Indexed OCR Text

Pages 241-260

◌َالحَ
.٥ - كتابة المكاتب
(الكتابة من الكتب) أي: الجمع وهي في الشرع تعليق عتق بصفة
ضمنت معاوضة.
١ - باب المُكَاتَبٍ وَنُجُومِهِ في كُلِّ سَنَةٍ نَجْمُّ
وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالَّذِينَ يَغُونَ الْكِثَبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ
فَكَاِبُهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَءَاتُوُهُم مِّن مَّالِ اَللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنَّكُمْ
[النور: ٣٣]. وَقَالَ رَوْحٌ، عَنِ ابن جُرَيْج: قُلْتُ لِعَطَاءٍ:
أَوَاجِبٌ عَلَيَّ إِذَا عَلِمْتُ لَهُ مَالَا أَنْ أُكَاتِبَهُ؟ قَالَ: مَا أُرَاهُ إِلَّا
وَاجِبًا. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَتَأْثُرُهُ عَنْ أَحَدٍ؟
قَالَ: لَا. ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنَّ مُوسَى بْنَ أَنَسِ أَخْبَرَهُ أَنَّ سِيرِينَ
سَأَلَ أَنَسًا المُكَاتَبَةَ - وَكَانَ كَثِيرَ المَالِ - فَأَبَى، فَانْطَلَقَ
إِلَى عُمَرَ فَقَالَ کَاتِبْهُ. فَأَبَى، فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ وَيَتْلُو عُمَرُ:
﴿فَكَاِبُهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فَكَاتَبَهُ.

٢٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٢٥٦٠ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، قَالَ عُزْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ
رضي الله عنها إِنَّ بَرِيرَةَ دَخَلَتْ عَلَيْهَا تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا وَعَلَيْهَا خَمْسَةُ أَوَاقٍ،
تُجْمَتْ عَلَيْهَا فِي ◌َمْسٍ سِنِينَ، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ - وَنَفِسَتْ فِيهَا -: أَرَأَيْتِ إِنْ عَدَدْتُ
لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةَ، أَيَبِيعُكِ أَهْلُكِ، فَأُعْتِقَكِ، فَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي؟ فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا،
فَعَرَضَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: لَا، إِلَّ أَنْ يَكُونَ لَنَا الوَلَاءُ. قَالَتْ عَائِشَةُ فَدَخَلْتُ عَلَى
رَسُولِ اللهِ يَِّ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ◌ِهِ: ((اشْتَرِيهَا فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا
الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ◌ِ فَقَالَ: «مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا
لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهْوَ بَاطِلٌ، شَرْطُ
اللهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ)). [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ٥ /١٨٥]
وقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ
عَائِشَةُ إِنَّ بَرِيرَةَ دَخَلَتْ عَلَيْهَا تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا .. الحديث بطوله.
الشرح:
هذِهِ الآية أصل في مشروعية الكتابة وكانت معروفة قبل الإسلام
فأقرها الشارع وعملت بها الأمة والسلف، واختلف في أول من
كوتب في الإسلام، فقيل: سلمان الفارسي كاتب أهله على مائة وَدْيَة
نجمها لهم. فقال العَيْه: ((إذا غرستها فآذني)) فلما غرستها آذنته، فدعا
فيها، فلم تمت منها ودية واحدة(١).
وقيل: أول من كتب في الإسلام أبو مؤمل. فقال الثَّها: ((أعينوا
أبا مؤمل)) فأعين فقضى كتابته وفضلت عنده، فاستفتى رسول الله واله
فقال: ((أنفقها في سبيل الله))(٢).
(١) رواه أحمد ٤٤١/٥، الطبراني في ((الكبير)) (٦٠٦٥) ٢٢٢/٦، والحاكم ٢١٧/٢ -
٢١٨، والبيهقي ٣٢١/١٠.
(٢) رواه البيهقي في ((السنن)) ٧/ ٢١.

٢٤٣
= ڪِتَبُ المُڪَاتَبِ
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْنَغُونَ الْكِنَبَ﴾ [النور: ٣٣] احتج به على أن السيد
لا يجبر عبده عليها ومعنى ﴿يَبْتَغُونَ﴾ يطلبون، وفيه خلاف للمالكية(١).
والكتاب والمكاتبة واحد، والمكاتبة مفاعلة مما يكون من أثنين؛
لأنها معاقدة بين السيد وعبده(٢)، والأمر بالكتابة على الندب خلافًا
لداود حيث قال على الوجوب إذا سأله العبد أن يكاتبه بقيمته أو أكثر.
وقال إسحاق بالوجوب. قال: أخشى أن يأثم سيده إن لم يفعل
ولا يجبره الحاكم(٣).
قال ابن حزم: وبإيجابه وإجباره يقول أبو سليمان وأصحابنا (٤).
وقال عكرمة أيضًا بالوجوب (٥).
حجة الجمهور أن الإجماع منعقد على أن السيد لا يجبر على بيع
عبده وإن ضوعف له في الثمن، وإذا كان كذلك كان أحرى وأولى أن
لا يخرج [عن](٦) ملكه بغير عوض لا يقال أنها طريق العتق،
والشارع متشوف إليه فخالف البيع؛ لأن التشوف إنما هو في محل
مخصوص، وأيضًا الكسب له فكأنه قال: أعتقني مجانًا .
وقال عطاء: يجب عليه إن علم له مالًا، كما حكاه البخاري،
وأسنده ابن حزم من طريق إسماعيل بن إسحاق، حدثنا علي بن
عبد الله، ثنا روح بن عبادة، ثنا ابن جريج به (٧).
(١) أنظر: ((النوادر)) ٦٣/١٣-٦٤.
(٢) أنظر: ((المصباح المنير)) ص ٢٠٠، ((التعريفات)) ص ٣٥ مادة (كتب).
(٣) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤١٢/٤، ((الإشراف)) ١٧٤/٢.
(٤) ((المحلى)) ٢٢٤/٩.
(٥) أنظر: ((أحكام القرآن)) لابن العربي ١٣٨٢/٣.
(٧) ((المحلى)) ٢٢٣/٩.
(٦) من (ف).

