Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
باب فِي اللَقَطَّةِ
=
ونقل ابن التين عن جميع فقهاء الأمصار أنه ليس له أن يتملكها قبل
السنة، ثم نقل عن داود أنه يأكلها ويضمنها إذا جاء ربها. واختلف
الجمهور ما يفعل بعد السنة، قال مالك في ((المدونة)): أحب إليَّ أن
يتصدق بها ويخير إذا جاء صاحبها في غرامتها (١).
وعنه: يخير بين ثلاثة أشياء: الصدقة بشرط الضمان، أو تركها أمانة
في يده، أو تملكها وتكون في ذمته على كراهية في ذلك. وقال الشافعي:
ليس له أن يتصدق بها (٢). حجة الجمهور قوله وَ له: ((عرفها سنة فإن لم
تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فأدها
إليه))(٣).
فرع:
نقل ابن التين عن أبي الحسن الجزري ابتداء الحول من يوم التعريف
لا من يوم الوجود لقوله: ((عرفها حولًا)) وقال بعده: ((من يوم أخذها)).
فرع :
لو ضاعت قبل الحول فلا ضمان. وقال أبو حنيفة: إن كان حين
أخذها أشهد عليها ليردها لم يضمن، وإلا ضمن لحديث عياض بن
حمار(٤): ((وليشهد ذا عدل أو ذوي عدل))(٥). واختلف أيضًا في
ضياعها بعد الحول من غير تفريط، والجمهور على عدم الضمان.
ونقل ابن التين عن أصحابنا: إذا نوى تملكها ثم ضاعت ضمنها.
وقال بعضهم: لا ضمان.
(١) ((المدونة)) ٣٦٦/٤.
(٢) ((الأم)) ٢٨٩/٣.
(٣) مسلم (١٧٢٢) كتاب اللقطة، باب: استحباب إصلاح الحاكم.
(٤) ((مختصر أختلاف العلماء)) ٣٤٤/٤.
(٥) أبو داود (١٧٠٩)، ابن ماجه (٢٥٠٥).

٥٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٢- باب ضَالَّةِ الإِبِلِ
٢٤٢٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ رَبِيعَةَ،
حَدَّثَنِي يَزِيدُ -مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ - عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ
أَعْرَابِيُّ النَّبِيَّ وَّرِ فَسَأَلَهُ عَمَّا يَلْتَقِطُهُ، فَقَالَ: ((عَرِّنْهَا سَنَّةً، ثُمَّ أَحْفَظْ عِفَاصَهَا
وَوِكَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرَُكَ بِهَا، وَإِلَّا فَاسْتَنْفِقْهَا)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَضَالَّةُ
الغَنَمِ؟ قَالَ: ((لَكَ، أَوْ لأَخِيَكَ، أَوْ لِلذِّئْب)ِ. قَالَ: ضَالَّةُ الإِبِلِ؟ فَتَمَغَّرَ وَجْهُ النَّبِيِّ
﴿َ، فَقَالَ: ((مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ)).
ذكر فيه حديث زيد بن خالد الجهني بطوله، وقد أخرجه مسلم (١)
والأربعة(٢).
(١) مسلم (١٧٢٢) كتاب: اللقطة، باب: استحباب إصلاح الحاكم.
(٢) أبو داود (١٧٠٤)، الترمذي (١٣٧٣)، النسائي في ((السنن الكبرى)) ٤١٦/٣، ابن
ماجه (٢٥٠٧).

٥٢٣
- باب فِي اللُّقَطَّةِ
٣- باب ضَالَّةِ الغَنَمِ
٢٤٢٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ يَخْيَى، عَنْ يَزِيدَ
-مَؤْلَى المُنْبَعِثِ - أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ رضي الله عنه يَقُولُ: سُئِلَ النَّبِيُّ ◌َّهِ عَنِ
النُّقَطَةِ، فَزَعَمَ أَنَّهُ قَالَ: ((اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرَّفْهَا سَنَةً)). يَقُولُ يَزِيدُ: إِنْ
لَمْ تُغْتَرَفِ أَسْتَنْفَقَ بِهَا صَاحِبُهَا وَكَانَتْ وَدِيعَةً عِنْدَهُ - قَالَ يَخْيَى: فهذا الذِي لَا أَذْرِي
أَفٍ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ وََّ هُوَ أَخْ شَيْءٌ مِنْ عِنْدِهِ؟ - ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تَرِى فِي ضَالَّةٍ
الغَنَمِ؟ قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذَّتْبِ)). قَالَ يَزِيدُ:
وَهْيَ تُعَرَّفُ أَيْضًا. ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تَرىْ فِي ضَالَّةِ الإِلِ؟ قَالَ: فَقَالَ: ((دَعْهَا، فَإِنَّ مَعَهَا
حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا)). [انظر: ٩١-
مسلم: ١٧٢٢ - فتح ٨٣/٥]
ذكر فيه حديث زيد بن خالد الجهني ثم ترجم عليه أيضًا:

