Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١
- كِتَابُ الضَّوْمِ
وفي ((الإشراف)) لابن المنذر: صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير
الهلال مع الصحو إجماع من الأمة أنه لا يجب، بل هو منهي عنه، وقد
صح عن أكثر الصحابة والتابعين ومن بعدهم كراهة صوم يوم الشك أنه
من رمضان، منهم علي وعمر وابن مسعود وحذيفة وابن عباس وأبو
هريرة وأنس وأبو وائل وابن المسيب وعكرمة وإبراهيم (١)، والأوزاعي
والثوري والأئمة الأربعة وأبو عبيد وأبو ثور وإسحاق(٢). وفي
((المحلى)) عن ابن عمر والضحاك بن قيس أنهما قالا: لو صمنا السنة
كلها لأفطرنا اليوم الذي يشك فيه (٣).
وجاء ما يدل عَلَى الجواز عن جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة
وعمرو بن العاصي ومعاوية وعائشة وأسماء بنت الصديق (٤)، فإن حال
دون منظره غيم وشبهه فكذلك لا يجب صومه عند الكوفيين ومالك
والشافعي والأوزاعي، ورواية عن أحمد، فلو صامه وبان (له)(٥) أنه
من رمضان يحرم عندنا، وبه قَالَ الثوري والأوزاعي. وقال ابن عمر،
وأحمد وطائفة قليلة: يجب صومه في الغيم دون الصحو(٦).
(١) رواها عنهم ابن أبي شيبة ٣٢٢/٢ - ٣٢٤ (٩٤٨٩ - ٩٤٩٠، ٩٤٩٣ - ٩٤٩٥،
٩٤٩٧ - ٩٤٩٨، ٩٥٠٣، ٩٥٠٦ - ٩٥٠٧) كتاب: الصيام، ما قالوا في اليوم
الذي يشك فيه بصيام.
(٢) انظر: ((المبسوط)) ٦٣/٣، ((عيون المجالس)) ٢/ ٦١١، ((البيان)) ٥٥٧/٣،
«المغني)) ٣٣٨/٤.
(٣) ((المحلى)) ٢٣/٧.
(٤) رواه البيهقي ٢١١/٤ عن أبي هريرة وأسماء وعائشة.
(٥) من (ج).
(٦) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ١٦١/٤ (٧٣٢٣)، والبيهقي ٢٠٤/٤ عن ابن
عمر.
٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال قوم: الناس تبع للإمام إن صام صاموا، وإن أفطر أفطروا،
وهو قول الحسن وابن سيرين وسوار العنبري والشعبي في رواية(١)،
ورواية عن أحمد (٢).
قَالَ مطرف وجماعة أسلفناهم: ينبغي أن يصبح يوم الشك مفطرًا
متلومًا غير آكل ولا عازم عَلَى الصوم، حَتَّى إذا تبين أنه من رمضان
قبل الزوال نوى وإلا أفطر، فيما ذكره الطحاوي. حجة الجماعة قوله:
((فإن غمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا))(٣).
وقالت عائشة: كان رسول الله وَله يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من
غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عقد ثلاثين يومًا ثم صام.
قَالَ الدارقطني: إسناد صحيح (٤). ولأبي داود عن حذيفة بإسناد جيد
(١) رواه عبد الرزاق ١٦٢/٤ (٧٣٢٩) عن ابن سيرين، وابن أبي شيبة ٣٢٣/٢ - ٣٢٤
(٩٤٩٨ - ٩٤٩٥، ٩٥٠٥) عن الشعبي.
(٢) انظر: ((المغني)) ٤/ ٣٣٠.
(٣) (شرح معاني الآثار)) ١٢٤/٣.
(٤) ((سنن الدارقطني)) ٢/ ١٥٧ وقد رواه بسنده ١٥٦/٢ - ١٥٧، ورواه أيضًا أبو داود
(٢٣٢٥) كتاب: الصوم، باب: إذا أغمي الشهر، وأحمد ١٤٩/٦، وإسحاق بن
راهويه في («مسنده)) ٩٦٠/٣ (١٦٧٥)، وابن الجارود في ((المنتقى)) ٣١/٢
(٣٧٧)، وابن خزيمة ٢٠٣/٣ (١٩١٠)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٤/ ٣٥٣ من
طريق أبي داود، وابن الجوزي في ((التحقيق)) ٧٥/٢ (١٠٦٤) من طريق
عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قيس، عن
عائشة به.
قال ابن الجوزي: قال الدارقطني: هذا إسناد حسن صحيح، قلت: وهذِه عصبية
من الدارقطني، كان يحيى بن سعيد لا يرضى معاوية بن صالح، وقال أبو حاتم
الرازي لا يحتج به، والذي حفظ من هذا: فعدوا ثلاثين ثم أفطروا اهـ، وقال
الذهبي رادًا على ابن الجوزي: قلت: وهُذِه منك عصبية؛ فإن معاوية احتج به
مسلم اهـ ((تنقيح التحقيق)) ١١٥/٥، وقال الزيلعي في ((نصب الراية)) ٤٣٩/٢ : =
٦٣
كِتَابُ الصَّوْمِ
=
((لا تقدموا الشهر حَتَّى تروا الهلال أو تكملوا العدة))(١).
= قال ابن عبد الهادي في ((التنقيح)): ليست العصبية من الدارقطني، وإنما العصبية
منه. قلت : -يقصد ابن الجوزي- فإن معاوية بن صالح: ثقة صدوق، وثقه أحمد
وابن مهدي وأبو زرعة، وقال أبو حاتم: حسن الحديث، ولم يرو شيئًا خالف فيه
الثقات، وکون یحیی بن سعید لا يرضاه غیر قادح فيه، فإن یحیی شرطه شديد في
الرجال، فقد قال: لو لم أرو إلا عنمن أرضى ما رويت إلا عن خمسة، وقول ابن
أبي حاتم: لا يحتج به، غير قادح، لأنه لم يذكر السبب. اهـ بتصرف.
وقال الحافظ في ((التلخيص)) ١٩٨/٢: إسناده صحيح، وقال في ((الدارية)) ١/
٢٧٦ : هو على شرط مسلم.