٢٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وأثر ابن جريج رواه ابن سعد في ((طبقاته)).
أخبرنا يزيد بن هارون، أنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس
قال: أرادني ابن سيرين على الكتابة فأبيت عليه فأتى عمر فذكر ذلك له،
فأقبل علي عمر، فقال: كاتبه.
وأخبرنا محمد بن حميد العبدي، عن معمر، عن قتادة قال: سأل
سيرين أبو محمد أنس بن مالك، فأبى أنس فرفع عمر بن الخطاب
عليه الدرة، وقال: كاتبوهم، فکاتبه.
وأخبرنا (معن)(١) بن عيسى، ثنا محمد بن عمرو: سمعت محمد بن
سيرين كاتب أنس أبي على أربعين ألف درهم (٢).
وقال ابن حزم: روينا من طريق إسماعيل بن إسحاق، حدثنا علي بن
عبد الله، ثنا غندر، نا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس وفيه:
فقال عمر: والله لتكاتبه وتناوله بالدرة فكاتبه(٣). وتعليق الليث أخرجه
مسلم عن أبي الطاهر بن السرح، عن ابن وهب، عن يونس به (٤)،
وأنها كانت لم تؤد من كتابتها شيئًا.
واختلف العلماء في الخير في الآية، فقالت طائفة: الدين والأمانة.
وقالت أخرى: المال مثل ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَرْ لَشَدِيدُ ﴾﴾، و﴿إِن تَرَكَ
خَيْرًا﴾. والأول قول الحسن والنخعي(٥)، والثاني قول ابن عباس(٦).
(١) في الأصل: معمر، والمثبت من ((الطبقات الكبرى)) وهو الصواب.
(٢) ((الطبقات الكبرى)) ١١٩/٧ - ١٢٠.
(٣) ((المحلى)) ٢٢٣/٩.
(٤) مسلم (١٥٠٤/ ٧).
(٥) رواهما الطبري في ((تفسيره)) ٩/ ٣١٣ (٢٦٠٢٨، ٢٦٠٣١).
(٦) رواه الطبري في ((تفسيره) ٩/ ٣١٣ (٢٦٠٢٤).

٢٤٥
كِتَابُ المُكَاتَبِ
=
وقال مجاهد: الخير: المال والأداء (١). وقال مالك: سمعت بعض
أهل العلم يقول: هو القوة على الأكتساب والأداء (٢). وعن الليث نحوه.
وكره ابن عمر كتابة من لا حرفة له فيبعثه على السؤال، وقال:
يطعمني أوساخ الناس(٣)، وعن سليمان مثله. وضعف الطحاوي الثاني
فقال: من قال: إنه المال لا يصح عندنا؛ لأن العبد نفسه مال
لمولاه، فكيف يكون له مال؟ والمعنى عندنا: إن علمتم فيهم الدين
والصدق، وعلمتم أنهم يعاملونكم على أنهم متعبدون بالوفاء لكم بما
عليهم من الكتابة والصدق في المعاملة فكاتبوهم(٤).
وقال ابن حزم لما ذكر القول: والثاني موضوع كلام العرب؛ لأنه لو
أراد المال لقال: إن علمتم لهم خيرًا أو عندهم أو معهم خيرًا؛ لأن بهذه
الحروف يضاف المال إلى من هو له في لغة العرب، ولا يقال أصلاً في
فلان مال، فعلمنا أنه لم يرد المال، فيصح أنه الدين ولا خير في دين الكافر،
وكل مسلم على أديم الأرض فقد علمنا فيه الخير بقول الشهادتين، وهذا
أعظم ما يكون من الخير، روي عن علي أنه سئل: أكاتب وليس لي مال؟
فقال: نعم. فصح أن الخير عنده لم يكن المال(٥).
وفي ((المصنف)): لما كاتب ابن التياح حث [عليّ] على عطيته
فجمعوا له(٦)، وكذا فعله أبو موسى وابن عباس وردوا ما فضل في
(١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٣١٤/٩.
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٩/ ٣١٣ (٢٦٠٢٦).
(٣) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٩/ ٣١٣ (٢٦٠٢٤).
(٤) ((أحكام القرآن)) للطحاوي ٢/ ٤٥٧، ٤٥٨.
(٥) ((المحلى)) ٢٢٢/٩.
(٦) رواه عبد الرزاق ٨/ ٣٧٣ (١٥٥٨١).

