Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ = كِتَابُ الصَّوْمِ كان حكمُ الصِّيام عند مريم وأهل زمانها عدم الكلام في الصوم متعارفًا بينهم، قَالَ تعالَى: ﴿إِ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِمَ اَلْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾. [مريم: ٢٣] قَالَ زيد بن أسلم: كانت بنو إسرائيل يصومون بالكلام كما يصومون من الطعام، ولا يتكلمون إلا بذكر الله تعالى. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أبلغك أنه يؤمر الإنسان إذا دعي إلى طعام أن يقول: إني صائم؟ ثم ذكر حديث أبي هريرة (١). وروي عن ابن مسعود: إذا دعى أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل إني صائم (٢)، وقاله قتادةُ والزهري(٣). والخلوف، بضم الخاء عَلَى الصوابِ، وهو تغير رائحة الفم، وکثیر يروونه بفتحها. قَالَ الخطابي: وهو خطأٌ؛ لأن المصادر التي جاءت عَلَى فعول بفتح الفاء قليلةٌ ذكرها سيبويه وليس هذا منها، وإن كان فعله بالإسكان في المصادر أيضًا قليلة يقال: خلف فوه، يخلفُ وأخلف يُخلف إذا تغير (٤). وفي كتاب ابن الجوزي: لخلوف فم الصائم: إذا هو أخلف. وقال: كذا في كتابي: من أخلف وهو لغة، واللغة المشهورة: خلف. ولم يزد ابن بطال عَلَى قوله: يعني تغير رائحته في آخر النهار؛ لأن الفم يتغير بترك الطعام(٥). (١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ١٩٤/٤ (٧٤٥٦) كتاب: الصيام، باب: الرفث واللمس وهو صائم. (٢) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٢٠٠/٤ (٧٤٨٣) كتاب: الصوم، باب: الرجل يدعى إلى طعام وهو صائم، وابن أبي شيبة ٣١٨/٢ (٩٤٣٩، ٩٤٤٢)، والبغوي في ((مسند ابن الجعد)) (٢٥٥٢)، والطبراني ٣١٥/٩ (٩٥٧٨). (٣) رواه عبد الرزاق فى ((المصنف)) ٤/ ٢٠٠ (٧٤٨٢) كتاب الصوم. (٤) ((إصلاح غلط المحدثين)) للخطابي ص ١٠٢ بتصرف. (٥) ((شرح ابن بطال)) ٤/ ١٢. ٢٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == قَالَ أبو عبيد: خلف اللبن وغيره: تغير ريحه وطعمه(١)، ولم يذكر ضبطه. ومعنى: ((أَطْيَبُ)): أذكى عند الله وأقرب إليه. قَالَ المازري: هذا مجاز واستعارة؛ لأن استطابة بعض الروائح من صفات الحيوان الذي له طباعٌ تميل إلى شيء يستطيبه، وتنفر من شيءٍ فيتقذره، والله مقدس عن ذَلِكَ، لكن جرت عادتنا التقرب للروائح الطيبة، فاستعير ذَلِكَ في الصوم لتقريبه من اللهِ(٢). وهل هذا الخلوف في الدنيا أو في الآخرة؟ جاء في رواية: ((حين يخلف))(٣) وجاء في مسلم: ((يوم القيامة)) (٤) فيكون أطيب من ريح المسك جزاء وأجرًا ورضى أكثر من أجر من ندب إلى استعمال المسك. وقال: ((عِنْدَ الله): يعني طيبه عند الله. يريد: في الآخِرَة أي: يجازيه يوم القيامةِ لطيب نكهته الكريهة في الدنيا حَتَّى تكون كريحِ المسكِ، والدليل عَلَى أنه أراد الآخرةَ بقوله: ((عِنْدَ اللهِ)) قوله تعالى: ﴿وَإِنّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ﴾ [الحج: ٤٧] يريد: أيامَ الآخرةِ. ومن هذا الباب الحديث الصحيح الآتي أنه يجازي الشهيدَ في الآخرةِ بأن يجعل رائحة دمه الكريهة في الدنيا كرائحة المسك في الآخرة(٥). (١) ((غريب الحديث)) ١٩٥/١. (٢) ((المعلم بفوائد مسلم)) للمازري ٣١٩/١. وكلامه من باب التأويل الذي جرت عليه عادة كثير من المتكلمين، والاشتراك في الصفة بين الخالق والمخلوق لا يلزم منه التشبيه. وانظر التعليق على هذا بالتفصيل في كتاب التوحيد من هذا الشرح. (٣) رواها أحمد ٢/ ٤٨٠، وابن حبان ٢١١/٨ (٣٤٢٤) كتاب: الصوم، باب: فضل الصوم. (٤) مسلم (١١٥١/ ١٦٣) كتاب الصيام، باب: فضل الصيام. (٥) سيأتي برقم (٢٨٠٣) كتاب: الجهاد والسير، باب: من يجرح في سبيل الله ومن، = ٢٣ - ڪِتَابُ الضَّوْمِ والفم فيه لغات: فتح الفاء في الأحوال الثلاث، وكسرها كذلك، واتباع الفاء الميم كامرئ. وقوله: ( ((الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)))(١) أي: أكافئ، لا شك أن الصومَ وجميع الأعمال له تعالى، لكن لما كانت الأعمال الظاهرة يشترك فيها الشيطان بالرياء وغيره، وكان الصيام لا يطلع عليه أحد إلا الله تعالى فيثيبه عليه عَلَى قدرٍ خلوصِه لوجهه، جاز أن يضيفه إلى نفسِه، ألا ترى قوله: ((يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي)). وكان ابن عيينة يقول في قوله: ((إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي)) قَالَ: لِأن الصوم: هو الصبرُ، يصبِّر الإنسانُ نفسَه عن المطعم والمشربِ والمنكح، ثم قرأ: ﴿إِنََّا يُوَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾(٢) [الزمر: ١٠]. وجاء أن: ((الصوم نصف الصبر))(٣) . ورواه مسلم (١٨٧٦) كتاب: الإمارة، باب: فضل الجهاد والخروج في سبيل الله. = من حديث أبي هريرة. (١) جاء على هامش النسخة (م) ما نصه: قال السمعاني في ((المذيل على تاريخ بغداد)) بعد أن ساق سندًا طويلًا، قدم الأستاذ الإمام أبو القاسم القشيري بغداد وتفقد مجلس الوعظ، وروى في أول مجلس عقده الحديث المشهور عن النبي ◌َّر: ((السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه ... )) الحديث. [قلت ((المحقق)): سبق برقم (١٨٠٤)، ورواه مسلم (١٩٢٧). من حديث أبي هريرة]. فقام سائل وقال: لما سمى النبي ◌َّر ((السفر قطعة من العذاب)) فقال: لأن سبب فرقة الأحباب، فاضطرب الناس وتواجدوا وما أمكنه أن يتم المجلس فتركه. (٢) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) ٢٩٥/٣ - ٢٩٦. (٣) قطعة رويت في حدیثین: الأول: عن رجل من بني سليم مرفوعًا: ((سبحان الله نصف الميزان، والحمد لله يملأ الميزان، والله أكبر يملأ ما بين السماء والأرض، والوضوء نصف الإيمان، والصوم نصف الصبر)). = ٢٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - و((الصبر نصف الإيمان))(١). = رواه الترمذي (٣٥١٩) كتاب: الدعوات، وقال: حديث حسن، وأحمد ٤/ ٤٦٠، ٣٦٣/٥، ٣٦٥، ٣٧٠، ٣٧٢، ومعمر بن راشد في ((الجامع)) (٢٠٥٨٢)، والعدني في ((الإيمان)) (٥٨)، والدارمي في ((مسنده)) ٥١٩/١ (٦٨٠) كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في الطهور، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) ٥٪ ٣٤٧- ٣٤٨ (٢٩٢٠)، والطبراني في ((الدعاء)» ١٥٨٢/٣ - ١٥٨٣ (١٧٣٤)، والمروزي في ((تعظيم قدر الصلاة) ١/ ٤٣٠ - ٤٣١ (٤٣٢ - ٤٣٣)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ٤٣٦/١ (٦٣١)، والحديث ضعفه الألباني في ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (٩٤٤)، و((ضعيف الجامع)) (٢٥٠٩). الثاني: عن أبي هريرة مرفوعًا: ((لكل شيء زكاة وزكاة الجسد الصوم والصيام نصف الصبر)). رواه ابن ماجه (١٧٤٥) كتاب: الصيام، باب: في الصوم زكاة الجسد- وهذا لفظه- والقضاعي في ((مسند الشهاب)) ١٦٢/١ (٢٢٩)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ٢٩٢/٣ (٣٥٧٧)، والديلمى فى ((الفردوس)) ٤٠٩/٢ (٣٨١٧). قال المناوي في ((فيض القدير)) (٥٢٠٠) منتقدًا تحسين السيوطي للحديث: قال ابن العربي في ((السراج)): ضعيف جدًا. والحديث ضعفه البوصيري في ((مصباح الزجاجة)) ٧٩/٢، وكذا الألباني في ((الضعيفة)) (٣٨١١). (١) روي مرفوعًا وموقوفًا. عن عبد الله بن مسعود: ((الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله)). والموقوف هو الصحيح. المرفوع رواه: ابن الأعرابي في ((المعجم)) ٣٠٩/١ (٥٩٢)، وتمام الرازي في ((الفوائد) ٤٠/٢ (١٠٨٣)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٣٤/٥، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) ١٢٦/١ - ١٢٧ (١٥٨)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ١٢٣/٧ (٩٧١٦)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٢٢٦/١٣، وابن الجوزي في ((العلل)) ٢/ ٣٣٠- ٣٣١ (١٣٦٤)، والحافظ في ((تغليق التعليق)) ٢٣/٢، وفي ((لسان الميزان)) ٥/ ١٥٢ من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب، عن محمد بن خالد المخزومي، عن سفيان الثوري، عن زبيد الأيامي، عن أبي وائل، عن ابن مسعود مرفوعًا. قال أبو نعيم والخطيب البغدادي: تفرد به المخزومي عن سفيان بهذا الإسناد. زاد ابن الجوزي: والمخزومي مجروح، ويعقوب بن حميد قال يحيى والنسائي: ليس بشيء اهـ = ٢٥ - ڪِتَابُ الضَّوْمِ وقال وكيع في قوله: ﴿كُلُواْ وَأَثْرَبُواْ هَنِيَا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِى الْأَيَِّ الْخَلِيَةِ [الحاقة: ٢٤] هي أيام الصوم، إذ تركوا الأكل والشرب فيها(١)، ثم هذا كله إنما يكون فيما خلص لله تعالى من الرياء، ويدل عليه أيضًا قوله وَله عن الله تعالى أنه قَالَ: ((من عمل عملاً أشرك فيه غيري فهو له، وأنا أغنى الشركاء عن الشرك))(٢) فجعل عمل الرياء لغيره، وجعل ما خلص من الرياء له تعالى. = وقال البيهقي في ((الزهد الكبير)) (٩٨٤)، والحافظ في ((اللسان)) ١٥٢/٥: قال أبو علي النيسابوري: هذا حديث منكر لا أصل له من حديث زبيد ولا من حديث الثوري اهـ وقال الألباني في ((الضعيفة)) (٤٩٩) منكر. والموقوف رواه عبد الله بن أحمد في ((السنة)) ١/ ٣٧٤ (٧١٨) وقال: صحيح، والطبراني ١٠٤/٩ (٨٥٤٤)، والحاكم في ((المستدرك)) ٤٤٦/١ وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٧٤/١ (٤٨)- وقال: روي من وجه آخر غير قوي مرفوعًا - و٧/ ١٢٣ (٩٧١٧)، والحافظ في ((تغليق التعليق)) ٢/ ٢٢ وقال: هذا موقوف صحيح، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١/ ٥٧: رجاله رجال الصحيح. وقال البيهقي في ((الزهد الكبير)) (٩٨٤): الصحيح المعروف أنه من قول ابن مسعود، وقال في ((الآداب)) (٩٣٢) رويناه عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا، والموقوف أصح، وقال الحافظ: روي موقوفًا بسند صحيح، ومرفوعًا ولا يثبت رفعه اهـ «فتح الباري)) ٤٨/١ بتصرف. (١) رواه بنحوه ابن عدي في ((الكامل)) ١٤٨/٣ في ترجمة الحسن بن صالح بن حي (٤٤٨)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ٣١٨/٣ (٣٩٤٩) لكنه عن عبد العزيز بن رفيع. قوله، وكذا عزاه السيوطي أيضًا في ((الدر المنثور)) ٦/ ٤١١ لابن المنذر وابن عدي في ((الكامل)) والبيهقي في ((الشعب)). (٢) رواه مسلم برقم (٢٩٨٥) كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله. من حديث أبي هريرة. ٢٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وعنه: إذا كان يوم القيامة يحاسبُ الله العبد، فيؤدي ما عليه من المظالم من سائر أعماله الصالحة، حَتَّى لا يبقى إلا الصوم، فيتحمل الله ما بقي عليه من المظالم بالصوم، فيدخله الجنة(١)(٢)، وبنحوه ذكره ابن العربي. قَالَ القرطبي (٣): وكنت أستحسنه حَتَّى ذكرت حديث المقاصة، (١) جاء على هامش النسخة (م) ما نصه: وهذا الحديث رواه البيهقي وغيره وهو قول ابن عيينة.[قلت ((المحقق)): تقدم تخريجه]. (٢) رواه البيهقي في ((سننه)) ٢٧٤/٤ - ٢٧٥ كتاب: الصيام، باب: من كره السواك بالعشي ... ، ٣٠٥/٤، باب: في فضل شهر رمضان وفضل الصيام على سبيل الاختصار، وفي «شعب الإيمان» ٢٩٥/٣ (٣٥٨٢) عن إسحاق بن أیوب بن حسان الواسطي، عن أبيه قال: سمعت رجلًا يسأل سفيان بن عيينة فقال: يا أبا محمد ما تقول في ما يرويه النبي ◌َّ ر، عن ربه تعالى: كل عمل ابن آدم له ..... الحديث. فقال ابن عيينة: هذا من أجود الأحاديث وأحكمها، إذا كان يوم القيامة ..... قوله. (٣) جاء على هامش النسخة (م) ما نصه: قال شيخ الإسلام ابن حجر ردًا على القرطبي: قلت: يمكن تخصيص الصيام من ذلك، ويستدل له بما رواه الإمام أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن أبي هريرة رفعه: ((كل العمل كفارة إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)) [قلت ((المحقق)): انظر ((المسند)) ٤٦٧/٢] وكذا رواه أبو داود ولفظه: ((قال ربك تبارك وتعالى: كل العمل كفارة إلا الصوم)» [قلت ((المحقق)): رواه أبو داود الطيالسي في «مسنده» ٢٢٧/٤ (٢٦٠٧)] ورواه قاسم بن أصبغ عن شعبة ولفظه: ((كل ما يعمله ابن آدم كفارة له إلا الصوم)) [قلت ((المحقق)): رواه ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٦٠/١٩ من طريق قاسم بن أصبغ عن محمد بن الجهم عن روح عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة، به] وقد أخرجه المصنف -يعني: البخاري- في التوحيد عن آدم بلفظ: يرويه عن ربكم قال: ((لكل عمل كفارة والصوم لي وأنا أجزي به)) [قلت ((المحقق)): سيأتي برقم (٧٥٣٨)] وكذا رواه أحمد من طريقه. [قلت ((المحقق)): انظر: ((مسند أحمد) ٢/ ٤٥٧ من طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة، به] انتهى كلام ابن حجر. [قلت ((المحقق)»: انتهى من ((فتح الباري)» ١٠٩/٦] ٢٧ = ڪِتَّابُ الضَّوْمِ فوجدت فيه: ((أتدرون من المفلس؟)) ثم قَالَ: ((المفلس الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصدقة وصيام)) الحديث(١). وقال آخرون: إنما خص الصوم بأن يكون هو الذي يتولى جزاءه؛ لأن الصوم لا يظهر من ابن آدم بلسان ولا فعل فتكتبه الحفظة، إنما هو نية في القلب، وإمساك عن المطعم والمشرب فيقول: أنا أتولى جزاءه عَلَى ما أحب من التضعيف، وليس على كتاب كتب. وهذا القول ذكره الداودي، وصوب الطبري الأول، وأبعدَ مَنْ قَالَ: إن معناه لم يتعبد به غير الله، فلم يعظم الكفار في عصرٍ من الأعصار معبودًا لهم بالصيام، وإن كانوا يعظمونه بصورة السجود والصدقة وشبهها. وقد حكى المسعودي وغيره أن جماعة من الملاحدة وغيرهم يعبدوا المشترى وزحل والزهرة به، وكذا قول من قَالَ: إنه ليس للصائم ونفسه فيها حظ. حكاه الخطابي(٢)؛ لأن غيره من العبادات كذلك، وكذا قول من قَالَ: لأن الاستغناء عن الطعام من صفة الرب، وإن كانت صفات الله لا يشبهها شيء. وأما معنى قوله: (وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)) فأنا المتفرد بجزائه عَلَى عمله ذَلِكَ لي، بما لا يعلم كنه مبلغه غيري، إذ كان غير الصيام من أعمال الطاعة قد علم غيري بإعلامي إياه أن الحسنة فيه بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وقد روى يحيى بن بكير عن مالك في هذا الحديث بعد قوله: ((الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا)) فقال: ((كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به)). (١) ((المفهم)) ٢١٢/٣. والحديث رواه مسلم (٢٥٨١) كتاب: البر والصلة، باب: تحريم الظلم. من حديث أبي هريرة. (٢) ((أعلام الحديث)) ٩٤٦/٢. ٢٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وهي في مسلم أيضًا(١)، وقيل: في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِىَ لَهُمْ مِن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] أن عملهم الصيام فيفرغ لهم الجزاء إفراغًا من غير تقدير، فخص الصيام بالتضعيف عَلَى سبعمائة ضعف في هذا الحديث. وقد نطق الرب جل جلاله بتضعيف النفقة في سبيل الله أيضًا، كتضعيف الصيام فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١]. وجاء في ثواب الصبر مثل ذَلِكَ وأكثر، فقال تعالى: ﴿إِنََّا يُوَّ الضَِّرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] فيحتمل - والله أعلم - أن هاتين الآيتين نزلتا عَلَى رسول الله وَّيه بعدما أعلمه الله تعالى ثواب الصيام؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، والفضائل إنما تدرك من طريق الوحي. وأما قول من قَالَ: كل عمل تكتبه الحفظة إلا الصيام، فإنما هو نية في القلب، وإمساك عن المطعم والمشرب فلا يكتب، فواهٍ؛ لأن الحفظة تعلم الإمساك عن الأكل والشرب، وهو حقيقة الصيام، وإذا أطلعت على الإمساك عن الأكل في خلوته فقد علمت صيامه، لأنه ليس يرائي أحد الحفظة، ولا ينتفع بالرياء إلا إذا كان في الباطن، فإذا کف عنه باطنًا وتمادی علیه فقد علمت صيامه. وليس قول من تأول في قوله تعالى: ﴿إِ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] أنَّ مريم كانت صائمة في ذَلِكَ الوقت بصواب، بدليل قوله تعالى في الآية ﴿وَهُزِىّ إِلَيْكِ يِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ الآية [مريم: ٢٥]، فأخبر أن ذَلِكَ كان بعد أكلها وشربها. (١) مسلم (١١٥١ / ١٦٤). ٢٩ - كِتَابُ الضَّوْمِ ويشهد لذلك أنها كانت نفساء، والنفساء لا تصوم، وإنما معنى صَوْمًا﴾: إمساكًا عن الكلام، والعرب تقول: صام: إذا أمسك عن الكلام. ولا يعترض عَلَى هذا بقوله: ﴿فَقُولِ﴾ لأن المراد به الإشارة، بدليل قوله بعد ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ الآية، وقيل: معناه: أنا المتفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته، وغيره من العبادات، أظهر الله جلّ وعز عَلَى مقدار ثوابها بعض مخلوقاته -وقد سلف- وقيل: هي إضافة تشريف