Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ كِتَابُ الشّهَادَاتِ = أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنِ العَجِينَ، فَتَأْتِ الذَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَ مِنْ يَوْمِهِ، فَاسْتَغْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبِيِّ ابن سَلُولَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلِ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي؟ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَقَدْ ذَكَرُوا رَّجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّ مَعِي)). فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا وَالله أَعْذِرُكَ مِنْهُ، إِنْ كَانَ مِنَ الأَوَسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الَخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمْرَكَ. فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَهُوَ سَيِّدُ الَزْرَجِ -وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالٍا ولكن أَخْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ- فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ الهِ، لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ. فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ الْخُضَيْرِ فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ، والله لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ المُنَافِقِينَ. فَثَارَ الَحَيَّانِ: الأَوَسُ، وَالْخَزْرَجُ حَتَّى هَُّوا، وَرَسُولُ اللهِ وََّ عَلَى اِنْبَرِ، فَنَزَلَ فَخَفَّضَهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ. وَبَكَيْتُ يَوْمِي لَا يَزْقَأُ لِ دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، فَأَصْبَحَ عِنْدِي أَبَوَايَ، قَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا حَتَّى أَظُنُّ أَنَّ البُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي. قَالَتْ: فَبَيْنَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَّا أَنْكِي، إِذٍ أَسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةً مِنَ الأَنَّصَارِ فَأَذِنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ إِلِّ فَجَلَسَ، وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مِنْ يَوْمٍ قِيلَ فِيَّ مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ مَكُثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي شَيْءٌ. قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ العَبْدَ إِذَا أَعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ، تَابَ اللهُ عَلَيْهِ)). فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ وََّ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، وَقُلْتُ لَأَبِي: أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللهِ وََّ. قَالَ: وَالله مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ أَّهِ. فَقُلْتُ لِأَمِّي: أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللهِ وَ﴿ فِيمَا قَالَ. قَالَتْ: والله مَا أَذْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ وَهَ. قَالَتْ: وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَ أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ القُرْآنِ، فَقُلْتُ: إِنِّي ٥٦٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == والله لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ سَمِعْتُمْ مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ، وَوَقَرَ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، وَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ: إِيّ بَرِيئَةٌ - والله يَعْلَمُ إِنِّي لَبِرِينَةُ - لَا تُصَدَّقُونِي بِذَلِكَ، وَلَئِنِ أَغْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ - والله يَعْلَمُ أَنِي بَرِيئَةُ - لَتُصَدِّقُنِّي، والله مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّ أَبَا يُوسُفَ إِذْ قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] ثُمَّ تَحَوَّلْتُ عَلَى فِرَاشِي وَأَنَا أَزْجُو أَنْ يُبَرِّثَنِي اللهُ، ولكن والله مَا ظَنَنْتُ أَنْ يُنْزِلَ فِي شَأْنِي وَحْيًا، وَلأَنَّا أَحْقَرُ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يُتَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ فِي أَمْرِي، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَزْجُو أَنْ يَرِىُ رَسُولُ اللهِ إِلَه فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَثُنِي الله، فَوَاللَّهِ مَا رَامَ تَجْلِسَهُ، وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ البَيْتِ حَتَّى أُنْزِلَ عَلَّيْهِ الوَحِيْ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجَمَانِ مِنَ العَرَقِ فِي يَوْمٍ شَاتٍ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وٍَّ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ لِي: ((يَا عَائِشَةُ، أَحْمَدِي اللهَ فَقَدْ بَرَّأَكِ اللهُ). فَقَالَتْ لِي أُمِّي: قُومِي إِلَى رَسُولِ اللهِلّهِ. فَقُلْتُ: لَا والله، لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إِلَّ اللهَ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾ [النور: ١١] الآيَاتِ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ هذا فِي بَرَاءَتِي. قَالَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه - وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ -: والله لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ شَيْئًا أَبَدَا بَعْدَ مَا قَالَ لِعَائِشَةَ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ اُلْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى، والله إِّ لِأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي. فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحِ الذِي كَانَ يُجْرِي عَلَيْهِ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ يَسْأَلُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشِ عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ: ((يَا زَيْنَبُ، مَا عَلِمْتِ؟ مَا رَأَيْتِ؟)). فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، والله مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّ خَيْرَا. قَالَتْ: وَهْيَ التِي كَانَتْ تُسَامِينِي، فَعَصَمَهَا اللهُ بِالْوَرَعِ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا فُلَيْحُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. قَالَ وَحَدَّثَنَا فُلَيْحْ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ مِثْلَهُ. [انظر: ٢٥٩٣ - مسلم: ٢٧٧٠ - فتح: ٢٦٩/٥] ٥٦٣ كِتَابُ الشّهَادَاتِ = ساق فيه حديث عائشة في الإفك بكماله. وقد أخرجه أيضًا في المغازي(١) والجهاد(٢) والتفسير(٣) والأيمان والنذور (٤) والاعتصام(٥) والتوحيد(٦)، وستأتي قطعة منه في غزوة المريسيع (٧) وسورة النور(٨)، وسلف أيضًا بعضه(٩)، وأخرجه مسلم من حديث معمر والسياق له ويونس بن يزيد عن الزهري به (١٠). إذا تقرر ذلك فالكلام عليه ملخصًا من وجوه: أحدها: قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ - وَأَفْهَمَنِ بَعْضَهُ أَحْمَدُ(١١) - ثَنَا فُلَيْحُ) أحمد هذا هو ابن يونس، كما هو ثابت في أصل الدمياطي، وعليه علامة. وقال خلف في ((أطرافه)): هو أحمد بن عبد الله بن يونس. (١) سيأتي برقم (٤١٤١) باب: حديث الإفك. (٢) سيأتي برقم (٢٨٧٩) باب: حمل الرجل امرأته في الغزو دون بعض نسائه. (٣) سيأتي برقم (٤٦٩٠) باب: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ﴾. (٤) سيأتي برقم (٦٦٦٢، ٦٦٧٩) باب: قول الرجل: لعمر الله، وباب: اليمين فيما لا يملك وفي المعصية. (٥) سيأتي برقم (٧٣٦٩، ٧٣٧٠)، باب: قول الله: ﴿وَأَمُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ (٦) سيأتي برقم (٧٥٠٠) باب: قول الله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوْ كَلَمَ اللَّهِ﴾. (٧) سيأتي برقم (٤١٤١) كتاب: المغازي، باب: حديث الإفك. (٨) سيأتي برقم (٤٧٥٠) وما