٢٤٦
لتوضيح لشرح الجامع الصحيح =
المكاتبين، وعن عبيدة ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣] قال: إن أقاموا الصلاة،
وعن الحسن: دين وأمانة(١)، وفي لفظ: الإسلام والوفاء(٢).
وقول ابن عباس قال به عطاء ومجاهد(٣) وأبو رزين(٤)، وفي
((المصنف)): كتب عمر بن الخطاب إلى عمير بن سعد أنه من قبلك
من المسلمين أن يكاتبوا أرقاءهم على مسألة الناس، وكرهه أيضًا
سلمان(٥).
وقالت طائفة بكلا الأمرين، وهو قول سعيد أخي الحسن
والشافعي(٦)، وأباح الحنفيون والمالكيون كتابة الكافر الذي لا مال له
ولما سئل عثمان في مكاتبة مولى له قال: لولا أنه في كتاب الله
ما فعلت. وروي أيضًا عن مسروق والضحاك(٧).
واختلفوا في الإيتاء في الآية، فذهب مالك وجمهور العلماء كما
حكاه عنهم ابن بطال إلى أن ذلك على الندب والحض أن يضع الرجل
عن عبده من أجل كتابته شيئًا مسمى يستعين به على الخلاص،
وذهب الشافعي وأهل الظاهر إلى أن الإيتاء للعبد واجب (٨).
قال ابن بطال: وقول الجمهور أولى؛ لأنه وَلي لم يأمر موالي بريرة
بإعطائها شيئًا، وقد كوتبت وبيعت بعد الكتابة، ولو كان الإيتاء واجبًا
(١) رواه عبد الرزاق ٣٧١/٨ (١٥٥٧٣، ١٥٥٧٤).
(٢) أنظر: ((المحلى)) ٢٢٢/٩.
(٣) رواها عبد الرزاق ٣٦٩/٨-٣٧٠ (١٥٥٧٠).
(٤) انظر: ((المحلى)) ٩/ ٢٢٢.
(٥) رواه عبد الرزاق ٣٧٤/٨ (١٥٥٨٣).
(٦) أنظر: ((السنن الكبرى)) للبيهقي ٣١٨/١، ((المحلى)) ٢٢٢/٩.
(٧) أنظر: ((المحلى)) ٢٢٣/٩.
(٨) انظر: ((الأم)) ٣٦٤/٧، ((الإشراف)) ١٧٦/٢، ((المحلى)) ٢٤٦/٩.

٢٤٧
كِتَابُ المُكَاتَبِ
=
لكان مقدرًا كسائر الواجبات، يعني: إذا امتنع السيد من حطه أدعاه عند
الحاكم عليه، فأما دعوى المجهول فلا يحكم بها، ولو كان الإيتاء واجبًا
وهو غير مقدر لكان الواجب للمولى على المكاتب هو الباقي بعد
الحط، فأدى ذلك إلى جهل مبلغ الكتابة، وذلك لا يجوز.
قلت: حديث بريرة لا حجة فيه؛ لأن بالبيع أرتفعت الكتابة، وكان
النخعي يذهب في تأويل الآية أنه خطاب للموالي وغيرهم(١)، وقاله
(٢)
الثوري(٢).
قال الطحاوي: وهو حسن من التأويل، حض الناس جميعًا على
معاونة المكاتبين لكي يعتقوا(٣). واختلفوا في مقداره فروي عن ابن
مسعود الثلث(٤)، وعن علي: الربع(٥). وقال سعيد بن جبير: يضع
عنه شيئًا، ولم یحده.
تنبيهات: أحدها: قول البخاري: (ونجومه في كل سنة نجم) الظاهر
من قول مالك أن الكتابة تكون منجمة، ولا نص في الحالّة عنده، كما
قال مالك. (قال)(٦): ومحققو أصحابه يجوزونها ويقولون خلافًا
للشافعي؛ لأنها عتق بعوض فجازت مع تعجيله وتأجيله، أصله بيع
العبد من نفسه(٧).
(١) رواه عبد الرزاق ٣٧٦/٨ - ٣٧٧ (١٥٥٩٣).
(٢) أنظر: ((أحكام القرآن)) للطحاوي ٤٧٥/٢.
(٣) (شرح مشكل الآثار)) ١١/ ١٦١.
(٤) انظر: ((أحكام القرآن)) للطحاوي ٤٧٤/٢.
(٥) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٣١٥/٩ (٢٦٠٤٦).
(٦) كذا في الأصل، غير منسوب، بينما قد عزاه الحافظ في ((الفتح)) ١٨٥/٥ لابن
التين، وعزاه العيني في ((العمدة)) ٤٣/٤ لأبي بكر في ((الجواهر)). فاستفده.
(٧) انظر: ((المعونة)) ٣٨٠/٢.

٢٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وعندنا لا يكون في أقل من نجمين(١)، واختاره بعض المالكية.
وقال ابن بطال: سنة الكتابة أن تكون على نجوم تؤدى نجمًا بعد
نجم، قال: وأجاز مالك والكوفيون الكتابة الحالة، فإن وقعت حالة
أو على نجم واحد فليست كتابة عند الشافعي، وإنما هو عتق على
صفة(٢).
ثانيها: قد أسلفنا أن الخير هو الدين والأمانة أو المال، وبعضهم
قال: إنه الصلاة. وهو قول عبيدة وهو داخل في الدين، وكذا قول من
قال: إنه العقد والصلاح والوفاء. ونقل في ((الزاهي)) عن أكثر العلماء
أنه المال.
ثالثها: احتج به القاضي في ((معونته)) على جواز جمع المكاتبين في
كتابة واحدة لقوله: ﴿فَكَاِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣]، ومنعه الشافعي(٣).
رابعها: قوله: (قلت لعطاء: تأثره عن أحد؟) وفي نسخة أتأثره؟
وقال ابن التين: قوله: على أحد، أي: تذكره عن أحد.
وقوله: (فأبى، فضربه بالدرة) فعله نصحًا له، ولو كانت الكتابة
لازمة ما أبى، وإنما ندبه عمر إلى الأفضل، وروي أنه أمره بكتابة
سيرين فأبى، فرفع عليه الدرة فكاتبه، فأتاه بنجومه قبل محلها فأبى
قبولها حتى تحل، فرفعها عليه أيضًا فأخذها.
(١) أنظر: ((البيان)) ٨/ ٤١٧.
(٢) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤١١/٤، ((شرح ابن بطال)) ٧٤/٧.
(٣) ((المعونة)) ٣٨٨/٢، والذي نص عليه الشافعية: لو كاتب ثلاثة أعبد على ألف في
صفقة واحدة، ولم يميز نجوم كل واحد، فالنص صحة الكتابة، والنص في شراء
ثلاثة أعبد من ثلاثة ملاك بعوض واحد الفساد.اهـ
انظر: ((الوسيط)) ٤٠٢/٤، ((البيان)) ٤٢١/٨، ((روضة الطالبين)) ٢١٦/١٢-٢١٧.

٢٤٩
كِتَابُ المُكَاتَبِ
=
خامسها: يجوز نجم الكتابة قل أو كثر، ولا حدّ فيه، واعترض ابن
بطال فقال: قول الشافعي: لا يجوز أقل من نجمين لو كان صحيحًا لجاز
لغيره أن يقول: لا تجوز على أقل من خمسة نجوم؛ لأن أقل النجوم التي
كانت على عهده الّ في بريرة وعلم بها وحكم فيها كانت خمسة، وكان
بصواب الحجة أولى، وأيضًا فإن النجم الثالث لما لم يكن شرطًا في
صحتها بإجماع، فكذا الثاني؛ لأن كل واحد منهما له مدة يتعلق بها
تأخير مال الكتابة، فإذا لم يكن أحدها شرطًا وجب أن لا يكون
الآخر كذلك، ولما أجمعوا أنه لو قال له: إن جئتني من المال بكذا
إلى شهر أنه جائز وليس بكتابة، فكذلك ما أشبهه من الكتابة (١).
وما ذكره غير وارد؛ لأنه واقعة عين، وسيأتي أنه سبع أواق من عند
البخاري ففاته إيرادها عليه.
سادسها: أحتج بقوله في الحديث: (وعليها خمس أواق نجمت
عليها في خمس سنين) من أجاز النجامة في الديون كلها على أن
يقول: في كل شهر وفي كل عام كذا ولا يقول: في أول الشهر،
ولا في آخره ولا في وسطه؛ لأنه لم يذكر فيه أي وقت يحل النجم
فيه ولم ينكر الَّه ذلك وأبى هذا القول أكثر الفقهاء. وقالوا: لابد أن
يذكر أي شهر من السنة يحل النجم فيه، أو أي وقت من الشهر يحل
النجم فيه، فإن لم يذكر ذلك فهو أجل مجهول لا يجوز؛ لأنه وَله
نهى عن البيع إلا إلى أجل معلوم ونهى عن حبل الحبلة وهو نتاج
النتاج وليس تقصير من قصر عن مثل هذا المعنى في حديث بريرة
بضائر لتقرير هذا المعنى عندهم.
(١) ((شرح ابن بطال)) ٧/ ٧٥.

