Indexed OCR Text

Pages 501-520

٠١
ـ كِتَابُ البُيُّوع
لأنه عنده كأنه طعام بطعام، والدراهم ملغاة إلَّا أن يكون الطعام جنسًا
واحدًا وكيلًا واحدًا فيجوز عنده(١). وهذِهِ عندنا حيلة، وتسمَّى بيع
العينة، ووافق مالكًا أحمد، وهو على قاعدة مالك في سد الذرائع
فإن هُذِه الصورة عندهم تؤدي إلى بيع التمر بالتمر متفاضلًا، ثم إنه
ليس في الحديث أن الذي اشترى منه ثانيًا هو الأول، فهو مطلق
صالح له بخلاف العموم فإنه ظاهر في الاستغراق.
قلت: وحديث العينة وإن أخرجه أبو داود(٢) وغيره فهو متكلم فيه،
ووافقنا ابن حزم، فقال: هو حلال ما لم يكن عن شرط، قال: ومنع منه
قوم وقالوا: إنه باع منه دنانير بدنانير متفاضلًا، فقلنا: بل هما صفقتان،
ثم أوضحه وقد أمر به عمر والأسود بن يزيد(٣).
وقد يحتج بالحديث من يرى أن الربا جائز بأصله دون وصفه،
فيسقط الربا ويصحُّ البيع كما قاله أبو حنيفة، وفي التخيير له القَل
التمر الطيب وإقرارهم عليه دليلٌ على أنَّ النفس يرفق بها بحقها، وهو
عكس ما يصنعه الجهال المتزهدون من حملهم على أنفسهم ما لا تطيق
جهلا منهم بالسنة، نبه عليه ابن الجوزي.
(١) ((شرح ابن بطال)) ٣٢٢/٦ - ٣٢٣.
(٢) ((سنن أبي داود)) (٣٤٦٢)، أحمد ٢٨/٢، الطبراني ٤٣٢/١٢- ٤٣٣ (١٣٥٨٣)،
(١٣٥٨٥)، البيهقي في ((السنن الكبرى)) ٣١٦/٥ (١٠٧٠٣)، وصححه الألباني
في ((السلسلة الصحيحة)) (١١).
(٣) ((المحلى)) ٥١٢/٨ - ٥١٣.

٥٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
٩٠- باب مَنْ بَاعَ نَحْلًا قَدْ أُبِّرَتْ أَوْ أَرْضًا
مَزْرُوعَةً أَوْ بِإِجَارَةٍ
٢٢٠٣ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ: أَخْبَنَا هِشَامٌ، أَخْبَنَا ابن جُرَئِجٍ قَالَ:
سَمِعْتُ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ يُخْبِرُ، عَنْ نَافِعٍ - مَوْلَى ابن عُمَرَ - أَنَّ أَيُّمَا نَخْلٍ بِيعَثْ قَدْ أُبَُّتْ
لَمْ يُذْكَرِ الثَّمَرُ، فَالثَّمَرُ لِلَّذِي أَبََّهَا، وَكَذَلِكَ العَبْدُ وَالْثُ. سَمَّى لَهُ نَافِعٌ هؤلاء
الثَّلَاثَ. [٢٢٠٤، ٢٢٠٦، ٢٣٧٩، ٢٧١٦ - مسلم: ١٥٤٣ - فتح: ٤ / ٤٠١]
٢٢٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالٌِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ
رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أَبْرَتْ فَمَرُهَا لِلْبَائِعِ،
إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ)). [انظر: ٢٢٠٣ - مسلم: ١٥٤٣ - فتح: ٤ /٤٠١]
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ: أنا هِشَامٌ، أنا ابن جُرَيْج
(قَالَ)(١): سَمِعْتُ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ يُخْبِرُ، عَنْ نَافِع- مَوْلَى ابن عُمَرَ - أَنَّ
أَيُّمَا نَخْلٍ بِيعَتْ قَدْ أُبَّرَتْ لَمْ يُذْكَرِ الثَّمَرُ، فَالثَّمَرَّ لِلَّذِي أَبَّرَهَا، وَكَذَلِكَ
العَبْدُ وَالْحَرْثُ. سَمَّى لَهُ نَافِعٌ هُؤلاءِ الثَّلَاثَ.
ثم ساق حديث ابن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ
أُبَّرَتْ فثمرتها لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ)).
الشرح :
إبراهيم هذا هو ابن أبي موسى بن يزيد بن زاذان التميمي الفراء
الصغير، وهذا من باب المذاكرة كما أسلفناه. وحديث ابن عمر
أخرجه مسلم (٢)، قال الطرقي: الصحيح من رواية نافع ما اقتصر عليه
(١) ليست في الأصل والمثبت من اليونينية.
(٢) مسلم (١٥٤٣) كتاب: البيوع، باب: من باع نخلاً عليها ثمر.

٥٠٣
= ڪِتَابُ البُيُوع
من التأبير خاصة، وذكر العبد يعني: ((ومن ابتاع عبدًا وله ماله فماله للذي
باعه إلَّا أن يشترط المبتاع))(١) يذكر عن ابن عمر عن عمر قوله قال: وقد
رواه عن نافع عبد ربه بن سعيد، وبكير بن الأشج فجمعا بين الحدیثین،
مثل رواية سالم وعكرمة بن خالد، فإنهما رويا الحديثين جميعًا عن ابن
عمر، عن رسول الله وَل﴿، وكذا قال أبو عمر: اتفق نافع وسالم عن ابن
عمر مرفوعًا في قصة النخل، واختلفا في قصة العبد، رفعها سالم،
ووقفها نافع على عمر قوله، وهو أحد الأحاديث الأربعة، التي
اختلف فيها نافع وسالم، ولمَّا روى النسائي حديث ابن إسحاق، عن
نافع، عن ابن عمر، عن عمر مرفوعًا لحديث التأبير والعبد، قال:
هُذا خطأ، والصواب حديث عمر موقوفًا (٢). وقال الدار قطني: رواه
سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عمر
مرفوعًا، وغيره لم يذكر فيه عمر، ورواه نافع فخالف سالمًا فجعله
عن ابن عمر، عن عمر موقوفًا، ووهم أبو معاوية فرفعه، والصواب
الأول وهو الصحيح(٣)، ورواه ابن إسحاق وجماعات عددهم عن
نافع عن ابن عمر مرفوعًا بإسقاط عمر بالقصتين جميعًا، ووهموا على
نافع، ورواه الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعًا ولم
(١) ((التمهيد) ٢٨٢/١٣.
(٢) ((السنن الكبرى)) ١٨٩/٣ (٤٩٨٩) ولم أجد كلام النسائي بعد الحديث، وذكره
المزي في ((التحفة)) ٨/ ٧٠ في مسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ولفظه: قال
النسائي في حديث هلال بن العلاء: هذا خطأ والصواب حديث ليث بن سعد
وعبيد الله وأيوب. اهـ يقصد المزي أن رواية هلال المرفوعة خطأ أما الثلاثة
فروايتهم موقوفة.
(٣) ((علل الدار قطنى)) ٥١/٢- ٥٢ والصواب الذي يقصده المصنف طريق نافع عن ابن
عمر، عن عمر قوله.

٥٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
يتابع عن ابن دينار، وذكره البخاري أيضًا في باب: الرجل يكون له ممر
أو شرب في حائط أو نخل(١).
إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه :
أحدها: أبرت النخل آبرُها(٢)، بالكسر والضمِّ والتخفيف فهي
مأبورة، كقومت الشيء تقويمًا فهو مقوم، وإبار كل تمر بحسبه، ومما
جرت العادة فيه بما ينبت تمره ويعقده، وهو: شق طلع النخلة، وإن
لم يحط فيه، وقد يعبر بالتأبير عن ظهور الثمرة وعن انعقادها وإن لم
يفعل فيها شيءٌ، ويقال: أبَّرته بتشديد الباء أيضًا أوبره تأبيرًا، وعلامته
فيما عدا النخل سقوط النور الذي لا ينعقد.
وقال ابن بطال: أما معنى الإبار في سائر (النخل) (٣) فقال ابن
القاسم: يراعى ظهور الثمرة لا غيره، وقال ابن عبد الحكم: كل
ما لا يؤبَّر من الثمار فاللقاح فيها بمنزلة الإبار في النخل (٤).
ثانيها: قال القزاز: من رواه يشترط بغير هاء أجاز اشتراط بعض
الثمرة، ومن رواها بالهاءِ لا يجيز إلَّا اشتراط الكل، قال: وكذلك
وقع في مال العبد بالهاء وبغير هاء.
ثالثها: قوله: ( (فثمرتها لِلْبَائِع)) ) یرید أنها بمطلق القید تكون له،
وبه قال جمهور الفقهاء، وخالف ابن أبي ليلى أنها للمشتري كالعهن
والصوف على ظهر الغنم، والنص يرده، والثمرة نماء عن الأصل
(١) سيأتي برقم (٢٣٧٩) كتاب: المساقاة، باب: الرجل يكون له ممر أو شرب في
حائظ أو في نخل.
(٢) ((تهذيب اللغة)) ١٠٥/١ مادة: (أبر).
(٣)
في ((شرح ابن بطال)»: الأشجار. وهو الأنسب.
(٤) (شرح ابن بطال)) ٦/ ٣٢٤.

٥٠٥
كِتَابُ البُيُوع
بخلافهما، وأما قبل أن تؤبر فهي للمشتري عند مالك، والشافعي، وابن
أبي ليلى، وقال أبو حنيفة: هي للبائع كالمأبورة (١). ودليل الخطاب
يرده، وأيضًا ما كان غير طاهر تبعًا لما نشأ عنه.
قال ابن بطال: أخذ بظاهر حديث الباب مالك والليث والشافعي
وأحمد وإسحاق، فقالوا: من باع نخلًا قد أبرت ولم يشترط ثمرته
المبتاع فالثمر للبائع، وهي في النخل متروكة إلى الجداد وعلى البائع
السقي، وعلى المشتري تخليته وما يكفي من الماءِ، ولذلك إذا باع
الثمرة دون الأصل فعلى البائع السقي.
وقال أبو حنيفة: سواء أَبَّر أو لم يؤبِّر هو للبائع، وللمشتري مطالبته
بقلعها عن النخل حالًا ، ولا يلزمه أن يصبر عليه إلى الجداد، وإن اشترط
البائع في البيع ترك الثمرة إلى الجداد فالبيع فاسد، واحتجوا بالإجماع
على أن الثمرة لو لم تكن تؤَّر حتى تناهت وصارت بلحًا وبسرًا وبِيعَ
النخلُ، أن الثمرة لا تدخل فيه فعلمنا أن المعنى في ذكر الإبار ظهور
الثمرة خاصة، إذ لا فائدة في ذكر الإبار غيره، ولم يفرقوا بين الإبار
وغيره، قالوا: وقد تقرر أنَّ من باع دارًا له فيها متاع فللمشتري
المطالبة بنقله عن الدار في الحال، ومن باع شيئًا فعليه تسليمه ورفع
يده عنه، وبقاء الثمرة على النخل بعد البيع انتفاع بالنخل إلى وقت
الجداد، فيكون في معنى من باع شيئًا واستثنى منفعته، وهذا
لا يجوز، فخالفوا السنة إلى قياس، ولا قياس لأحد معها، ويقال
لهم: من باع شيئًا مشغولًا يحق للبائع، فإنَّ البائع يلزمه نقله عن
المبيع على ما جرت به العادة في نقل مثله، ألا ترى أنه لو باع دارًا
(١) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٩٥/٣ - ٩٦.

