنْ سَالمُ الأَفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَأَلَنِي يَهُودِيٌّ مِنْ أَهْلِ الحِيرَةِ: أَّ الأَجَلَّيْنِ قَضَىَ مُوسَى؟ قُلْتُ: لَا أَذْرِي حَتَّى أَقْدَمَ عَلَى حَبْرِ العَرَبِ فَأَسْأَلَهُ، فَقَدِمْتُ فَسَأَلَّتُ ابن عَبَّاسِ، فَقَالَ: قَضَى أَكْثَرَهُمَا وَأَطْيَبَهُمَا، إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّةٍ إِذَا قَالَ فَعَلَ. [فتح: ٢٨٩/٥] وهذا يأتي في الخمس، في فضل الأنصار مسندًا من حديث علي بن حسین عنه. ثم ذكر أحاديث سلفت: حديث هرقل والوفاء بالعهد. وحديث أبي هريرة: «آيَةُ المُنَافِقِ: وَإِذَا وَعَدَ أَخَلَفَ)). وحديث جابر في وفاء الصديق عدة رسول الله وَّر من مال البحرين. ثم ذكر فيه حديث سعيد بن جبير قال: سَأَلَنِي يَهُودِيٌّ مِنْ أَهْلِ الحِيرَةِ: أَيَّ الأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَقْدَمَ عَلَى حَبْرِ العَرَبِ فَأَسْأَلَهُ، فَقَدِمْتُ فَسَأَلْتُ ابن عَبَّاسِ، فَقَالَ: قَضَىْ أَكْثَرَهُمَا وَأَظْيَهُمَا، إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَّهِ إِذَا قَالَ فَعَلَ. وقد أسلفنا الكلام في العدة في أثناء الهبة في باب: إذا وهب هبة أو وعد ثم مات قبل أن تصل إليه. قال المهلب وغيره: إنجاز الوعد مندوب إليه مأمور به وليس بواجب فرضًا، والدليل على ذلك أتفاق الجميع على أن من وعد بشيء لم يضارب به مع الغرماء، ولا خلاف أن ذلك مستحسن، وقد أثنى الله تعالى على من صدق وعده، وَوَفّى بنذره، وذلك من مكارم الأخلاق، ولما كان الشارع أولى الناس بها وأبدرهم إليها أدى ذلك عنه خليفته الصديق وقام فيه مقامه، ولم يسأل جابرًا البينة على ما ادعاه على رسول الله وَله من العدة؛ لأنه ٦٦٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = لم يكن شيئًا ادعاه جابر في ذمة رسول الله وَّه، وإنما أدعى شيئًا في بيت المال والفيء، وذلك موكول إلى اجتهاد الإمام. وفيه: جواز هبة المجهول، وهو مشهور مذهب مالك(١). وابن أشوع (خ. م. ت) هو سعيد بن عمرو بن أشوع-كما قدمناه- الهمداني الكوفي قاضيها مات في ولاية خالد بن عبد الله القسري على العراق، وكانت ولايته سنة خمس ومائة إلى أن عزل عنها في سنة عشرين ومائة (٢). والحيرة في حديث سعيد بن جبير بكسر الحاء وسكون الياء. وحبر العرب هنا يريد به ابن عباس، وهو بالفتح، وهو ما أقتصر عليه ثعلب. وقيل: بالكسر، وأنكره أبو الهيثم. وقال القتبي: لست أدري لِمَ أختار أبو عبيد الكسر، قال: والقائل على أنه بالفتح قولهم: كعب الأحبار(٣). أي: عالم العلماء. واحتج بعضهم للكسر بأن جمعه أحبار على وزن أفعال إلا في أحرف معدودة ليس هذا منها، مثل نصر وأنصار وفرخ وأفراخ. قال صاحب ((العين)): وهو العالم من علماء الديانة، مسلمًا كان أو ذميًّا، بعد أن يكون كتابيًّا(٤). والجمع: أحبار. وذكر المطرز عن ثعلب أنه يقال للعالم بالوجهين، وقال المبرد في ((اشتقاقه)) عن (التوزي الفراء)(٥): لم سمي المداد حبرًا؟ قال: يقال (١) انظر: ((بداية المجتهد)) ١٥٣٦/٤. (٢) أنظر ترجمته في ((طبقات ابن سعد)) ٣٢٧/٦، ((تهذيب الكمال)) ١٥/١١-١٧. (٣) ((غريب الحديث)) ٦٠/١. (٤) ((العين)) ٢١٨/٣. (٥) كذا في الأصل، وصوابه: عن الفراء. ٦٦٥ كِتَابُ الشَّهَادَاتِ = للعالم: حبر بالفتح والكسر، وإنما أرادوا مداد حبر، فحذفوا مدادًا وجعلوا مكانه حبرًا، مثل ﴿وَسْئَلِ اُلْفَرْيَةَ﴾ ووهاه الأصمعي، وإنما هو لتأثيره، وبه صرح في ((الواعي)). قال المبرد: وأنا أحسب أنه سمي؛ لأنه يحبر به الكتب أي: يحسن. واختلف فيمن سمى ابن عباس حبرًا، فذكر أبو نعيم الحافظ أنه انتهى يومًا إلى رسول الله وَّهَ، وعنده جبريل فقال: ((إنَّهُ كائنٌ حبر هذِهِ الأُمَّةِ، فاستَوْصِ بِهِ خَيْرًا))(١) وقال ابن دريد في ((منثوره)) أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح لما أرسل ابن عباس رسولًا إلى جرجير ملك الغرب فتكلم معه فقال جرجير: ما ينبغي إلا أن تكون حبر العرب، فسمي عبد الله من يومئذٍ الحبر(٢). وقوله: (قضى أكثرهما وأطيبهما). قال ابن التين: هذا لا يكون إلا بوحي، وقد روي أنه الظَّ سأل جبريل فأعلمه أنه قضى أتمهما. فائدة: أسلفناها في أول الكتاب في الإيمان، ونعيدها هنا لبعده. المنافق هو الذي يضمر خلاف ما يعلن، ويظهر الإيمان ويضمر الكفر، مأخوذ من النافقاء إحدى جحري اليربوع(٣)، قيل: لها بابان، يسمى أحدهما القاصعاء والآخر النافقاء، فإذا أخذ عليه أحدهما خرج من الآخر، فإذا أخذ عليه الكفر خرج إلى الإيمان منه، وقيل: إنه يخرق في الأرض؛ حتى إذا كان يبلغ ظاهرها نفق التراب، فإذا رابه ريب دفع ذلك التراب برأسه، فخرج ظاهر جحره تراب كالأرض وباطنه حفر. (١) ((الحلية)) ٣١٦/١. (٢) رواه الزبير بن بكار في ((الموفقيات)) ص١١٦. (٣) ((المجمل)) ٢/ ٨٧٧. ٦٦٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح === وقيل: سمي بذلك؛ لأنه يستر كفره، فشبه بمن يدخل النفق وهو السرب يسير فيه، ذكر هذِه الأقوال الثلاثة ابن الأنباري. وقوله: ((إذا وعد أخلف)) يقال: وعد وعدًا وأخلف وعدنا خلافًا إذا لم يف. ٦٦٧ كِتَابُ الشّهَادَاتِ = ٢٩ - باب لا يُسْأَلُ أَهْلُ الشِّرْكِ عَنِ الشّهَادَةِ وَغَيْهَا وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ المِلَلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَغْرَبَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ﴾ [المائدة: ١٤]. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ: ((لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ، وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: ﴿ءَامَنَا بِالَّهِ وَمَا أُنْزِلَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٣٦]. ٢٦٨٥- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَثِرِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: يَا مَعْشَرَ اُسْلِمِينَ، كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الكِتَابِ، وَكِتَابُكُمُ الذِي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيَّهِ وَ أَحْدَثُ الأَخْبَارِ بِاللهِ، تَقْرَءُونَهُ لَمْ يُشَبْ؟! وَقَدْ حَدَّثَكُمُ اللهُ أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ بَدَّلُوا مَا كَتَبَ اللهُ وَغَيَُّوا بِأَيْدِيهِمُ الكِتَابَ، فَقَالُوا: ﴿هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ [البقرة: ٧٩]. أَفَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ العِلْمِ عَنْ مُسَايَلَتِهِمْ وَلَا وَالله مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا قَطَّ يَسْأَلُكُمْ عَنِ الذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ. [٧٣٦٣، ٧٥٢٢، ٧٥٢٣ - فتح: ٥/ ٢٩١] ثم ساق عن ابن عباس قَالَ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الكِتَابِ، وَكِتَابُكُمُ الذِي أُنْزِلَ عَلَىْ نَبِيِّهِ وَ﴿ أَحْدَثُ الأَخْبَارِ باللهِ .. الحدیث. الشرح : التعليق الأول رواه ابن أبي شيبة، عن وکیع، ثنا سفيان، عن داود، عنه قال: لا تجوز شهادة ملة على ملة إلا المسلمين. وحدثنا حفص، عن أشهب، عن الحكم وحماد، عن إبراهيم والشعبي والحسن أنهم قالوا: لا تجوز شهادة أهل ملة إلا على أهل ملتها : اليهودي على اليهودي، والنصراني على النصراني. ٦٦٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وحكاه أيضًا عن الزهري وحماد والضحاك والحكم وابن أبي ليلى وعطاء وأبي سلمة، زاد: إلا المسلمين(١). وعن إبراهيم وشريح: تجوز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض (٢) للمسلمين (٢). وممن أجاز شهادة أهل الشرك بعضهم على بعض شريح وعمر بن عبد العزيز والشعبي ونافع وحماد وسفيان ووكيع، وبه قال أبو حنيفة والثوري قالوا: والكفر كله ملة واحدة. وخالفه الثلاثة وأبو ثور(٣)، واحتجاج الشعبي بالآية قال الربيع بن أنس: يعني به النصارى خاصة؛ لأنهم افترقوا، فمنهم النسطورية واليعقوبية والملكية، وقال ابن أبي نحيح: يعني به اليهود والنصارى. ومعنى: (أغرينا) ألصقنا، ومنه الغر الذي يغرى به. وظاهر كلام الشعبي أن شهادته جائزة على ملته وعلى سائر أنواع الكفر. دليل الجمهور قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولا يخلو أن يكون على هذه النسبة إلى الدين أو إلى الحرية أو النسب وأي ذلك كان، فالكافر لا مدخل له فيه، والنسب لغير معتبر بالاتفاق ولأن فسق المسلم دون ذلك ولا تقبل شهادته، فالكافر أولى، ولأنهم كذبة على الرب جل جلاله وعلى كتابه، وأي كذب أعظم منه؟! (١) انظر كل هذه الآثار في ابن أبي شيبة ٥٣٣/٤-٥٣٤. (٢) عن إبراهيم: ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٥٣٤/٤ (٢٢٨٧٥)، وعن شريح: عبد الرزاق في ((المصنف)) ٣٥٨/٨ (١٥٥٣١). (٣) أنظر المسألة في: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٤٠/٣ - ٣٤١، ((عيون المجالس)) ١٥٥١/٤ - ١٥٥٢، ((اختلاف الفقهاء)) ص ٥٦٠ - ٥٦١. ٦٦٩ كِتَابُ الشَّهَادَاتِ = وفيه قول ثالث: أنه تجوز شهادة أهل كل ملة بعضهم عن بعض، ولا تجوز على ملة غيرها، وهو قول ابن أبي ليلى والحكم وعطاء والليث وإسحاق(١)، وللعداوة التي بينهم، كما سلف في الآية، وقد قام الإجماع على منع شهادة العدو على عدوه، كما نقله ابن شعبان؛ لأنها تزيل العدالة، فكيف بعداوة كافر. وحجة الكوفي حديث مالك عن نافع عن ابن عمر أن اليهود جاءوا إلى رسول الله ◌َّ برجل منهم وامرأة زنيا، فأمر ◌َل برجمهما، وجوابه: أنه رجمهما باعترافهما لا بالشهادة كيف وأنهم يقولون شرط الرجم الإسلام. وروي عن شريح والنخعي: تجوز شهادتهم على المسلم في الوصية في السفر؛ للضرورة(٢)، وبه قال الأوزاعي(٣)، وقال ابن