٢٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
سابعها: (أواق) جمع أوقية مشدد والجمع أواقي مشدد ومخفف
أيضًا، (ونفست): رغبت، ومنه ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَّنَفِسُونَ﴾ وفيه أن بيع
الأمة لا يكون طلاقًا، خلافًا لابن عباس وابن المسيب وأنس
وأُبي(١)؛ لأنه لو كان طلاقًا ما خيرها الشارع، وفيه: رد على ابن
عباس حيث قال: إن المكاتب حر بنفس الكتابة (٢)، وفيه: جواز بيع
المكاتب للعتق، ويجوز بيع كتابته عند مالك(٣)، ومنعه أبو حنيفة
والشافعي وعبد العزيز وربيعة (٤).
وفيه: فسخها، وقيل: إنها عجزت نفسها.
وفيه: أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم. وقال ابن مسعود: إذا
أدى النصف كان حرًّا ويتبع، وقيل: إذا أدى الثلث كان حرًّا ويتبع
أيضًا، وقيل: الربع، وقيل: إذا أدى قيمته(٥).
وفي قوله: ( ((من أشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل)))، وفي
الباب الذي بعده: ((وإن اشترط مائة مرة)).
فيه: أن مفهوم الخطاب لا يقوم مقام الخطاب، وأن ما فوق المائة
داخل في حكم المائة وهو مثل قوله: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَنْ يَغْفِرَ
اللَّهُ لَهُمْ﴾ .
(١) أنظر: ((السنن الكبرى)) للبيهقي ١٦٨/٧.
(٢) قال الطحاوي في ((أحكام القرآن)) ٤٥٩/٢: وهذا القول عندنا فاسد، ولم نجد له
إمامًا قال به، غير أن بعض أهل العلم ذكره عن ابن عباس، ولم يذكر إسنادًا، وذلك
عندنا غیر صحیح عن ابن عباس، بل قد وجدنا عنه عن رسول الله ګ خلافه.اهـ.
(٣) انظر: ((الاستذكار)) ٢٩٨/٢٣.
(٤) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٢٩/٤، ((الإشراف)) ١٨٩/٢.
(٥) ((السنن الكبرى)) للبيهقي ٣٢٦/١٠.

٢٥١
-- كِتَابُ المُكَاتَبِ
وفيه: جواز كتابة الأمة وإن كانت تسأل، وذكر القاضي في ((معونته))
أن ذلك مكروه ولما روي عن عثمان: لا تكلفوا الأمة الكسب فتكتسب
بفرجها. ونقل أتفاق أصحاب مالك أنه لا ينبغي أن يكاتب إلا لمن في
يدها صنعة(١).
واختلف في كتابة الكبير إذا لم يكن له حرفة والمشهور جوازه،
وروي منعه وعزي لابن عمر وأبيه، واختلف في كتابة الصغير ففي
((المدونة)): هي جائزة. وقال أشهب: لا(٢)، وذكر ابن القصار عن
مالك في ذلك قولين وقول أهل بريرة في الباب الذي بعده: إن شاءت
أن تحتسب عليك - وهو من الحسبة- أن تحتسب الأجر من الله.
(١) ((المعونة)) ٣٨٢/٢.
(٢) ((المدونة)) ١٤/٣.

٢٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٢ - باب مَا يَجُوزُ مِنْ شُرُوطِ المُكَاتَبٍ،
وَمَنِ اشْتَرَّطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ
٢٥٦١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُزْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ رضي
الله عنها أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا، وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا
شَيْئًا، قَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ أَزْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ، فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَيَكُونَ
وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لِأَهْلِهَا، فَأَبَوْا وَقَالُوا إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ
فَلْتَفْعَلْ، وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لَنَا. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ وَِّ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ يَّةٍ:
((ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). قَالَ ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ فَقَالَ: «مَا
بَالُ أَنَاسِ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي
كِتَابِ اللهِ فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنْ شَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ، شَرْطُ اللهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ)). [انظر: ٤٥٦ -
مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ١٨٧/٥]
٢٥٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: أَرَادَتْ عَائِشَةُ - أُمُّ المُؤْمِنِينَ - أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً لِتُعْتِقَهَا،
فَقَالَ أَهْلُهَا: عَلَى أَنَّ وَلَءَهَا لَنَا. قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكِ، فَإِنَّمَا
الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). [انظر: ٢١٥٦ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ١٨٨/٥]
ثم ساق حديث عائشةَ في قصة بَريرة بطوله، وقال في أوله: حدثنا
قتيبة، ثنا الليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة. وبخط
الدمياطي على (الليث) صح وفي الحاشية عن عقيل، وعليه علامة
نسخة. ثم ساقه من حديث ابن عمر وترجم عليه أيضًا.

٢٥٣
ـ كِتَابُ المُكَاتَبِ
٣ - باب اسْتِعَانَةِ المُكَاتَبِ، وَسُؤَالِهِ النَّاسَ
٢٥٦٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: جَاءَتْ بَرِيرَةُ فَقَالَتْ إِّ كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَىَ تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي
كُلِّ ◌َامٍ وَقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً
وَأُعْتِقَكِّ فَعَلْتُ، وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي. فَذَهَبَتْ إِلَى أَهْلِهَا، فَأَبَوْا ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: إِّ
قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأَبَوْا إِلَّ أَنْ يَكُونَ الوَلَاءُ لَهُمْ.
فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ◌ِ﴿ فَسَأَنِي فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ((خُذِيهَا فَأَعْتِقِيهَا،
وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ
وَ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ
يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟ فَأَيُّمَا شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهْوَ
بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، فَقَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللهِ أَوْتَقُ، مَا بَالُ رِجَالٍ
مِنْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَعْتِقْ يَا فُلَانُ وَلِيَ الوَلَاءُ. إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). [انظر:
٤٥٦ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ١٩٠/٥]
ثم ساق من حديث عائشةَ، وفيه: فقالت - تعني : بريرة- كَاتَبْتُ عَلَى
تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ أوقية، فَأَعِينِيني. وترجم عليه أيضا.