كقوله: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾. وقال الثقفي في ((نضرة الصحاح)): لأنه يتعلق بالنية، والنية محلها القلب فلا يطلع عليها غير المطلع عليها، فالرب يتولى جزاءه، والحفظة لا تعلم النية، وما أحسن ما حكاه ابن العربي عن الزهاد أن الصوم عن الطعام والمحظورات صوم العوام، وأن صوم الخواص هو الصوم عن غير ذكر الله، وخواص الخواص هو الصوم عن رؤيته، فلا يفطر إلا برؤيته ولقائه، ويوم أراكم ذاك فطر صيامي، وهذا الذي قَالَ فيه تعالى: ((الحسنة بعشر أمثالها إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به))(١)، وفيه أقوال أخرى ذكرها الطالقاني في كتابه ((حظائر القدس)). فائدة : سيأتي في باب: هل يقول إني صائم إذا شتم، عقب قوله: ((من ربح المسك» («وللصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح (٢) بصومه)) أما عند لقاء ربه فلما يرى من الخيرات المعدة له وما قدمه، وعند (١) ((عارضة الأحوذي)) ٢٢٩/٣. (٢) برقم (١٩٠٤). ٣٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == فطره لتمام عبادته، وسلامتها من المفسد، وأبعد من قَالَ أنه بإباحة الأكل. فائدة أخرى : قوله: ( ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ)) ) أقسم للتأكيد، كقوله تعالى: ﴿فَوَرَبٍ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الذاريات: ٢٣]. أخرى : أخذ الشافعي من هذا الحديث كراهة السواك للصائم بعد الزوال وقال: إنه يزيل الخلوف، ورأيت في البويطي عدم الكراهة، وبه قَالَ مالك(١)، وأكثر الفقهاء، ومنعوا أنه يزيل؛ لأنه من المعدة. وقوله: ( ((يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي)) ) يحتمل أن يكون تعليله لتفضيله ريح الخلوف عَلَى المسك، وأن يكون لأجل الصوم. (١) انظر: ((عيون المجالس)) ٦٦٥/٢، ((المجموع)) ٦/ ٤٠٢. ٣١ كِتَابُ الضَّوْمِ ٣- باب الصَّوْمُ كَفَّارَةٌ ١٨٩٥ - حَدَّثَنَا عَلَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا جَامِعُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: مَنْ يَحْفَظُ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ وَ فِي الفِتْنَةِ؟ قَالَ خُذَيْفَةُ: أَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَة)ُ. قَالَ: لَيْسَ أَسْأَلُ عَنْ ذِهِ، إِنَّمَا أَسْأَلُ عَنِ التِي تُوجُ كَمَا يَمُوجُ البَحْرُ. قَالَ: وَإِنَّ دُونَ ذَلِكَ بَابًا مُغْلَقًا. قَالَ: فَيُفْتَحُ أَوْ يُكْسَرُ؟ قَالَ: يُكْسَرُ. قَالَ: ذَاكَ أَجْدَرُ أَنْ لَا يُغْلَقَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. فَقُلْنَا لَمِشْرُوقٍ: سَلْهُ أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَنِ البَابُ؟ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدِ اللَّيْلَةَ. [انظر: ٥٢٥- مسلم: ١٤٤- فتح: ٤ /١١٠] ذكر فيه حديث جامع -هو ابن أبي راشد أخو الربيع الكوفي، وفي طبقته جامع بن شداد أبو صخرة الكوفي - عَنْ أَبِي وَائِلٍ - وهو شقيق بن سلمة الأسدي- عن حذيفة قَالَ: قَالَ عُمَرُ: مَنْ يَحْفَظُ حديث رسول الله أَّټ فِي الفِتْنَةِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ الحديث. وقد سلف في: الصلاة كفارة(١). ومعنى ((فِتْنَةُ الرَّجُلِ)): قَالَ الداودي: يعني ينقص له من حسناته إن ظلم أحدًا منهم، والفتنة هنا البلاء والاختبار، وهي هنا شدة حب الرجل لأهله وشغفه بهن، كما روى عبد الله بن بريدة عن أبيه قَالَ: رأيت النبي ** يخطب، فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل رسول الله وَ ﴿ ووضعهما في حجره، ثم قَالَ: ((صدق الله ورسوله إنما أموالكم وأولادكم فتنة، رأيت هذين فلم أصبر)) ثم (١) برقم (٥٢٥) باب: الصلاة كفارة. ٣٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == أخذ في خطبته(١) وسمع عمر رجلًا يستعيذ بالله من الفتنة، فقال له: أتدع الله أن لا يرزقك مالًا وولدًا؟! فاستعذ بالله من مضلات الفتن(٢). وقال ابن مسعود: لا يقل أحدكم اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من الفتنة، فليس أحد إلا وهو مشتمل عَلَى