عباس في تأويل قوله: ﴿أَوْ ءَآخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ من غير المسلمين، وعورض بقول الحسن: من غير قومكم من أهل الملة(٤). ثم الآية منسوخة، وقد قال تعالى: ﴿مِمَن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقال: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. وحديث الباب حجة للمانع، وهو قوله: ((ولا تصدقوا أهل الكتاب)). ومعنى: ((لا تكذبوهم)): يعني: فيما أدعوه من الكتاب ومن أخبارهم مما يمكن أن يكون صدقًا أو كذبًا؛ لإخبار الله عنهم أنهم بدلوا الكتاب لِيَشْتَرُواْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٧٩] ومن كذب على الله فهو أحرى (١) أنظر: ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٥٣٣/٤-٥٣٤. (٢) رواهما ابن أبي شيبة ٤/ ٤٩٥ (٢٢٤٣٩، ٢٢٤٤٢). (٣) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٣٩/٣. (٤) رواهما ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ١٢٢٩/٤ - ١٢٣٠. ٦٧٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == بالكذب في سائر حديثه، وسأل محمدَ بنَ وضاح بعضُ علماء النصارى. فقال: ما بال كتابكم معشر المسلمين لا زيادة فيه ولا نقصان وكتابنا بخلاف ذلك؟ فقال: لأن الله وكل حفظ كتابكم إليكم فقال: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَبِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤] فما وكله إلى مخلوق دخله الخرم والنقصان. وقال في كتابنا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَا لَهُ لَفِظُونَ [الحجر: ٩] فتولى الله حفظه، فلا سبيل إلى الزيادة فيه ولا إلى النقصان منه(١). (١) في هامش الأصل : وقد روينا معنى ذلك من قول سفيان في حكاية طويلة. وورد أيضًا في هامش الأصل أيضا: ثم بلغ في الثاني بعد الثمانين، كتبه مؤلفه. وورد أيضًا: آخر ٩ من ٨ من تجزئة المصنف. ٦٧١ = ڪِتَابُ الشَّهَادَاتِ ٣٠ - باب القُرْعَةِ في المُشْكِلَاتِ وَقَوْلِهِ: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌ﴾ [آل عمران: ٤٤]. وَقَالَ ابن عَبَّاسِ: أَقْتَرَعُوا فَجَرَتِ الأَقْلَامُ مَعَ الجِرْيَةِ، وَعَالَىْ قَلَمُ زَكَرِيَّاءَ الجِرْيَةَ، فَكَفَلَهَا زَكَرِيَّاءُ. وَقَوْلِهِ: ◌ِ فَسَاهَمَ﴾ [الصافات: ١٤١]: أَقْرَعَ. ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] مِنَ المَسْهُومِينَ. [انظر: ٢٦٧٤]. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: عَرَضَ النَّبِيُّ وَ عَلَى قَوْمِ الَيَمِينَ، فَأَسْرَعُوا، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهِمَ بَيْنَهُمْ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ. ٢٦٨٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي الشَّغْبِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رضي الله عنهما يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ◌ِّ: (مَثَّلُ المُدْهِنِ فِي حُدُودِ اللهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا مَثَلُ قَوْمٍ أَسْتَهَمُوا سَفِينَةً، فَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَسْفَلِهَا وَصَارَ بَعْضُهُمْ فِيَ أَعْلَاهَا، فَكَانَّ الذِي فِي أَسْفَلِهَا يَمُرُّونَ بِالْمَاءِ عَلَى الذِينَ فِي أَعْلَاهَا، فَتَأَذَّوْا بِهِ، فَأَخَذَ فَأْسًا، فَجَعَلَ يَنْقُرُ أَسْفَلَ السَّفِينَةِ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: مَا لَكَ؟ قَالَ: تَأَذَّيْتُمْ بِي، وَلَا بُدَّ لِي مِنَ المَاءِ. فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَنْجَوْهُ وَنَجَّوْا أَنْفُسَهُمْ، وَإِنْ تَرَكُوهُ أَهْلَكُوهُ وَ أَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ)). [انظر: ٢٤٩٣ - فتح: ٥ /٢٩٢] ٢٦٨٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ الأنْصَارِيُّ أَنَّ أُمَّ العَلَاءِ - أَمْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِمْ قَدْ بَايَعَتِ النَّبِيَّ وََّ أَخْبَرَتْهُ - أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ طَارَ لَهُ سَهْمُهُ فِي السُّكْنَى حِينَ أَقْرَعَتِ الأَنَّصَارُ سُكْنَى الْمُهَاجِرِينَ. قَالَتْ أُمُّ العَلَاءِ: فَسَكَنَ عِنْدَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فَاشْتَكَى، فَمَرَّضْنَاهُ، حَتَّى إِذَا تُوُفَّ وَجَعَلْنَاهُ فِي ثِيَابِهِ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَّةِ، فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْكَ أَبَّا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللهُ. فَقَالَ لِي النَّبِيُّ وَلَه: ((وَمَا يُدْرِيِكِ أَنَّ اللهَ أَكْرَمَهُ؟)). فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَةِ: ((أَمَّا عُثْمَانُ فَقَدْ : ٦٧٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - جَاءَهُ - والله - اليَقِينُ وَإِنِّي لأَرْجُو لَهُ الخَيْرَ، والله مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللهِ مَا يُفْعَلُ بِهِ)). قَالَتْ: فَوَاللهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا، وَأَحْزَنَنِي ذَلِكَ. قَالَتْ: فَنِمْتُ فَأُرِيتُ لِعُثْمَانَ عَيْنَا تَجْرِي، فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ((ذَلِكَ عَمَلُهُ)). [انظر: ١٢٤٣ - فتح: ٢٩٣/٥] ٢٦٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُزْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وََّ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، وَكَانَ يَقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، غَيْرَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ◌ِّهِ تَبْتَغِي بِذَلِكَ رِضَا رَسُولِ اللهِ بَلَهُ. [انظر: ٢٥٩٣ - مسلم: ١٤٦٣ - فتح: ٢٩٣/٥] ٢٦٨٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ سُمَيِّ - مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ - عَنْ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ فَ قَالَ: ((لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الِّدَاءِ وَالصَّفّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَنَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا)). ٢٣٩/٣ [انظر: ٦١٥ - مسلم: ٤٣٧ - فتح: ٢٩٣/٥] وقد سلف قريبًا مسندًا. ثم ذكر أحاديث كلها سلفت: حديث النعمان ((مَثَّلُ المُدْهِنِ فِي حُدُودٍ اللهِ .. (١). وحديث ((وَمَا يُدْرِيِكِ أَنَّ اللهَ أَكْرَمَهُ؟)). لأجلِ قولِها: إِنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ طَارَ لَهُ سَهْمُهُ فِي السُّكْنَى حِينَ أَقْرَعَتِ الأَنْصَارُ سُكْنَى المُهَاجِرِينَ.