٢٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٤ - باب بَيْعِ المُكَاتَبٍ إِذَا رَضِيَ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: هُوَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ
ثَابِتٍ: مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ. وَقَالَ ابن عُمَرَ: هُوَ عَبْدٌ إِنْ
عَاشَ وَإِنْ مَاتَ وَإِنْ جَنَى، مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
٢٥٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ، عَنْ يَخْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُ عَائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ رضي الله عنها،
فَقَالَتْ لَهَا: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَصُبَّ لَهُمْ ثَنَكِ صَبَّةً وَاحِدَةَ فَأُعْتِقَكِ فَعَلْتُ. فَذَكَرَتْ
بَرِيرَةُ ذَلِكَ لِأَهْلِهَا، فَقَالُوا: لَا، إِلَّ أَنْ يَكُونَ وَلَاؤُكِ لَنَا. قَالَ مَالِكٌ: قَالَ يَحْيَى: فَزَعَمَتْ
عَمْرَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ نَّةِ، فَقَالَ: ((اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا
الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَق». [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ١٩٤/٥]
ثم ساق حديثها (١) في قصتها ثم ترجم عليه :
(١) جاء في هامش الأصل: ساق في سنده إلى عمرة بنت عبد الرحمن أن بريرة جاءت
تستعين .. وهذا مرسل؛ لأنها حكت قصة لم تدركها. فكان نقلها لذلك مرسلًا،
فاعلمه وإن تشأ فقل: منقطع.

٢٥٥
= كِتَابُ المُكَاتَبِ
٥ - باب إِذَا قَالَ المُكَاتَبُ: اشترني وَأَعْتِقْنِي؛
فَاشْتَرَّاهُ لِذَلِكَ
٢٥٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَيْمَنُ
قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها فَقُلْتُ: كُنْتُ غُلَامًا لِعُثْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ،
وَمَاتَ وَوَرِتَنِي بَنُوهُ، وَإِنَّهُمْ بَاعُونٍ مِنَ ابن أَبِي عَمْرٍو، فَأَعْتَقَنِي ابن أَبِي عَمْرٍو، وَاشْتَرَطَ
بَنُو عُثْبَةَ الوَلَاءَ. فَقَالَتْ: دَخَلَتْ بَرِيرَةُ وَهْيَ مُكَاتَبَةٌ فَقَالَتِ أَشْتَرِينِي وَأَعْتِقِينِي.
قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَتْ: لَا يَبِيعُونِي حَتَّى يَشْتَرِطُوا وَلَائِي. فَقَالَتْ لَا حَاجَةَ لِي بِذَلِكَ.
فَسَمِعَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ◌ِ - أَوْ بَلَغَهُ - فَذَكَرَ لِعَائِشَةَ، فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ مَا قَالَتْ لَهَا، فَقَالَ:
((اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا، وَدَعِيهِمْ يَشْتَرِطُونَ مَا شَاءُوا)). فَاشْتَرَتْهَا عَائِشَةُ فَأَعْتَقَتْهَا،
وَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا الْوَلَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، وَإِنِ اشْتَرَطُوا مِائَةً
شَرْطٍ )). [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ١٩٦/٥]
ثم ساق حديثها في قصتها، وفي أوله: قال أيمن: دخلت على
عائشة فقلت: كُنْتُ غُلَامًا لِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ، وَمَاتَ وَوَرِثَنِي بَنُوهُ،
وَإِنَّهُمْ بَاعُونِي مِنَ عبد الله بن أَبِي عَمْرٍو المخزومي، فَأَعْتَقَنِي ابن أَبِي
عَمْرٍو، وَاشْتَرَطَ بَنُو عُتْبَةَ الوَلَاءَ. فَقَالَتْ: دَخَلَتْ بَرِيرَةُ، .. ثم ساقت
قصتها.
الشرح :
تعليق عائشة أخرجه الطحاوي عن يونس، ثنا ابن وهب، ثنا ابن أبي
ذئب، عن عمران بن بشير، عن سالم، عنها: إنك عبد ما بقي عليك
شيء، وحدثنا أبو بشر، ثنا أبو معاوية وشجاع بن الوليد، عن
عمرو بن ميمون، عن سليمان بن يسار قال: استأذنت على عائشة،
فقالت: كم بقي عليك من كتابتك؟، قلت: عشر أواق، قالت: أدخل