٥٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٤- باب إِذَا لَمْ يُوجَدْ صَاحِبُ اللُّقَطَّةِ بَعْدَ سَنَّةٍ
فَهْيَ لِمَنْ وَجَدَهَا
٢٤٢٩ - حَذَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ
يَزِيدَ - مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ - عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ
وَِّ فَسَأَلَهُ عَنِ اللَّقَطَةِ، فَقَالَ: ((اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّنْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ
صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَشَأْتَكَ بِهَا)). قَالَ: فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: ((هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ
لِلذَّتْبِ)). قَالَ: فَضَالَّةُ الإِلِ؟ قَالَ: «مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ
وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا)). [انظر: ٩١ - مسلم: ١٧٢٢ - فتح ٨٤/٥].
واختلف العلماء في ضالة الإبل هل تؤخذ؟ على قولين:
أحدهما: لا يأخذها ولا يعرفها، قاله مالك والأوزاعي والشافعي
لنهيه الشّية عن ضالة الإبل(١).
الثاني: أخذها وتعريفها أفضل، قاله الكوفيون(٢)؛ لأن تركها سبب
لضياعها.
وفيها قول ثالث: إن وجدها في القرى عرفها وفي الصحراء لا يقربها ،
والأصح عندنا أنه إن وجده بمفازة فللقاضي التقاطه للحفظ، وكذا
لغيره، ويحرم التقاطه للتملك وإن وجده بقرية فيجوز للتملك.
وأمر عمر بتعريف البعير؛ ليدل على جواز ذلك، وإنما النهي عن
أخذها لمن يأكلها، وهو قول عمر بن الخطاب: لا يأوي الضالة
إلا ضال(٣).
(١) ((الإشراف على مذاهب أهل العلم)) ١٥٨/٢.
(٢) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٤٧/٤.
(٣) رواه مالك ص٤٧٣، وعبد الرزاق ١٣٣/١٠ (١٨٦١١، ١٨٦١٢).

٥٢٥
= باب فِي الأُقَطَّةِ
وقد أسلفناه حديثًا من طريق جرير(١).
وباع عثمان ضوال الإبل وحبس أثمانها على أربابها(٢) ورأى ذلك
أقرب إلى جمعها عليهم؛ لفساد الزمان، وترك عمر لضوال الإبل أشبه
لمعنى قوله: «معها حذائها وسقائها)) الحدیث، وذلك أقرب إلى جمعها
على صاحبها مع جور الأئمة؛ لأن صاحبها لا يستطيع أن يخاصم فيها
الإمام الجائر ولا يجد من يحكم له عليه، ويستطيع أن يخاصم فيها
الرعية فيقضي عليه السلطان.
وظاهر الحديث على تركها حيث وجدها، والنهي عن أخذها.
قال ابن المنذر: وممن رأى أن ضالة البقر كضالة الإبل طاوس
والأوزاعي والشافعي، وبعض أصحاب مالك(٣).
وقال مالك والشافعي في ضالة البقر: إن وجدت في موضع يخاف
عليها فهي بمنزلة الشاة وإلا فكالبعير. وقيل: إن كان لها قرون تمتنع بها
فكالبعير وإلا فكالشاة، حكاه ابن التين .
وقال القرطبي: عندنا في البقر والغنم قولان، ورأى مالك إلحاقها
بالغنم، ورأى ابن القاسم إلحاقها بالإبل إذا كانت بموضع لا يخاف
عليها من السباع(٤)، وكأن هذا تفصيل أحوال لا أختلاف أقوال،
ومثله جار في الإبل، والأولى إلحاقها بها. واختلف في التقاط الخيل
والبغال والحمير، وظاهر قول ابن القاسم الجواز(٤)، ومنعه أشهب
وابن كنانة .
(١) سلف ص٥١٣.
(٢) رواه مالك ص٤٧٣، وعبد الرزاق ١٣٢/١٠ (١٨٦٠٧).
(٣) ((الإشراف على مذهب أهل العلم)) ١٥٩/٢.
(٤) ((المدونة)) ٣٦٧/٤.