٥٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
هو فيها وعياله في نصف الليل وله فيها طعام كثير وآلة فلا خلاف أنه
لا يلزمه نقله عنها نصف الليل، حتى يرتاد منزلًا يسكنه ولا يطرح
ماله في الطريق، هذا عرف الناس.
وكذلك جرت العادة في أخذ الثمرة عند الجداد، وهو حين كمال
بلوغها، ولمَّا ملَّك الشارع الثمرة بعد الإبار للبائع اقتضى استيفاء
منفعته بها على كمالها، وأغنى ذلك عن استثناء البائع بقية الثمرة إلى
الجداد، وأبو حنيفة يجيز أن يبيع السلعة أو الثمرة ويستثني نصفها
وثلثيها، وما (يستثنى)(١) منها إذا كان المستثنى معلومًا، وكذلك قول
أكثر العلماء إذا باع نخلا وفيها ثمرة لم تؤبر فهي للمبتاع تابعة
لأصلها بغير شرط، استدلالًا بحديث ابن عمر.
وخالف ذلك أبو حنيفة فقال: هي للبائع بمنزلة لو كانت مؤبرة إلَّا أن
يشترطها المبتاع، فيقال لهم: التمر له صفتان: مؤبر وغير مؤبر، ولما جعله
الشارع إذا كان مؤبرًا للبائع بترك المشتري اشتراطها، أفادنا ذلك أن
الثمرة للمشتري إذا لم تؤبر وكانت في أكمامها، وإن لم يشترطها
المشتري، ولو كان الحكم فيها غير مختلف حتى يكون الكلُّ للبائع،
لكان يقول: من باع نخلا فيها ثمرة فهي للبائع، فخالف الحديث من
وجهين: نصه فيما إذا كانت مؤبرة، ودليله إذا كانت غير مؤبرة (٢).
رابعها: قول نافع: (وكذلك العبد)، يريد أن ماله لبائعه. وقوله:
(والحرث) يريد: الأرض المحروثة. وروى ابن القاسم عن مالك: أن
من اشترى أرضًا مزروعة ولم تسبل فالزرع للبائع، إلّا أن يشترط
(١) في ((شرح ابن بطال)): شاء.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٣٢٤/٦ - ٣٢٦.

٥٠٧
كِتَابُ البُيُوع
=
المشتري، وإن وقع البيع والبذر لم تنبته فهو للمبتاع بغير شرط(١). وروى
ابن عبد الحكم عن مالك: إن كان الزرع لقح أكثره، ولقاحه: أن يتحتت
ويسبل حتَّى لو يبس حينئذٍ لم يكن فسادًا فهو للبائع، إلّا أن يشترط
المشتري، وإن كان لم يلقح فهو للمبتاع(٢) وذكر ابن عبد الحكم في
موضع آخر من كتابه مثل رواية ابن القاسم.
فرع: روى ابن القاسم عن مالك: أنه لا يجوز استثناء نصف مال
العبد إلّا أن يكون ماله معلومًا ويكون غير العين (٣)، يريد أنه إذا ابتاعه
بالعين وهو حاضر يراه، وإنما الاستثناء في الجميع، وقاله سعيد بن
حسان، وقال: لا يجوز أن يستثني مال أحدهما إذا اشتراهما،
وأجازه أشهب في العبد أن يستثني بعض ماله.
واختلف بعض أصحاب مالك إذا استثنى بعض الثمرة، فأجازه
بعضهم ومنعه بعضهم.
فرع: فإن وقع العقد على النخل، أو العبد خاصة ثم زاده شيئًا
ليلحق الثمرة والمال بالربا.
لابن القاسم: إن كان بحضرة البائع وتقريب جاز وإلَّا فلا، وأجازه
أشهب في ثمرة النخل، ومنعه في مال العبد، والمعنى بالقرب: أن
لا يدخل المال زيادة ولا نقص، فإن دخله شيء من ذلك فقد بعد
وامتنع إلحاقه بالعقد.
(١) ((المدونة)) ٢٢٣/٤.
(٢) ((الاستذكار)» ١٩/ ٨٦.
(٣) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٣٢٥/٦ - ٣٢٦، و((الاستذكار)) ١٩/ ٣٥-٣٦.