وقال المنذري: رجال إسناده كلهم محتج بهم في الصحيحين، على الأتفاق
والانفراد. اهـ ((مختصر سنن أبي داود)) ٢١٤/٣، وصححه الألباني في ((صحيح
أبي داود» (٢٠١٤) وقال معقبًا على كلام المنذري: قلت: ما قاله فيه نظر؛ فإن
معاوية بن صالح وعبد الله بن أبي قيس لم يحتج بهما البخاري في (صحيحه))
فالأول أخرج له في ((جزء القراءة)) والثاني في ((الأدب المفرد)) اهـ
وخلاصة القول أن الحديث صحيح على شرط مسلم.
(١) أبو داود (٢٣٢٦) كتاب: الصوم، باب: إذا أغمي الشهر، ورواه أيضًا النسائي
١٣٥/٤، وفي ((الكبرى)) ٧١/٢ (٢٤٣٦)، والبزار في ((البحر الزخار)) ٧/ ٢٧٢
(٢٨٥٥)، وابن خزيمة ٢٠٣/٣ (١٩١١)، وابن حبان ٢٣٨/٨ (٣٤٥٨) كتاب:
الصوم، باب: رؤية الهلال، والبيهقي في ((سننه)) ٢٠٨/٤ كتاب: الصيام، باب:
النهي عن استقبال شهر رمضان ... ، وابن الجوزي في ((التحقيق)) ٢/ ٧٥ (١٠٦٣)
من طريق جرير بن عبد الحميد الضبي، عن منصور بن المعتمر، عن ربعي بن
حراش، عن حذيفة مرفوعًا. به.
وقد اختلف فيه، قال أبو داود: ورواه سفيان وغيره عن منصور عن ربعي عن رجل
من أصحاب النبي ◌َّي لم يسم حذيفة اهـ رواه النسائي ١٣٥/٤ - ١٣٦، وأحمد
٣١٤/٤، والنسائي في ((الكبرى)) ٧١/٢ (٢٤٣٧)، وعبد الرزاق في ((المصنف))
١٦٤/٤ (٧٣٣٧)، والبزار ٢٧٢/٧ - ٢٧٣ (٢٨٥٦)، والطحاوي في ((شرح
معاني الآثار)) ٤٣٨/١ كتاب: الصلاة، باب: الرجل يشك في صلاته،
والدارقطني ١٦١/٢ - ١٦٢، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٤/ ٣٥٣ من طريق =
٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وعن ابن عباس: ((فإن حال بينكم وبينه غمام فأكملوا شهر شعبان
ثلاثين، ولا تستقبلوا رمضان بصوم يوم من شعبان))(١).
ء
سفيان، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن بعض أصحاب رسول الله وَله
مرفوعًا. به. قال الدارقطني: رجاله كلهم ثقات، وقال البزار: لا نعلم أحدًا قال فيه
عن حذيفة إلا جرير، وقال البيهقي: وصله جرير عن منصور، بذكر حذيفة فيه،
وهو ثقة حجة، وقال ابن الجوزي: ضعف أحمد حديث حذيفة، وقال: ليس ذکر
حذيفة فيه بمحفوظ اهـ
قال الحافظ في ((فتح الباري)) ١٢١/٤ - ١٢٢ قيل الصواب فيه، عن ربعي، عن
رجل من الصحابة منهم ولا يقدح ذلك في صحته، وقال في ((التلخيص)) ١٩٨/٢،
و ((الدراية)) ٢٧٦/١: رجح أحمد رواية ربعي عن بعض أصحاب النبي، وقال:
لا أعلم أحدًا سماه غير جرير، وقال ابن عبد الهادي في (التنقيح)) كما في ((نصب
الراية)) ٤٣٩/٢ معقبًا على ما قاله ابن الجوزي: هذا وهم منه، فإن أحمد إنما أراد
أن الصحيح قول من قال: عن رجل من أصحاب النبي وَّه وأن تسمية حذيفة وهم
من جرير، فظن ابن الجوزي أن هذا تضعيف من أحمد للحديث، وأنه مرسل،
وليس بمرسل بل متصل إما عن حذيفة أو عن رجل من أصحاب النبي وَّر، وجهالة
الصحابي غير قادحة في صحة الحديث، وبالجملة فالحديث صحيح، ورواته
ثقات محتج بهم في الصحيح اهـ
قال ابن القيم: هذا الحديث وصله صحيح، فإن الذين وصلوه أوثق وأكثر من
الذين أرسلوه، والذي أرسله هو الحجاج بن أرطاة عن منصور، وقول النسائي:
لا أعلم أحدًا قال في هذا الحديث عن حذيفة غير جرير، إنما عنى تسمية
الصحابي، وإلا فقد رواه الثوري وغيره عن ربعي عن بعض أصحاب النبي وَلِّ،
وهذا موصول، ولا يضره عدم تسمية الصحابي، ولا يعلل بذلك اهـ ((مختصر سنن
أبي داود» ٢١٤/٣.
والحديث صححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٠١٥) وقال: صحيح على
شرط مسلم.
(١) رواه أبو داود (٢٣٢٧) كتاب: الصوم، باب: من قال فإن غم عليكم فصوموا
ثلاثين، والترمذي (٦٨٨) كتاب: الصيام باب: ما جاء أن الصوم لرؤية الهلال
والإفطار له، والنسائي ٤/ ١٥٣- ١٥٤ كتاب: الصيام، صيام يوم الشك. باللفظ =
٦٥
كِتَابُ الصَّوْمِ
=
ومعنىُ غمَّ: ستر، ومنه الغم؛ لأنه يستر القلب، والرجل الأغم:
المستور الجبهة بالشعر. وسمي السحاب غيمًا؛ لأنه يستر السماء.
ويوم الشك: أن يتحدث الناس برؤية الهلال أو يشهد بها من لا تقبل
شهادته، فلو صامه عَلَى نية التطوع فهو حرام عَلَى الأصح، وغير
مكروه عند الحنفية، وبه قَالَ مالك(١).
قَالَ في ((شرح الهداية)): والأفضل في حق الخواص صومه بنية
التطوع بنفسه وخاصته، وهو مروي عن أبي يوسف. وفرض العوام
التلوم إلى أن يقرب الزوال -وفي ((المحيط)): إلى وقت الزوال- فإن
ظهر أنه من رمضان نواه وإلا أفطر، وإن صام قبل رمضان ثلاثة أيام،
أو شعبان كله، أو وافق يوم الشك يومًا كان يصومه فالأفضل صومه
بنية الفضل.
الذي ذكره المصنف، وأحمد ٢٢٦/١، ٢٥٨، والطيالسى ٣٩٥/٤ (٢٧٩٣)،
=
والدارمي ١٠٤٨/٢ (١٧٢٥) كتاب: الصوم، باب: ما يقال عند رؤية الهلال،
وأبو يعلى في «مسنده)) ٢٤٣/٤ (٢٣٥٥)، وابن خزيمة ٢٠٤/٣ (١٩١٢)، وابن
حبان ٣٥٦/٨ - ٣٥٧ (٣٥٩٠)، ٣٦٠/٨ (٣٥٩٤)، والطبراني ٢٨٦/١١ - ٢٨٧
(١١٧٥٤ - ١١٧٥٧)، والحاكم ٤٢٤/١ - ٤٢٥ وقال: صحيح الإسناد لم
يخرجاه بهذا اللفظ، وأقره الذهبي، والبيهقي ٢٠٧/٤ - ٢٠٨ كتاب: الصيام،
باب: النهي عن استقبال شهر رمضان ... ، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ٣٥/٢-
٣٧، والبغوي في ((شرح السنة)) ٢٣٢/٦ (١٧١٦) من طريق سماك، عن عكرمة،
عن ابن عباس مرفوعًا.
والحديث صححه الزيلعي في ((نصب الراية)) ٤٣٨/٢، وقال الحافظ في
((التلخيص)) ١٩٧/٢: رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وهو من
صحيح حديث سماك، لم يدلس فيه ولم يلقن أيضًا، وصححه الألباني في
((الصحيحة)) (١٩١٧).
(١) انظر: ((المبسوط)) ٣/ ٦٣، ((عيون المجالس)) ٦١٠/٢.
٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وفي ((المبسوط)): الصوم أفضل، وتأويل النهي أن ينوي الفرض
فيه(١). وفي ((المحيط)): إن وافق يومًا كان يصومه فالصوم أفضل وإلا
فالفطر أفضل، والصوم قبله بيوم أو يومين مكروه، أي صوم كان،
ولا يكره بثلاثة(٢)، وهو قول أحمد(٣).
وأما ما ذكره الخطيب الحافظ عن عبد الله بن جراد: أصبحنا يوم
الثلاثين صيامًا، فكان الشهر قد غم علينا، فأتينا رسول الله والهم
فوجدناه مفطرًا، فقلنا: يا نبي الله، صمنا اليوم. قَالَ: ((أفطروا إلا أن
يكون رجل يصوم هذا اليوم فليتم صومه، لأن أفطر يومًا من رمضان
يكون منه أحب إليَّ من أن أصوم يومًا من شعبان ليس منه))(٤).
(١) ((المبسوط)) ٦٣/٣.
(٢) ((المحيط)) ٣/ ٣٦٣.
(٣) انظر: ((المغني)) ٤ / ٣٢٦.
(٤) رواه ابن الجوزي في ((التحقيق)) ٧٦/١ - ٧٧ (١٠٦٨) من طريق الخطيب، عن
یعلی بن الأشدق، عن عبد الله بن جراد. به.
قال ابن الجوزي: قال الخطيب: ففي هذا الحديث كفاية عن ما سواه. قلت:
لا تكون عصبية أبلغ من هذا فليته روى الحديث وسكت، فأما أن يعلم عيبه
ولا يذكره، ثم يمدحه ويثني عليه، ويقول فيه كفاية عن ما سواه فهذا مما أزرى به
على علمه وأثر به في دينه، أتراه ما علم أن أحدًا يعرف قبح ما أتى كيف وهذا
الأمر ظاهر لكل من شدا شيئًا من علم الحديث، فكيف بمن أوغل فيه، أتراه
ما علم أنه في الصحيح عن رسول الله وَلفي أنه قال: ((من روى حديثًا يرى أنه كذب
فهو أحد الكاذبين). وهذا الحديث موضوع على ابن جراد لا أصل له عن رسول
الله ◌َ﴿، ولا ذكره أحد من الأئمة الذين جمعوا السنن وترخصوا في ذكر الأحاديث
الضعاف، وإنما هو مذكور في نسخة يعلى بن الأشدق، عن ابن جراد، وهي نسخة
موضوعة، قال أبو زرعة والرازي: يعلى بن الأشدق ليس بشيء، وقال أبو أحمد
ابن عدي الحافظ: روى يعلى بن الأشدق عن عمه عبد الله بن جراد، عن النبي وَّ
أحاديث كثيرة منكرة، وهو وعمه غير معروفين. وقال البخاري: يعلى لا يكتب =
٦٧
كِتَابُ الصَّوْمِ
فقد قَالَ هو: فيه كفاية عما سواه. لكن ضعفه أبو أحمد بن عدي
وابن حبان وغيرهما. واستدل أبو حنيفة بما قَالَ مالك عن أهل العلم
أنهم لا يرون بصيامه تطوعًا بأسًا. وعندنا: إذا انتصف شعبان حرم
الصوم ابتداء عَلَى الأصح.
وفيه: حديث في السنن من طريق أبي هريرة، صححه الترمذي وابن
حزم، واحتج به (١)، وخولف، ضعفه النسائي وأحمد (٢).
حديثه، وقال أبو حاتم ابن حبان الحافظ: لقي يعلى عبد الله بن جراد، فلما كبر
=
اجتمع علیه من لا دین له، فوضعوا له شبيهًا بما في حدیث نسخه، عن ابن جراد،
فلما کبر اجتمع علیه من لا دین له، فوضعوا له شبيهًا بما في حدیث نسخه، عن ابن
جراد، فجعل يحدث بها وهو لا يدري، لا يحل الراوية عنه. قلت: وما كان هذا
يخفى على الخطيب غير أن العصبية تغطي على الدهر، وإنما يُبهرج بما يخفى،
ومثل هذا لا يخفى -نعوذ بالله من غلبات الهوی. اهـ
وأقر الذهبي ابن الجوزي في ((التنقيح)) ١١٩ - ١٢٠.
