Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
ـ كِتَابُ المَظَالِمِ وَالغَصْبِ
ثانيها: إن قلت: فهلا أدبها ولو بالكلام، فالجواب: لعله فهم أن
المهدية كانت أرادت بإرسالها ذلك إلى بيتها أذاها والمظاهرة عليها،
فلما كسرتها لم يزد على أن قال: ((غارت أمكم)) وجمع الطعام بيده،
وقال: ((قصعة بقصعة)) وأما ((طعام بطعام)) فلم يغرم الطعام؛ لأنه كان
مهدى فإتلافه قبول له أو في حكمه، وتؤيده رواية أبي داود عن عائشة
قالت: ما رأيت صانع طعام مثل صفية، وأنها صنعت لرسول الله وَال
طعامًا، فبعثت به فأخذتني أَفْكَلٌ - تعني: رعدة- فكسرت الإناء،
فقلت: يا رسول الله، ما كفارة ما صنعت؟ فقال: ((إناء مثل إناء
وطعام مثل طعام)) (١)، وفي إسناده أفلت بن خليفة(٢) صدوق.
ثالثها: عند الحنفية إذا تغيرت العين المغصوبة بفعل الغاصب حتى
زال اسمها وعظم منافعها زال ملك المغصوب عنها وملكها الغاصب
وضمنها ولم يجز له الانتفاع بها حتى يؤدي بدلها (٣).
رابعها: (القصعة) بفتح القاف وسكون الصاد: إناء من عود. قال ابن
سيده: هي صحفة تشبع عشرة، جمعها: قصاع، وقصع (٤)، وكان بعض
شيوخنا يقول: لا تكسر القصعة ولا تفتح الجراب.
(١) أبو داود (٣٥٦٨)، وقد سبق.
(٢) ورد بهامش الأصل: قال الخطابي في حديث ذكره لأفلت: ((إني لا أحل المسجد
لحائض ولا جنب)) ضعف جماعة هذا الحديث وقالوا: أفلت مجهول. قال الإمام
أحمد: لا أرى بأفلت بأسًا. وقال الدارقطني: كوفي صالح ... من كلام النووي في
((شرح المهذب)).
(٣) ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٨١/٤.
(٤) (المحكم)) ١/ ٨٢.

٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٣٥ - باب إِذَا هَدَمَ حَائِطًا فَلْيَبْنِ مِثْلَهُ
٢٤٨٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِبِرِينَ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َ: ((كَانَ رَّجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ
يُقَالُ لَهُ: جُرَيْجٌ، يُصَلِّي، فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ، فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهَا، فَقَالَ: أُجِيبُهَا أَوْ
أُصَلِّ؟ ثُمَّ أَتَتْهُ فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ لَا تُمِنْهُ حَتَّى تُرِيَهُ [وُجُوهَ] المُومِسَاتِ. وَكَانَ
جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: لِأَفْتِنَنَّ جُرَيْجًا. فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَكَلَّمَتْهُ فَأَبَبِى،
فَأَتَتْ رَاعِيًّا، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا. فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَقَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجِ. فَأَتَوْهُ،
وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ، فَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَتَى الغُلَامَ، فَقَّالَ: مَنْ
أَبُوَكَ يَا غُلَامُ؟ قَالَ: الرَّاعِي. قَالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبِ. قَالَ: لَا،
إِلَّا مِنْ طِينٍ)). [انظر: ١٢٠٦ - مسلم: ٢٥٥٠ - فتح: ١٢٦/٥]
ذكر فيه حديث جريج بطوله، وقد سبق، وإلى تبويب البخاري نحا
الشافعي وأبو حنيفة وأبو ثور، فقالوا: إذا هدم رجل لآخر حائطًا، فإنه
يبني له مثله، فإن تعذرت المماثلة رجع إلى القيمة، واقتضى بحث
المتأخرين من الشافعية أن الجدار متقوم وأنه يضمن بالمثل ونقله
النووي في ((فتاويه)) عن النص(١)، واختلف قول مالك في ذلك،
والأشبه بالحديث الإعادة.
و(المومسات) الزواني. وفيه: أن الطفل يدعى غلامًا وهو أحد من
تكلم في المهد، كما سلف. وقيل: إنه أجاب في بطن أمه(٢).
(١) ((فتاوى الإمام النووي)) ص٩٢.
(٢) ورد بهامش الأصل: ويدل له ما رواه أحمد في ((المسند)) من حديث أبي هريرة
وفيه: ((فجعلوا يطوفون بهما في الناس وجعل إصبعه على بطنها، فقال: أي فلان،
من أبوك؟ قال: أبي فلان راعي الضأن ... )) الحديث.