٥٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٩١- باب بَيْعِ الزَّرْعِ (بِالطَّعَامِ)(١) كَيْلًا
٢٢٠٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما
قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَنِ الْزَابَنَةِ، أَنْ يَبِيعَ تَرَ حَائِطِهِ إِنْ كَانَ نَخْلًا بِتَمْرٍ كَيْلًا، وَإِنْ
كَانَ كَزْمًا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلًا، أَوْ كَانَ زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلٍ طَعَامٍ، وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ
كُلِّهِ. [انظر: ٢١٧١- مسلم: ١٥٤٢ - فتح: ٤٠٣/٤]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَهَ عَنِ المُزَابَنَةِ، أَنْ يَبِيعَ
ثَمَرَ حَائِطِهِ إِنْ كَانَ نَخْلًا بِتَمْرِ كَيْلًا، وَإِنْ كَانَ كَرْمًا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ کَیْلًا،
أَوْ كَانَ زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامًا، وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ..
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (٢)، وقد سلف الكلام عليه(٣)،
وقام الإجماع على أنه لا يجوز بيع الزرع قبل أن يقطع بالطعام،
ولا بيع العنب في كرمه بالزبيب، ولا بيع التمر في رءوس النخل
بالتمر؛ لأنه مزابنة، وقد سلف النهي عنه، وذلك خطر وغرر؛ لأنه
بيع مجهول بمعلوم من جنسه، وأما بيع رطب ذلك بيابسه إذا كان
مقطوعًا وأمكن فيه المماثلة، فجمهور العلماء على المنع خلافًا لأبي
حنيفة(٤)، كما سلف، واحتج له الطحاوي فقال: لما أجمعوا أنه
يجوز بيع الرطب بالرطب مثلًا بمثل، وإن كانت في أحدهما رطوبة
ليست في الآخر، وكان ذلك ينقص إذا بقي نقصانًا مختلفًا، ولم
(١) في الأصل: والطعام. والمثبت هو الصواب كما في ((اليونينية)) ٧٨/٣، و((شرح
ابن بطال)) ٦/ ٣٢٦، و((فتح الباري)) ٤٠٣/٤، و((منحة الباري)) ٤/ ٦٠٥.
(٢) مسلم (١٥٤٢) كتاب: البيوع، باب: تحريم بيع الرطب بالتمر إلا في العرايا.
(٣) سلف برقم (٢١٧١) باب: بيع الزبيب بالزبيب والطعام بالطعام.
(٤) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٦/٣.

٥٠٩
- كِتَابُ البُيُوع
ينظروا إلى ذلك فيبطلوا به البيع، بل نظروا إلى حاله في وقت وقوع
البيع، فالنظر أن يكون التمر بالرطب كذلك(١). ولا يسلم الإجماع له
ثم هو قياس فاسد، فقد يعفى عن اليسير لقلته، وقد جوز في الشرع
يسير الغرر؛ لأنه لا يكاد يخلو منه، ونقصان الرطب بالتمر له مال
وقيمة، فافترقا لذلك.
وحديث الباب حجة للجماعة، فإن التمر هو الرطب، وكأنه نهى عن
بيع الرطب بالتمر على النخل، ومقطوعًا على عموم اللفظ، ويدل على
ذلك الحديث السالف: ((أينقص الرطب إذا يبس؟)) قالوا: نعم، قال:
((فلا إذن))(٢) فنهى عنه فصار كأنه نهى عن الرطب بالتمر، ولم يخف
عنهم ذلك، وإنما سألهم على سبيل التقرير لهم، حتَّى إذا تقرر ذلك
عندهم نهاهم عنه، فصار كأنه نهاهم، وعلله فقال: لا يجوز بيع التمر
بالرطب؛ لأنه ينقص إذا يبس، فسواء كان الرطب في النخل أو في
الأرض إذا بيع بتمر مجهول، فإنه يكون مزابنة، يقال الكوفيين:
يلزمكم التناقض في منعكم بيع الحنطة بالدقيق وبيعها بالسويق،
والمماثلة بينهما أقرب من المماثلة بين التمر والرطب؛ وأجاز مالك
والليث الدقيق بالحنطة مثلًا بمثل، وقول الشافعي كقول الكوفي (٣).
(١) (شرح معاني الآثار)) ٤/ ٧.
(٢) رواه أبو داود (٣٣٥٩)، والترمذي (١٢٢٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح،
والعمل على هذا عند أهل العلم، وهو قول الشافعي وأصحابنا، والنسائي ٧/
٢٦٩، وابن ماجه (٢٢٦٤)، ومالك في ((الموطأ)) ص٣٨٦، وصححه الألباني في
(«الإرواء)» ١٩٩/٥ (١٣٥٢) وتقدم تخريجه.
(٣) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣/ ٣٨ - ٣٩، ((شرح ابن بطال)) ٣٢٧/٦-٣٢٨.

٥١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
٩٢- باب بَيْعِ النَّخْلِ بِأَصْلِهِ
٢٢٠٦- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله
عنهما أَنَّ النَّبِيَّ وَّرْ قَالَ: «أَيُّمَا آمْرِئٍ أَبَرَ نَخْلَا ثُمَّ بَاعَ أَصْلَهَا، فَلِلَّذِي أَبَرَ ثَمَرُ
النَّخْلِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ المُبْتَاعُ)). [انظر: ٢٢٠٣ - مسلم: ١٥٤٣ - فتح: ٤٠٣/٤]
ذكر فيه حديث ابن عمر السالف في باب: من باع نخلاً قد أبرت(١).
وقد سلف الكلام عليه، واختلف قول مالك فيمن أشترى أصول
النخل وفيها ثمر قد أبر ولم يشرطها، فأجازوا لمشتري النخل وحده
أن يشتري التمر قبل بُدُوِّ صلاحها في صفقة أخرى، كما كان له أن
يشرطها في صفقته، هُذِه رواية ابن القاسم. وكذلك مال العبد، وروى
ابن وهب عن مالك: أن ذلك لا يجوز في الثمرة ولا في مال العبد
له ولا لغيره، وهذا قول المغيرة وابن دينار وابن عبد الحكم، وهو
قول الشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور (٢). وهذا القول
أقوى لعموم نهيه الكلي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وكذلك مال
العبد فهو شراء مجهول، فهو من بيع الغرر(٣).
(١) سلف قريبًا برقم (٢٢٠٤).
(٢) ((الاستذكار)) ٨٤/١٩.
(٣) انظر ((شرح ابن بطال)) ٣٢٩/٦.