بعده باب: قوله ﴿لَوَلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ وأبواب أخر من تفسير سورة النور. (٩) سلف برقم (٢٥٩٣) كتاب: الهبة، باب: هبة المرأة، و(٢٦٣٧) كتاب: الشهادات، باب: إذا عدل رجل أحدًا فقال: لا نعلم إلا خيرًا. (١٠) مسلم (٢٧٧٠) كتاب: التوبة، باب: في حديث الإفك وقبول توبة القاذف. (١١) ورد بهامش الأصل ما نصه: هو أحمد بن عبد الله بن يونس. ٥٦٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح === ووهمه المزي، ولم يبين سببه، وزعم ابن خلفون في ((معلمه بأسماء شيوخ البخاري ومسلم)) أنه لعله أحمد بن حنبل. ثانيها: قول الزهري: (وَكُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا) هو جائز سائغ من غير كراهة؛ لأنه قد بين أن بعض الحديث عن بعضهم وبعضه عن بعضهم. والأربعة الذين حدثوه به أئمة حفاظ من جلة التابعين، فإذا ترددت اللفظة من هذا الحديث بين كونها عن هذا أو عن ذاك لم يضر. وجاز الاحتجاج بها لثقتهم، وقد قام الاتفاق على أنه لو قال: حدثني زيد أو عمرو، وهما ثقتان معروفان بذلك عند المخاطب، جاز الاحتجاج بذلك الحديث. ثالثها: وجه إيراد هذا الحديث هنا سؤال الشارع بريرة وزينب بنت جحش، عن عائشة، وهو لائح في تعديل النساء، وقد زكت أيضًا عائشة زينب بقولها (وَهْيَ التِي كَانَتْ تُسَامِينِي، فَعَصَمَهَا اللهُ بِالْوَرَعِ) وهو تزكية منها لها، وشهادة لها بالفضل، ومن كانت بهذِه الصفة جازت تزكيتها. قال الطحاوي: تعديلها مقبول عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: لا يقبل في تعديل إلا رجلان أو رجل وامرأتان(١). وعن مالك: لا يجوز تعديل النساء بوجه، لا في مال ولا في غيره (٢). وقال الشافعي: لا يُعَدِّلْنَ ولا يُجَرِّحْنَ ولا يشهد على شهادتهن إلا الرجال (٣). (١) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤١٦/٣. (٢) انظر: ((عيون المجالس)) ١٥٤٣/٤، ((الكافي)) ص ٤٧٠. (٣) أنظر: ((مخصر اختلاف العلماء)) ٤١٧/٣. ٥٦٥ كِتَابُ الشَّهَادَاتِ = قلت: ونقلت في ((المقنع)) قول: تزكيتها وتزكية العبد عندنا(١). وقال الطحاوي: الدليل على قبول تعديلهن أنه يقبل في التزكية ما لا يقبل في الشهادة؛ لأنه يقول في الشهادة: أشهد ولا يحتاج في التزكية إلى لفظ الشهادة(٢)، قلت: ومن منع تزكيتها لعلة نقصها عن معرفة وجوهها؛ لأن من شرطها عندنا وعند مالك أن يقول: أراه عدلًا رضَى أو عدلًا عليَّ ولي. لكن عندنا زيادة (ولي) على وجه التأكيد، وإن كان ظاهر نص الشافعي أنه لا بد منه. وهذا لا يعلم إلا بالاختبار، وطول الممارسة في المعاملة وغيرها، والنساء يقصرن عن هذا، وقد خص الله أزواج نبيه من الفضل بما لم يوجد في غيرهن ممن يأتي بعدهن من النساء فاحتيط في التعديل، وأخذ فيه بشهادة الرجال، فإن قلت: فإذا كان كما ذكرت فجَوّز تعديل النساء على النساء على ما ترجم به البخاري؛ لإمكان تعريف النساء أحوال النساء. قلت: قد يلتزم على أنه لو قيل: إنه يجوز أن يزكي بعضهن بعضًا بقول حسن وثناء جميل ولا يكون تعديلًا في شهادة توجب أخذ مال، وإنما هو إبراء من سوء (من)(٣) قيل لكان حسنًا، وشهادة النساء إنما أجازها الله تعالى في كتابه في الديون والأموال مع الرجال، وأجازها المسلمون في عيوب النساء وعوراتهن، وحيث لا يمكن الرجال مشاهدته. (١) ((المقنع)) ٢٥٢/١. (٢) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤١٧/٣. (٣) كذا في الأصل، والسياق يستقيم بدونها. ٥٦٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح === وأما في غير ذلك فلا يجوز فيه إلا الرجال؛ ألا ترى أنه لا تجوز شهادتهن منفردات على شهادة امرأة ولا رجل عند جمهور العلماء ولا يجوز مع الرجال في ذلك عند الشافعي وابن الماجشون وابن وهب. واختاره سحنون، وإنما يجوز مع الرجال عند مالك والكوفيين، فكيف يجوز تعديلهن منفردات عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وهما يجيزان شهادتهن على الشهادة منفردات؟! هذا تناقض(١). مع أن ابن التين قال: ترجم على تعديل النساء، والنساء لا مدخل لهن في التعديل، وقد علمت ما فيه. وقد يحتج لمحمد بأنه سأل أسامة أيضًا معهما. قال: (أَهْلُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا نَعْلَمُ والله