٥٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقال ابن حبيب: والخيل والبغال والعبيد، وكل ما يستقل بنفسه
ويذهب، هو داخل في أسم الضالة، وقد شدد الشارع في أخذ كل
ما رجا أن يصل إليه صاحبه، فمن أخذ شيئًا من ذلك في غير الفيافي
فهو كاللقطة، ومن أخذ شيئًا مجمعًا على أخذه، ثم أرسله فهو له
ضامن إلا أن يأخذ غير مجمع على أخذه مثل أن يمر رجل من آخر
الركب أو آخر الرفقة فيجد شيئًا ساقطًا، فيأخذه وينادي عليه من
أمامه: ألكم هذا؟ فيقال: لا ثم يخليه في مكانه فلا شيء عليه، فهذا
قول مالك، قال غيره: فأما إذا وجد عرضًا فأخذه وعرفه فلم يجد
صاحبه، فلا يجوز له رده إلى الموضع الذي وجده فيه، فإن فعل
وتلف ضمنه لصاحبه.
وذكر ابن المنذر عن الشافعي إن أخذ بعيرًا ضالاً، ثم أرسله فتلف
فعليه الضمان(١) .
وقال ابن الجوزي: الخيل والإبل والبقر والبغال والحمير والشاء
والظباء لا يجوز عندنا التقاطه إلا أن يأخذها الإمام للحفظ. قال:
وهو قول مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: يجوز التقاطها .
أما ضالة الغنم -وهو الباب الثاني -. فقال ابن المنذر: روينا عن
عائشة أنها منعت من ضالة الغنم ومن ذبحها. وقال الليث: الأحب
أن تعرف ضالة الغنم إلا أن تحرزها لصاحبها .
وقال أبو حنيفة والشافعي: إن أكلها فعليه الضمان إذا جاء صاحبها
وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة وسحنون .
وقال مالك: من وجد شاة في أرض فلاة وخاف عليها فهو مخير في
(١) ((شرح ابن بطال)) ٥٤٨/٦-٥٤٩.

٥٢٧
باب فِي اللُّقَطَةِ
-
أكلها وتركها ولا ضمان عليه. حجة مالك أن الشارع أذن في أكل الشاة
وأقام الذي وجدها مقام ربها، فقال: ((هي لك أو لأخيك أو للذئب)) فإذا
أكلها بإذن الشارع لم يجز أن يغرم في حال ثانٍ إلا بحجة من كتاب الله
أو سنة أو إجماع. قالوا: وهذا أصل في كل ما يؤخذ من الطعام الذي
لا يبقى ويسرع إليه الفساد، فلمن وجده أكله إذا لم يمكنه تعريفه
ولا يضمنه؛ لأنه في معنى الشاة، والشاة في حكم المباح الذي
لا قيمة له، ألا ترى أنه الكلي وجد تمرة، فقال: ((لولا أني أخشى أن
تكون من الصدقة لأكلتها))(١) فإنما نبه أنه يجوز أكلها من ملك الغير
لو لم تكن من الصدقة؛ لأنها في معنى التافه، فكذلك الشاة في
الفلاة لا قيمة لها .
واحتج الطحاوي للكوفيين، فقال: ليس قوله: ((هي لأخيك)) إلي
آخره في معنى التمليك عملًا بقوله: ((أو للذئب)) لانتفاء الملك منه،
وإنما يأكلها على ملك صاحبها وينزل على آخر قصتها، فكذلك
الواجد إن أكلها أكلها على ملك صاحبها فإن جاء ضمنها له.
وقد روى ابن وهب عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رجلًا
أتى رسول الله وَله، فقال: كيف ترى في ضالة الغنم؟ قال: الطعام مأكول
لك أو لأخیك أو للذئب فاحبس على أخيك ضالته»(٢).
فهذا دليل أن الشاة على ملك صاحبها، وأجمع العلماء أن صاحبها
لو جاء قبل أن يأكلها الواجد لها أخذها منه، وكذلك لو ذبحها أخذها
منه مذبوحة، وكذلك لو أكل بعضها أخذ ما وجد منها، فدل على أنها
(١) سيأتي برقم (٢٤٣١) كتاب اللقطة، باب: إذا وجد تمرة في الطريق.
(٢) رواه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١٣٥/٤ (٦٠٧١)، والدارقطني ٢٣٦/٤
والبيهقي ١٥٢/٤-١٥٣ من طرق عن ابن وهب.