(٢). (١) سلف برقم (٢٤٩٣) كتاب: الشركة، باب: هل يقرع في القسمة. (٢) سلف برقم (١٢٤٣) كتاب: الجنائز، باب: الدخول على الميت .. : ٦٧٣ كِتَابُ الشّهَادَاتِ = وحديث عائشة في القُرْعَةِ عِنْدَ السَّفَرِ(١). وحديث أبي هريرة فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ((ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا .. ))(٢). وقد سلف الكلام على القُرعة قريبًا في حديث الإفك وفي الشركة قبله. والقُرْعةُ في المشكلات سنة عند جمهور الفقهاء في المستوين في الحجة؛ ليعدل بينهم وتطمئن قلوبهم، وترتفع الظنة عمن تولى قسمتهم، ولا يفضل أحد منه على صاحبه إذا كان المقسوم من جنس واحد؛ أتباعًا للكتاب والسنة، وقد أسلفنا قريبًا أنه عمل بها ثلاثة من الأنبياء: یونس وزکریا ونبينا. واستعمالها كالإجماع من أهل العلم، فيما يقسم بين الشركاء، فلا معنى لقول من ردها ورد الآثار المتواترة بالعمل بها. قال الشافعي: ولا يعدو (المقترعون)(٣) على مريم أن يكونوا تنافسوا كفالتها، فكان أرفق بها وأعطف عليها وأعلم بما فيه مصلحتها أن تكون عند كافل واحد، ثم يكفلها آخر مقدار تلك المدة، أو تكون عند كافل ويغرم من بقي مؤنتها بالحصص، وهم بأن يكونوا تشاحوا كفالتها أشبه من أن يكونوا تدافعوها؛ لأنها كانت ضعيفة غير ممتنعة مما يمتنع منه من عقل ستره ومصالحه، فإن تكفلها واحد من الجماعة أستر عليها وأكرم لها، وأي المعنيين كان فالقرعة تلزم أحدهم ما يدفع عن نفسه، أو تخلص له ما يرغب فيه. (١) سلف برقم (٢٥٩٣) كتاب: الهبة، باب: هبة المرأة لغير زوجها وعتقها. (٢) سلف برقم (٦١٥) كتاب: الأذان، باب: الاستهام في الأذان. (٣) في الأصل: المقرعين والصواب ما أثبتناه كما في ((الأم)). ٦٧٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وهكذا معنى قرعة يونس وقعت بهم السفينة فقالوا: ما عليها إلا مذنب فقارعوا فوقعت القرعة عليه فأخرجوه منها(١). وذكر أهل التفسير أنه قيل له: إن قومك يأتيهم العذاب يوم كذا، فخرج ذلك اليوم، ففقده قومه فخرجوا فأتاهم العذاب ثم صرف عنهم، فلما لم يصبهم العذاب ذهب مغاضبًا، فركب البحر في سفينة مع ناس، فلما تحججوا أركدت السفينة فلم تسر، فقالوا: إن فيكم لشرًّا. فقال يونس: أنا صاحبكم فألقوني، قالوا: لا، حتى نضرب بالسهام فطار عليه السهم مرتين فألقوه في البحر فالتقمه الحوت، فأوحى الله إلى الحوت أن يلتقمه ولا يكسر له عظمًا(٢). قال الشافعي: وكذلك كان إقراعه وَ * في العدل بين نسائه حين أراد السفر، ولم یمکنه الخروج بهن کلهن، فأقرع بینهن؛ ليعدل بينهن ولا يخص بعضهن بالسفر، ويكل ذلك إلى الله ويخرج ذلك من اختياره، فأخرج من خرج سهمها وسقط حق غيرها بعد. فإذا رجع عاد للقسمة بينهن ولم يقسم أيام سفره. وكذلك قسم خيبر وكان أربعة أخماسها لمن حضر فأقرع على كل حر، فمن خرج من سهمه أخذه وانقطع منه حق غيره(٣). تنبيهات : تنعطف على ما