Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ كِتَابُ البُيُوع = ١٥- باب كَسْبِ الرَّجُلِ وَعَمَلِهِ بِيَدِهِ ٢٠٧٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي ابن وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ لَمَا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ قَالَ: لَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنَّ حِزْفَتِي لَمْ تَكُنْ تَعْجِزُ عَنْ مَثُونَةٍ أَهْلِي، وَشُغِلْتُ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَسَيَأْكُلُ آلُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ هذا المَالِ وَيَخْتَرِفُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ. [فتح ٣٠٣/٤] ٢٠٧١- حَدَّثَنِي نُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ، عَنْ عُزْوَةَ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ وَلِه عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ، وَكَانَ يَكُونُ لَهُمْ أَزْوَاخْ، فَقِيلَ لَهُمْ: لَوِ أَغْتَسَلْتُمْ. رَوَاهُ هَمَّامٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. [انظر: ٩٠٢- مسلم: ٨٤٧ - فتح: ٤/ ٣٠٣] ٢٠٧٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عِيسَى، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنِ اِقْدَامِ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ قَالَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللّهِ دَاوُدَ الَِّ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلٍ يَدِهِ)). [فتح: ٣٠٣/٤] ٢٠٧٣ - حَدَّثَنَا يَجْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهِ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ: ((أَنَّ دَاوُدَ الَّا كَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ)). [٣٤١٧، ٤٧١٣ - فتح: ٣٠٣/٤] ٢٠٧٤ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ - مَؤْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ -، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًّا، فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَه). [انظر: ١٤٧٠ - مسلم: ١٠٤٢ - فتح: ٣٠٣/٤] ٢٠٧٥ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا وَكِيخُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، ١٢٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلَهُ [خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ))]. [انظر: ١٤٧١ - فتح: ٣٠٤/٤] ذكر حديث عروة أن عائشة قَالَتْ لَمَّا أُسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ قَالَ: لَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنَّ حِرْفَتِي لَمْ تَكُنْ تَعْجِزُ عَنْ مَثُونَةِ أَهْلِي، وَشُغِلْتُ بِأَمْرٍ المُسْلِمِينَ، فَسَيَأْكُلُ آلْ أَبِي بَكْرٍ مِنْ هُذا المَالِ وَيَحْتَرِفُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ. وحديثها: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ نَِّ عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ الحديث. وسلف في الجمعة (١)، رواه همام، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة. ثم ساق حديث المقدام من حديث خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عنه عَنْ النبي وَلّ قَالَ: ((مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلٍ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ)). وهو من أفراده كالأثر الأول، وهو هنا خاصة. ومحمد شیخ البخاري في حديث عائشة هو محمد بن يحيى الذهلي كما قاله الجياني (٢). (١) برقم (٩٠٢) وعليها بالهامش: معلق عن عائشة. (٢) ذكره الجياني في ((تقييد المهمل)) ١٠٤٥/٣ في باب: المواضع التي ذكر شيوخنا أن البخاري -رحمه الله - روى فيها عن محمد بن يحيى الذهلي وقال: لم ينسبه أحد من الرواة، ولا ذکر فیه أبو نصر شيئًا. ونص كلامه هذا نقله الحافظ في ((هدي الساري)) ص ٢٣٧ وقال: ويظهر لنا أنه الذهلي، وبه جزم الحاكم. وكذا قال في ((الفتح)) ٣٠٥/٤. وقال