٥٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ملك صاحبها في الفلوات وغيرها ولا يزول ملكه عنها إلا بإجماع،
ولا فرق بين قوله في الشاة: ((هي لك أو لأخيك أو للذئب)) وبين قوله
في اللقطة: ((فشأنك بها))، بل هذا أشبه بالتمليك؛ لأنه لم يشرك معه
في التمليك ذئبًا ولا غيره.
تنبيهات(١):
أحدها: الضالة المراد هنا بها: ما يحمي نفسه ويقدر على الإبعاد
في طلب المرعى والماء. وقيل: هي الضائعة من كل ما يقتنى من
الحيوان وغيره. يقال: ضلَّ الشيء إذا ضاع وضل عن الطريق إذا جار،
وهي في الأصل فاعلة، ثم أتسع فيها فصارت من الصفات الغالبة،
ويقع على الذكر والأنثى والاثنين والجمع ويجمع على ضوال.
ثانيها: روى القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن
سليمان بن يسار أن ثابت بن الضحاك وجد بعيرًا ضالًا بالحرة، فقال
له عمر: عرفه فعرفه ثلاث مرات، ثم جاء إلى عمر، فقال: قد
شغلني عن ضيعتي، فقال له عمر: ألق خطامه ثم أرسله حيث
وجدته(٢). وروى همام، عن نافع وابن سيرين أن رجلا سأل ابن
عمر، فقال: إني قد أصبت ناقة، فقال: عرفها، فقال: عرفتها فلم
تعرف، فقال: أدفعها إلى الوالي(٣).
(١) ورد بهامش الأصل: السائل عن اللقطة، فقال له رسول الله وَله: ((اعرف عفاصها))
هو بلال، كذا قاله ابن بشكوال في ((مبهماته)) وساق شاهده، والظاهر أنه في أبي
داود.
(٢) هو في ((الموطأ)) رواية يحيى ص ٤٧٢-٤٧٣ ورواه عبد الرزاق في ((المصنف))
١٣٣/١٠ (١٨٦٠٩) عن معمر عن أيوب، عن سليمان بن يسار به .
(٣) (شرح معاني الآثار)) ١٣٩/٤.

=
٥٢٩
= باب فِي الُّقَطَّةِ
وقال مالك: سمعت ابن شهاب يقول: كانت ضوال الإبل في زمان
عمر إبلّا مؤبلة تناكح لا يمسها أحد حتى إذا كان زمن عثمان أمر بتعريفها
ثم تباع، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها (١).
وأما حديث زيد، فقيل: إن فيه إشارة أنه يجوز أخذها إذا خيف
عليها، وأن أخذها لصاحبها وحفظها عليه أولى من تركها، والمعني
فيه إنما هو لمن يأخذها ليأكلها وهو معنى الحديث السالف: ((لا يأوي
الضالة إلا ضال))(٢). كذا كان في أول الإسلام واستمر زمن أبي بكر
وعمر، فلما كان زمن عثمان وعلي وكثر الفساد رأيا التقاطها، وهذا
كله منهم وفاء بمقصود الحديث في التقاط الإبل، فإن مقصوده أنها
إذا أمن عليها الهلاك وبقيت حيث تتمكن مما يعيشها فلا يتعرض لها
أحد، فلو تعذر شيء من ذلك وخيف عليها الهلاك التقطت لتحفظ؛
لأنها مال مسلم.
ثالثها: إذا عرف المال وشبهه وانقضى الحول أو قبله وجاء صاحبه
أخذه بزيادتها المتصلة، وكذا المنفصلة إن حدثت قبل التملك، وإن
حدثت بعده رجع فيها دون الزيادة.
رابعها: إذا عرفها سنة لم يملكها حتى يحتازه بلفظة كـ: تملكت،
وقيل: تكفي النية، وقيل: تملك بمضي السنة وإن لم يرض به لرواية
مسلم: ((فإن جاء صاحبها فأعطها وإلا فهي لك))(٣). وقيل: لا تملك
ما لم تتصرف تخريجًا من الفرض. وقيل: تحصل بالنية والتصرف،
(١) ((الموطأ)» رواية يحيى ص ٤٧٣.
(٢) أبو داود (١٧٢٠).
(٣) مسلم (٦/١٧٢٢).