٥٠
١
كِتَابُ البُيُوع
=
٩٣- باب بَيْعِ المُخَاضَرَةِ
٢٢٠٧- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ:
حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الأَنَّصَارِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ:
نَهَى رَسُولُ اللهِ نَّهَ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْخَاضَرَةِ وَالْلَامَسَةِ، وَالْنَابَذَةِ، وَالمزَابَنَةِ. (فتح: ٤ /
٤٠٤]
٢٢٠٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَذَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله
عنه أَنَّ النَّبِيَّ وَّ نَهَى عَنْ بَيْع ◌َرِ الثَّمْرِ حَتَّى تَزْهُوَ. فَقُلْنَا لِأَنَّسٍ: مَا زَهْوُهَا؟ قَالَ:
تَحْمَرُّ وَتَصْفَرُّ، أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ بِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَ أَخِيكَ؟ [انظر: ١٤٨٨ - مسلم:
١٥٥٥- فتح: ٤٠٤/٤]
ذكر فيه حديث أنس أن النبي ◌ََّ نهى عَنِ المُحَاقَلَةِ، وَالْمُخَاضَرَةِ
وَالْمُنَابَذَةِ، وَالْمُلَامَسَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ.
وحديث أنس في بيع الثمار حتى تزهو، وقد أسلفناه،(١) وكذا
الأول، وأنه من أفراد البخاري، قال الإسماعيلي: وفي بعض
الروايات: والمخاضرة: بيع الثمار قبل أن تطعم، وبيع الزرع قبل أن
يشتد ويفرك منه، وقد أسلفنا الكلام على كلِّ ذلك.
والمخاضرة: بالخاءِ والضاد المعجمتين، وهي: بيع الثمار خضراء
لم (يبدو) (٢) صلاحها. مفاعلة؛ لأنهما باعا شيئًا أخضر، وقام الإجماع
(١) سلف برقم (١٤٨٨) كتاب: الزكاة، باب: من باع ثماره أو نخله.
(٢) كذا في الأصل، والجادة أن تكتب بدون واو، ويخرج ما في الأصل على وجهين:
أحدهما: أنها لغة لبعض العرب المجرين للفعل المعتل الآخر إجراء الفعل
الصحيح. والآخر: أنها من باب الإشباع فتولدت الواو وليست هي لام الكلمة بل
هي زائدة. أنظر ((الإنصاف في مسائل الخلاف)) ١/ ٢٣ - ٣٠، و ((سر صناعة
الإعراب)) ٢/ ٦٣٠، و((أوضح المسالك)) ١/ ٦٩-٧٤.

٥١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
على أنه لا يجوز بيع الثمار، والزروع، والبقول قبل بُدُوِّ صلاحها على
شرط التبقية إلى وقت طيبها، ولا يجوز بيع الزرع الأخضر إلا الفصيل
لأكل الدواب، وكذلك أجمعوا أنه يجوز بيع البقول إذا قلعت من
الأرض، وانتفع بها، وأحاط علمًا بها المشتري، ومن بيع
المخاضرة: شراؤها مغيبة في الأرض كالفجل والكراث والبصل
واللفت وشبهه، وأجاز شراءها مالك والأوزاعي.
قال مالك: وذلك إذا استقل ورقه وأمن، والأمان عنده أن يكون
ما يقطع منه ليس بفساد(١)، وقال أبو حنيفة: بيع المغيب في الأرض
جائز، وهو بالخيار إذا رآه (٢)، قال الشافعي: لا يجوز بيع
ما لا يرى(٣). وهو عنده من بيوع الغرر، وحجة من أجاز ذلك: أنه
لو قلعها ثُمَّ باعها لأضرَّ ذلك به وبالناس؛ لأنهم إنما يأكلون ذلك
أولًا أولًا كما يأكلون الرطب والتمر، ولا يقصدون بذلك الغرر، وإذا
باعها على شيءٍ يراه، أو صفة توصف له جاز فمتى جاء بخلاف
الصفة أو الرؤية كان له رد ذلك بحصته، وإنما يجوز بيع ذلك كلِّه
على التبقية إذا طابت للأكل، كما يجوز بيع الثمرة على التبقية إذا
طابت للأكل.
واختلفوا في بيع القثاء والبطيخ، وما يأتي بطئًا بعد بطن، فقال
مالك: يجوز بيعه إذا بدا صلاحه، ويكون للمشتري ما ينبت حتى
ينقطع ثمره؛ لأنَّ وقته معروف عند الناس.
(١) انظر: ((النوادر والزيادات)) ١٩١/٦، ((التمهيد)) ١٩١/٦، ((التمهيد)) ٣٠٥/١٣.
(٢) أنظر: ((الهداية)) ٣٧/٣.
(٣) انظر: ((الحاوي)) ١٩٦/٥ - ١٩٩، ((المجموع)) ٣٥٠/٩.