وعزاه الحافظ في ((الدراية)) ٢٧٦/١ للخطيب في ((النهي عن صوم يوم الشك»
وقال: أخرجه ابن الجوزي وأشار إلى أنه موضوع؛ لأنه رواية يعلى بن الأشدق،
عن عمه عبد الله بن جراد، ويعلى هالك اهـ
(١) (المحلى)) ٢٦/٧.
(٢) حديث أبي هريرة رواه: أبو داود (٢٣٣٧) كتاب: الصوم، باب: في كراهية ذلك،
والترمذي (٧٣٨) كتاب: الصوم، باب: ما جاء في كراهية الصوم في النصف
الثاني من شعبان لحال رمضان، وابن ماجه (١٦٥١) في الصيام، باب: ما جاء في
النهي عن أن يتقدم رمضان .. ، وأحمد ٢/ ٤٤٢، وعبد الرزاق في ((المصنف)) ٤/
١٦١ (٧٣٢٥)، والنسائي في ((الكبرى)) ١٧٢/٢ (٢٩١١) كتاب: الصيام، صيام
شعبان، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢/ ٨٢ كتاب: الصيام، باب: الصوم
بعد النصف من شعبان إلى رمضان، وابن حبان ٣٥٥/٨- ٣٥٦ (٣٥٨٩) في
الصوم، صوم يوم الشك، والبيهقي ٢٠٩/٤ في الصيام، باب: الخبر الذي ورد
في النهي عن الصيام إذا أنتصف شعبان، من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن
يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: ((إذا كان النصف من شعبان، فأمسكوا =
٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وحديث عمران بن حصين الثابت في ((الصحيح)): ((أصمت من سرر
شعبان شيئا؟)) قَالَ: لا. قَالَ: ((فإذا أفطرتَ فصم يومين معًا))(١).
إذا قلنا: إن سرر الشهر آخره، سمي بذلك لاستسرار القمر فيها
عن الصوم حتى يكون رمضان» وهذا لفظ أحمد.
=
والحديث ضعفه أحمد كما ذكر المصنف، ففي ((علل أحمد بن حنبل)) ص: ١١٧ -
١١٨ (٢٧٣) ذكرت له حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة
مرفوعًا: إذا كان نصف شعبان .. الحديث. فأنكره، وقال: سألت ابن مهدي عنه،
فلم يحدثني به، وكان يتوقاه، وهذا خلاف الأحاديث التي رويت عن رسول الله
وَ *، وقال أبو داود: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث به، قلت لأحمد: لم
قال لأنه كان عنده أن النبي وسلو كان يصل شعبان برمضان، وقال عن النبي وَّه
خلافه، وقال: وليس هذا عندي خلافه، ولم يجئ به غير العلاء عن أبيه. اهـ
وضعفه النسائي كذلك -كما ذكر المصنف- قال النسائي: لا نعلم أحدًا روى هذا
الحديث غير العلاء بن عبد الرحمن اهـ، قال الترمذي: حديث حسن صحيح
لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وقال المنذري: يحتمل أن يكون الإمام أحمد قد أنكره من جهة العلاء بن
عبد الرحمن، فإن فيه مقالا لأئمة هذا الشأن، وإن كان فيه مقال، فقد حدث عنه
الإمام مالك مع شدة انتقاده للرجال وتحريه في ذلك، وقد احتج به مسلم في
((صحیحه))، وذكر له أحاديث كثيرة، فهو على شرطه، ويجوز أن يكون تركه لأجل
تفرده به، وإن كان قد خرج في الصحيح أحاديث انفرد بها رواتها، وكذلك فعل
البخاري أيضًا اهـ ((مختصر سنن أبي داود)) ٢٢٤/٣ - ٢٢٥ بتصرف.
قلت: يفهم من كلام المنذري تصحيح الحديث. والله أعلم.
وکذا صححه ابن القيم في «مختصر سنن أبي داود» ٢٢٣/٣ - ٢٢٤ وله فيه بحث
جید شفی فیه وكفى فراجعه، وللشيخ أحمد شاكر تعقيب على كلام المنذري في
هامش ((مختصر سنن أبي داود)) ٢٢٥/٣ فسارع إليه ترشد.
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٠٢٥) وقال: إسناده صحيح على شرط
مسلم، وصححه الترمذي وابن حبان واحتج به ابن حزم، وقواه ابن القيم اهـ
(١) سيأتي برقم (١٩٨٣) باب: الصوم آخر الشهر، ورواه مسلم (١١٦١) كتاب:
الصوم، باب: صوم سرر شعبان.
٦٩
كِتَابُ الصَّوْمِ
لا يعارضه، لأن له سببًا. وروي عن أبي هريرة مرفوعًا: ((لا تقدموا
رمضان بصيام إلا أن يوافق ذَلِكَ صومًا كان يصومه أحدكم))(١).
وقد دل أن الكراهة عَلَى تعمد الصيام بحال رمضان. ولأبي داود
بإسناد جيد - وإن كان ابن الجوزي أعله- عن معاوية مرفوعًا :
((صوموا الشهر وسرره، وأنا متقدم بالصيام فمن أحب أن يفعله
فلیفعله))(٢).
(١) يأتي برقم (١٩١٤) باب: لا يتقدمن رمضان بصوم يوم ولا يومين، ورواه مسلم
(١٠٨٢) باب: لا تقدموا رمضان بصيام يوم أو يومين.
(٢) أبو داود (٢٣٢٩) كتاب: الصوم، باب: في التقدم، من طريق الوليد بن مسلم عن
عبد الله بن العلاء، عن أبي الأزهر - المغيرة بن فروة قال: قام معاوية في الناس
بدير مسحل الذي على باب حمص فقال: أيها الناس إنا قد رأينا الهلال يوم كذا
وكذا، وأنا متقدم فمن أحب أن يفعله فليفعله .. وفي آخره قال: سمعت رسول الله
* يقول: ((صوموا الشهر وسره).
وأعله ابن الجوزي -كما ذكر المصنف- في ((العلل المتناهية)) ٣٨/٢ - ٣٩ (٨٧٤)
وقد رواه من طريق خالد بن يزيد المري، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول أن
معاوية كان إذا حضر شهر رمضان قال: أما هلال شعبان يوم كذا وكذا ...