٥٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقيل: تحصل بمجرد التصرف، وقيل: تحصل بالنية واللفظ والتصرف،
فهُذِه سبعة أوجه لأصحابنا.
خامسها: إذا تملك ولم يظهر لها صاحب فلا شيء عليه ولا مطالبة
في الآخرة، فإن تلفت بعد التملك وجاء مالكها لزم الملتقط بدلها عندنا
وعند الجمهور كما سبق مخالفة لداود، والنص يدفعه حيث قال: «فإن
جاء صاحبها يومًا من الدهر فأدها إليه))(١).
سادسها: قوله: ((إنما هي لك أو لأخيك أو للذئب)).
(أو): فيه للتقسيم والتنويع، ويفيد هذا أن الغنم إذا كانت في موضع
يخاف عليها فيه الهلاك؛ جاز لملتقطها أکلها ولا ضمان علیه، إذ سوى
بينه وبين الذئب، والذئب لا ضمان عليه. وكذا الملتقط وهو مذهب
مالك وأصحابه (٢)، وضمنه الشافعي(٣) وأبو حنيفة تمسكًا ببقاء ملك
ربها عليها.
قال ابن التين: ومشهور مذهب مالك أنه إذا وجدها بفلاة لا يعرفها
ويأكلها ولا ضمان عليه، وعنه أيضًا: أنه يعرفها لربها قال: وهو قول
أبي حنيفة والشافعي.
سابعها: قوله في ضالة الإبل: (فتمعر وجه رسول الله وَي9). في بعض
النسخ: (فتغير)، وهو معناه، أي: تغير لون وجهه غضبًا، وسيأتي تبويب
البخاري عليه: الغضب والشدة لأمر الله(٤).
(١) مسلم (٥/١٧٢٢).
(٢) ((المدونة)) ٣٦٧/٤، مختصر أختلاف العلماء)» ٣٤٧/٤.
(٣) ((الأم)) ٢٩١/٣، ((الإشراف)) ١٦٠/٢، ((مختصر أختلاف العلماء)) ٣٤٦/٤.
سيأتي برقم (٦١١٢) كتاب: الأدب.
(٤)

٥٣١
باب فِي اللُّقَطَةِ
وقوله: ((مالك ولها .. )) إلى آخره أخذ به الثلاثة وخالف أبو حنيفة
فمكن منها (١).
(١) ورد بهامش الأصل: آخر ٤ من ٨ من تجزئه المصنف، ثم بلغ في التاسع بعد
الخمسين، کتبه مؤلفه.

٥٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٥- باب إِذَا وَجَدَ خَشَبَةً فِي البَحْرِ
أَوْ سَوْطًا أَوْ نَحْوَهُ
٢٤٣٠ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُزْمُزَ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَسَاقَ
الحَدِيثَ: ((فَخَرَجَ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا هُوَ بِالْخَشَبَةِ فَأَخَذَهَا
لأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ وَالصَّحِيفَةَ)). [انظر: ١٤٩٨ - فتح ٨٥/٥].
وقال الليث(١)، فذكر حديث الخشبة من حديث أبي هريرة ولم يذكر
للسوط سندًا، وكأنه قاسه عليها. وحكم هذِه الخشبة حكم اللقطة كما
صرح به ابن بطال(٢)، وإنما أخذها حطبًا لأهله؛ لأنه قوي عنده
أنقطاعها من صاحبها لغلبة العطب على صاحبها وانكسار سفينته.
وروى ابن عبد الحكم عن مالك إذا ألقى البحر خشبة فترك أخذها
أفضل، وفيه قول: إن وجدها يأخذها، فإن جاء ربها غرم له قيمتها.
واختلف العلماء فيما يفعل باللقطة اليسيرة على أقوال:
رخصت طائفة في أخذها والانتفاع بها وترك تعريفها وممن روي
ذلك عنه عمر وعلي وابن عمر (٣) وعائشة، وهو قول عطاء والنخعي
وطاوس(٤).
(١) ورد فوقها بالأصل: معلق.
(٢) ((شرح ابن بطال» ٦/ ٥٥٣.
(٣) عن عمر وعلي وابن عمر رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ١٤٣/١٠، ١٤٤
(١٨٦٣٩، ١٨٦٤٠، ١٨٦٤١، ١٨٦٤٣).
(٤) عن عطاء، والنخعي، وطاوس رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ١٤٤/١٠-١٤٥
(١٨٦٤٥، ١٨٦٤٦، ١٨٦٤٨).