السيوطي في ((التوشيح)) ١٥١١/٤: حدثني محمد، قال الحاكم: هو الذهلي، وقال غيره: هو المصنف، وكأنه من قول الفربري وقد سقط في رواية ابن شبويه. وقال زكريا الأنصاري في ((المنحة)) ٥٠١/٤: هو ابن يحيى الذهلي، وقيل: هو البخاري. وذكره المزي في ((التحفة)) ١٢/ ٢٣ (١٦٣٩٢) ولم ينسبه. ١٢٣ كِتَابُ البُيُّوع = وقوله: (رواه همام إلى آخره) أسنده أبو نعيم من حديث هدية عنه(١). والراوي عن أبي الأسود سعيد وهو ابن أبي أيوب مقلاص أبو يحيى، وأبو الأسود محمد بن عبد الرحمن يتيم عروة. وزعم الإسماعيلي أن سنده منقطع، بين خالد والمقدام جبير بن نفير. ورواه ابن ماجه، عن هشام، عن ابن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن خالد بن معدان، عنه مرفوعًا: ((ما من كسب الرجل أطيب من عمل يديه، وما أنفق الرجل عَلَى نفسه وولده وخادمه فهو صدقة))(٢). والمقدام : -(خ) والأربعة- هو ابن معدي كرب مات سنة سبع وثمانين عن إحدى وتسعين سنة. ثم ذكر حديث أَبي هُرَيْرَةَ: ((أَنَّ دَاوُدَ كَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ بَدِهِ)). وهو من أفراده، وللإسماعيلي زيادة: ((خفف عَلَى داود القرآن فكان يأمر بداوبه لتسرج فكان يقرأ القرآن قبل أن تسرج وإنه كان لا يأكل إلا من عمل يده))(٣). ويحيى بن موسى شيخ البخاري فيه هو المعروف: بخت، لقب بذلك؛ لأن اللفظة المذكورة جرت عَلَى لسانه. (١) أسنده أبو نعيم في ((المستخرج على البخاري)) كما في ((تغليق التعليق)) ٢١٥/٣ قال: حدثنا إبراهيم بن حمزة، ثنا أبو القاسم بن عبد الكريم، ثنا أبو زرعة، ثنا هدبه به. (٢) ابن ماجه (٢١٣٨). قال الحافظ فى ((الدراية)) ١٤٦/٢: إسناده جيد. (٣) ستأتي هُذِه الزيادة وحدها برقم (٣٤١٧، ٤٧١٣). ١٢٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وحديثه أيضًا: ((لأَنْ يَحْتَطِبَ ... )) إلى آخره. سلف(١). وكذا حديث الزبير مثله(٢). وفي الإسرائيليات: سمع داود يومًا قائلًا يقول: نعم العبد داود لو كان يأكل من عمل يده، فدعا الله فعلمه صنعة الحديد. وفي الحاكم من حديث أبي بردة، -يعني: ابن نيار -: سئل رسول الله ورية: أي الكسب أطيب وأفضل؟ قَالَ: ((عمل الرجل بيده أو كل بيع مبرور))(٣). وعن البراء بن عازب نحوه، وقال: صحيح الإسناد(٤). (١) برقم (١٤٧٠، ١٤٨٠). (٢) برقم (١٤٧١). (٣) ((المستدرك)) ١٠/٢. ورواه أيضًا أحمد ٤٦٦/٣، والبزار كما في ((كشف الأستار)) (١٢٥٨)، والطبراني ٢٢ (٥٢٠)، والبيهقي ٢٦٣/٥ من طريق شريك عن وائل بن داود عن جميع بن عمير، عن خاله أبي بردة. والحديث سكت عنه الحاكم. وقال البيهقي: هكذا رواه شريك، وغلط فيه في موضعين: أحدهما في قوله: جميع بن عمير، وإنما هو سعيد بن عمير، والآخر في وصله وإنما رواه غيره عن وائل مرسلًا. وقال الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء)» (١٥٨٦): جميع ضعيف. وقال الألباني في ((ضعيف الجامع)) (١٠٤٩): ضعيف جدًا. (٤) ((المستدرك)) ١٠/٢. ورواه البيهقي ٥/ ٢٦٣ من طريق سفيان الثوري، عن وائل بن داود، عن سعيد بن عمير، عن عمه. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووائل بن داود وابنه بكر ثقتان، وقد ذكر ابن معين أن عم سعيد بن عمير: البراء بن عازب وإذا اختلف الثوري وشريك فالحکم للثوري. ورواه البيهقي ٥/ ٢٦٣ من طريق محمد بن عبيد عن وائل بن داود، عن سعيد بن عمير - أبو أمه البراء بن عازب- قال: سئل النبي وَّر .. فذكره. ثم قال: هذا هو المحفوظ مرسلًا. وقال ابن أبي حاتم في ((العلل)) ٤٤٣/٢ (٢٨٣٧): المرسل أشبه. ١٢٥ كِتَابُ البُيُوع وعن رافع بن خديج مثله(١). وللنسائي عن عائشة: ((إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه))(٢). (١) ((المستدرك)) ١٠/٢. ورواه أيضًا أحمد ١٤١/٤، والطبراني ٢٧٦/٤ - ٢٧٧ (٤٤١١) من طريق المسعودي عن وائل بن داود عن عباية بن رافع، عن أبيه رافع بن خديج. قال الحاكم: هذا خلاف ثالث على وائل بن داود إلا أن الشيخين لم يخرجا عن المسعودي، ومحله الصدق. وخطأ البيهقي هذِه الرواية أيضًا وقال: والصحيح رواية وائل عن سعيد بن عمير، عن النبي ◌ّ مرسلًا، قال البخاري: أسنده بعضهم وهو