إِلَّا خَيْرًا). رابعها: قوله: ( (وَأَثْبَتُ)(٢) لَهُ أَقْتِصَاصًا) أي: حفظًا، يقال: قصصت الشيء إذا تبعت أثره شيئًا بعد شيء، ومنه ﴿نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ، قُصِيدٌ﴾ [القصص: ١١]، أي: أتبعي أثره، ومنه القاصّ الذي يأتي بالقصة من قصها، ويجوز بالسين، قسست أثره قسًّا. وقوله قبله: (وأوعى) أي: أحفظ. وقوله: (وقد وعَيْتُ عن كل واحد). هو بفتح العين، أي: حفظت. خامسها: قوله (في غزوة غَزَاهَا) هي غزوة بني المصطلق، وكانت سنة ستٍّ، كذا جزم به ابن التين، وهو ما عند البخاري، وقال غيره: في شعبان سنة خمس، وتعرف أيضًا بغزوة المريسيع. (١) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٣٨/٨-٣٩. (٢) في هامش الأصل: (وأثبته) وعليها تصحيح. ٥٦٧ كِتَابُ الشَّهَادَاتِ = وقال موسى بن عقبة: سنة أربع (١). فهذه ثلاثة أقوال. سادسها: قولها : (فَأَقْرَعَ بَيْنَا). فيه جواز القرعة، إذا استوى سبب المقتسمين في ذلك، مثل أستواء سبب الزوجات. قال أبو عبيد: عمل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء: نبينا ويونس وزكرياء صلوات الله وسلامه عليهم. قال ابن المنذر: استعمالها كالإجماع. وروينا عن أبي هريرة أن رجلين أختصما إلى رسول الله وَّ في دابة وليس لهما بينة فأمرهما أن يستهما على اليمين(٢). وعن أحمد: في القرعة خمس سنن(٣). وقال أبو الزناد: يتكلمون في القرعة وقد ذكرها الله في موضعين من [الصافات: ١٤١] و﴿إِذْ يُلْقُونَ كتابه ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْخَضِينَ أَقْلَمَهُمْ﴾ [آل عمران: ٤٤] قال ابن المنذر: وقد اختلف في كيفيتها، فقال سعيد بن جبير: بالخواتيم، يؤخذ خاتم هذا وخاتم هذا، ويدفعان إلى رجل فيخرج منهما واحدًا. وعن الشافعي: يجعل رقاعًا صغارًا يكتب في كل واحدة أسم ذي السهم، ثم يجعل في بنادق طين ويغطى عليها ثوب، ثم يُدْخل رجل يده فيخرج بندقة وينظر من صاحبها فيدفعها إليه (٤). (١) ذكره البخاري قبل حديث (٤١٣٨) كتاب المغازي، باب: غزوة بني المصطلق. (٢) رواه أبو داود (٣٦١٨)، البيهقي ٢٥٥/١٠. (٣) أنظر: ((الشرح الكبير)) ١٢٣/١٩. (٤) ((الأم)) ٣٣٨/٧. ٥٦٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقد أسلفنا في الشركة ذكر القرعة أيضًا، وعندنا أنه إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه؛ لا يجوز أخذ بعضهن بغير ذلك خلافًا لمالك، كما حكاه النووي عنه(١)، وهو مشهور مذهب مالك، كما قال ابن التين؛ لأن القسم سقط للضرورة، ووافقنا ابن عبد الحكم، قال مالك: والشارع كان يفعل ذلك تطوعًا منه؛ لأنه لا يجب عليه أن يعدل بينهن. وقيل في قوله: ﴿وَتُعْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] أنهن عائشة وحفصة وزينب وأم سلمة وأم حبيبة وباقيهن مرجآت. وفي القُدوري: لا حق لهن في حال السفر، يسافر بمن شاء منهن. قال الأقطع: لأن الزوج لا يلزمه استصحاب واحدة منهن ولا يلزمه القسم في حال السفر، والأولى والمستحب أن يقرع؛ ليطيب قلوبهن. سابعها: (قَفَلَ): رجع، و(آذَنَ) بالمد وتخفيف الذال المعجمة مثل قوله: ﴿َذَننُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء: ١٦] وروي بالقصر وتشديد الذال، أي: أعلم به. وقولها: (فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ) الجزع - بفتح الجيم وسكون الزاي - خرز يماني. ووصفه أبو العباس أحمد بن يوسف التيفاشي (٢) في كتابه ((الأحجار)) فأطنب: وإنه يوجد في اليمن في معادن العقيق، ومنه ما يؤتى به من الصين. ثم ذكر أصنافه قال: وليس في الحجارة أصلب منه جسمًا، وإنما يحسن إذا طبخ بالزيت، وزعمت الفلاسفة أنه يشتق (١) ((شرح مسلم)) ١٧/ ١٠٣. (٢) هو القاضي أبو العباس أحمد بن يوسف التيفاشي القفصي الطبيب الأديب المتوفى سنة إحدى وخمسين وستمائة، له من التصانيف: ((أزهار الأفكار في جواهر الأحجار))، ((الدرة الفائقة في محاسن الأفارقة))، ((سجع الهديل في أخبار النيل)). انظر ترجمته في ((هدية العارفين)) ص٤٩. ٥٦٩ - كِتَابُ الشِّهَادَاتِ من أسمه الجزع؛ لأنه يولد في القلب الجزع، ومن تقلد به كثرت همومه، ورأى أحلامًا رديئة، وكثر الكلام بينه وبين الناس، وإن علق على طفل كثر لعابه وسال، وإن لف في شعر المُظْلَقَة