٥٣٣
= باب فِي الُّقَطَةِ
قال ابن المنذر: روينا عن عائشة في اللقطة لا بأس بما دون الدرهم
أن يستمتع به(١). وعن جابر بن عبد الله: كانوا يرخصون في السوط
والحبل ونحوه أن ينتفع به(٢).
وقال عطاء: لا بأس للمسافر إذا وجد السوط والسقاء والنعلين أن
يستمتع بها(٣).
وحديث الباب حجة لهذه المقالة؛ لأنه العلي أخبر أنه أخذها حطبًا
لأهله ولم يأخذها ليعرفها، وأقر الشارع ذلك ولم يذكر أنه فعل
ما لا ينبغي. وفي ((الهداية)): وإن كانت اللقطة مما يعلم أن صاحبها
لا يطلبها كالنواة وقشور الرمان، فإلقاؤه إباحة أخذه فيجوز الانتفاع به
من غير تعريف، ولكنه يبقى على ملك مالكه؛ لأن التمليك من
المجهول لا يصح(٤).
واحتج له ابن رشد بحديث التمرة الآتي ولم يذكر فيها تعريفًا،
وهذا مثل العصا والسوط، وإن كان أشهب قد استحب تعريف
ذلك(٥) فإن كان يسيرًا إلا أن له قدرًا ومنفعة فلا خلاف في تعريفه
سنة. وقيل: أيامًا وإن كان مما لا يبقى في يد ملتقطه ويخشى عليه
التلف، فإنه يأكله الملتقط فقيرًا كان أو غنيًا، وهل يضمن؟ فيه
روايتان أشهرهما: لا، فإن كان مما يسرع إليه الفساد في الحاضرة،
فقيل: لا ضمان عليه، وقيل: نعم، وقيل: بالفرق أن يتصدق به
(١) ((الإشراف)) ١٥١/٢ بمعناه.
(٢) أبو داود (١٧١٧).
(٣) ((المصنف)) لعبد الرزاق ١٤٤/١٠ (١٨٦٤٥).
(٤) ((الهداية)) ٢/ ٤٧١.
(٥) ((بداية المجتهد)) ٤/ ١٤٩٣.

٥٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
أو يأكله، أعني: أنه يضمن في الأكل دونها. وأوجبت طائفة تعريف قليل
اللقطة وكبيرها حولًا إلا ما لا قيمة له.
قال ابن المنذر: روينا ذلك عن أبي هريرة أنه قال في لقطة الحبل
والزمام ونحوه عرفه، فإن وجدت صاحبه رددته عليه وإلا استمتعت به،
وهو قول مالك والشافعي وأحمد. قال مالك: ومن وجد لقطة دينارًا
أو درهمًا أو أقل من ذلك، فليعرفه سنة إلا الشيء اليسير مثل:
القرص أو الفلس أو الجوزة أو نحو ذلك فإنه يتصدق به من يومه(١)،
ولا أرى أن يأكله ولا يأكل التمرات والكسرة إلا المحتاج، وأما
النعلان والسوط وشبه ذلك فإنه یعرفه، فإن لم يجد له صاحبًا تصدق
به، فإن جاء صاحبه غرمه وهو قول الكوفيين إلا في مدة التعريف،
فإنهم قالوا: ما كان عشرة دراهم فصاعدًا عرفه حولًا، وما كان دونه
عرفه بقدر ما يراه.
وقال الثوري: يعرف الدرهم أربعة أيام. وقال أحمد: سنة. وقال
إسحاق: ما دون الدينار يعرف جمعة أو نحوها(٢). وحجة هذه المقالة
إطلاق الحديث، فإنه لم يخص قليلها من كثيرها فيجب على ظاهر
حديث زيد بن خالد أن يستوي حكم قليلها وكثيرها في ذلك.
قال ابن المنذر: ولا نعلم شيئًا أستثني من جملة هذا الخبر إلا التمرة
التي منعه من أكلها؛ خشية كونها من الصدقة(٣) فما له بقاء مما زاد على
التمرة، وله قيمة يجب تعريفه .
(١) ((الإشراف)) ١٥٢/٢.
(٢) ((الإشراف)) ١٥٢/٢، ((المغني)) ٢٩٣/٨.
(٣) ((الإشراف)) ٢/ ١٥٢، ((الإقناع)) ص٤١٠.

٥٣٥
باب فِي الُّقَطَّةِ
-
واختلفوا فيما لا يبقى إلى مدة التعريف، فقال مالك: يتصدق به
أعجب إليَّ. قيل لابن القاسم: فإن أكله أو تصدق به، فأتى صاحبه
قال: لا يضمنه في قياس قول مالك على الشاة يجدها في فيافي
الأرض(١). وفي قول الكوفيين ما لا يبقى إذا أتى عليه يومان أو يوم
فسد. قالوا: يعرفه فإن خاف فساده تصدق به، فإن جاء ربه ضمنه
وهو قول الشافعي(٢)، وحجتهم أن ما كان له رب فلا يملكه عليه
أحد إلا بتمليكه إياه قل أو كثر.
(١) ((المدونة)) ٣٦٧/٤.
(٢) ((الأم)) ٢٩٠/٣، ((الإشراف)) ١٥٢/٢.