٤٣
= ڪِتَابُ المَظَالِمِ وَالغَصْبِ
وفيه: المطالبة كما طالبت بنو إسرائيل جريجًا بما ادعته المرأة عليه.
وفيه: استنقاذ الرب جل جلاله لصالح عباده وأوليائه عند جور
العامة وأهل الجهل عليهم بآية فيريهم الله إياها، فإن كانت عرضت
في الإسلام، فكرامة يكرمه الله بها وسبب يسببه لا بخرق عادة
ولا قلب عين. قال ابن بطال: وإنما كانت الآيات في بني إسرائيل؛
لأن النبوة كانت ممكنة فيهم غير ممتنعة عليهم، ولا نبي بعد نبينا
فليس يجري من الآيات بعده ما يكون خرقًا للعادة ولا قلبًا لعين،
وإنما يكون كرامة لأوليائه، مثل دعوة مجابة، ورؤيا صالحة، وبركة
ظاهرة، وفضل بيِّن، وتوفيق من الله إلى الإبراء مما أتهم به الصالحون
وامتحن به المتقون، وفي دعاء أمه عليه وهو في الصلاة، دليل أن
دعاء الوالدين إذا كان بنية خالصة أنه قد يجاب، وإن كان في حال
ضجر وحرج ولم يكن على صواب؛ لأنه قد أجيب دعاء أمه بأن
امتحن مع المرأة التي كذبت عليه، إلا أنه تعالى أستنقذه بمراعاته
لأمر ربه فابتلاه وعافاه، وكذلك يجب (للإنسان)(١) أن يراعي أمر ربه
تعالى ودينه ويقدمه على أمور دنياه فتحمد عاقبته(٢).
وقوله: ( ((فتوضأ وصلى))) فيه دلالة أن الوضوء كان لغير هذِه
الأمة، وأن هذه الأمة خصت بالغرة والتحجيل خلافًا لمن خصها
بأصل الوضوء، وقد جاء في حديث سارة حين أخذها الكافر من
إبراهيم أنها توضأت وصلت حتى غط الكافر وركض برجله(٣)، كما
سيأتي في الإكراه، وقد روي أنه لما توضأ ثلاثًا ثلاثًا. قال: ((هذا
(١) في الأصل: الإنسان.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٦١١/٦- ٦١٢.
(٣) سلف برقم (٢٢١٧) كتاب: البيوع، باب: شراء المملوك .. من حديث أبي هريرة.

٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي)» (١) ، فثبت بهذا كله أن الوضوء مشروع قبل
هُذِهِ الأمة.
(١) رواه ابن ماجه (٤٢٠) من حديث أبي بن كعب، بلفظ: ((ووضوء المرسلين من
قبلي)). وضعَّف البوصيري إسناده في ((مصباح الزجاجة)) ١/ ٦٢.

+
*
٤٧
كِتَابُ الََّرِكَ

W
٤٧- كَابُ الَّرِكَةِ
هي بفتح الشين وكسر الراء، وكسر الشين، وإسكان الراء، وفتح
الشين وإسكان الراء وفيها لغة رابعة: شرك بغير تاء تأنيث.
قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْءٍ﴾ [سبأ: ٢٢] أي: من نصيب،
وجمع الشركة: شرك بفتح الراء وكسر الشين، وهي في اللغة: الأختلاط
على الشيوع أو على المجاورة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْحُلَطَاءِ﴾.
[ص: ٢٤].
وفي الشرع: ثبوت الحق لاثنين فصاعدًا في الشيء الواحد كيف
كان. قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَّكَآءُ مُتَشَكِسُونَ﴾ [الزمر:
٢٩] أي: متشاجرون في خدمته؛ يريد كل منهم أن ينفرد بها، ثم هي
تارة تحصل بالخلط وتارة بالشيوع الحكمي كالإرث.

٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١ - باب الشَّرِكَةِ في الطَّعَامِ وَالنَّهْدِ وَالْعُرُوضِ
وَكَيْفَ قِسْمَةُ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ مُجَازَفَةً أَوْ قَبْضَةً قَبْضَةً، لَمَّا
لَمْ يَرَ المُسْلِمُونَ فِي النَّهْدِ بَأُسَا أَنْ يَأْكُلَ هُذا بَعْضًا وهذا
بَعْضًا وَكَذَلِكَ مُجَازَفَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالْقِرَانُ فِي التَّمْرِ.
٢٤٨٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ وَهْبٍ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما أنَّهُ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بَعْثَا قِبَلَ السَّاحِلِ،
فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَهُمْ ثَلَاثمائَةٍ وَأَنَّا فِيهِمْ، فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضٍ
الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ، فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الَجَيْشِ فَجُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ فَكَانَ مِزْوَدي
تَمٍْ، فَكَانَ يُقَوَّتُنَا كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى فَنِيَ، فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنَا إِلَّ تَمْرَةٌ ثَمْرَةٌ، فَقُلْتُ
وَمَا تُغْنِي تَمْرَةٌ فَقَالَ لَقَذَّ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ. قَالَ ثُمَّ أَنْتَهَيْنَا إِلَى البَحْرِ فَإِذَا
حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِبِ، فَأَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الَجَيْشُ ثَانَ عَشْرَةَ لَيْلَةَ، ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ
بِضِلَعَيْنِ مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنُصِبَا، ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ، فَرُحِلَتْ ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا فَلَمْ تُصِبْهُمَا.
[٤٣٦٠،٢٩٨٣، ٤٣٦١، ٤٣٦٢، ٥٤٩٣، ٥٤٩٤ - مسلم: ١٩٣٥ - فتح: ١٢٨/٥]
٢٤٨٤ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مَرْحُومٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي
عُبَيْدِ، عَنْ سَلَمَةَ رضي الله عنه قَالَ: خَفَّتْ أَزْوَادُ القَوْمِ وَأَمْلَقُوا، فَأَتَوَا النَّبِيَّ ◌َِّ فِي
نَحْرِ إِبِلِهِمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَلَقِيَهُمْ عُمَرُ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ مَا بَقَاؤُكُمْ بَعْدَ إِبِكُمْ؟ فَدَخَلَ عَلَى
النَّبِيِّ ◌ََّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا بَقَاؤُهُمْ بَعْدَ إِبِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَالَ: «نَادِ فِي
النَّاسِ فَيَأْتُونَ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ)). فَبُسِطَ لِذَلِكَ نِطَعْ، وَجَعَلُوهُ عَلَى النَّطَعِ، فَقَامَ
رَسُولُ اللهِ مَّيْ فَدَعَا وَبَرَّكَ عَلَيْهِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ بِأَوْعِيَتِهِمْ، فَاحْتَثَى النَّاسُ حَتَّى فَرَغُوا،
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَشْهَدُ أَنْ لَا إله إِلَّ اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ)). [٢٩٨٢ - فتح:
١٢٨/٥]
٢٤٨٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا الأَوَزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّجَاشِيِّ قَالَ:
سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا نُصَلّي مَعَ النَّبِيِّ نَ العَصْرَ فَتَنْحَرُ

٤٩
- كِتَابُ الشَّرِكَةِ
جَزُورًا، فَتُقْسَمُ عَشْرَ قِسَم، فَتَأْكُلُ لُحَمَّا نَضِيجًا قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ. [مسلم: ٦٢٥
- فتح: ١٢٨/٥]
٢٤٨٦ - حَدَّثَنَا يُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُزْدَةَ،
عَنْ أَبي مُوسَى قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َه: ((إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الغَزْوِ أَوْ قَلَّ
طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ، ثُمَّ أَقْتَسَمُوهُ
بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ)). [مسلم: ٢٥٠٠ - فتح: ١٢٨/٥]
(النهد) بفتح النون وإسكان الهاء، قال الأزهري في ((تهذيبه)): هو
إخراج القوم نفقاتهم على قدر عدد الرفقة، يقال: تناهدوا وقد ناهد
بعضهم بعضًا(١) .
وقال ابن سيده: إنه العون، وطرح نهده مع القوم أعانهم
وخارجهم، وقد تناهدوا، أي: تخارجوا يكون ذلك في الطعام
والشراب، وقيل: إنه إخراج القوم نفقاتهم على قدر في الرفقة (٢).
وقال صاحب ((العين)): هو ما يجمعه الرفقاء من مال أو طعام على
قدر في الرفقة ينفقونه بينهم(٣). وقال ابن دريد: يقال من ذلك: تناهد
القوم الشيء: تناولوه بينهم (٤) .
وقال ثعلب: هو النهد بالكسر. قال: والعرب تقول: هات نهدك،
مكسورة النون، وحكى عمرو بن عبيد عن الحسن أنه قال: أخرجوا
نهدكم، فإنه أعظم للبركة، وأحسن لأخلاقكم وأطيب لنفوسكم .
(١) ((تهذيب اللغة)) ٣٦٧٢/٤.
(٢)
((المحكم)) ٤ / ١٩٠.
((العین)) ٢٨/٤.
(٣)
(٤) ((جمهرة اللغة)) ٢ / ٦٨٧.

التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وذكر صاحب ((المطالع)) أن القابسي فسره بطعام الصلح بين القبائل.
قال: وحكى بعضهم فيه فتح النون، وهذا غريب منه كونه قدم الكسرة.
وذكر محمد بن عبد الملك التاريخي في كتاب ((النهد)) عن المدائني وابن
الكلبي وغيرهما: أن أول من وضع النهد الحضير بن المنذر الرقاشي،
وعن قتادة ما أفلس المتلازمان . يعني: المتناهدين.
ذكر فيه أربعة أحاديث:
أحدها :
حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بَعَثَ النبيُّ نَّهِ بَعْثًا، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ
الجَرَّاحِ ... إلى أن قال: فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الجَيْشِ فَجُمِعَ ذَلِكَ
كُلُّهُ فَكَانَ مِزْوَدِي تَمْرٍ .. الحديث بطوله، وقد ساقه مسلم أيضًا.
ثانیھا :
حديث سَلَمَةَ قَالَ: خَقَّتْ أَزْوَادُ القَوْمِ وَأَمْلَقُوا إلى أن قال: ((نَادِ فِي
النَّاسِ فَيَأْتُونَ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ)). فَبُسِطَ لِذَلِكَ نِطَعٌ .. الحديث.
ثالثها :
حديث رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: كُنَّا نُصَلِّ مَعَ النَّبِيِّ نَّ العَصْرَ فَنَنْحَرُ
جَزُورًا، فَتُقْسَمُ عَشْرَ قِسَم، فَتَأْكُلُ لَحْمًا نَضِيجًا قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ.
رابعها :
حديث أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ النَِّيُّ ◌َّهِ: ((إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي
الغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ،
ثُمَّ أَقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ)).

كِتَابُ الشَّرِكَةِ
=
الشرح :
أما حديث جابر فكرره البخاري، كما ستعلمه بعد، وقد أسلفنا أن
مسلمًا طرقه. وأما حديث سلمة فمن أفراده. قال الإسماعيلي: أخبرني
محمد بن العباس، ثنا أحمد بن يونس، ثنا النضر بن محمد، ثنا
عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه بمعنى هذا الحديث.
قال: وقال أحمد بن حنبل: عكرمة عن إياس صحيح أو محفوظ
أو كلامًا هذا نحوه، ولم يرضه في يحيى بن أبي كثير. قلت: قد ساقه
الطبري من حديث أبي حذيفة، حدثنا عكرمة به.
وفيه: أن الأزواد كربض الشاة فحشونا جربنا منه، ثم دعا بنطفة من
ماء في إداوة، فأمر بها فصبت في قدح، فجعلنا نتطهر به حتى تطهرنا
جميعًا(١)، وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة: كنا مع رسول الله
نَّ في سفر فنفدت أزواد القوم حتى هم أحدهم بنحر بعض
حمائلهم، فقال عمر : ... الحديث(٢).
وأخرجه البيهقي في ((دلائله)) من حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة
الأنصاري عن أبيه، وفيه: فما بقي في الجيش وعاء إلا ملئوه، وبقي مثله
فضحك حتى بدت نواجذه، وقال: ((أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول
الله، لا يلقى الله عبد مؤمن بهما إلا حجب عن النار))، وأخرجه أيضًا من
حديث أبي خنيس الغفاري بلفظ: خرجت مع النبي ◌ّ في غزوة تهامة،
حتى إذا كنا بعُسفان جهدوا ... الحديث(٣).
(١) رواه الطبراني ١٨/٧ (٦٢٤٤)، عن محمد بن الحسن المصيصي، ثنا أبو حذيفة، به.
(٢) مسلم (٢٧) كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن من مات على التوحيد دخل
الجنة ..
(٣) ((دلائل النبوة)) ١٢١/٦- ١٢٢.

٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وأما حديث رافع فسلف في الصلاة (١)، وشيخ البخاري محمد بن
يوسف هو الفريابي.
إذا تقرر ذلك فقال المهلب: هُذِه القسمة لا تصلح إلا فيما جعل
للأكل خاصة؛ لأن طعام النهد وشبهه لم يوضع للآكلين على أنهم
يأكلون بالسواء، وإنما يأكل كل واحد على قدر نهمته، وقد يأكل
الرجل أكثر من غيره، وهُذِه القسمة موضوعة للمعروف وعلى طريقة
بين الآكلين، ألا ترى جمع أبي عبيدة بقية أزواد الناس، ثم شركهم
فيها بأن قسم لكل واحد منهم، وقد كان فيهم من لم تكن له بقية
طعام، وقد أعطى لبعضهم أقل مما كان بقي له ولآخر أكثر، وكذلك
في حديث سلمة قسمه بينهم بالاحتثاء وهو غير متساو، وهذا الفعل
للشارع هو الذي امتثل أبو عبيدة في جمعه للأزواد، وإنما يكون هذا
عند شدة المجاعة، فللسلطان أن يأمر الناس بالمواساة، ويجبرهم
على ذلك ويشركهم فيما بقي من أزوادهم، وإحياءً لأرماقهم، وإبقاءً
لنفوسهم (٢). ويجوز أن يكون حكمًا حكم به لما شاهد من الضرورة
وخوفه من تلف من لم يبق معه زاد، فظهر له المواساة أو عن رضى
منهم، وكذلك قال بعض العلماء: إن ذلك سنة.
وفيه: أن للإمام أن يواسي بين الناس في الأقوات في الحضر بثمن
وغيره، كما له فعل ذلك في السفر، وقد استدل بعض العلماء بهذا
الحديث؛ وقال: إنه أصل في أن لا يقطع سارق في مجاعة؛ لأن
المواساة واجبة للمحتاجين، وسيأتي كثير من معاني هذا الحديث في
(١) سلف برقم (٥٥٩) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: وقت المغرب، في بيان تعديل
صلاة المغرب، وليس فيه ذكر صلاة العصر.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٦/٧-٧.

٥٣
كِتَابُ الشَّرِكَةِ
=
الجهاد في باب: حمل الزاد في الغزو. وخصه أبو عمر بسرقة المأكل (١)،
وفي حديث رافع: قسمة اللحم بالتجزيء بغير ميزان؛ لأنه من باب
المعروف وهو موضوع للأكل.
وأما قسمة الذهب والفضة مجازفة فغير جائز بالإجماع؛ لتحريم
التفاضل في كل واحد منهما، وإنما اختلفوا في قسمة الذهب مع
الفضة مجازفة أو بيع ذلك مجازفة، فكرهه مالك، ورآه من بيع الغرر
والقمار، ولم يجزه، وأما الكوفيون والشافعي وجماعة من العلماء
فأجازوا ذلك؛ لأن الأصل في الذهب بالفضة جواز التفاضل،
فلا حرج في بيع الجزاف من ذلك وقسمته، وكذلك قسمة البر مجازفة
لا تجوز، كما لا يجوز بيع جزاف بُر ببُرِّ ونحوه، مما حرم فيه
التفاضل وما يجوز فيه التفاضل فإنما الربا فيه في النسيئة خاصة،
وأملق الرجل: افتقر ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقِّ﴾.
[الإسراء: ٣١] أي: الفقر، ومثله أرملوا، يقال: أرمل القوم في
زادهم، وأصله من الرمل كأنهم لصقوا بالرمل، كما قيل في المسكين :
الذي لصق بالتراب.
وفيه منقبة عظيمة للأشعريين من إيثارهم ومواساتهم بشهادة الشارع،
وأعظم ما شرفوا به كونه أضافهم إليه وليس المقصود هنا بالقسمة
المعروفة عند الفقهاء، وإنما المراد هنا إباحة بعضهم بعضًا بموجوده.
تنبيهات :
أحدها: كان بعث أبي عبيدة في رجب سنة ثمان للهجرة، وفيه قوة
إيمان هؤلاء المبعوثين؛ إذ لو ضعف -والعياذ بالله- إيمانهم لما خرجوا
(١) ((التمهيد)) ١٢/٢٣.

٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وهم ثلاثمائة ولیس معهم سوی جراب تمر.
ثانيها: ذكر هنا أنه لما كنا ببعض الطريق فني الزاد، وفي رواية فكان
أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة (١)، وفي أخرى ونحن نحمل أزوادنا على
رقابنا (٢)، وفي أخرى زودهم جرابًا من تمر(٣)، وفي أخرى: فجمع
أبو عبيدة زادهم (٤)، ولمسلم: يعطينا قبضة قبضة(٥)؛ ووجه الجمع
كما قال عياض: أن يكون العَّ زودهم الجراب زائدًا على ما كان
معهم من الزاد من أموالهم، ويحتمل أنه لم يكن في زادهم تمر غير
هذا الجراب، وكان معهم غيره من الزاد، وإعطاء أبي عبيدة تمرة
تمرة كان في الحال الثاني بعد أن فني زادهم وبعد أن أعطاهم قبضة
قبضة، ثم فرغ وفقدوا التمرة ووجدوا لفقدها وقعًا، فلما فقدوها جمع
أبو عبيدة الأزواد(٦). قلت: ويحتمل أن الجراب الذي زودهم الشارع
كان على سبيل البركة، فلذا كانوا يأخذونه تمرة تمرة.
ثالثها: الحوت يقع على الواحد والجميع، جمعه: حيتان وهي
العظام منها. وقال ابن سيده: الحوت: السمك، اسم جنس، وقيل:
هو ما عظم منه، والجمع: أحوات(٧). وقال الفراء: جمعه حِوَته
وأحوات في القليل، فإذا كثرت فهي الحيتان.
(١) رواه مسلم (١٩٣٥) كتاب: الصيد، باب: إباحة ميتات البحر.
(٢) رواه مسلم (٢٠/١٩٣٥)
(٣) رواه مسلم (١٩٣٥/ ١٧)
(٤) سيأتي برقم (٤٣٦٠) كتاب: المغازي، باب: غزوة سيف البحر. ورواه مسلم
(٢١/١٩٣٥).
(٥) مسلم (١٨/١٩٣٥).
(٦) ((إكمال المعلم)) ٦/ ٣٧١ -٣٧٢.
(٧) ((المحكم)) ٣٧٩/٣.

٥
= كِتَابُ الشَّرِكَةِ
وقوله: (ثماني عشرة ليلة) كذا في أصل الدمياطي ثماني لكن
مصلحًا. وقال ابن التين: إنه الصواب الذي في نسخة الأصيلي،
وجاء في رواية فأكلنا منه شهرًا(١)، وفي أخرى نصف شهر(٢). قال
عياض: أكلوا منه نصف شهر طريًّا وبقيته قديدًا(٣). وقال النووي: من
قال شهرًا هو الأصل ومعه زيادة علم، ومن روى دونه لم يَنْف الزيادة،
ولو نفاها قدم المثبت، والمشهور عند الأصوليين أن مفهوم العدد
لا حكم له، ولا يلزم منه نفي الزيادة لو لم يعارضه إثباتها، كيف وقد
عارضه، فوجب قبولها(٤).
رابعها: قد أسلفنا الكلام على المجازفة، وفي الحديث الأول
والذي بعده الشركة، وزعم الداودي أنها ليست من هذا الباب؛ لأنهم
لم يريدوا المبايعة ولا البدل، إنما تفضل بعضهم على بعض، أو أخذ
الإمام من أحدهم، واعترض ابن التين فقال: البخاري إنما أراد أن
حقوقهم تساوت فيه بعد جمعه، فيسمونه جزافًا ولم يرد أصل أخذه،
كما تأول الداودي، ولكن مجازفة الذهب والفضة لم يأت في الباب
ما يدل عليها، فإن كانت مصكوكة، فلم يجزها مالك، واختلف هل
هو على الكراهة أو التحريم؟ وأجازها غيره من أصحابه، وإن كانت
غير مصكوكة جاز بيع بعضها ببعض جزافًا، ذهبًا بفضة نقدًا.
(١) رواه مسلم (١٩٣٥).
(٢) سيأتي برقم (٤٣٦١) كتاب: المغازي، باب: غزوة سيف البحر. ورواه مسلم
(١٨/١٩٣٥).
(٣) ((إكمال المعلم)) ٦/ ٣٧٧.
(٤) ((شرح صحيح مسلم)) ٨٨/١٣.