٢٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فإنك عبد ما بقي عليك شيء (١).
وللبيهقي: ما بقي عليك درهم. وله أنها قالت: سالم، لا تزال
مملوكًا ما بقي من كتابتك درهم(٢).
وأثر زيد رواه الشافعي عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد،
عنه به(٣). وللطحاوي: عن علي بن شيبة، ثنا يزيد بن هارون، أنا سفيان
به: كان زيد بن ثابت يقول: المكاتب عبد ما بقي عليه شيء من
كتابته(٤)، وكان جابر بن عبد الله يقول: شروطهم جائزة بينهم (٥).
وأثر ابن عمر أسنده الطحاوي أيضًا، عن يونس، عن ابن وهب،
أخبرني أسامة بن زيد ومالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: المكاتب
عبد ما بقي عليه من كتابته شيء (٦). وللبيهقي من حديث عبيد، عن
نافع: ما بقي عليه درهم(٧). وللنسائي من حديث قتادة عن خلاس بن
عمرو، عن علي بن أبي طالب. وقال أيوب عن عكرمة، عن ابن
عباس، عن رسول الله وَ لٍ: ((المكاتب يعتق منه بقدر ما أدى، ويقام
عليه الحد بقدر ما عتق منه))(٨).
(١) ((شرح معاني الآثار)) ١١٢/٣.
(٢) ((السنن الكبرى)) ٣٢٤/١٠.
(٤) ((شرح معاني الآثار)) ١١٢/٣.
(٣)
((الأم)) ٧/ ٣٨٢.
(٥) سيأتي قبل حديث (٢٧٣٥) كتاب: الصلح، باب: المكاتب وما لا يحل من
الشروط.
(٦) ((شرح معاني الآثار)) ١١٢/٣.
((السنن)) ١٠/ ٣٣٢.
(٧)
(٨) ((المجتبى)) ٤٦/٨.

٢٥٧
= كِتَابُ المُكَاتَبِ
ولأبي داود من حديث ابن عباس قضى رسول الله وَّير في المكاتب
يقتل يؤدي ما أدى من كتابته دية الحر وما بقي دية المملوك(١).
وللنسائي من حديث علي مرفوعًا: ((يؤدي المكاتب بقدر ما أدى))(٢).
قال ابن حزم: هذا خبر صحيح ولا يضره من خطأه، وأن حماد بن
زيد أرسله عن أيوب وأن ابن عُلية رواه أيضًا عن أيوب موقوفًا؛ لأن
الثقات الأثبات أسندوه: حماد بن سلمة ووهيب ويحيى بن أبي كثير
وقتادة بن دعامة، عن خلاس، عن علي وما منهم أحد إن لم يكن
فوق ابن زيد لم يكن دونه، فكيف وقد أسنده أيضًا حماد بن زيد،
عن أيوب ويحيى بن أبي كثير كلاهما، عن عكرمة عند النسائي(٣)،
وأما ما ذكروا من إيقاف ابن علية له على عليّ فهو قوة للخبر؛ لأنه
أفتى بما روى (٤).
قال ابن حزم: روي عن عمر وعثمان وجابر وأمهات المؤمنين:
المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، ولا يصح عن أحد منهم؛ لأنه عن
عمر من طريق ابن أرطاة وهو هالك، عن ابن أبي مليكة أن عمر
مرسل، ومن طريق محمد بن عبيد الله العرزمي وهو مثله أو دونه، عن
ابن المسيب أن عمر مرسل، ومن طريق سليمان التيمي أن عمر، ومن
طريق ابن وهب، عن رجال من أهل العلم أن عمر وعثمان وجابرًا،
فذكره. والذي عن أمهات المؤمنين من طريق عمر بن قيس سندل وعن
أم سلمة من طريق أبي معشر وهو ضعيف، ولكنه صحيح، عن عائشة
(١) أبو داود (٤٥٨١).
(٢) ((المجتبى)) ٤٦/٨.
(٣) ((المجتبى) ٨/ ٤٦.
(٤) ((المحلى)) ٢٢٧/٩-٢٢٨.

٢٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وابن عمر وزيد بن ثابت، ومأثور عن طائفة من التابعين منهم عروة
وسليمان بن يسار وصح عن ابن المسيب والزهري وقتادة، ويؤيد هذا
ما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده يرفعه: ((المكاتب عبد ما
بقي عليه درهم)).
قلت: أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وقال: صحيح الإسناد(١).
وصححه ابن حبان من طريق عطاء، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن
رسول الله وسلم قال: ((ومن كان مكاتبًا على مائة درهم فأداها إلا عشرة
دراهم، فهو عبد، أو على مائة أوقية فقضاها إلا أوقية فهو عبد))(٢).
قال ابن حزم: وكذا رواه ابن عمر مرفوعًا وهو خبر موضوع إنما
يعرف من فُتياه(٣). وعن جابر في المكاتب يؤدي صدرًا من كتابته ثم
يعجز، قال: يُرد عبدًا، سيده أحق بشرطه الذي شرط (٤).
قال ابن جريج: وأخبرني ابن (أمية)(٥) أن نافعًا أخبره أن ابن عمر
فعل ذلك بعد أن مر نصف كتابة مكاتبه(٦).
وعن علي: إذا عجز المكاتب، فأدخل نجمًا في نجمين رُدّ في
الرِّقِّ(٧). في سنده ابن أرطاة.
(١) أبو داود (٣٩٢٦)، واللفظ له والنسائي في ((الكبرى)) ١٩٧/٣ (٥٠٢٦)، والحاكم في
((المستدرك)) ٢١٨/٢، وقال النووي فى ((روضة الطالبين)) ٢٣٦/١٢: حسن.اهـ
(٢) ((صحيح ابن حبان)) ١٠/ ١٦١ (٤٣٢١).
(٣) ((المحلى)) ٢٢٩/٩-٢٣١.
(٤) رواه عبد الرزاق ٤٠٦/٨ (١٥٧١٩)، والبيهقي ٣٤٢/١٠.
(٥) في الأصول (علية)، وهو تحريف، والمثبت هو الصواب كما في مصادر التخريج.
(٦) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) ٤٠٧/٨ (١٥٧٢٤)، وابن حزم في ((المحلى))
٩/ ٢٤١، والبيهقي في ((الكبرى)) ٣٤١/١٠.
(٧) رواه ابن أبي شيبة ٣٩٩/٤ (٢١٤٠٦)، والبيهقي ٣٤٢/١٠ وقال: ضعيف. اهـ