ولدت، ويقطع نفث الدم، ويختم القروح(١). قال البكري: ومنه جزع يعرف بالنقمى(٢). وقال ثعلب: الجزع: الخرز. فاعترض ابن درستويه فقال: ليس كل الخرز يسمى جزءًا، وإنما الجزع منها المجزع أي: المقطع بالألوان المختلفة، قد قطع سواده ببياضه. وقال كراع في ((منضده)) عن الأثرم: أهل البصرة يقولون: الجزع بالفتح والكسر: الخرز. وقال أبو القاسم التميمي في ((المستطرف)): عن بندار: الجزع واحد لا جمع له. وقال الحربي وابن سيده: الجزع: الخرز، واحدته: جزعة، كما أسلفنا(٣). وقال صاحب ((العين)): الجزع: ضرب من الخرز، والجزع بكسر الجيم: جانب الوادي ومنقطعه (٤). وقولها: أظفار: كذا هنا بالألف، وفي غيره بحذفها، والصواب الأول. (١) أكثر هذه الأقوال ضرب من الأوهام التي لا تثبت. (٢) ((معجم ما استعجم)) ٣/ ٩٠٤. (٣) ((المحكم)) ١٨٢/١. (٤) (العين)) ٢١٦/١ مادة: (جزع). ٥٧٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قال ابن بطال: رواه فليح بن سليمان، عن الزهري بألف، وكذا رواه يونس عن ابن شهاب في تفسير القرآن في سورة النور، وأهل اللغة لا يعرفون هذا، ويقولون: من جزع ظفار، وهو مبني على الكسر، كما تقول: حَذَام(١)، وقد رواه البخاري كذلك في المغازي(٢) من رواية صالح بن كيسان عن ابن شهاب، قال ابن قتيبة: ظفار: مدينة باليمن وهو جزع ظفاريّ(٣). وقال ابن التين: الجزع بفتح الجيم وسكون الزاي: الخرز، وأظفار صوابه ظفار بغير ألف، وقيل: مدينة. وقال: قيل: الجزع اليماني الذي فيه البياض والسواد. وكذا قال القرطبي: من قيده بالألف أخطأ، وصحيح الرواية بفتح الظاء(٤). قال ابن السكيت: ظفار قرية باليمن. وعن ابن سعد: جبل(٥) وفي ((الصحاح)): مبني على الكسر (٦) كقطام (٦). وقال البكري، عن بعضهم: سبيلها سبيل المؤنث لا ينصرف(٧). قال صاحب ((المطالع)): ويرفع وينصب. (١) ((شرح ابن بطال)) ٤٢/٨. (٢) سيأتي برقم (٤١٤١) باب: حديث الإفك. (٣) ((غريب الحديث)) ٢٩٤/١. (٤) ((المفهم)) ٣٦٦/٧، ٣٦٧. (٥) ((الطبقات الكبرى)) ٣١/٨. (٦) ((الصحاح)) ٧٣٠/٢. (٧) ((معجم ما استعجم)) ٩٠٤/٣. ٥٧١ كِتَابُ الشَّهَادَاتِ قال أبو عبيد: وقصر المملكة بظفار قصر ذى ريدان ويقال: إن الجن بنتها. وقولها: (فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي) في بعض الروايات أن العقد مذكور مقدار ثمنه أثنا عشر درهمًا، ذكرها ابن التين. ثامنها: قولها: (يَرْحَلُونَ لِي). هو باللام، وروي بالباء. قال النووي: والأول أجود. ويرحلون: بفتح الياء وسكون الراء وفتح الحاء المخففة(١). وهو معنى قولها: فرحلوه على بعيري، وهو بتخفيف الحاء أيضًا. والهودج: مركب من مراكب النساء(٢). وقولها: (لَمْ يَتْقُلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ). كذا وقع هنا وقال في كتاب المغازي(٣) والتفسير(٤): كان النساء خفافًا لم يهبلن، ولم يغشهن اللحم. قال صاحب ((العين)): المُهَبَّل: الكثير اللحم(٥). قال أبو عبيد: يقال منه: أصبح فلان مهبلًا إذا كان مورم الوجه متهبجًا (٦) وأنشد ثابت: ريان لا غش ولا مهبل الغش: الرقيق عظام اليدين والرجلين. (١) ((شرح مسلم)) ١٧/ ١٠٤. (٢) ((تهذيب اللغة)) ٣٧٢٨/٤ مادة: (هدج). (٣) سيأتي برقم (٤١٤١) باب: حديث الإفك. (٤) سيأتي برقم (٤٧٥٠) باب: قوله: ﴿لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾. (٥) ((العين)) ٥٤/٤ مادة: (هبل). (٦) ((غريب الحديث)) ٣٦٤/٢. : ٥٧٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وذكرها الخطابي، وقال أيضًا: معناها لم يكثر عليهن ولم يركب بعضه بعضًا(١). والعُلْقة: بضم العين المهملة ثم لام ساكنة ثم قاف: القليل، ويقال لها أيضًا: البلغة، كأنه الذي يمسك الرمق ويعلق النفس. للازدياد منه: أي تشوفها إليه(٢). وقال صاحب ((العين)): العلقة: ما فيه بلغة من الطعام إلى وقت الغداة، والعلاق: مثله(٣) واقتصر عليه ابن بطال (٤) وعبارة ابن التين أيضًا: العلقة: البلغة من القوت، وأصل العلقة شجر يبقى في الشتاء تعلق به الإبل، أي: تحتذي به؛ حتى تدرك الربيع. وقال في غزوة المريسيع: العلقة: ما تتبلغ به الماشية من الشجر، وقيل: ما يمسك به المرء نفسه من الأكل، وقيل: هي ما يأكله بكرة من الغذاء. وقولها: (فَبَعَثُوا الجَمَلَ). أي: أثاروه. وقولها: (فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا أَسْتَمَرَّ الجَيْشُ). أي: ذهب ومضى، قاله الداودي، ومنه قوله تعالى: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِّ﴾ [القمر: ٢] أي: ذاهب أو دائم أو محكم أو مر أو قوي شديد ﴿يَوْمِ تَحْسٍ مُسْتَمِّرِّ﴾ [القمر: ١٩] قيل: إنه يوم الأربعاء، ذكره الهروي. (١) ((أعلام الحديث)) ١٣٠٩/٢. (٢) ((المحكم)) ١٢٤/١ مادة: (ع. ل. ق). (٣) ((العين)) ١٦٤/١ مادة: (علق). (٤) ((شرح ابن بطال)) ٨/ ٤٢. ٥٧٣ 13 كِتَابُ الشَّهَادَاتِ = وقولها: (فأممت منزلي) أي: قصدته، ومنه ﴿ءَآَمِينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. [المائدة: ٢] قال ابن التين: فعلى هذا يقرأ: (أممت): مخفف الميم وإن شددت في بعض الأمهات. ذكره في المغازي بلفظ: فتيممت منزلي(١)، والمعنى واحد. وقولها: (وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي) الظن هنا بمعنى العلم. تاسعها: (صَفْوَانُ بْنُ المُعَظَّلِ) بفتح الطاء المشددة ابن (رُحضة)(٢) بن المؤمل بن خزاعي بن محارب بن مرة بن هلال بن فالح بن ذكوان بن ثعلبة بن بُهْثَة بن سليم، ذكر الكلبي وغيره أن أول مشاهده المريسيع، وذكر الواقدي أنه شهد الخندق وما بعدها، وكان شجاعًا خيرًا شاعرًا(٣). وعن ابن إسحاق: قتل في غزوة أرمينية شهيدًا سنة تسع عشرة. وقيل : توفي في خلافة معاوية سنة ثمانٍ وخمسین واندقت رجله يوم قتل فطاعن بها وهي منكسرة حتى مات. ولما ضرب حسان بن ثابت بسيفه لما هجاه ولم يقصه منه رسول الله وَالل استوهب من حسان حياته فوهبها لرسول الله وَ ◌ّل فعوضه منها حائطًا من نخل، قال ابن إسحاق وأبو نعيم: هو بيرُحاء وسيرين أخت مارية (٤). (١) سبق تخريجه. (٢) كذا في الأصل، وفي ((معرفة الصحابة)) ١٤٩٩/٣، ووقع في ((الاستيعاب)) ٢/ ٢٨٠ : ربيعة. (٣) أنظر ترجمته في: ((الاستيعاب)) ٢٨٠/٢ (١٢٢٨)، ((أسد الغابة)) ٣٠/٣ (٢٥٢٢)، ((الإصابة)) ١٩٠/٢-١٩١ (٤٠٨٩). (٤) أي بالإضافة إلى الحائط أعطاه سيرين. انظر: ((معرفة الصحابة)) ١٤٩٩/٣. ٥٧٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ولك أن تقول: إن حسان إنما وصل إليه بيرحاء من جهة أبي طلحة(١)، ويجوز أن يقال: لما كانت بمشورته ◌َّل فنسبت إليه تجوزًا. وفي ((الاكتفاء)) لأبي الربيع سليمان بن سالم(٢) -روي من وجوه أن إعطاء رسول الله وَلور الحسان سيرين؛ إنما كان لذبِّه عن رسول الله وَله. والذين جاءوا بالإفك في الآية: عبد الله بن أُبَي، وحمنة بنت جحش، وعبيد الله(٣)، وأبو أحمد(٤) أخواها، ومسطح، وحسان. ذكرهم السهيلي(٥) وقيل: إن حسان لم يكن منهم. والإفك: الكذب وأصله من قولهم: أفكه يأفكه إذا صرفه عن الشيء، فقيل للكذب: إفك؛ لأنه مصروف عن الصدق. والذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول، وكان صفوان على الساقة يلتقط ما يسقط من متاع الجيش؛ ليرده إليهم، وقيل: إنه كان ثقيل النوم (١) ذكر في هامش الأصل: في ((الصحيح)) كذا. (٢) هو سليمان بن موسى بن سالم بن حسان الحميري الكلاعي البلنسي أبو الربيع، كان من كبار أئمة الحديث توفي سنة أربع وثلاثين وستمائة، من تصانيفه: ((الاكتفا في مغازي رسول الله وَله والثلاثة الخلفا))، وكتاب ((الصحابة))، ((المصباح))، ((حلية الأمالي في الموافقات العوالي))، ((المسلسلات)). انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) ١٣٤/٢٣ -١٤٠. (٣) ورد بهامش الأصل: في ذكر عبيد الله بن جحش فيهم نظرٌ؛ لما ذكروا في تاريخ وفاته. (٤) ذكر في هامش الأصل: أبو أحمد اسمه: عبد، وقيل: عبد الله، قال الذهبي في (تجريده)): وليس بشيء، إنما عبد الله أخوه من قدماء السابقين، وله شعر فصيح، توفي بعد العشرين. (٥) ورد بهامش الأصل: لم أرهم في كلام السهيلي في ((الروض)) في نسختين وقفت عليهما، ولعله ذكر ذلك في غيره. ٥٧٥ كِتَابُ الشَّهَادَاتِ = لا يستيقظ حتى يرتحل الناس(١). وفي أبي داود: شكت امرأته منه ذلك لرسول الله وَل﴿، فقال: إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ نُؤَّم عُرِفَ لَنَا ذَاكَ لَا نَكَادُ نَسْتَيْقِظُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ(٢). وذكر ابن العربي أنه كان حصورًا لم يكشف كنف أنثى قط، وقال ابن إسحاق: لقد سئل عن