٥٦
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
خامسها: فيه: فضل أبي عبيدة، وقد سماه الشارع أمين هذِه
الأمة(١).
وفيه: النظر في القوم والتدبير فيه، وفضل الصحابة على ما كان
ينالهم من البؤس، وقد استجابوا الله والرسول من بعد ما أصابهم القرح.
وفيه: رضاهم بالقضاء وطاعتهم للأمير.
وقوله: (تمرة تمرة) هو مما ترجم عليه بالقران في التمر.
وقوله: (ثم انتهينا إلى البحر). قال الداودي: موضع، والظاهر أنه
المعهود.
و(الظرب) بفتح الظاء - يعني: المعجمة - وكسر الراء: الجبل الصغير.
قال الفراء: هو بسكون الراء، وهو الجبل المنبسط ليس بالعالي.
وقوله: (فأمر بضلعين) -يعني: بالمعجمة- ضبط ذلك بكسر الضاد
وفتح اللام. وقال في ((أدب الكاتب)) ضَلْع وضلَع(٢)(٣). وقال الهروي:
هما لغتان والضلع مؤنثة.
وفي حديث سلمة: ما كان عمر عليه من التوفيق والتأييد، وتذكير
الشارع، والتعريض بالطلب.
وفيه: ما للإمام أن يأخذ من أموال بعض عند الضرورة إلى ذلك.
وفيه: مراعاة أحوال الجيش.
(١) سيأتي برقم (٤٣٨٢) كتاب: المغازي، باب: قصة أهل نجران، من حديث أنس،
ورواه مسلم (٢٤١٩) كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل أبي عبيدة.
(٢) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: في ((المطالع)) اللغتان، وزاد: أنه وقع في موضع
من البخاري بالظاء.
(٣) ((أدب الكاتب)) ص ٢٤٠.

٥٧
=
كِتَابُ الشَّرِكَةِ
=
وفيه: جواز الشركة في الطعام وخلط الأزواد في السفر إذا كان ذلك
أرفق بهم.
و(النطع): بكسر النون وفتح الطاء على الأفصح، ومعنى (برك) دعا
فيه بالبركة.
وقوله: (احتثى الناس) أي: أخذوا ما بأيديهم.
وفي حديث رافع: الشركة في الإبل. وفيه: جمع حظوظ رجال في
المقسم، ومالك لا يقول بذلك.
وفيه: نحر إبل المغنم. وفيه: أنه لا يتخير منها إلا بعد القسمة،
ومالك يجيز قبلها.
وقوله فيه: (فنأكل لحمًا نضيجًا قبل الغروب) قد يحتج به على أبي
حنيفة أن أول وقت العصر بعد القامتين. و(النضيج) المطبوخ.
وفيه : جواز هبة المجهول ومشهور مذهب مالك جوازه.

٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٢ - باب مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَّاجَعَانٍ بَيْنَهُمَا
بِالسَّوِيَّةِ فِي الصَّدَقَةِ
٢٤٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ
بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ، أَنَّ أَنَسَا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ
التِي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ وََّ قَالَ: ((وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا
بِالسَّوِيَّةِ)). [انظر: ١٤٤٨ - فتح: ٥ /١٣٠]
ذكر فيه حديث أنس السالف في الزكاة، وهي خلطة ولها تأثير في
الزكاة عندنا وعند مالك، وخالف أبو حنيفة، والحديث دليل عليه؛ لأن
التراجع لا يصح بين الشريكين والرقاب.
قال ابن بطال: وفقه الباب أن الشريكين إذا كان رأس مالهما واحدًا
فهما شريكان في الربح، فمن أنفق من مال الشركة أكثر مما أنفق صاحبه
تراجعا عند الربح بقدر ما أنفق كل واحد منهما، فمن أنفق قليلًا رجع
على من أنفق أكثر منه؛ لأنه ◌َّ لما أمر الخليطين في الغنم بالتراجع
بينهما بالسوية وهما شريكان دل على أن كل شريك في معناهما (١).
(١) ((شرح ابن بطال)) ٨/٧.