٢٥٩
كِتَابُ المُكَاتَبِ
=
وعن أبي أيوب الأنصاري أنه كاتب أفلح، ثم بَدَا له فسأله إبطال
الكتابة دون أن يعجز، فأجابه فرده عبدًا ثم أعتقه بتلّاً(١)، وقد ذكر
ذلك مخرمة بن بكير، عن أبيه أنه لا بأس به، وبه يقول أبو حنيفة
والشافعي ومالك وأبو سليمان، وقال هؤلاء: تعجيز المكاتب جائز
بينه وبين سيده دون السلطان(٢) .
ثم أختلف القائلون بتعجيزه، فعن علي: إذا عجز اُستسعى حولين،
فإن أَدىُ وإلا رُدّ في الرّقّ (٣)، وبهذا يقول الحسن وعطاء بن أبي رباح
ولم يقل جابر ولا ابن عمر بالتلوم بل أرقه ابن عمر ساعة وذكر أنه
عجز، وبه يقول أبو سليمان وأصحابنا(٤)، وعن عليٍّ أيضًا في
المكاتب يعجز أنه يعتق بالحساب(٥).
قال ابن أبي ليلى والحكم بن عتيبة والحسن بن حي وأبو يوسف
وأحمد بن حنبل: لا يرق حتى يتوالى عليه نجمان لا يؤديهما(٦).
وقال الأوزاعي: إذا عجز استوفى به شهران.
(١) رواه ابن سعد في ((الطبقات)) ٨٦/٥.
(٢) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٣٧/٤، ((الإشراف على مذاهب أهل العلم))
١٩١/٢.
(٣) رواه البيهقي ٣٤٢/١٠ من طريق سعيد، عن قتادة، عن خلاس، عن علي، ثم
قال: رواية خلاس عن عليّ لا تصح عند أهل الحديث، فإن صحت فهي محمولة
على وجه المعروف من جهة السيد، فإن لم ينتظر رد في الرق.اهـ
(٤) أنظر: ((المحلى)) ٢٤١/٩.
(٥) رواه عبد الرزاق ٤٠٦/٨ (١٥٧٢١).
(٦) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٣٦/٤-٤٣٧، ((الإشراف)) ١٩١/٢، ((الواضح
في شرح مختصر الخرقي)) ٣٦٠/٥.

٢٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقال أبو حنيفة والشافعي: إذا عجز أستوفي به ثلاثة أيام فقط ثم
يرق(١).
وقال مالك: يتلوم له السلطان بقدر ما يرى(٢).
وإذا كانت الكتابة نجمين أو أكثر، فأراد العبد تعجيلها كلها
أو تعجيل بعضها قبل أجله لم يلزم السيد قبول ذلك ولا عتق العبد،
وهي إلى أجلها.
وقال مالك: يجبر السيد على قبض ذلك ويعجل العتق للمكاتب(٣)،
محتجين بما روي أنّ سيرين كاتب أنسًا وعجل له كتابته فأبى فكتب إليه
عمر بقبولها فقبلها (٤).
وقال الشافعي: إن كانت الكتابة دنانير أو دراهم أجبر السيد على
قبولها، وإن كانت عروضًا لم يجبر (٥).
(١) عزاه لهما ابن في ((المحلى)) ٩/ ٢٤١، وفيه نظر، نعم هو ثابت من كلام أبي حنيفة
وليس كذلك بالنسبة للشافعي.
قال أبو حنيفة في المكاتب يعجز، فيقول: أخروني وقد أجل بنجم، قال: إن كان
له مال حاضر أو مال غائب، يرجو قدومه أخره يومين أو ثلاثة، لا يزيده على ذلك
شيئًا، وإلا ردّ في الرق.اهـ أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٣٥/٤،
و ((الإشراف)) ١٩١/٢.
وقال الشافعي: وإذا قال المكاتب قد عجزت عن محل نجم من نجومه فهو كما
قال هو كمن لم يكاتب، يبيعه سيده ويصنع به ما شاء كان ذلك عند قاضٍ أو لم
يكن اهـ أنظر: ((الأم) ١٢٥/٧.
أضف إلى ذلك أن الطحاوي عند نقل قول أبي حنيفة السابق لم يشر إلى أن
الشافعي وافقه، بل نقل عنه كلامًا آخر. انظر: ((مختصر اختلاف العلماء))
٤٣٥/٤، ٤٣٧، وكذلك فعل ابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٧٨/٢٢.
(٢) أنظر: ((المدونة)) ١١/٣.
(٣) ((الموطأ)) برواية يحيى ص٥٠١.
(٤) سبق تخريجه في أول كتاب: المكاتب. (٥) أنظر: ((الأم)) ٣٩٠/٧.