٥١٣
- كِتَابُ البُيُوع
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز بيع بطن منه إلا بعد طيبه كالبطن
الأول، وهو عندهم من بيع ما لم يخلق(١)، وجعله مالك كالثمرة إذا بدا
صلاح أولها جاز ما بدا صلاحه وما لم يبد؛ لحاجتهم إلى ذلك، ولو
منعوا منه لأضرَّ بهم؛ لأن ما تدعو إليه الضرورة يجوز فيه بعض
الغرر، ألا ترى أن الظئر تكرى لأجل لبنها الذي لم يخلق ولم يوجد
إلا أوله، ولا يدرى كم يشرب الصبي منه، وكذلك لو أكترى عبدًا
لخدمته لكانت المنفعة التي وقع عليها العقد لم تخلق، وإنما تجددت
أولًا أولًا، ولو مات العبد لوقعت المحاسبة على ما حصل من
المنفعة، فجوز ذلك لحاجة الناس إليه فبيع ما لم يخلق، وقد جرت
العادة في الأغلب إذا كان الأصل سليمًا من الآفات أن تتتابع بطونه
وتتلاحق، وعدم مشاهدته لا تدل على بطلان بيعه، بدليل بيع الجوز
واللوز في قشريهما وفساده البين من خارج، ولو كان مقشورًا مغطى
بشيء غير قشره لم يصح البيع.
(١) انظر: ((الاستذكار)) ١٩/ ١٠٧ - ١٠٩.

٥١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٩٤- باب بَيْعِ الجُمَّارِ وَأَكْلِهِ
٢٢٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الَلِكِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ،
عَنْ تُجَاهِدٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ وَِّ وَهْوَ يَأْكُلُ بُمَّارًا
فَقَالَ: ((مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةٌ كَالرَّجُلِ المُؤْمِنِ)». فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ. فَإِذَا
أَنَا أَحْدَثُهُمْ قَالَ: ((هِيَ النَّخْلَةُ)). [انظر: ٦١ - مسلم: ٢٨١١ - فتح: ٤ /٤٠٥]
ذكر فيه حديث ابن عمر: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ وَ ﴿ وَهْوَ يَأْكُلُ جُمَّارًا
فَقَالَ: ((مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةٌ كَالرَّجُلِ المُؤْمِنِ)». فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: النَّخْلَةُ.
فَإِذَا أَنَا أَحْدَثُهُمْ فِقَالَ: ((هِيَ النَّخْلَّةُ)).
هذا الحديث سلف في كتاب العلم، وتكرر فيه فراجعه (١).
والجمار: قلب النخلة، وذكر البخاري الأكل فقط ولم يذكر البيع؛
لأنه نبه علیه بأكله؛ لأن كل ما جاز أكله جاز بيعه، وكذا قال ابن المنير،
أنه أخذه من القياس على أكله، إذ يدل على أنه مباح، واستغرب الشارح
-يعني: ابن بطال- ذكره لبيع الجمار بناء منه على أنه مجمع عليه، وأنه
لا يتخيل أحد فيه المنع، حيث قال: بيع الجمار وأكله من المباحات
التي لا أختلاف فيها بين العلماء، وكل ما أنتفع به للأكل وغيره
فجائز بيعه(٢). قال: وقد وقع في عصرنا لبعضهم إنكار على من جمر
نخله ليأكله تحريجًا من أكل غيره مما لم يصف من الشبهة، وينسبه
لإضاعة المال، وذهل عن كونه حفظ ماله بماله(٣).
(١) برقم (٦١)، باب: قول المحدث: حدثنا أو أخبرنا أو أنبأنا، (٦٢) باب: طرح
الإمام المسألة على أصحابه، (٧٢) باب: الفهم في العلم، (١٣١) باب: الحياء
في العلم.
(٢) (شرح ابن بطال)) ٣٢٩/٦.
(٣) ((المتواري)) ص ٢٤٥.

٥١٥
- كِتَابُ البُيُوع
وفيه من الفوائد: أكل الشارع بحضرة القوم تواضعًا، ولا عبرة بقول
بعضهم: إنه يكره إظهاره، وإنه يخفي مدخله كما يخفي مخرجه، وهذا
الحدیث یرد علیه.
وقوله: ( ((كَالرَّجُلِ المُؤْمِنِ))). أخذه من قوله تعالى: ﴿مَثَلًا كَلِمَةٌ
طَيِّبَةٌ كَشَجَرَقِ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] وقوله: (أحدثهم سنًا) أي: وفعل
ذلك استحياء.