صفوان فوجدوه لا يأتي النساء. وفي البخاري عن صفوان: والذي نفسي بيده ما كشفت من كنف أنثى قط. قالت عائشة: ثم قتل بعد ذلك شهيدًا(٣). وقولها: (فَرَأَىْ سَوَادَ إِنْسَانٍ). أي: شخصه. وقولها: (وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الحِجَابِ). أي: قبل حجاب البيوت، وآية الحجاب نزلت في زينب. وقولها : (فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ) يعني قوله: إِنَّا لله وإنّا إليه راجِعُون. فيحتمل أن يكون شق عليه ما جرى عليها، ويحتمل أن يكون عدها مصيبة لما وقع في نفسه أنه لا يسلم من الكلام. وقولها: (فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ). وفي رواية: (حين) بالنون، والمراد: حين نزل عن راحلته. عاشرها: قولها: (بَعْدَ مَا نَزَلُوا مُعَرِّسِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ) أي: نازلين نصف النهار والمعروف أن التعريس نزول آخر الليل (٤). (١) انظر: ((الروض الأنف)) ٢٠/٤. (٢) أبو داود (٢٤٥٩)، قال الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (٢١٢٢): إسناده صحيح على شرط الشیخین، وكذلك قال الحاکم والذهبي، وصححه ابن حبان اهـ (٣) سيأتي برقم (٤١٤١) كتاب: المغازي، باب: حديث الإفك. (٤) (لسان العرب)) ٢٨٨٠/٥ مادة: (عرس). ٥٧٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وهذا محمول على المجاز، وعبارة ابن التين: التعريس: النزول. وقال الخطابي: نحر الظهيرة أول القائلة. وقد روى: موغرين في نحر الظهيرة. كما ذكره في المغازي والتفسير(١) بمعني: موغرين، أي: مهجرين يقال: رأيت فلانًا في وغر الهاجرة، وهو شدة الحرِّ حين تكون الشمس في كبد السماء، ومنه: وغر الصدر، وهو التهاب الحقد وتوقده في القلب، ومن هذا إيغار الماء. قال ابن السكيت: وهو أن تسخن الحجارة ثم تُلقى في الماء لتسخنه. قلت: وأوغر: دخل في ذلك الوقت، مثل أظهر وأصبح. وأكدت ذلك بقولها : (في نحر الظهيرة). و(الظَّهِيرَةِ): اشتداد الحر أيضًا(٢)، و(نَحْرِ الظَّهِيرَةِ): أولها، وأوائل الشهور تسمى النحور(٣). وقال الداودي: الظهيرة: نصف النهار عند أول الفيء قال: وقيل: الظهر والظهير لما بعد نصف النهار؛ لأن الظَّهْرَ آخر الإنسان، وسمي آخر النهار بذلك، ولا يسلم له؛ لأن أول اشتداد الحر قبل نصف النهار. قال القرطبي: الرواية الصحيحة بالغين المعجمة والراء المهملة من الوغرة بسكون الغين، وهي شدة الحر. (١) سيأتي برقم (٤١٤١)، (٤٧٥٠). (٢) ((المجمل)) ٦٠٢/١-٦٠٣ مادة: (ظهر). (٣) ((المجمل)) ٨٥٨/٢ مادة (نحر). ٥٧٧ = كِتَابُ الشّهَادَاتِ ورواه مسلم من رواية يعقوب بن إبراهيم بعين مهملة وزاي، ويمكن أن يقال فيه: هو من وعزت إليه أي: تقدمت، يقال: وعزت إليه وعزًا -مخففًا- ويقال: وعزت إليه توعيزًا بالتشديد(١). وزعم الهجري في (نوادره)) أن التخفيف في وعزت من لحن العامة، ولا يلتفت إلى من صحفه بالعين المهملة والراء. أي: ساروا في الوعر؛ ليقاطعوا على الجيش بسرعة. قال القزاز: ويكون من وغر صدره، أي: حصل لها غضب وحقد مما نابهما. وقوله: (فَاشْتَكَيْتُ بِهَا شَهْرًا) أي: مرضت. وقولها : (يُفِيضُونَ) من قول أصحاب الإفك، يقال: أفاض القوم في الحديث إذا أندفعوا منه يخوضون وهو من قوله تعالى: ﴿لَمَتَّكُمْ فِي مَّآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٤]. قال ابن عرفة: يقال: حديث مستفيض ومستفاض فيه. وقال غيره: وحديث مفاض فيه ومستفاض ومستفيض في الناس، أي: جارٍ فيهم وفي كلامهم. وقولها: (وَيَرِيبُنِي) هو بفتح أوله ويجوز ضمه، وهو الشك يقال: أرابني الأمر يريبني إذا توهمته وشككت فيه، فإذا اشتبهته قلت: رابني منه كذا يريبني، وعن الفراء: هما بمعنى واحد في الشك، قال صاحب ((المنتهى)): الاسم: الريبة بالكسر وأرابني ورابني إذا تخوفت عاقبته، وقيل: رابني إذا علمت به الريبة، وأرابني إذا ظننت به، وقيل: رابني إذا رأيت منه ما يريبك وتكرهه، وتقول هذيل: أرابني وأراب: أتى بالريبة، وراب: صار ذا ريبة. (١) ((المفهم)) ٣٦٨/٧. ٥٧٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == قال صاحب ((الواعي)): ورابني أفصح. و(الُّظْف) بضم اللام وسكون الطاء بفتحها لغتان: الرفق، ومعنى: (نقهت): أفقت، ذكره ثعلب بفتح القاف، والجوهري بالكسر، وهو المفيق من المرض قبل كمال صحته. و(المُتَبَرَّز): الموضع الذي يقضي فيه الإنسان حاجته، والبراز: أيضًا اسم لذلك الموضع وهو المتسع من الأرض، وبها سمي الحدث بُرازًا، كما يُسمى الحدث بالغائط وهو المطمئن من الأرض، والتنزه: البعد عن البيوت، يقال: مكان نزيه أي: خالٍ، ليس فيه أحد، وكانوا يبعدون عنها عند حاجة الإنسان، ووقع هنا: (البرية أو في التنزه). وفي المغازي: في البرية فقط، وفي مسلم: في التنزه أو التبرز(١)، والمناصع: المواضع التي يتخلى فيها لبولٍ أو حاجة، الواحد: منصع. وقال الأزهري: أراه موضعًا بعينه خارج المدينة، وهو في الحديث صعيد أفيح خارج المدينة(٢). وقال ابن السكيت: المناصع في اللغة: المجالس. وقال الداودي: قيل: سميت بذلك؛ لأن الإنسان إذا قضى حاجته ذهب ما كان يجد من الثقل، فإذا أستنجى وتطيب بالحجارة استنقى، فكأنه أخذه من الناصع الأبيض الصافي. و(الكُنُف): جمعُ كَنيف، وهو الساتر سمي موضع الغائط يستترون فیه. (١) مسلم (٢٧٧٠) كتاب: التوبة، باب: في حديث الإفك وقبول توبة القاذف. (٢) ((تهذيب اللغة)) ٣٥٨٦/٤ مادة (نصع). ٥٧٩ كِتَابُ الشّهَادَاتِ = وقولها: (وَأَمْرُنَا أَمْرُ العَرَبِ الأُوَلِ فِي البَرِّيَّةِ أو التبرز) هو شك فيما أظن، و(الأُوَل) بضم الهمزة وتخفيف الواو (١)، ويجوز فتح الهمزة وتشديد الواو وكلاهما صحيح. وقولها: (تَعِسَ مِسْطَحٌ) التعس: أن لا (ينتقش)(٢) من عثرته وقد تعس تعسًا وأتعسه الله، وستأتي واضحة في الحراسة وفي الغزو من كتاب الجهاد، وهو بفتح العين وكسرها لغتان مشهورتان(٣). ومعناه: عثر، كما سلف، وقيل: هلك، وقيل: لزمه الشر، وقيل: بعُد، وقيل: سقط لوجهه، قال ابن التين: المحدثون يقرءونه بكسر العين، وهو عند أهل اللغة بفتحها، قال: ومعناه: أنكب أي: كبه الله. وأم مِسْطح: اسمها سلمى بنت أبي رهم، وهي بنت خالة أبي بكر الصديق، وذكر أبو نعيم -فيما نقل من خطه- أن أسمها رائطة بنت صخر أخت أم الصديق(٤). ومسطح: لقب واسمه عوف(٥) وقيل: عامر، ومعناه عود من أعواد الخلال. و(أَثَاثَةَ): بضم الهمزة، ثم ثاء مثلثة، ثم ألف، ثم مثلها، ثم هاء، هو ابن أبي عبد المطلب بن عبد مناف بن قصي، يكنى أبا عبد الله أو أبا عباد. (١) في هامش الأصل: (في ((المطالع)) قدَّم الثاني هنا ثم قال: وقيل هو وجه الكلام). (٢) كذا في الأصل، وفي ((ابن بطال)) ٤٣/٨: (ينتعش). (٣) في هامش الأصل: (في عين تعس الفتح والكسر، الأول في الصحاح، وفي النهاية: وقد تُفتح العين). (٤) في هامش الأصل: (في التجريد: قيل: سَلْمى، وقيل: رَيْطة يعني بغير ألف). (٥) في هامش الأصل: (وقع تسميته بعوف في ((معجم الطبراني)) في غير ما بيت). قلت: أنظر هذِه الأبيات بتمامها في ((معجم الطبراني)) ١١٥/٢٣ حديث الإفك. ٥٨٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قال الواقدي: شهد مع علي صفين، ومات سنة سبع وثلاثين، وقيل: سنة أربع(١) عن ست وخمسين سنة. و(تيكم): إشارة للمؤنث كذاكم للمذكر. والمِرط: كساء من صوف، قاله الداودي، وقال ابن فارس: ملحفة، يؤتزر به. قال ابن التين: وضبط بفتح الميم، وقال الهروي: المروط الأكسية، وضبطه بكسرها في بعض الكتب من الأصل(٢). وقولها: (يَا هَنْتَاهْ) وفي المغازي: أي هنتاه. وهو بنون ساكنة ومفتوحة، والأول أشهر، وبضم الهاء الأخيرة، وتسكن ونونها مخففة، وعن بعضهم فيما حكاه القرطبي تشديدها(٣)، وأنكره الأزهري(٤). قالوا: وهُذِه اللفظة تختص بالنداء، ومعناها: يا هذِهِ، وقيل: يا أمرأة، وقيل: يا بلهى. كأنها تنسب إلى قلة المعرفة بمكائد الناس وشرورهم؛ وقد سلف في الحج في باب من قدم ضعفة أهله بالليل، في حديث أسماء(٥). وقال ابن التين: ضبطه الجوهري بفتح النون وهو اسم يلزمه النداء مثل قوله: يا هذِه ولا يراد بها مدح ولا ذم(٦). وقوله بعد (يا هنتاه): (أَلَمْ تَسْمَعِي) كذا هنا. وفي المغازي: (ولم تسمعي)(٧). وفي مسلم: (أو لم تسمعي)(٨). (١) ذكر تحت الكلمة: يعني وثلاثين. (٣) ((المفهم)) ٧/ ٣٧٠. (٢) ((غريب الحديث)) ١٣٨/١. (٤) (تهذيب اللغة)) ٣٨٠٢/٤-٣٨٠٣. (٥) سلف برقم (١٦٧٩). (٦) ((الصحاح)) ٦/ ٢٥٦١ مادة (هنا). (٧) سيأتي برقم (٤١٤١) باب: حديث الإفك. (٨) مسلم (٢٧٧٠) كتاب: التوبة، باب: في حديث الإفك وقبول توبة القاذف.