٥٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٦- باب إِذَا وَجَدَ تَمْرَةً في الطّرِيقِ
٢٤٣١- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ
أَنَسِ رضي الله عنه قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ◌َّهَ بِتَمْرَةٍ فِى الطَّرِيقِ قَالَ: ((لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ
تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأَكَلْتُهَا)). [انظر: ٢٠٥٥ - مسلم: ١٠٧١ - فتح ٨٦/٥]
٢٤٣٢- وَقَالَ يَخْيَى: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ.
وَقَالَ زَائِدَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ طَلْحَةَ: حَدَّثَنَا أَنَسْ وَحَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ،
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، ◌َنِ
النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((إِنِّي لأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي، فَأَجِدُ الثَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي
فَأَرْفَعُهَا لَآَكُلَهَا، ثُمَّ أَخْشَىْ أَنْ تَكُونَ صَدَقَّةً فَأَلْقِيَهَا)). [انظر: ٢٠٥٥- مسلم: ١٠٧٠-
فتح ٨٦/٥]
ذكر فيه حديثي أنس وأبي هريرة، وقد سلفا في البيوع في باب:
ما يتنزه من الشبهات(١)، ولا شك أن ما لا بال له، ولا يتشاح الناس
فيه، ولا يطلبونه كالتمرة والجوزة والحبة من الفضة ونحو ذلك يباح
تناوله، ولا شيء في تعريفه.
وقد قال سيد الأمة في التمرة الساقطة: ((لولا أني أخاف أن تكون من
الصدقة لأكلتها)) فالصدقة محرمة عليه قليلها وكثيرها، فالشيء التافه
الملتقط معفو عنه وخارج من حكم اللقطة؛ لأن صاحبه لا يطلبه
فلذلك أستحل أكلها لولا شبهة الصدقة.
وقد روى عبد الرزاق أن عليًا التقط حبًا أو حبة من رمان الأرض
فأكلها(٢).
(١) سلف برقم (٢٠٥٥).
(٢) ((المصنف)) ١٤٤/١٠ (١٨٦٤٣).

٥٣٧
=
- باب فِي اللَّقَطَّةِ
وعن ابن عمر أنه وجد تمرة في الطريق فأخذها فأكل نصفها، ثم لقيه
مسكين فأعطاه النصف الآخر(١).
وفيه: إسقاط الغرم عن أكل الطعام الملتقط. وقيل: يضمنه وإن أكله
محتاجًا إليه، ذكره ابن الجلاب.
فائدة :
قوله في حديث أنس: (حدثنا محمد بن يوسف) هو الفريابي، (ثنا
سفيان) هو الثوري، صرح به أبو نعيم وغيره. وقوله فيه: (وقال زائدة عن
منصور، عن طلحة، عن أنس) هذا أخرجه مسلم عن أبي كريب، عن
أبي أسامة، عن زائدة، عن منصور به(٢)(٣)
(١) ((المصنف)) ١٤٣/١٠ (١٨٦٤٠).
(٢) مسلم (١٠٧١٢) كتاب: الزكاة، باب: تحريم الزكاة على رسول الله وَعليه وعلى آله.
(٣) ورد بهامش الأصل: وقال يحيى: حدثني سفيان، ثنا منصور، كذا في نسختي قبل
ما وصله [قلت هو كذلك، وآنظر المتن].

٥٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٧- باب كَيْفَ تُعَرَّفُ لُقَطَةُ أَهْلِ مَكَّةَ؟
وَقَالَ طَاؤُسٌ: عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ((لَا يَلْتَقِطُ
لُقَطَتَهَا إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا)). وَقَالَ خَالِدٌ: عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن
عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ: ((لَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّ لِمُعَرِّفٍ)).
٢٤٣٣- وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ سعيدٍ: ثَنَا رَوْحُ، ثَنَا زَكَرِيَّاءُ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ
عِكْرِمَةً به. [انظر: ١٣٤٩ - مسلم: ١٣٥٣ - فتح ٨٧/٥]
٢٤٣٤- حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوَزَاعِيُّ قَالَ:
حَدَّثَنِي يَخْيَى بْنُ أَبِ كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو
هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: لَا فَتَحَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَِّ مَكَّةَ قَامَ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ
وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ اللّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ
وَالْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ،
وَإِنَّهَا لَا تَجِلُّ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلَّ
سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُفْدِى، وَإِمَّا
أَنْ يُقِيدَ)). فَقَالَ العَبَّاسُ: إِلَّ الإِذْخِرَ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
وَّهِ: ((إِلَّ الِإِذْخِرَ)). فَقَامَ أَبُو شَاهِ - رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ - فَقَالَ: أَكْتُبُوا لِ يَا رَسُولَ
اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: ((اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ. قُلْتُ لِلْأَوَزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ: آكْتُبُوا لِي يَا
رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: هَذِه الْخُطْبَةَ التِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّةِ. [انظر: ١١٢ - مسلم:
١٣٥٥ - فتح ٨٧/٥].
وقال أحمد بن سعيد، ثنا روح، ثنا زكريا، ثنا عمرو بن دينار، عن
عكرمة به(١).
ثم ساق حديث أبي هريرة في ذلك مطولًا.
(١) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: أي: بالسند والحديث الذي ساقه البخاري مطولًا.