٥٩
كِتَابُ الشَّرِكَةِ
٣ - باب قِسْمَةِ الغَنَمِ
٢٤٨٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحَكَمِ الأَنَّصَارِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
صَلَى اللّهِ
وستله.
مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ
بِذِي الْخُلَيْفَةِ فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ، فَأَصَابُوا إِلَا وَغَنَمًّا. قَالَ وَكَانَ النَّبِيُّ ◌َ في
أُخْرَيَاتِ القَوْمِ، فَعَجِلُوا وَذَبَحُوا وَنَصَبُوا القُدُورَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ◌َّه ◌ِالْقُدُورِ فَأَكْفِئَتْ، ثُمَّ
قَسَمَ فَعَدَلَ عَشْرَةً مِنَ الغَثَمِ بِبَعِيٍ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ، فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ، وَكَانَ فِي القَوْمِ
خَيْلٌ يَسِيرَةٌ، فَأَهْوِى رَجُلٌ مِنْهُمْ بِسَهْم فَحَبَسَهُ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ لهذِه البَهَائِمِ أَوَابِدَ
كَأَوَابِدِ الوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَّاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا)». فَقَالَ جَدِّي إِنَّا نَرْجَو - أَوْ
نَخَافُ - العَدُوَّ غَدًا، وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدى، أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟ قَالَ: ((مَا أَنْهَرَ الدَّمَ
وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظَّفُرَ، وَسَأُحَدَّثْكُمْ عَنْ ذَلِكَ، أَمَّا
السِّنُّ فَعَظْمْ وَأَمَّا الظَّفُرُ فَمُدى الحَبَشَةِ)). [٢٥٠٧، ٣٠٧٥، ٥٤٩٨، ٥٥٠٣، ٥٥٠٦، ٥٥٠٩،
٥٥٤٣، ٥٥٤٤ - مسلم: ١٩٦٨ - فتح: ١٣١/٥]
ذكر فيه حديث عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ جَدِّهِ: كُنَّا مَعَ
الشَِّّ وَّهِ بِذِي الحُلَيْفَةِ فَأَصَابَ النَّاسَ جُوٌ، فَأَصَابُوا إِلًا وَغَنَمًّا. وَكَانَ
النَّبِيُّ ◌َّهِ فِي أُخْرَيَاتِ القَوْمِ، فَعَجِلُوا وَذَبَحُوا وَنَصَبُوا الْقُدُورَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ
وََّ بِالْقُدُورِ فَأَكْفِئَتْ، ثُمَّ قَسَمَ فَعَدَلَ عَشْرَةً مِنَ الغَنَمِ بِبَعِيرٍ، فَتَدَّ مِنْهَا بَعِيْرٌ،
فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ .. الحديث، وترجم عليه قريبًا بباب: من عدل عشرة من
الغنم بجزور في القسمة، وقال فيه: فعدل عشرة من الغنم بجزور، وفيه :
(عجل أو أرني)) (١)، وقد أخرجه مسلم والأربعة (٢).
(١) سيأتي برقم (٢٥٠٧) كتاب: الشركة.
(٢) مسلم (١٩٦٨) كتاب: الأضاحي، باب: جواز الذبح بكل ما أنهر الدم .. أبو داود
(٢٨٢١)، والترمذي (١٤٩٢)، والنسائي ١٩١/٧- ١٩٢، وابن ماجه (٣١٣٧).

٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال الدارقطني: ورواه أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن
عباية بن رفاعة، عن أبيه، عن جده. وتابعه عبد الوارث بن سعيد،
عن ليث بن أبي سليم ومبارك بن سعيد بن مسروق فقالا: عن عباية،
عن أبيه، عن جده.
إذا تقرر ذلك؛ ف(ندَّ) بتشديد آخره: هرب، والأوابد بفتح الهمزة
وبالموحدة: النفور والتوحش، و(مُدى) بضم الميم، و(أَنْهَر) بالراء:
أسال، وحكي إعجامها و(ليس السن والظفر) بالنصب على الاستثناء
بـ(ليس)، وذو الحليفة هذِه ليست الميقات إنما هي التي من تهامة عند
ذات عرق، كما ذكره ياقوت(١) وغيره.
وقال في باب: من عدل عشرة ( ... )(٢) وكان ذلك سنة ثمان من
الهجرة، كما نبه عليه ابن التين، ووقع للقابسي أنها المهل التي بقرب
المدينة، وقاله النووي أيضًا، وما ذكرناه يرد عليهما(٣).
و(أخريات الناس): أعقابهم، جمع أخرى، وكان يفعله رفقًا بمن
معه ويحمل المنقطع.
وقوله: (فأكفئت) أي: قلبت على أفواهها. قال ثعلب: كُفِئَتِ
القِدْر: إذا كبت، وكذا ذكره الكسائي وغيره، فعلى هذا إنما يقال:
(١) ((معجم البلدان)) ٢٩٦/٢.
(٢) كلمة غير واضحة بالأصل.
(٣) ورد بهامش الأصل: ونقل صاحب ((المطالع)) أنها غيرها عن الداودي، وصريح
عبارته أنه وقع في الرواية: كنا مع النبي ◌ُّ بذي الحليفة من تهامة، وعبارة
النووي؛ وربما أشبه هذا -يعني: ذا الحليفة- بالحليفة على لفظ الميقات وهي
موضع بين حاذة وذات عرق من تهامة، فهما ممران، قاله في ((التهذيب)). [انظر:
((تهذيب الأسماء واللغات) ١١٤/٣.