الحديث، فقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله وعليه ومكحول لم
يسمع من معاوية، وأما خالد بن يزيد فقال أحمد: ليس بشيء، وقال النسائي:
ليس بثقة. اهـ وقال ابن حزم في ((المحلى)) ٢٤/٧ وقد أورد الحديث: المغيرة بن
فروة غیر مشهور، ثم لو صح لما كانت فيه حجة أصلًا.
قلت: يشير بقوله هذا إلى عدم صحته.
قال الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٣٩٧): إسناده ضعيف.
وروى أبو داود (٢٣٣٠) حدثنا سليمان بن عبد الرحمن في هذا الحديث قال: قال
الوليد: سمعت أبا عمرو يعني الأوزاعي يقول: سره أوله.
قال الخطابي: أنا أنكر هذا التفسير، وأراه غلطًا في النقل، ولا أعرف له وجهًا في
اللغة، والصحيح أن سره آخره، هكذا حدثناه أصحابنا، عن إسحاق بن إبراهيم بن =
٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وعن أم سلمة أن رسول الله والقر لم يكن يصوم من السنة شهرًا تامًّا
إلا شعبان، يصله برمضان. وصححه الترمذي(١).
وللحاكم وقال: عَلَى شرط الشيخين. عن عائشة: وكان أحب
الشهور إلى رسول الله و 18 يصومه شعبان، ثم يصله برمضان(٢).
= إسماعيل حدثنا محمود بن خالد الدمشقي، عن الوليد، عن الأوزاعي قال: سره:
آخره. وهذا هو الصواب، وفيه لغات، يقال: سرُّ الشهر، وسَرَرُ الشهر، وسَرَاره،
وسمي آخر الشهر سرًا لاستسرار القمر فيه اهـ ((مختصر سنن أبي داود)) ٢١٨/٣-
٢١٩، وكذا فسره ابن القيم في ((حاشية مختصر السنن)) بأنه آخره، وقت استسرار
هلاله. وهذا الحديث قال عنه الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٣٩٨): إسناده إلى
الأوزاعي صحیح، لكنه مقطوع وشاذ.
وروي أبو داود أيضًا (٢٣٣١) حدثنا أحمد بن عبد الواحد عن أبي سهر قال: كان
سعيد- يعني ابن عبد العزيز- يقول: سره: أوله. قال الألباني في ((ضعيف أبي
داود)» (٣٩٩): إسناده إليه صحيح، لكنه مقطوع، مستنكر لغة، كما في الذي قبله
اهـ. وقال أبو داود: وقال بعضهم: سره وسطه، وقالوا: آخره اهـ
وقال الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٤٠٠- ٤٠١): لم أقف على من وصلهما،
وقوله: وسطه، مخالف لمعناه الراجح وهو: آخره كما تقدم، وهو مذهب
الجمهور. وقوله: آخره: هو الصحيح من حيث المعنى أهـ بتصرف.
(١) رواه أبو داود (٢٣٣٦) باب: فمن يصل شعبان برمضان، والترمذي (٧٣٦) باب:
ما جاء في وصال شعبان برمضان، والنسائي ٤/ ١٥٠، ٢٠٠، وابن ماجه (١٦٤٨)
باب: ما جاء في وصال شعبان برمضان، وأحمد ٣١١/٦، وصححه الألباني في
((صحيح أبي داود)) (٢٠٢٤) وقال: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٢) ((المستدرك)) ٤٣٤/١، ورواه أيضًا: أبو داود (٢٤٣١) باب: في صوم شعبان،
والنسائي ١٩٩/٤، وأحمد ١٨٨/٦، وابن خزيمة ٢٨٢/٣ (٢٠٧٧)، والبيهقي
في («سننه» ٢٩٢/٤ كتاب: الصيام، باب: في فضل صوم شعبان، وفي ((شعب
الإيمان» ٣٧٧/٣ (٣٨١٨)، وابن عبد البر في ((التمهيد)» ٤١/٢، والبغوي في
((شرح السنة)) ٣٣٠/٦ (١٧٧٩)، وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)"
(٢١٠١) وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم.
٧١
كِتَابُ الصَّوْمِ
=
فرع: لو نوى صوم غدٍ من رمضان إن كان منه فكان منه لم يقع
عندنا، خلافًا للمزني، إلا إذا اعتقد كونه منه بقول من يثق به من
عبد أو أمرأة أو صبيان رشدًا.
وفي ((شرح الهداية)): لا يصير صائمًا بقوله: أصوم غدًا إن كان من
رمضان، دون ما إذا كان من شعبان لتردده، فلو قَالَ: إن كان من رمضان
فعنه، وإن كان من شعبان فعن واجب آخر، فمكروه لنزدده أيضًا، ثم إن
ظهر أنه من رمضان أجزأه، أو من شعبان فلا عن الواجب، ولو قَالَ:
أصوم غدًا من رمضان أو تطوعًا، لا يصير صائمًا قطعًا.
فرع: من أنفرد برؤية الهلال ولم يقبل صام سرًّا، كالمنفرد برؤية
هلال شوال يفطر.
فرع: إذا رؤي ببلد لزم حكمه البلد القريب دون البعيد في الأصح.
وظاهر الحديث التعدي إلى غيره مطلقًا، وقد وقعت المسألة في زمن
(ابن عباس)(١) وقال: لا نزال نصوم حَتَّى يكمل ثلاثين أو نراه،
وبهذا أمر رسول الله وَالي(٢). ويمكن إرادته هذا.
فرع: لا يثبت هلال رمضان بشهادة واحد، خلافًا لأبي حنيفة
والشافعي، وإن كان في الأمر أن الشافعي رجع عنه، ولا يثبت هلال
شوال بواحد، خلافًا لأبي ثور (٣).
(١) وقع في الأصل: ابن عبد البر. والمثبت من هامشه حيث نه كذا في مسلم.
(٢) رواه مسلم (١٠٨٧) كتاب: الصيام، باب: بيان أن لكل بلد رؤيتهم وانهم ..