٥٣٩
- باب فِي اللُّقَطَّةِ
والتعليق الأول سبق مسندًا في الحج(١) وكذا الثاني عن ابن المثنى
ثنا عبد الوهاب، ثنا خالد به (٢)، والثالث أسنده النسائي(٣).
قال أبو مسعود: وقال لي ابن منده: رواه - يعني: البخاري- في
موضع آخر من الصحيح عن رجل آخر عن أبي عاصم، عن زكرياء
قال أبو مسعود: ولم أره في كتاب البخاري من حديث أبي عاصم
أصلًا(٤). واختلف في أحمد بن سعيد هذا، فذكر ابن طاهر أنه
أبو عبد الله أحمد بن سعيد الرباطي(٥)، ورواه أبو نعيم من جهة
خلف بن سالم، عن روح، ثنا زكريا، وقال آخره: ذكره البخاري،
عن أحمد بن سعيد وهو الدارمي فيما أرى- عن روح .
واختلف العلماء في لقطة مكة، فقالت طائفة: حكم لقطتها حكم لقطة
سائر البلدان. قال ابن المنذر: رويناه عن عمر وابن عباس وعائشة
وسعيد بن المسيب(٦)، وبه قال مالك(٧) وأبو حنيفة وأحمد(٨). وقالت
طائفة: إن لقطتها لا تحل البتة، وليس لواجدها إلا إنشادها، هذا
قول الشافعي وابن مهدي وأبي عبيد، قال ابن مهدي: معنى قوله:
((إلا لمنشد لا تحل لقطتها)) كأنه يريد البتة، فقيل له: إلا لمنشد؟
(١) سلف برقم (١٥٨٧) باب: فضل الحرم.
(٢) سلف برقم (١٨٣٢) باب: لا يعضد شجر الحرم. وسلف قبله في كتاب: الجنائز،
باب: الإذخر والحشيش في القبر. برقم (١٣٤٩).
(٣) النسائي ٢١١/٥ من طريق سفيان عن عمرو بن دينار به.
(٤) نقله ابن القيسراني في ((الجمع بين رجال الصحيحين)) ٦/١.
(٥) السابق.
«الإشراف)» ٢/ ١٥٧.
(٦)
(٧) («الهداية» ٢/ ٤٧٢.
(٨) («المغني)) ٣٠٥/٨-٣٠٧.

٥٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فقال: ((إلا لمنشد)) وهو يريد المعنى الأول (١) كما يقول الرجل: والله
لا فعلت كذا وكذا، ثم يقول: إن شاء الله وهو لا یرید الرجوع عن يمينه،
فمعناه أنه ليس يحل منها إلا إنشادها، وأما الانتفاع بها فلا يجوز، وفيها
قول ثالث قاله جرير بن عبد الحميد. قوله: ((إلا لمنشد)) يعني: إلا من
سمع ناشدًا يقول: من أصاب كذا فحينئذٍ يجوز للملتقط أن يرفعها إذا
رآها لكي يردها على صاحبها(٢).
ومال إسحاق بن راهويه إلى هذا القول، وقاله النضر بن شميل(٣).
قال الطحاوي: وجاء في حديث يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن
ابن عباس مرفوعًا ووصف مكة قال: ((ولا ترفع لقطتها إلا لمنشدها)). ومن
حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((ولا يرفع لقطتها إلا منشد))(٤).
وفيها قول رابع -يعني: لا تحل إلا لربها الذي يطلبها. قال أبو عبيد:
وهو جيد في المعنى، ولكن لا يجوز في العربية أن يقال للطالب:
منشد، إنما المنشد المعرف والطالب هو الناشد، يدل على ذلك أنه
العفيه سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فقال: ((أيها الناشد غيرك
الواجد)»(٥) .
قال أبو عبيد: وليس للحديث وجه إلا ما قاله ابن مهدي(٦) .
قال ابن بطال: ولو كان حكم لقطة مكة حكم غيرها ما كان لقوله:
(١) ((الإشراف)) ١٥٧/٢، ((المغني)) ٣٠٦/٨.
(٢) ((الإشراف)) ١٥٧/٢.
(٣) (شرح معاني الآثار)) ٤/ ١٤٠.
(٤) (شرح معاني الآثار)) ٤/ ١٤٠.
(٥) رواه عبد الرزاق ١/ ٤٤٠ (١٧٢٣).
(٦) ((غريب الحديث)) ٢٧٩/١.