خطأ. اهـ ولمزيد من التفصيل عن هذِه الثلاثة الأحاديث، أنظر: ((البدر المنير)) ٤٣٩/٦- ٤٤١، و((تلخيص الحبير)) ٣/٣، و((الصحيحة)) (٦٠٧). (٢) (سنن النسائي)) ٧/ ٢٤٠ - ٢٤١ من طريقين عنها: الأول: عن عمارة بن عمير عن عمته عنها : ورواه من هذا الطريق أيضًا أبو داود (٣٥٢٨)، والترمذي (١٣٥٨)، ابن ماجه (٢٢٩٠)، وأحمد ٣١/٦، ٤١، ١٦٢، ١٧٣، ١٩٣، ٢٠١، ٢٢٠، وإسحاق بن راهويه ٨٤٨/٣- ٨٤٩ (١٥٠٨)، (١٦٥٧)، وابن حبان ١٠/ ٧٢ (٧٢)، والحاكم ٤٦/٢، والبيهقي ٧ / ٤٧٩. ومن هذا الطريق صححه أبو حاتم كما في ((العلل)) ٤٦٥/١ (١٣٩٦)، وقال الألباني في ((الإرواء)) ٣٣٠/٣: رجاله ثقات رجال الشيخين غير عمة عمارة، فلم أعرفها. ورواه بعضهم فقال: عن أمه، بدل: عمته. رواه هكذا: أبو داود (٣٥٢٩)، وإسحاق (١٦٥٥ - ١٦٥٦)، والبيهقي ٧/ ٤٨٠، والحديث صححه عبد الحق ٣٤٩/٣ - ٣٥٠. الثاني: عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة. النسائي ٧/ ٢٤١. ورواه أيضًا ابن ماجه (٢١٣٧)، وأحمد ٤٢/٦، ٢٢٠، وإسحاق ٨٤٨/٣ (١٥٠٧)، وابن حبان (٤٢٦٠ - ٤٢٦١)، والبيهقي ٧/ ٤٨٠، والبغوي في ((شرح السنة» ٣٢٨/٩ - ٣٢٩ (٢٣٩٨). = ١٢٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح === ولأبي داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا : ((إن أطيب ما أكلتم من كسبكم))(١). إذا تقرر ذَلِكَ: فالحرفة والاحتراف: الكسب، يقال: فلان يحترف لعياله أي يكتسب، واحترف احترافًا نما ماله وصلح، قَالَ المهلب: الحرفة هنا: التصرف في المعاش. والتحرف لما اشتغل عنه أبو بكر بأمر المسلمين ضاع أهله، فاحتاج أن يأكل هو وأهله من بيت المال؛ لاستغراقه وقته في أمورهم واشتغاله عن تعيش أهله. وقوله: (واحترف للمسلمين فيه) أي: أتجر لهم في مالهم حَتَّى يعود عليهم من ربحه بقدر ما أكل أو أكثر، وليس بواجب عَلَى الإمام أن يتجر في مال المسلمين بقدر مؤنته إلا أن يتطوع بذلك كما تطوع الصديق؛ لأن مؤنته مفروضة في بيت المال بكتاب الله تعالى؛ لأنه رأس العاملين عليها. وفي ((الطبقات)) عن حميد بن هلال: لما ولي أبو بكر قَالَ الصحابة: افرضوا للخليفة ما يعينه، قالوا: نعم برداه إذا أخلقهما وضعهما وأخذ = وصححه من هذا الطريق أبو حاتم كما في ((العلل)) ٤٦٥/١ (١٣٩٦). وقال الألباني في ((الإرواء)) ٣٣٠/٣: إسناده صحيح. وزاد في ٦ / ٦٦: على شرط الشیخین. والحديث في الجملة حسنه المنذري في ((المختصر)) ١٨٣/٥، وصححه المصنف في ((البدر المنير)) ٣٠٨/٨، والألباني في «الإرواء)) (١٦٢٦، ٢/٢١٦٢). (١) أبو داود (٣٥٣٠). ورواه أيضًا ابن ماجه (٢٢٩٢)، وأحمد ١٧٩/٢، ٢١٤، وابن الجارود ٢٥١/٣ - ٢٥٢ (٩٩٥)، والبيهقي ٧/ ٤٨٠، وابن الجوزي في ((التحقيق)) ٢٣١/٢ (١٦٣٢). قال العلامة أحمد شاكر في تعليقه على («المسند» (٦٦٧٨، ٧٠٠١): إسناده صحيح. وقال الألباني في ((الإرواء)) ٣/ ٣٢٥: سنده حسن. ١٢٧ - كِتَابُ البُيُوع بدلهما، وظهره إذا سافر، ونفقته عَلَى أهله كما كان ينفق قبل أن يستخلف، فقال أبو بكر: رضيت. وعن ميمون قَالَ: لما استخلف أبو بكر جعلوا له ألفين، قَالَ: زيدوني فإن لي عيالًا، فزادوه خمسمائة، قَالَ: إما أن تكون ألفين فزادوه خمسمائة، أو كانت ألفين وخمسمائة، فزادوه خمسمائة(١). وقال ابن التين: يقال: إن أبا بكر، أرزق في كل يوم شاة، وكان شأن الخليفة أن يطعم من حضره قصعتين كل يوم غدوة وعشاء. ولما حضرت أبا بكر الوفاة حسب ما أنفق من بيت المال فوجده سبعة آلاف درهم، فأمر بماله غير الرباع فأدخل في بيت المال، فكان أكثر مما أنفق، فربح المسلمون عليه وما ربحوا عَلَى غيره. وقوله: (تعجز) أي: تقصر. (وشغلت بأمر المسلمين) أي: عن حرفته. وآله: أهل بيته. وهو دليل واضح عَلَى أن للعامل أن يأخذ من عرض المال الذي يعمل فيه قدر عمالته إذا لم يكن فوقه إمام يقطع له أجرة معلومة. و(الأَزْوَاحٌ) في حديث عائشة جمعٌ، وأصل ريح: روح، فلما سكنت الواو وانكسر ما قبلها قلبت ياء. وفيه: ما كان عليه الصحابة من التواضع واستعمال أنفسهم في أمور دنیاهم. و(أحبُلَه) قَالَ ابن التين: كذا سمعناه، وفي بعضها حبله. وقوله: (لَوِ اغْتَسَلْتُمْ) يبين ما روى أبو سعيد الخدري مرفوعًا: (١) ((الطبقات الكبرى)) ١٨٤/٣ - ١٨٥. ١٢٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ((غسل الجمعة واجب عَلَى كل محتلم))(١) أنه ليس بواجب فرضًا، وأن المراد بذلك الندب إلى النظافة، وتأكيد الغسل عليهم لفضل الجمعة ومن يشهدها من الملائكة والمؤمنين، وقد تقدم ما للعلماء فيه في كتاب: الجمعة فراجعه. وفي حديث المقدام: أن أفضل الكسب عمل اليد، ألا ترى أن نبي الله داود * كان يأكل من عمل يده، وعليه ترجم البخاري. وقال أبو الزاهرية: كان داود يعمل القفاف ويأكل منها. قلت: عمله الحديد -أي: الدروع- بنص القرآن، فالأكل مما عملته الأيدي أفضل مآكل التجر، وكان سيدنا رسول الله * يأكل من سعيه الذي بعثه الله عليه في القتال، وكان يعمل طعامه بيده ليأكل من عمل يده، قيل لعائشة: كيف كان رسول الله ﴿ يعمل في أهله، قالت: كان في مهنة أهله فإذا أقيمت الصلاة خرج إليها(٢). قَالَ الماوردي: أصول المكاسب الزراعة والتجارة والصنعة، وأيها أطيب؟ فيه ثلاثة مذاهب للناس، وأشبهها بمذهب الشافعي: أن التجارة أطيب، والأشبه عندي: أن الزراعة أطيب لأنها أقرب إلى التوكل. قَالَ النووي: وحديث البخاري صريح في ترجيح الزراعة والصنعة لكونها عمل يده، لكن الزراعة أفضلهما؛ لعموم النفع بها للآدمي وغيره، وعموم الحاجة إليها. وظاهر تبويب البخاري ترجيح الصناعة(٣). (١) سلف برقم (٨٥٨)، ورواه مسلم (٨٤٦). (٢) سلف برقم (٦٧٦). (٣) انظر قولي الماوردي والنووي في ((المجموع)) ٦٦/٩. ١٢٩ = كِتَابُ البُيُوع وقوله: (((لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ))) إلى آخره، يدل عَلَى فضل الكفاف وكراهية السؤال. قَالَ ابن المنذر: وإنما فضل عمل اليد عَلَى سائر المكاسب إذا نصح العامل بيده، جاء ذَلِكَ مبينًا في حديث رواه المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا: ((خير الكسب يد العامل إذا نصح)) (١) وكان زكريا نجارًا و((ما من نبي إلا ورعى الغنم))(٢). وذكر معمر عن سلمان أنه كان يعمل الخوص، فقيل له: أتعمل هذا وأنت أمير المدائن يجري عليك رزق. قَالَ: إني أحب أن آكل من عمل يدي(٣). (١) رواه أحمد ٣٣٤/٢، ٣٥٧ - ٣٥٨، وأبو نعيم الأصبهاني في ((أخبار أصبهان)) ١/ ٣٥٦، وفي ((تسمية ما انتهى إلينا)) ص٣٩، والبيهقي في ((الشعب)) ٨٧/٢ (١٢٣٦)، والخطيب في ((الجامع لأخلاق الراوي)) ٢/ ٤٧ (١١٤٠) من طريق محمد بن عمار كُشاكِش، عن المقبري. قال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) ١٨٠/٢ (١١٦١): رواه أحمد ورواته ثقات. وتبعه الهيثمي في ((المجمع)) ٤/ ٦١، ٩٨. وحسن الحافظ العراقي إسناده في ((تخريج الإحياء)) (١٥٨٧). وحسنه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٣٢٨٣)، وفي ((صحيح الترغيب)) (٧٧٦). (٢) سيأتي برقم (٢٢٦٢) من حديث أبي هريرة. وينحوه (٣٤٠٦)، ورواه مسلم (٢٠٥٠) من حديث جابر. (٣) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٤١٨/٨ (١٥٧٦٨). ١٣٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ١٦- باب الشُّهُولَةِ وَالسَّمَاحَةِ في الشَّرَاءِ وَالْبَيْع، وَمَنْ طَلَبَ حَقَّا فَلْيَطْلُبُهُ في عَفَافٍ. ٢٠٧٦ - حَدَّثَنَا عَليَّ بْنُ عَيَّاشِ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((رَحِمَ اللهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرِىُ، وَإِذَا أَقْتَضَى)). [فتح: ٣٠٦/٤] ذكر فيه حديث جابر: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((رَحِمَ اللهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا أُشْتَرِى، وَإِذَا أُقْتَضَىْ)). هذا الحديث من أفراده. وللترمذي: ((غفر الله لرجل كان قبلكم كان سهلًا إذا باع، سهلًا إذا اشترى، سهلًا إذا اقتضى)) ثم قَالَ: حسن غريب صحيح من هذا الوجه (١). قَالَ الداودي: يحتمل قوله: رجلًا أن يريد: الخبر أو الدعاء، والظاهر أنه للدعاء. وقوله: ((وَإِذَا اقْتَضَى))) جاء في رواية: ((وإذا أقضى)) وفي أخرى: ((خذ حقك في عفاف وافيًا أو غير واف)) وروي هذا عن ابن عمر وعائشة مرفوعًا(٢). وفي رواية(٣): ((إذا اقتضي له)). (١) الترمذي (١٣٢٠). وانظر تخريجًا موسعًا لهذا الحديث