٥١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٩٥- باب مَنْ أَجْرى أَمْرَ الأَمْصَارِ عَلَى مَا يَتَعَارَفُونَ
بَيْنَهُمْ فِي البُيُوعِ (وَالإِجَارَةِ)(١) وَالْمِكْيَالِ وَالْوَزْنِ، وَسُنَنِهِمْ
عَلَى نِيَّتِهِمْ وَمَذَاهِبِهِمِ المَشْهُورَةِ
وَقَالَ شُرَيْحٌ لِلْغَزَّالِينَ: سُنَّتُكُمْ بَيْنَكُمْ. وَقَالَ عَبْدُ الوَهَّابِ،
عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ: لَا بَأْسَ العَشَرَةُ بِأَحَدَ عَشَرَ، وَيَأْخُذُ
لِلنَّفَقَةِ رِبْحًا. وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ لِهِنْدٍ: ((خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ
بِالْمَعْرُوفِ)). وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلُ بِالْمَعْرُوفِ﴾
[النساء: ٦]. وَاكْتَرى الحَسَنُ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مِرْدَاسٍ حِمَارًا،
فَقَالَ: بِكُمْ؟ قَالَ: بِدَانَقَيْنٍ. فَرَكِبَهُ، ثُمَّ جَاءَ مَرَّةً أُخْرِىُ،
فَقَالَ: الحِمَارَ الحِمَارَ. فَرَكِبَهُ، وَلَمْ يُشَارِظُهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ
بِنِصْفِ دِرْهَمِ.
٢٢١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدِ الطَِّيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكِ رضي الله عنه قَالَ: حَجَمَ رَسُولَ اللهِ وَلِّ أَبُو طَيِبَةَ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَ
بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّقُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ. [انظر: ٢١٠٢ - مسلم: ١٥٧٧ - فتح:
٤٠٥/٤]
٢٢١١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي
الله عنها: قَالَتْ هِنْدٌ أُّ مُعَاوِيَةَ لِرَسُولِ اللهِوَّهِ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، فَهَلْ عَلَّيَّ
جُنَاحٌ أَنْ آَخُذَ مِنْ مَالِهِ سِرًّا؟ قَالَ: ((خُذِي أَنْتِ وَبَنُوِكُ مَا يَكْفِيكِ بِالْمَعْرُوفِ)).
[ ٢٤٦٠، ٣٨٢٥، ٥٣٥٩، ٥٣٦٤، ٥٣٧٠، ٦٦٤١، ٧١٦١، ٧١٨٠ - مسلم: ١٧١٤ - فتح: ٤٠٥/٤]
٢٢١٢ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا ابن نُمَيْرٍ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، وَحَدَّثَنِي نُحَمَّدٌ قَالَ:
سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ فَزْقَدٍ قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُزْوَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ
(١) في الأصل: (والآجال) والمثبت من مطبوع البخاري.

٥١٧
كِتَابُ البُيُوع
=
رضي الله عنها تَقُولُ: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفٌّْ وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِّ؟
[النساء: ٦] أُنْزِلَتْ فِي وَالِي الْيَتِيمِ الذِي يُقِيمُ عَلَيْهِ وَيُضْلِحُ فِي مَالِهِ، إِنْ كَانَ فَقِيْرًا أَكَلَ
مِنْهُ بِالْغْرُوفِ. [٢٧٦٥، ٤٥٧٥ - مسلم: ٣٠١٩ - فتح: ٤ /٤٠٦]
ثم ساق حديث أنس: حَجَمَ النَّبِيِّ وَِّ أَبُو طَيْبَةَ ... الحديث. وقد
سلف(١) في ذكر الحجام بالسند سواء.(٢)؟
وحديث عائشة في قصة هند.
وحديثها أيضًا من طريقين أما الآية السالفة: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلّ
بِلْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] أَنْزِلَتْ فِي وَالِي الْيَتِيمِ الذِي يُقِيمُ عَلَيْهِ وَيُصْلِحُ فِي
مَالِهِ، إِنْ كَانَ فَقِيرًا أَكَلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ.
وهما مسندان للتعليقين السالفين، والبخاري أخرج الأخير عن
إسحاق، وهو: ابن منصور كما صرَّح به في التفسير(٣)، ولما
استخرجه أبو نعيم هناك من طريق إسحاق بن إبراهيم، قال: رواه
-يعني البخاري- عن إسحاق بن منصور، ومقصود البخاري بالترجمة
-كما قال ابن المنير- إثبات الاعتماد على العرف وأنه يقضى به على
ظواهر الألفاظ، ويرد إلى ما خالف الظاهر من العرف؛ ولهذا ساق:
(لا بأس العشرة بأحد عشر)، أي: لا بأس أن يبيعه سلعة مرابحة
للعشرة بأحد عشر، وظاهره: أن ربح العشرة أحد عشر، فتكون
(١) ورد في هامش الأصل ما نصه: إلا أنه هنا قال: ثنا حميد الطويل، وهناك لم
يلقبه، وهنا: قدم رسول الله وَّر على أبي طيبة. وهنا أظهر فاعل أمر، وهناك
أضمره.
(٢) سلف برقم (٢١٠٢).
(٣) سيأتي برقم (٤٥٧٥) باب: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ وليس منسوبًا في هذا
الموضع.
=

٥١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الجملة أحدًا وعشرين ولكن العرف فيه أن للعشرة واحدًا ربحًا، فيقضي
العرف على اللفظ، فإذا صحَّ الاعتماد على العرف معارضًا بالظاهر،
فالاعتماد عليه مطلقًا أولى. ووجه دخول حديث أبي طيبة في الترجمة
أنه التَّر لم يشارطه اعتمادًا على العرف في مثله(١).
وقوله: (وَيَأْخُذُ لِلنَّفَقَّةِ رِبْحًا)، إن أراد نفقة نفسه فمذهب مالك أنها
لا تحسب ولا يحسب له ربح(٢)، وإن أراد نفقة الرقيق فتحسب عند
مالك ولا يحسب لها ربح، فهو خلاف مالك على كل حال إلا أن
يريد أنه بين ذلك، أو كانت عندهم عادة، فتحتاج إلى بيان هذِه
النفقة؛ لأنه يحتمل أن تكون قليلة أو كثيرة، ونبه عليه ابن التين،
قال: وفي أكثر ما في الباب دليل لما بوب عليه أن العادة تقوم عند
عدم الشرط مقامه وهو مذهب مالك وغيره.
وقال الشافعي: لا أعتبار بذلك.
وقال ابن بطال: العرف عند الفقهاء أمر معمول به، وهو كالشرط
اللازم في البيوع وغيرها، ولو أن رجلًا وگّل رجلًا على بيع سلعة
فباعها بغير النقد الذي هو عرف الناس لم يجز ذلك، ولزمه النقد
= وقال الجياني في ((تقييد المهمل)) ٩٦٩/٣ وقال في الصلاة والبيوع وتفسير سورة
النساء: حدثنا إسحاق نا عبد الله.
لم أجد إسحاق هذا منسوبًا في هذِه المواضع لأحد من الرواة ولا نسب أبو نصر
إسحاق عن ابن نمير في كتابه.
وقال المزي في ((الأطراف)) ١٦٤/١٢: البخاري في البيوع، وفي التفسير عن
إسحاق ابن منصور، نسبه في التفسير، ولم ينسبه في البيوع عن عبد الله بن نمير به
ولعلها اختلاف نسخ.
(١) ((المتواري)» ص ٢٤٦.
(٢) انظر: ((الاستذكار)) ١٩/ ١٩٩ - ٢٠٠.