(٣) انظر: ((مختصر الطحاوي)) ص ٥٥، ((البيان)) ٤٨٠/٣، ٤٨٢.
٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
٦- باب مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَنِيَّةً
وَقَالَتْ عَائِشَةُ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ: ((يُبْعَثُونَ عَلَى قدر
نِيَّاتِهِمْ))(١).
١٩٠١- حَدَّثَنَا مُسلِمُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَخِيَّى، عَنْ أَبِ سَلَمَةً،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا
وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا
تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)). [انظر: ٣٥- مسلم: ٧٥٩، ٧٦٠ - فتح: ٤ /١١٥]
ذكر فيه حديث أبي هريرة، وقد سلف في الإيمان(٢). ومعنى:
((إِيمَانًا)): تصديقًا بالثواب من الله تعالى على صيامه وقيامه، ومعنى:
((احْتِسَابًا)): يحتسب ثوابه عَلَى الله تعالى، وينوي بصيامه وجهه،
ولا يتبرم بزمانه حرًّا وطولًا.
والحديث دال عَلَى أن الأعمال لا تزكو ولا تتقبل إلا مع الاحتساب
وصدق النيات، كما قَالَ وَلّهِ: ((إنما الأعمال بالنيات))(٣)
وهو راد لقول زفر: إن رمضان يجزئ من غير نية، ثم هي مبيتة عند
الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة(٤) والأوزاعي وإسحاق حيث قالوا: يجزئ
قبل الزوال. ولا سلف لهم فيه والنية إنما ينبغي أن تكون مقدمة
قبل العمل، وحقيقة التبييت لغة يقتضي جزءًا من الليل، وروى هذا
(١) في هامش الأصل: هذا التعليق هو عنده مسند، وكذا عند مسلم وذكره معلقًا أيضًا
في باب: هدم الكعبة فاعلمه.
(٢) سلف برقم (٣٥) باب: قيام ليلة القدر من الإيمان.
(٣) تقدم برقم (١)، ورواه مسلم (١٩٠٧).
(٤) انظر: ((مختصر الطحاوي)) ص ٥٣.
٧٣
كِتَابُ الصَّوْمِ
=
ابن عمر وحفصة وعائشة(١)، ولا مخالف لهم.
وعند أبي حنيفة: لو صام رمضان بنية النفل أجزأه(٢)، وكذا إن أطلق
يجزئه عنه، مسافرًا كان أو حاضرًا، قَالَ: فإن نوى النذر أو الكفارة
أجزأه عن رمضان إن كان حاضرًا، وعن نذره إن كان مسافرًا. والمراد
هنا بالذنوب: ما عدا التبعات، والفضل واسع.
(١) رواه عن ابن عمر: البيهقي في ((سننه)) ٢٠٢/٤ كتاب: الصيام، باب: الدخول في
الصوم بالنية.
ورواه عن حفصة: ابن أبي شيبة ٢٩٣/٢ (٩١١٢) كتاب: الصيام، من قال:
لا صيام لمن لم يعزم من الليل، والدارقطني ١٧٣/٢، والبيهقي ٢٣/٤ ورواه عن
عائشة البيهقي ٤/ ٢٠٣.
(٢) انظر: ((المبسوط) ٦٠/٣.
٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٧- باب أَمْجُوَدُ مَا كَانَ النَّبِيُّ بََّ فِي رَمَضَانَ
١٩٠٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِنْرَاهِيمُ بْنُ سَغدٍ، أَخْبَرَنَا ابن شِهَابٍ،
عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ، أَنَّ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ
وَلِّ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالَخْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، حِينَ يَلْقَاهُ چِبْرِيلُ، وَكَانَ
جِبْرِيلُ الَّا يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَغْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َِّ القُرْآنَ،
فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ الَّْرّ كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرٍ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ. [انظر: ٦- مسلم: ٢٣٠٨-
فتح: ١١٦/٤]
ذكر فيه حديث ابن عباس قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ،
وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ الَّهُ
يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّنَّهَ القُرْآنَ، فَإِذَا
لَقِيَّهُ جِبْرِيلُ كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا(١).
و(أجود) الأول بالفتح. وقوله: (وكان أجود)، كذلك(٢) وجوز ابن
مالك رفعه أيضًا.
وامتثل النبي ◌ّ في هذا قوله تعالى، وأمره بتقديم الصدقة بين يدي
نجوى الرسول *، الذي كان أمر به تعالى عباده ثم عفا عنهم الإشفاقهم
من ذَلِكَ، فامتثل ذَلِكَ عند مناجاته جبريل، وقد سلف هذا المعنى.
وفيه: بركة مجالسة الصالحين، وأن فيها تذكيرًا لفعل الخير وتنبيهًا
عَلَى الازدياد من العمل الصالح، وكذلك أمر وهو بمجالسة العلماء،
(١) مسلم (٢٣٠٨) كتاب: الفضائل، باب: كان النبي ◌َّ ي أجود الناس بالخير من
الريح المرسلة.
(٢) في هامش الأصل: رجح في أوائل الشرح الرفع في (أجود) الثانية.
٧٥
كِتَابُ الضَّوْمِ
=
ولزوم حلق الذكر (١)، وشبه الجليس الصالح بالعطار إن لم يحذك من
متاعه لم تعدم طيب ريحه(٢).
ألا ترى قول لقمان لابنه: يا بني جالس العلماء وزاحمهم
بركبتيك، فإن الله تعالى يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض
الميتة بوابل السماء (٣).
(١) روي عن أنس مرفوعًا: ((إذا مررتم برياض الجنة، فارتعوا)). قالوا: وما رياض
الجنة؟ قال: ((حلق الذكر)).
رواه الترمذي (٣٥١٠) كتاب: الدعوات، وأحمد ١٥٠/٣، وأبو يعلى في
((مسنده)) ١٥٥/٦ (٣٤٣٢)، والطبراني في ((الدعاء)) ١٦٤٣/٣ - ١٦٤٤ (١٨٩٠)،
وابن عدي في ((الكامل)) ٣١١/٧- ٣١٢ في ترجمة: محمد بن ثابت البناني
(١٦٣٨)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ٣٩٨/١ (٥٢٩)، والخطيب في ((الفقيه
والمتفقه)) ٩٣/١- ٩٤ (٣٩)، والحديث صححه الألباني في ((الصحيحة))
(٢٥٦٢).