في كتاب: ((فضيلة إنظار المعسر)) ليوسف بن عبد الهادي. تحقيق دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث. حديث رقم (٦). (٢) رواه ابن ماجه (٢٤٢١)، وابن حبان ١١/ ٤٧٤ (٥٠٨٠)، والحاكم ٣٢/٢، والبيهقي ٣٥٨/٥ من طريق سعيد بن أبي مريم عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن نافع، به. وانظر: ((فضيلة إنظار المعسر)) حديث (٣٥). (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: رواه البزار. ١٣١ = ڪِتَابُ البُيُوع وفيه: الحض عَلَى المسامحة- كما ترجم له- وحسن المعاملة، واستعمال معالي الأخلاق ومكارمها، وترك المشاحة في البيع، وذلك سبب لوجود البركة؛ لأنه ◌َّ لا يحض أمته إلا عَلَى ما فيه النفع لهم دينًا ودنيا. فأما فضله في الآخرة فقد دعا له بالرحمة والغفران لفاعله، فمن أحب أن تناله هذِه الدعوة فليقتدٍ به ويعمل به. وفي قوله: ( ((وَإِذَا أَقْتَضَى)) ) حض عَلَى ترك التضييق عَلَى الناس عند طلب الحقوق وأخذ العفو منهم، ويؤيده حديث ابن عمر وعائشة السالف. قَالَ ابن المنذر: وفيه الأمر بحسن المطالبة وإن قبض دون حقه. وقد جاء في إنظار المعسر من الفضل ما ستعلمه في الباب بعده. قَالَ ابن حبيب: تستحب السهولة في البيع والشراء، وليس هي ترك المكايسة فيه، إنما هي ترك المضاجرة ونحوها، والرضا بالإحسان وبيسير الربح، وحسن الطلب. وفي الحديث: ((صاحب السلعة أحق أن يسوم تحريًا من أن يسام))(١). والبركة في أول السوم وفي المسامحة. ورغب في إقالة النادم، وكانوا يحبون المكايسة في الشراء. (١) روى ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٤٦٩/٤ (٢٢١٧٢)، وأبو داود في ((مراسيله)) (١٦٦) من طريق ابن المبارك عن عبد الله بن عمرو بن علقمة عن ابن أبي حسين مرفوعًا: ((سيد السلعة أحق بالسوم)). وضعفه الألباني في ((ضعيف الجامع)) (٣٣١٩). وانظر في ((صحيح مسلم)) حديث (١٤٠٨/ ٣٨). ١٣٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ١٧- باب مَنْ أَنْظَرَ مُوسِرًا ٢٠٧٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَبِرٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، أَنَّ رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه حَدَّثَهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((تَلَقَّتِ المَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَالُوا: أَعَمِلْتَ مِنَ الخَيْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُّنْظِرُوا وَيَتَجَاوَزُوا عَنِ المُوسِرِ قَالَ: قَالَ: فَتَجَاوَزُوا عَنْهُ)). وَقَالَ أَبُو مَالِكِ، عَنْ رِنِعِيٍّ: ((كُنْتُ أُيَسِّرُ عَلَى المُوسِرِ، وَأُنْظِرُ المُعْسِرَ)). وَتَابَعَهُ شُغْبَةُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، عَنْ رِبْعِيٍّ. وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الَلِكِ، عَنْ رِبِعِيٍّ: ((أُنْظِرُ المُوسِرَ، وَأَتَجَاوَزُ عَنِ المُعْسِرٍ)). وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ: ((فَأَقْبَلُ مِنَ المُوسِرِ، وَأَتَجَاوَزُ عَنِ المُعْسِرٍ)). [٢٣٩١، ٣٤٥١ - مسلم: ١٥٦٠ - فتح: ٣٠٧/٤] ذكر فيه حديث منصور، عن ربعي، عن حذيفة: قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: (تَلَقَّتِ المَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَالُوا: أَعَمِلْتَ مِنَ الخَيْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُ فِتْيَّانِي أَنْ يُنْظِرُوا وَيَتَجَاوَزُوا عَنِ المُوسِرِ قَالَ: قَالَ: فَتَجَاوَزُوا عَنْهُ)). وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ: ((كُنْتُ أُيَسِّرُ عَلَى المُوسِرِ، وَأَنْظِرُ المُعْسِرَ)). وَتَابَعَهُ شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، عَنْ رِبْعِيٍّ. وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، عَنْ رِبْعِيٍّ: ((أَنْظِرُ المُوسِرَ، وَأَتَجَاوَزُ عَنِ المُعْسِرِ)). وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ: ((فَأَقْبَلُ مِنَ المُوسِرِ، وَأَتَجَاوَزُ عَنِ المُعْسِرِ)). الشرح : هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وفي بعض رواياته: قَالَ أبو مسعود: هكذا سمعت من رسول الله وَّ﴾(٢) وفي أخري: قال (١) مسلم (١٥٦٠). (٢) مسلم (١٥٦٠/ ٢٧). ١٣٣ - ڪِتَابُ البُيُوع عقبة بن عامر وأبو مسعود الأنصاري هكذا سمعناه من فِيٍّ رسول الله وَ﴾(١). والصحيح كما قَالَ عبد الحق: عقبة بن عمرو لا ابن عامر، وعقبة بن عامر وهم. وقال البخاري: قَالَ عقبة بن عمرو أنا سمعته يقول: وذکر معه حديثًا آخر، وهو حديث الرجل الذي حرق نفسه يأتي(٢). وقوله: وقال أبو مالك: ثنا ربعي، هذا أسنده مسلم: عن أبي سعيد الأشج، ثَنَا أبو خالد الأحمر، عن أبي مالك -سعد بن طارق- عن ربعي، عن حذيفة(٣)، وهو الذي قَالَ فيه: فقال: عقبة وأبو مسعود كما سلف. وكذا قَالَ خلف في ((أطرافه)): عقبة بن عامر وهم لا أعلم أحدًا قَالَ غيره -يعني: الأشج- والحديث إنما يحفظ من حديث عقبة بن عمرو وأبي مسعود الأنصاري. وذكر الدارقطني أن الوهم من أبي خالد الأحمر، وصوابه: ابن عمرو. كذا رواه أبو مالك ونعيم بن أبي هند وعبد الملك بن عمير عن ربعي (٤). (١) مسلم (١٥٦٠/ ٢٩). (٢) سيأتي برقم (٣٤٥٠ - ٣٤٥١) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل. قال القاضي عياض في ((إكمال المعلم)) ٥/ ٢٣١: هكذا روي هذا الإسناد في كتاب مسلم، والحديث محفوظ لعقبة بن عمرو الأنصاري، لا لعقبة بن عامر الجهني، والوهم في هذا الإسناد من أبي خالد الأحمر، قاله الدار قطني. وصوابه: فقال عقبة بن عمرو. اهـ. وانظر: ((مسلم بشرح النووي)) ٢٢٥/١٠ - ٢٢٧ . (٣) مسلم (١٥٦٠) كتاب: المساقاة، باب: فضل إنظار المعسر. (٤) تقدم نقل هذا الكلام عن القاضي عياض، وحكى نحوه النووي. ١٣٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ومتابعه شعبة ستأتي في الاستقراض مسندة: حدثَنَا مسلم، بن إبراهيم عن شعبة به(١). وكذا ما علقه أبو عوانة، أسنده فيه(٢) عن موسى بن إسماعيل عنه مطولًا، وفيه: قَالَ عقبة: أنا سمعته يقول ذَلِكَ، وكان نبَّاشًا(٣). وتعليق نعيم بن أبي هند أسنده مسلم عن علي بن حجر وإسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن المغيرة، عن نعيم به (٤). (١) تأتي برقم (٢٣٩١) باب: حسن التقاضي. (٢) ورد بهامش الأصل: إنما ذكره البخاري في: بني إسرائيل. (٣) يأتي برقم (٣٤٥٠ - ٣٤٥٢) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل. (٤) مسلم (١٥٦٠) كتاب: المساقاة، باب: فضل إنظار المعسر. ١٣٥ - كِتَابُ البُيُوع ١٨- باب مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا ٢٠٧٨ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا الزُّبَنِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ وَّ قَالَ: (كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ؛ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا. فَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُ)). [٣٤٨٠ - مسلم: ١٥٦٢ - فتح: ٤ /٣٠٨] ذكر فيه حديث أبي هريرة: عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ قَالَ: ((كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأْ مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ؛ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَثَّا. فَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُ)). هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وللحاكم على شرط مسلم: ((خذ ما تيسر واترك ما عسر وتجاوز لعل الله أن يتجاوز عنا))، وفيه: ((فقال الله تعالى: قد تجاوزت عنك))(٢). وفي أفراد مسلم من حديث أبي قتادة مرفوعًا: ((من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه))(٣). وله من حديث ربعي عن أبي اليسر مرفوعًا: ((من أنظر معسرًا أو وضع له أظله الله في عرشه))(٤). قَالَ الحاكم: ورواه زيد بن أسلم وحنظلة بن قيس أيضًا عن أبي (٥) اليسر (٥). (١) مسلم (١٥٦٢). (٢) ((المستدرك)) ٢٨/٢. (٣) مسلم (١٥٦٣). (٤) مسلم (٣٠٠٦) كتاب: الزهد والرقائق، باب: حديث جابر الطويل وقصة أبي الیسر. (٥) ((المستدرك)) ٢/ ٢٩. ١٣٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ولابن