مضى: أحدها: قال قتادة -فيما حكاه ابن جرير -: كانت مريم ابنة إمامهم وسيدهم فتشاح عليها بنو إسرائيل، فاقترعوا فيها بسهامهم أيهم يكفلها ؛ (١) انظر: ((الأم)) ٣٣٦/٧ بتصرف. (٢) ((تفسير الطبري)) ٧٣/٩ (٢٤٧٥١)، ٥٢٦/١٠ (٢٩٥٨٩: ٢٩٥٩١). (٣) ((الأم)) ٣٣٧/٧. ٦٧٥ كِتَابُ الشَّهَادَاتِ = فقرعهم زكريا، وكان زوج أختها فضمها إليه. وقال ابن عباس: لما وضعت مريم في المسجد أقترع عليها أهل المصلى وهم يكتبون الوحي(١)، وقال مقاتل في ((تفسيره)): لما ولدت حنة مريم خشيت ألا تقبل الأنثى محررة فلفتها في خرقة ووضعتها في بيت المقدس عند المحراب حيث يتدارسون القراءة، فقال زكريا -وهو رئيس الأحبار -: أنا آخذها، أنا أحق بها؛ لأن أختها عندي. فقالت القراء: لو تركت لأحق الناس بها لتركت لأمّها، لكنها مُحررة، وهلمَّ نَتَسَاهَم. فاقترعوا ثلاث مرات بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها الوحي. ثانيها: لما دَعَا يُونس بن مَتّى قومه أهل نَيْنَوى من بلاد الموصل على شاطئ دجلة للدخول في دينه أبطئوا عليه، فدعا عليهم ووعدهم العذاب بعد ثلاث، وخرج عنهم فرأى قومه دخانًا ومقدمة العذاب، فآمنوا به وصدقوه وتابوا إلى الله وردوا المظالم، حتى ردوا حجارة مغصوبة كانوا بنوا بها، وخرجوا طالبين يونس فلم يجدوه، فلم يزالوا كذلك حتى كشف الله عنهم العذاب، ثم إن يونس ركب سفينة فلم تجر؛ فقال أهلها: أفيكم آبق؟ فاقترعوا، فخرجت القرعة عليه فالتقمه الحوت. وقد أسلفناه. وقد اختلف في مدة مُكثه في بطنه من يوم واحد إلى أربعين يومًا، وذكر مقاتل أنهم قارعوه ست مرات؛ خوفًا عليه من أن يقذف في البحر، وفي كلها تخرج عليه. ونقل ابن التين أنَّ القُرْعةَ وقعت عليه ثلاث مرات، وأنها لما ركدت قالوا: فيها رجل مشئوم. (١) ((تفسير الطبري)) ٢٦٦/٣-٢٦٧. ٦٧٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقال ابن إسحاق في ((المبتدأ)): حدثني بعض أهل العلم أن يونس لما صح أنطلق فلم يُرَ إلى هذا اليوم، فطلبه قومه حين آمنوا، ورفع عنهم العذاب فلم يقدروا عليه، إلا أن راعي غنم أخبرهم أنه أضافه فسقاه من لبن عنز، فقالوا: من رأى هذا منك ومنه؛ قال: ما رآه أحدٌ. فأذن الله للعنز فتكلمت وشهدت له بما قال، فملكوه عليهم؛ لرؤيته إياه. فائدة : في يونس ست لغات تثليث النون مع الهمز وعدمه، والأشهر ضم النون من غير همز. ثالثها: قوله: (اقترعوا). قال ابن التين: صوابه: أقرعوا أو قارعوا؛ لأنه رباعي. والأقلام المذكورة في الآية: السهام، وسمي السهم قلمًا؛ لأنه يُقْلم أي: ◌ُثْرى. ومعنى: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌ﴾ [آل عمران: ٤٤] تجب له كفالتها. والجرية: بكسر الجيم مصدر، تقول: جرى الماء يجري جرية وجريًا وجريانًا. وقوله: (وعال قلم زكريا). أي: غلب الجري. وما فسره البخاري في المدحضين، هو قول مجاهد(١). وقال ابن عيينة: من المقمورين(٢). ويقال: أصل أدحضته: أزلفته. فائدة : معنى: طار لهم سهمه في قصة عثمان: حظه. (١) رواه الطبري ٥٢٦/١٠-٥٢٧ (٢٩٥٩٤). (٢) ذكره أبو جعفر النحاس في ((معاني القرآن)) ٦/ ٥٧. ٦٧٧ كِتَابُ الشَّهَادَاتِ = فائدة : قوله في حديث أبي هريرة: ((ولو يَعْلمونَ ما في العَتمة)). سلف الكلام عليه في بابه مع