(٢) روي عن أبي موسى الأشعري مرفوعًا: ((إنما مثل الجليس الصالح والجليس
السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع
منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد
ريحًا خبيثة)).
وسيأتي هذا الحديث (٢١٠١) كتاب: البيوع، باب: في العطار وبيع المسك،
ورواه مسلم (٢٦٢٨) كتاب: البر والصلة، باب: استحباب مجالس الصالحين،
ومجانبة قرناء السوء. وهذا لفظه.
(٣) رواه مالك في ((الموطأ)) ص: ٦١٩، بلاغًا. ورواه الطبراني ١٩٩/٨ - ٢٠٠
(٧٨١٠)، والرامهرمزي في ((أمثال الحديث)) ص٨٧ - ٨٨ (٥٢)، والديلمي في
((الفردوس)» ١٩٦/٣ (٤٥٥٠) من حديث أبي أسامة مرفوعًا.
قال الهيثمي في ((المجمع)) ١٢٥/١: فيه: عبيد الله بن زحر عن علي بن یزید،
وكلاهما ضعيف لا يحتج به، وضعفه الألباني في ((ضعيف الترغيب والترهيب))
(٧٨). ورواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٣٨٧) عن عبد الوهاب بن بخت المكي،
قوله.
٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
وقال مرة أخرى: فلعل أن تصيبهم رحمة فتنالك معهم. فهُذِه ثمرة
مجالسة أهل الفضل ولقائهم.
وفيه: بركة أعمال الخير، وأن بعضها يفتح بعضًا ويعين عَلَى بعض،
ألا ترى أن بركة الصيام ولقاء جبريل العلفية وعرضه القرآن عليه زاد في
جوده لل﴾ وصدقته، حَتَّى كان أجود من الريح المرسلة.
ونزول جبريل القيّمة في رمضان للتلاوة دليل عظيم لفضل تلاوة القرآن
فيه، وهذا أصل تلاوة الناس القرآن في كل رمضان تأسيًا به.
ومعنى مدارسته إياه فيه؛ لأنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن كما نطق
به القرآن.
وفيه: أن المؤمن كلما ازداد عملًا صالحًا وفتح له باب من الخير،
فإنه ينبغي له أن يطلب بابًا آخر وتكون يمينه ممتدة في الخير إلى فوق
عمله، ويكون خائفًا وجلا غير معجب بعمله، طالبًا للارتقاء في
درجات الزيادة.
٧٧
كِتَابُ الصَّوْمِ
=
٨- باب مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزَّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ
في الصَّوْمِ
١٩٠٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا ابْن أَبِ ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المقْبُرِيُّ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ: ((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ
وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ)).
ذكر فيه حديث أبي هريرة فقال: حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا ابن
أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لله حَاجَةٌ فِي
أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ)).
هذا الحديث من أفراده، ولما ذكره في الأدب قَالَ: أفهمني رجل
إسناده(١). وقال أبو داود: قَالَ أحمد بن يونس: فهمت إسناده عن ابن
أبي ذئب، وأفهمني الحديث رجل إلى جنبه أراه ابن أخيه(٢). وفي
رواية للجُوزي: والجهل (٣).
قَالَ الدارقطني في ((علله)): رواه يزيد بن هارون وأبو نباتة يونس بن
يحيى (ت)(٤)، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة، لم يذكر
أباه، وأغرب أبو قتادة بسند آخر عن ابن أبي ذئب فقال: عن الزهري،
عن عبد الله بن ثعلبة بن صغير، عن أبي هريرة(٥).
(١) سيأتي (٦٠٥٧) باب: قول الله تعالى: واجتنبوا قول الزور.
(٢) ((سنن أبي داود)) ٢/ ٧٦٧، عقب حديث (٢٣٦٢).
(٣) ستأتي (٦٠٥٧).
(٤) في هامش الأصل: صدوق توفي سنة ٢٥٧هـ.
(٥) ((علل الدارقطني)) ١٠/ ٣٨٧ - ٣٨٨.
٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قلت: ورواه من غير ذكر أبيه حماد بن خالد، ساقه الإسماعيلي.
قَالَ: ابن أبي ذئب، عن المقبري عن أبي هريرة.
وفي ((مستدرك الحاكم)) عَلَى شرط مسلم من حديث عطاء بن ميناء،
عن أبي هريرة أنه وَ ﴿ قَالَ: ((ليس الصيام من الطعام والشراب، إنما
الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل: إني
صائم، إني صائم))(١).
وفي لفظ: ((رُبَّ صائم حظه من صيامه الجوع، ورب قائم حظه من
قيامه السهر)). ثم قَالَ: صحيح عَلَى شرط البخاري (٢).
وروى أبو السري هناد بن السري في ((زهده)) عن أنس مرفوعًا: ((ما
صام من ظل يأكل لحوم الناس)) (٣). وله عن أنس أنه قَالَ: ((إذا أغتاب
الصائم أفطر)» (٤).
(١) ((المستدرك)) ٤٣٠/١ وصححه الحاكم، الألباني في ((صحيح الترغيب والترهيب))
(١٠٨٢).
(٢) ((المستدرك)) ٤٣١/١.
(٣) ((الزهد)) لهناد ٥٧٣/٢ (١٢٠٦)، ورواه ابن أبي شيبة ٢٧٣/٢ (٨٨٩٠) كتاب:
الصوم، باب: ما يؤمر به الصائم، وإسحاق بن راهويه كما في ((نصب الراية)) ٢/
٤٨٢، والديلمي في ((الفردوس)) ٧٧/٤ (٦٢٣٨). ورواه الطيالسي في («مسنده» ٣/
٥٧٧ (٢٢٢١)، وابن أبي الدنيا في ((الصمت)) (١٧٠)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٦/
٣٠٩، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ٣٠١/٥ (٦٧٢٢) مطولًا وفيه عندهم قصة.