أبي شيبة عن ابن مسعود مرفوعًا: ((حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان رجلاً موسرًا يخالط الناس، فيقول لغلمانه: تجاوزوا عن المعسر، فقال الله لملائكته: لنحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه))(١). فيه والباب قبله: أن الرب جل جلاله يغفر الذنوب بأقل حسنة توجد للعبد وذلك -والله أعلم- إذا حصلت النية فيها لله، وأن يريد بها وجهه وابتغاء مرضاته، فهو أكرم الأكرمين ولا يخيب عبده من رحمته، وقد قَالَ تعالى: ﴿مَّنِ ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَحِفَهُ لَهُ وَلَّهُ، أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴾ [الحديد: ١١]. وللترمذي في هذا الحديث أنه ينظر فلا يجد حسنة ولا شيئًا، فيقال له، فيقول: ما أعرف شيئًا إلا كنت إذا داينت معسرًا تجاوزت عنه، فيقول الله تعالى: أنت معسر ونحن أحق بهذا . منك (٢). وفيه أيضًا: أن المؤمن يلحقه أجر ما يأمر به من أبواب البر وإن لم یتول ذَلِكَ بنفسه. وفيه أيضًا: إباحة كسب العبد؛ لقوله: آمر فتياني، والفتيان: المماليك والفتية. قَالَ تعالى: ﴿وَقَالَ لِفِنْيَِهِ أَجْعَلُواْ بِضَعَهُمْ﴾ [يوسف: ٦٢]. وفيه: توكيلهم عَلَى التقاضي. ومعنى: ينظروا: يؤخروا. وفيه: أن العبد يحاسب عند موته بعض الحساب. وفيه: أنه يخبر بما يصير إليه. (١) ((المصنف)) ٤/ ٥٤٧ (٢٣٠٠٦). قلت: والحديث رواه مسلم (١٥٦١) !. (٢) ((سنن الترمذي)) (١٣٠٧). ١٣٧ كِتَابُ البُيُوع - وفيه: أنه إن أنظره أو وضع عنه ساغ ذَلِكَ، وهو شرع من قبلنا، وشرعنا لا يخالفه بل ندب إليه. وقوله: ( ((تَجَاوَزوا عَنْهُ))) يدخل فيه الإنظار والوضيعة وحسن التقاضي. وقوله: ((أيسر عَلَى الموسر وأنظر المعسر)) قَالَ ابن التين: رواية غيره أولى: ((أنظر الموسر وأتجاوز عن المعسر)) وأما إنظار المعسر فواجب. ١٣٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ١٩- باب إِذَا بَيِّنَّ البَيِّعَانِ وَلَمْ يَكْتُمَا وَنَصَحَا. وَيُذْكَرُ (١) عَنِ العَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: كَتَبَ لِي النَّبِيُّ ◌َّ: ((هذا مَا اشْتَرِى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَلِّ مِنَ العَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ، بَيْعَ المُسْلِمِ المُسْلِمَ، لَا دَاءَ، وَلَا خِبْئَةَ، وَلَا غَائِلَةَ)). وَقَالَ قَتَادَةُ: الغَائِلَةُ الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَالإِبَاقُ. وَقِيلَ لإِبْرَاهِيمَ: إِنَّ بَعْضَ النَّخَّاسِينَ يُسَمِّي آرِيَّ: خُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ، فَيَقُولُ: جَاءَ أَمْسٍ مِنْ خُرَاسَانَ، وجَاءَ اليَوْمَ مِنْ سِجِسْتَانَ. فَكَرِهَهُ كَرَاهِيَةٌ شَدِيدَةً. وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: لَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يَبِيعُ سِلْعَةٌ، يَعْلَمُ أَنَّ بِهَا دَاءً، إِلَّا أَخبَرَهُ. ٢٠٧٩ - حَذَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَزِبٍ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَالِحِ أَبِي الَخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الَحَارِثِ رَفَعَهُ إِلَى حَكِيمٍ بْنِ حِزَامِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَرَ: ((الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا - أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا - فَإِنْ صَدَقَا وَبَيِّنَا بُورَِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا)). [٢٠٨٢، ٢١٠٨، ٢١١٠، ٢١١٤ - مسلم: ١٥٣٢ - فتح: ٣٠٩/٤] ثم ذكر حديث عبد الله بن الحارث رفعه إلى حكيم بن حزام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا - أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا- فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورَِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَیْعِهِمَا». (١) ورد بهامش الأصل: إنما قال البخاري: ويذكر، بصيغة التمريض كما ستعلمه في کلام المصنف أنه اشتری أو باع أو یکون عباد بن لیث، قال فیه ابن معين: ليس بشيء، أو لانفراده به على ما قاله الدراقطني، والثاني لم يذكره المصنف ١٣٩ كِتَابُ البُيُوع الشرح : حديث العداء بن خالد بن هوذة العامري -وقد أسلم هو (١) وأبوه (٢) وعمه(٣) - رواه الترمذي. وابن ماجه عن ابن بشار، عن عباد بن ليث - صاحب الكرابيسي- عن عبد المجيد(٤) بن وهب قَالَ: قَالَ لي العداء بن خالد: ألا أريك كتابًا كتبه لي النبي بَّرِ؟ قلت: بلى. فأخرج لي كتابًا : ((هذا ما أشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله اشترى منه عبدًا أو أمة لا داء ولا غائلة ولا خبثة بيع المسلم للمسلم)). ثم قَالَ: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عباد بن ليث(٥)، وقال الدار قطني: لم يروه غيره. قلت: لا، فقد أخرجه أبو عمر من حديث عثمان الشحام عن أبي رجاء العطاردي قَالَ: قَالَ لي العداء: (١) انظر ترجمته في ((الاستيعاب)) ٣٠٦/٣ (٢٠٤٧)، و((أسد الغابة)) ٣/٤ (٣٥٩٦)، و ((الإصابة)) ٤٦٦/٢ (٥٤٦٧). (٢) هو خالد بن هوذة بن ربيعة العامري. أنظر ترجمته في: ((الاستيعاب)) ١٦/٢ (٦٢٨)، و((أسد الغابة)) ١١٣/٢ (١٤٠٢)، و((الإصابة)) ٤١٣/١ (٢٢٠٠). (٣) هو حرملة بن هوذة العامري. انظر ترجمته في: ((الاستيعاب)) ١/ ٣٩٧ (٥١٧)، و((أسد الغابة)) ٤٧٦/١ (١١٣٤)، و((الإصابة)) ١/ ٣٢١ (١٦٧١). (٤) في حاشيته بخط الدمياطي في هذا المكان: عبد بن حميد وكقوله ما في الأصل. (٥) الترمذي (١٢١٦)، ابن ماجه (٢٢٥١). ورواه النسائي في ((السنن الكبرى)) كما في ((تحفة الأشراف)) ٧/ ٢٧٠ (٩٨٤٨)، وابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني)) ٣/ ١٦٩ - ١٧٠ (١٥٠١٤)، وابن الجارود في ((المنتقى)) ٢٧٧/٣ - ٢٧٨ (١٠٢٨)، وابن قانع في ((معجم الصحابة)) ٢/ ٢٨٠، والدار قطني ٧٧/٣، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) ٢٢٤٥/٤ (٥٥٧٧)، والبيهقي ٥/ ٣٢٧ - ٣٢٨، وابن الأثير في ((أسد الغابة)) ٣/٤، والمزي في (تهذيب الكمال)) ١٤/ ١٥٥- ١٥٦، والحافظ في ((التغليق)) ٢٢٠/٣ من طريق عباد بن ليث، به. والحديث حسنه الألباني في ((صحيح الترمذي)) (٩٧١)، وفي ((صحيح ابن ماجه)) (١٨٢٤). ١٤٠ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح ألا أقرئك كتابًا كتبه لي رسول الله وَّر؟ فإذا فيه مكتوب: ((بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله له، اشترى منه عبدًا أو أمة -شك عثمان- بياعة المسلم - أو بيع المسلم - المسلم لا داء ولا غائلة ولا خبثة)) (١). وهذا أشبه من لفظ البخاري: ((اشْتَرِى مُحَمَّدٌ)) لأن العهدة إنما تكتب للمشتري لا للبائع. وكذلك رواه جماعة كرواية الترمذي، وهو الصحيح(٢)، وادعى ابن التين إرسال الحديث فقال: هذا الحديث مرسل. وهو عجيب، وكأنه أراد أنه ذكره معلقًا بغير إسناد، وقد أسندناه واتصل ولله الحمد. (١) رواه أبو عمر ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) ٣٠٧/٣ ترجمة العداء (٢٠٤٧). ورواه الطبراني ١٨ (١٥)، وأبو نعيم في ((المعرفة)) (٥٥٧٨)، والبيهقي ٣٢٨/٥، والحافظ في ((التغليق)) ٢٢٠/٣- ٢٢١ من طريق عثمان الشحام، به. قال البيهقي عن هذا الإسناد: وجه غير معتمد. فتعقبه الذهبي في ((المهذب)) ٢٠٩٤/٤ قائلًا: ما أرى بهذا الإسناد بأسًا. والحديث في الجملة حسنه الحافظ في ((التغليق)) ٢١٩/٣. والألباني في ((صحيح الجامع» (٢٨٢١). (٢) قال الحافظ: في ((التغليق)) ٣/ ٢٢٠: قد تتبعت طرق هذا الحديث من الكتب التي عزوتها إليها فاتفقت كلها على أن العداء هو المشتري وأن النبي وَ ◌ّر هو البائع، وهو بخلاف ما علقه المصنف فليتأمل. وقال في ((الفتح)) ٣١٠/٤: اتفقوا على أن البائع النبي ◌َّر والمشتري العداء. عكس ما هنا، فقيل: إن الذي وقع هنا مقلوب، وقيل: هو صواب، وهو من الرواية بالمعنى؛ لأن اشترى وباع بمعنى واحد، ولزم من ذلك تقديم اسم رسول الله ◌َّ على اسم العداء. اهـ وقال أيضًا في ((التغليق)) ٢٢١/٣: وقد تؤول، قال القاضي عياض: ما وقع في البخاري من ذلك بأن البخاري ذكره بالمعنى على لغة من يطلق اشتری مکان باع، وباع مكان اشترى، وهو تأويل متكلف، والله الموفق. اهـ