٥١٩
= كِتَابُ البُيُوع
الجاري، وكذلك لو باع طعامًا موزونًا أو مكيلًا بغير الوزن، أو الكيل
المعهود لم يجز، ولزم الكيل المعهود المتعارف من ذلك.
قال: وقوله: (يأخذ للْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ)، يعني لكلِّ عشرة واحدًا من
رأس المال دينار(١). وقال ابن التين: يزيد في بيع المرابحة، يقول: كل
عشرة أخرجتها يأخذ لها أحد عشر.
واختلف العلماء في ذلك، فأجازه قوم وكرهه آخرون، وممن كرهه
ابن عباس وابن عمر ومسروق والحسن، وبه قال أحمد وإسحاق، قال
أحمد: البيع مردود، وأجازه سعيد بن المسيب والنخعي، وهو قول
مالك والثوري والكوفيين والأوزاعي(٢).
حجة الأول: أنه عنده بيع مجهول، إلا أن يعلم عدد العشرات،
فيعلم عدد ربحها، ويكون الثمن كله معلومًا. وحجة الثاني: أن الثمن
معلوم فكذا الربح، وأصل هذا الباب بيع الصبرة كل قفيز بدرهم،
ولا يعلم مقدار ما في الصبرة من الطعام، فأجازه قوم وأباه آخرون،
ومنهم من قال: لا يلزمه إلا القفيز الواحد ومن بيع العشرة الواحد.
واختلفوا في النفقة: هل يأخذ لها ربحًا في بيع المرابحة؟ فقال
مالك: لا، إلَّا فيما له تأثير في السلعة وعين قائمة كالصبغ،
والخياطة، والكماد، فهذا كله يحسب في أصل المال، ويحسب له
الربح؛ لأن تلك المنافع كلها سلعة ضمت إلى سلعة.
قال مالك: ولا يحسب في المرابحة أجر السمسار، ولا الشد
والطي، ولا النفقة على الرقيق، ولا كراء البيت، وإنما يحسب هذا
(١) (شرح ابن بطال)» ٣٣٣/٦.
(٢) انظر: ((المغني)) ٦/ ٢٦٦ - ٢٦٧.

٥٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
في أصل المال وما يحسب له ربح(١).
وأما كراء البز فيحسب له الربح؛ لأنه لا بد منه، ولا يمكنه حمله بيده
من بلد إلى بلد، فإن أربحه المشتري على ما لا تأثير له جاز إذا رضي
بذلك، فإن لم يبين البائع للمشتري ذلك وأجمل البيع كان للمشتري ردُـ
ذلك كله إن شاء؛ لأن البائع قد غرَّه. وقال أبو حنيفة: يحسب في
المرابحة أجر القصارة، وكراء البيت، وأجر السمسار، ونفقة الرقيق
وكسوتهم، ويقول: قام عليَّ بكذا وكذا.
وأما أجرة الحجام فأكثر العلماء يجيزونها - كما سلف- هذا إذا كان
الذي يعطاه فيما يرضى به، فإن أعطي ما لا يرضى فلا يلزم، ورد إلى
العرف، ومما يدل على أن العرف عمل جارٍ حديث هند، فأطلق لها أن
تأخذ من متاع زوجها ما تعلم أن نفسه تطيب لها بمثله، وكذلك أطلق الله
تعالى لولي اليتيم أن يأكل من ماله بالمعروف(٢)، واستدل بحديث هند
على القضاء على الغائب وبالإفتاء؛ لأنَّ زوجها أبا سفيان كان متواریًا
بها، بل ذكر السهيلي أنه كان حاضرًا سؤالها فقال لها: أنت في حلِّ
مما أخذت(٣)، وبأن المرأة لا تأخذ من مال زوجها شيئًا بغير إذنه
ولو قلَّ، ألا ترى أنه لما سألته قال لها: ((لا))، ثم استثنى فقال:
((لا، إلا بالمعروف)) (٤).
(١) انظر: ((الاستذكار)) ٢/ ١٩٩ - ٢٠٠.
(٢) المصدر السابق ٣٣٣/٦- ٣٣٤.
(٣) ((الروض الأنف)) ٤/ ١١٤.
(٤) سيأتي برقم (٥٣٥٩) كتاب: النفقات، باب: نفقة المرأة إذا غاب عنها زوجها،
ونفقة الولد.