الجمع بينه وبين النهي عن تسميتها عتمة، وقد سماها الله العشاء، وروي: ((مَنْ سمَّاها العتمة فليستغفر الله)). ٦٧٩ الفهرس محتويات المجلد السادس عشر باقي كتاب المظالم والغصب ٢٦ - باب مَنْ عَقَلَ بَعِيرَهُ عَلَى الْبَلَاطِ أَوْ في بَابِ المَسْجِدِ ٩ ٢٧ - باب الوُقُوفِ وَالْبَوْلِ عِنْدَ سُبَاطَةِ قَوْمٍ ١١ ٢٨ - باب مَنْ أَخَذَ الغُصْنَ وَمَا يُؤْذِي النَّاسَ فِي الطَّرِيقِ فَرَمَى بِهِ ١٢ ٢٩ - باب إِذَا أَخْتَلَفُوا فِي الطَّرِيقِ المِيتَاءِ ١٥ ٣٠ - باب التُّهْبَى بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ ١٩ ٣١ - باب كَشْرِ الصَّلِيبِ وَقَتْلِ الخِنْزِيرِ ٢٥ ٣٢ - باب هَلْ تُكْسَرُ الدِّنَانُ التِي فِيهَا الَخَمْرُ وَتُخَرَّقُ الزَّقَاقُ؟ ٢٦ ٣٣ - باب مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ٣٢ ٣٤ - باب إِذَا كَسَرَ قَصْعَةً أَوْ شَيْئًا لِغَيْرِهِ ٣٧ ٣٥ - باب إِذَا هَدَمَ حَائِطَا فَلْيَبْنِ مِثْلَهُ ٤٢ كِتَابُ الشّرِكَةِ ١- باب الشَّرِكَةِ فِي الطَّعَامِ وَالنَّهْدِ وَالْعُرُوضِ. ٤٨ ٢- باب مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ فِي الصَّدَقَةِ ٥٨ ٣- باب قِسْمَةِ الغَنَمِ ٥٩ ٤- باب القِرَانِ فِي التَّمْرِ بَيْنَ الشّرَكَاءِ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ ٦٩ ٥- باب تَقْوِيمِ الأَشْيَاءِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ بِقِيمَةِ عَدْلٍ ٧١ ٦- باب هَلْ يُقْرَعُ فِي الْقِسْمَةِ؟ وَالإِسْتِهَامِ فِيهِ ٧٩ ٧- باب شَرِكَةِ اليَتِيمِ وَأَهْلِ المِرَاثِ ٨٥ ٨- باب الشَّرِكَةِ فِي الأرض وَغَثْرِهَا ٨٨ ٦٨٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٩- باب إِذَا أَقْتَسَمَ الشُّرَكَاءُ الدُّورَ وغَيْرَهَا فَلَيْسَ لَهُمْ رُجُوعٌ وَلَا شُفْعَةٌ ٩٠ ١٠- باب الاشْتِرَاكِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمَا يَكُونُ فِيهِ الصَّرْفُ ٩١ ١١ - باب مُشَارَكَةِ الذِّمِّيِّ وَالْمُشْرِكِينَ فِي الْمُزَارَعَةِ ٩٣ ١٢- باب قِسْمَةِ الغَنَمِ وَالْعَدْلِ فِيهَا ٩٦ ١٣ - باب الشَّرِكَةِ فِي الطَّعَامِ وَغَثْرِهِ ٩٧ ١٤- باب الشَّرِكَةِ فِي الرَّقِيقِ ١٠٣ ١٥- باب الأَشْتِرَاكِ فِ الهَدْىِ وَالْبُدْنِ ١٠٤ ١٦- باب مَنْ عَدَلَ عَشْرًا مِنَ الغَنَمِ بِجَزُورٍ في القسمة ١٠٧ كتابُ الزَّهنِ ١- باب في الرَّهْنِ فِي الحَضَرِ ١١١ ٢- باب مَنْ رَهَنَ دِرْعَهُ ١١٤ ٣- باب رَهْنِ السِّلَاحِ ١١٦ ٤- باب الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَخْلُوبٌ ١١٩ ٥- باب الرَّهْنِ عِنْدَ اليَهُودِ وَغَتْرِهِمْ ١٢٦ ٦- باب إِذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَِّنُ وَنَحْوُهُ ١٢٧ كتاب العِتْقِ ١- باب: فِي العِتْقِ وَفَضْلِهِ ١٣٣ ٢- باب: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ ١٤٠ باب: ما يستحب من العتاقة في الكسوف أو الآيات ١٤٤ باب إِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا بَيْنَ أَثْنَيْنِ أَوْ أَمَةً بَيْنَ الشُّرَكَاءِ ١٤٥ ٥- باب إِذَا أَعْتَقَ نَصِيبًا فِي عَبْدٍ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ ١٥١