بلفظ: وكيف صام من ظل يأكل لحوم الناس؟ والحديث أورده الحافظ ابن كثير في
«تفسيره)) ١٦٣/١٣ من طريق الطيالسي وقال: إسناد ضعيف متن غريب، وقال
الحافظ في ((الدراية)) ٢٨٧/١: فيه يزيد بن أبان اهـ قلت: يشير إلى ضعف
الحديث، لضعف يزيد بن أبان، قال في ((التقريب)) (٧٦٨٣): يزيد بن أبان
الرقاشي، زاهد ضعيف اهــ وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٤٤٥١).
(٤) ((الزهد)) ٥٧٣/٢ (١٢٠٤).
٧٩
كِتَابُ الصَّوْمِ
أما فقه الباب فھو أن حکم الصائم الإمساك عن الرفث وقول الزور،
كما يمسك عن الطعام والشراب، وإن لم يمسك عن ذَلِكَ فقد نقص
صيامه، وتعرض لسخط ربه تعالى وترك قبوله منه، وليس معناه أن
يؤمر بأن يدع صيامه إذا لم يدع قول الزور، وإنما معناه التحذير من
قول الزور، وهذا كقوله {فَّار: ((من باع الخمر فليشقص الخنازير)) (١)
(١) رواه أبو داود (٣٤٨٩) كتاب: الإجارة، باب: في ثمن الخمر والميتة، وأحمد
٢٥٣/٤، والطيالسي في ((مسنده)) ٧٦/٢ (٧٣٥)، والحميدي ٢٣/٢ (٧٧٨)،
وابن أبي شيبة ٤١٧/٤ (٢١٦١٢) كتاب: البيوع والأقضية، ما جاء في بيع الخمر،
والدارمي ١٣٣٤/٢- ١٣٣٥ (٢١٤٧) كتاب: البيوع، باب: النهي عن بيع الخمر
وشرائها، والطبراني في «الكبير» ٣٧٩/٢٠ (٨٨٤)، وفي ((الأوسط) ٢٤٥/٨
(٨٥٣٢)، والمروزي في ((تعظيم قدر الصلاة)) ٢/ ٥٦٤ - ٥٦٥ (٦٠٨)، والبيهقي
في («سننه» ١٢/٦ كتاب: البيوع، باب: تحريم التجارة في الخمر، والمزي في
(تهذيب الكمال)) ٣٨٤/١٣ - ٣٨٥. من طريق طعمة بن عمرو الجعفري عن عمر بن
بيان التغلبي عن عروة بن المغيرة بن شعبة عن المغيرة بن شعبة مرفوعًا. به.
قال عبد الله بن أحمد في ((العلل ومعرفة الرجال)) ٢/ ٧ (١٣٦٦): سألت أبي عن
هذا الحديث، فقلت: من عمر بن بيان؟ فقال: لا أعرفه اهـ، وضعفه الألباني في
((الضعيفة)) (٤٥٦٦).
تنبيه: وقع في بعض الكتب وكذا في ((الضعيفة)) للألباني: عن عمرو بن بيان عن
عروة بن المغيرة، وفي بعضها عن عمرو بن دينار عن عروة وهذا خطأ لأنه عمر بن
بيان عن عروة، قاله الدارمي.
تنبيه آخر: قال الألباني في ((الضعيفة)) (٤٥٦٦): قال الدارمي: إنما هو عمرو بن
دینار. اهـ
قلت: يبدو أن النسخة التي نقل منها الألباني بها ما قاله، أما في طبعة دار المغني
تحقيق: حسين أسد: قال الدارمي: إنما هو عمر بن بيان، وأشار في الهامش أن
في بعض النسخ: دينار وهو تحريف.
تنبيه ثالث: وقع عند البيهقي: طعمة بن عمرو الجعفي، وهو خطأ وصوابه
الجعفري، وقد أشار إليه المحقق في الهامش.
=
٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
يريد: أي: يذبحها. ولم يأمره بشقصها ولكنه عَلَى التحذير والتعظيم لإثم
شارب الخمر، فكذلك حذر الصائم من قول الزور والعمل به ليتم أجر
صيامه.
وفي كتاب ((الرقاق)) لابن المبارك عن ابن جريج قَالَ: قَالَ
سليمان بن موسى عن جابر: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك
ولسانك عن الكذب، ودع أذى الخادم، وليِكُ عليك وقار وسكينة
يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك وفطرك سواء(١).
وفي ((علل الدارقطني)) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((خمس يفطرن
الصائم وينقضن الوضوء: الكذب، والغيبة، والنميمة، والنظر بشهوة،
تنبيه رابع: وقع عند الطبراني في «الأوسط»: نا طلحة بن عمرو الجعفري قال:
=
سمعت عمرو بن دينار عن عروة بن المغيرة بن شعبة. به.
وقال الطبراني: لا يروي هذا الحديث عن المغيرة إلا بهذا الإسناد، تفرد به
طلحة بن عمرو! كذا قال!
قلت: صوابه: طعمة بن عمرو الجعفري، عن عمر بن بيان، عن عروة، ولعله خطأ
من بعض النساخ.
وأما قوله وَّي: ((فليشقص الخنازير)). قال ابن الأثير: أي فليقطعها قطعًا ويفصلها
أعضاءً كما تفصل الشاة إذا بيع لحمها، يقال: شقصه يشقصه، وبه سمي القصاب
مشقصًا. المعنى: من أستحل بيع الخمر فليستحل بيع الخنزير، فإنهما في التحريم
سواء، وهذا لفظ أمر معناه النهي، تقديره: من باع الخمر فليكن للخنازير قصابًا.
اهـ. ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٢/ ٤٩٠ مادة (شقص).
(١) ((الزهد والرقائق)) (١٣٠٨)، ورواه ابن أبي شيبة ٢٧٢/٢ (٨٨٨٠)، والحاكم في
((معرفة علوم الحديث)) ص: ٢٠ النوع الخامس، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ٣/
٣١٧ (٣٦٤٦) من طريق ابن جريج عن سليمان بن موسى عن جابر بن عبد الله.
قوله. قال الحاكم: هذا حديث يتوهمه من ليس الحديث من صناعته أنه موقوف
على جابر، وهو موقوف مرسل قبل التوقيف، فإن سليمان بن موسى الأشدق لم
يسمع من جابر ولم يره، بينهما عطاء بن أبي رباح في أحاديث كثيرة.