فتنة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَآ أَمَّوَّلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (٣) [الأنفال: ٢٨] فأيكم استعاذ فليستعذ بالله من مضلات الفتن، ومن فتنة الأهل الإسراف والغلو في النفقة عليهن والشغل بأمورهن عن كثير من النوافل، وفتنته في ماله أن يشتد سروره (١) رواه أبو داود (١١٠٩) كتاب: الصلاة، باب: الإمام يقطع الخطبة للأمر يحدث، والترمذي (٣٧٧٤) كتاب: المناقب، وقال: حسن غريب، والنسائي ١٠٨/٣ كتاب: الجمعة، نزل الإمام عن المنبر قبل فراغه، وابن ماجه (٣٦٠٠) كتاب: اللباس، باب: لبس الأحمر للرجال، وأحمد ٣٥٤/٥، وفي ((فضائل الصحابة)) ٩٦٦/٢ (١٣٥٨)، وابن أبي شيبة ٦/ ٢٨٢ (٣٢١٧٩) كتاب: الفضائل، ما جاء في الحسن والحسين رضي الله عنهما، وابن أبي الدنيا في ((العيال)) ٣٤١/١ (١٧٩)، وابن خزيمة ١٥١/٣- ١٥٢ (١٨٠١)، والحاكم في ((المستدرك)) ١/ ٢٨٧ وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، والبيهقي في ((سننه)) ١٦٥/٦، وفي ((شعب الإيمان)) ٤٦٦/٧ (١١٠١٦)، وابن الجوزي في ((التحقيق)) ١/ ٥٠٥ (٨٠٥)، وابن الأثير في ((أسد الغابة)) ١٢/٢ - ١٣، والمزي في ((تهذيب الكمال)» ٦/ ٤٠٣. وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (١٠١٦) وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٤٥٩/٧ (٣٧٢٠٧) كتاب: الفتن، من كره الخروج في الفتنة وتعوذ منها. (٣) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٦/ ٢١٧ (١٥٩٢٦) وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٥٪ ١٦٨٥ (٨٩٨٤)، والطبراني ١٨٩/٩ (٨٩٣١)، من طريق المسعودي عن القاسم عن عبد الله، وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) ٣٢٤/٣ لابن جرير وابن أبي حاتم وأبي الشيخ، وفي ٦/ ٣٤٥ لابن المنذر والطبراني، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٢٠/٧: رواه الطبراني، وإسناده منقطع وفيه المسعودى وقد اختلط. ٣٣ كِتَابُ الضَّوْمِ = بحيث يغلب عليه، وهو مذموم، ألا ترى أنه سير لما رأى علم الخميصة في الصلاة ردها إلى (أبي جهم)(١). وقال: ((كاد يفتنني))(٢) فتبرأ مما خشي منه الفتنة، وكذلك عرض لأبي طلحة حين كان يصلي في حائطه فطار دُبْسِى، فأعجبه فأتبعه بصره ساعة، ثم رجع إلى صلاته فلم يَذْرِكم صلى فقال: لقد أصابني في مالي هذا فتنة، فجاء إلى رسول الله ﴾﴾ فذكر ذلك له فقال: هو صدقة یا رسول الله فضعه حیث شئت(٣). ومن فتنة المال أيضًا أن لا يصل أقاربه ويمنع معروفه أجانبه، وفتنته في جاره أن يكون أكثر مالًا منه وحالًا فيتمنى مثل حاله، وهو معنى قوله (١) في الأصل (أبو جهيم)، وما أثبتناه من ((الجامع الصحيح)). (٢) سبق برقم (٢٧٣) كتاب: الصلاة، باب: إذا صلى في ثوب له أعلام، ونظر إلى علمها، ورواه مسلم (٥٥٦) كتاب: المساجد، باب: كراهية الصلاة في ثوب له أعلام. من حديث عائشة رضي الله عنها. (٣) رواه مالك في ((الموطأ)) ص٨٢، والبيهقي في ((سننه)) ٣٤٩/٢ كتاب: الصلاة، باب: من ينظر في صلاته إلى ما يلهيه لم يسجد سجدتي السهو. من طريق مالك عن عبد الله بن أبي بكر أن أبا طلحة ... الحديث. قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٣٨٩/١٧: هذا الحديث لا أعلمه يروئ من غير هذا الوجه، وهو منقطع. قلت: وجه انقطاعه أن عبد الله بن أبي بكر هذا هو ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، وهو لم يدرك أبا طلحة الأنصاري وبالتالي لم يدرك القصة؛ لأنه قيل أنه توفي سنة خمس وثلاثين ومائة، وقيل: ثلاثين ومائة، وهو ابن سبعين سنة، فعلى القول الأول، يكون مولده في سنة خمس وستين، وعلى الثاني يكون في سنة ستين. وأبو طلحة الأنصاري واسمه زيد بن سهل بن الأسود، قال أبو حاتم سنة أربع وثلاثين، فبهذا لا يمكن أن يكون قد أدركه بحال. انظر ترجمتهما في: (تهذيب الكمال)) ٧٥/١٠ (٢١١١)، ٣٤٩/١٤ (٣١٩٠). والحديث ضعفه الألباني في ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (٢٨٦). ٣٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: ٢٠] فَهُذِه الأنواع وما شابهها مما يكون من الصغائر فما دونها، تكفرها أعمال البر، ومصداق ذَلِكَ ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السََّّاتِ﴾ [هود: ١١٤]. قال أهل التفسير: الحسنات هنا: الصلوات الخمس(١)، والسيئات: الصغائر. وقوله: (ذَاكَ أَجْدَرُ أَنْ لَا يُغْلَقَ) أي: ذَلِكَ أحرى كأنه يقول ذَلِكَ أولى به (وأحق)(٢). (١) قاله كعب ومحمد بن كعب القرظي وابن عباس ومجاهد والحسن والضحاك وابن مسعود وسلمان ومسروق. رواه عنهم الطبري في ((تفسيره)) ١٢٩/٧ - ١٣٠ (١٨٦٦٢ - ١٨٦٧٤). (٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الثالث والأربعين، كتبه مؤلفه غفر الله له. ٣٥ كِتَابُ الصَّوْمِ ٤- باب الزَّيَّانُ لِلصَّائِمِينَ ١٨٩٦- حَدَّثَنَا خَالِدُ بنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمِ، عَنْ سَهْلٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ وََّ قَالَ: ((إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ: الزَّيَّانٌّ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ)). [٣٢٥٧ - مسلم: ١١٥٢ - فتح: ٤ / ١١١] ١٨٩٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَغْنَ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لِّ قَالَ: ((مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللهِ، هذا خَيْرٌ. فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الچِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الچِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرََّّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ)». فَقَّالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه پِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَنْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ)). [٢٨٤١، ٣٢١٦، ٣٦٦٦ - مسلم: ١٠٢٧ - فتح: ٤ /١١١] ذكر فيه حديث سَهْلٍ، عَنِ النَّبِّ وَِّ قَالَ: (( إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، فَلَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ)). وحديث ابن شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّ﴿ قَالَ: ((مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابٍ الجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللهِ، هذا خَيْرٌ. فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابٍ الصَّلَاةِ .. الحدیث ٣٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = الشرح : حديث سهل أخرجه مسلم أيضًا (١)، وفي رواية للبخاري: ((في الجنة ثمانية أبواب فيها باب يسمى الريان لا يدخل منه إلا الصائمون))(٢) وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضًا (٣)، ولابن زنجويه في ((الأول)): ((فإذا دخلوا أُغْلق، فيشربون منه، فمن شرب منه لم يظمأ أبدًا))(٤) وفي رواية لأبي موسى المديني في ((ترغيبه)): ((من دخل منه لم يظمأ أبدًا)) قَالَ أبو موسى: وفي الباب عن ابن مسعود. وزعم الدارقطني أن نبيه بن عثمان رواه عن خليد بن قتادة، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة وقال: غريب تفرد به نبيه، عن خليد. وأخرجه ابن حبان من حديث أبي صالح عنه: سأل الناس رسول الله وَ آم هل نرى ربنا يوم القيامة؟ وفيه: ((فإذا جاوز الجسر فكل من أنفق زوجًا من المال مما يملكه في سبيل الله تعالى، فكل خزنة الجنة يدعوه يا عبد الله، يا مسلم هذا خیر) فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن ذَلِكَ عبد لا توی علیه يدع بابًا (١) مسلم (١١٥٢) كتاب الصيام، باب فضل الصيام. (٢) سيأتي برقم (٣٢٥٧) كتاب بدء الخلق، باب صفة أبواب الجنة. (٣) مسلم (١٠٢٧) كتاب الزكاة، باب من جمع الصدقة وأعمال البر. (٤) رواه بهذا اللفظ النسائي في ((المجتبى)) ١٦٨/٤، كتاب: الصيام، فضل الصيام، وأحمد ٣٣٥/٥، والنسائي في ((الكبرى)) ٩٤/٢ (٢٥٤٤)، وابن خزيمة ١٩٩/٣ (١٩٠٢)، وأبو يعلى ٥٢٥/١٣ (٧٥٢٩)، والروياني في ((مسنده)) ٢١٩/٢ (١٠٧٥)، والطبراني ١٥٢/٦ (٥٨١٩)، وابن عدي في ((الكامل)) ٢١٩/٤ (١٠٧٥)، و٤ /٤٥٦ ترجمة سعيد بن عبد الرحمن الجمحي (٨٢٤)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٢٥١/٣، وجاء بهامش (م): قوله: يدخل منه الصائمون جملة مستأنفة. والبغوي في ((شرح السنة)) ٢٢٠/٦ (١٧٠٩)، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع» (٥١٨٤). ٣٧ كِتَابُ الضَّوْمِ ويلج من آخر .. الحديث(١). وفي مسلم: ((أي فل هلم)) (٢)، ولأبي عمر من حديث مالك، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار عنه: ((ما من أحد ينفق زوجين من ماله إلا دُعي من أبواب الجنة الثمانية)) وقال: لا يصح هذا الإسناد عن مالك، ومحمد بن عبد الله وأبوه متهمان بوضع الأحاديث والأسانيد(٣). قَالَ: وأكثر الرواة عَلَى وصل هذا الحديث - يعني: حديث الباب- إلا يحيى بن بكير فإنه أرسله عن حميد، عن النبي وَّ ر، وكذا رواه التنيسي، عن مالك، وقد أسنده جلة عن مالك، وليس هو عند القعنبي لا مسندًا ولا مرسلًا (٤). قلت: قد ذكر الدار قطني في كتاب ((الموطآت)) أن القعنبي رواه كما رواه أبو مصعب ومعن وغيرهما مسندًا، والله أعلم. وفي ((صفة الجنة)) لأبي نعيم الحافظ من حديث عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود مرفوعًا(٥): ((للجنة ثمانية أبواب، سبعة مغلقة وباب مفتوح للتوبة، حَتَّى تطلع الشمس من مغربها)) (٦). (١) ((صحيح ابن حبان)) ٤٧٨/١٦ - ٤٨٠ (٧٤٤٥) كتاب: إخباره ◌َ * عن مناقب الصحابة، باب: وصف الجنة وأهلها. (٢) مسلم (١٠٢٧/ ٨٦). (٣) ((التمهيد)) ١٩١/٧. (٤) ((التمهيد)» ١٨٣/٧ - ١٨٤. (٥) جاء على هامش النسخة (م): حسن؛ لأنه صبر على العطش في الدنيا فناسب دخوله ريان، فسمى بحصول ما يزيل عطسه (هـ و. ى). (٦) ((صفة الجنة)) لأبي نعيم ١٦/٢ (١٦٩)، ورواه ابن أبي شيبة في ((مسنده)) ٢٠٨/١ - ٢٠٩ (٣٠٧). = ٣٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه: أحدها : الريان: فعلان من الرِيّ بالكسر هو نقيض العطش، وسمي بذلك لأنه جزاء الصائمين عَلَى عطشهم وجوعهم. واكتفى بذكر الري عن الشبع(١)؛ لأنه يدل عليه من حيث أنه يستلزمه، وأفرد لهم هذا الباب ليسرعوا إلى الري من عطش الصيام في الدنيا إكرامًا لهم واختصاصًا؛ وليكون دخولهم في الجنة هينًا غير متزاحم عليهم عند أبوابها، فإن الزحام قد يؤدي إلى نوع من العطش كما خص رسول الله وَلا أبا بكر الصديق بباب في المسجد؛ يقرب منه خروجه إلى الصلاة فلا يزاحمه أحد، وأغلق سائرها إكرامًا له وتفضيلًا(٢). وفي ((مسند البزار)) من حديث الوليد بن رباح بن عبد الله، عن أبي هريرة مرفوعًا أن لهم حوضًا لا يرده غيرهم -يعني الصوام- ثم قَالَ: لا نعلمه رواه عن أبي هريرة إلا الوليد(٣). = وأبو يعلى في ((مسنده) ٤٢٩/٨ (٥٠١٢) (٥٠١٢)، والطبراني ١٠/ ٢٠٦ (١٠٤٧٩)، والحاكم في ((المستدرك)) ٢٦١/٤ كتاب: التوبة والإنابة، وسكت عنه، وقال المنذري كما في ((ضعيف الترغيب والترهيب)) للألباني ٢٩١/٢: رواه أبو يعلى والطبراني بإسناد جيد، وتبعه الهيثمي فقال في ((المجمع)) ١٩٨/١٠: رواه أبو يعلى والطبراني وإسناده جيد. وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٤٣٢٩) وقال معقبًا على كلام المنذري والهيثمي: هو من تساهلهما الذي عرفا به. (١) جاء على هامش النسخة (م): مطلب: أكتفى بذكر الري لأنه سبيله إلى الشبع. (٢) سلف برقم (٤٦٦) كتاب الصلاة، باب: الخوخة والممر في المسجد، ورواه مسلم (٢٣٨٢) في فضائل الصحابة، باب فضائل أبي بكر. من حديث أبي سعيد. (٣) البزار كما في ((كشف الأستار)) (٩٦٥) بنحوه. ٣٩ = ڪِتَابُ الصَّوْمِ قلت: قد رواه المطلب بن عبد الله عنه أيضًا، ذكره ابن أبي عاصم في كتاب ((الصوم)) حيث قَالَ: وللصوام حوض لا يرده غيرهم، ثم ساقه. ثانيها : معنىُ: (( دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ)) أي: المكثر من صلاة التطوع، وكذا غيرها من أعمال البِر، لأن الواجبات لابد منها لجميع المسلمين، ومن ترك شيئًا من الواجبات إنما يخاف عليه أن يدعى من أبواب جهنم . وأما أسماء هذِه الأبواب، ففي ((نوادر الأصول)) للحكيم الترمذي من أبواب الجنة: باب محمد 18 وهو: باب الرحمة، وباب التوبة، وهو منذ خلقه الله تعالى مفتوح لا يغلق، فإذا طلعت الشمس من مغربها أغلق فلم يفتح إلى يوم القيامة(١). روي عن ابن مسعود أنه سأله رجل عن ذنب ألم به هل له فيه توبة؟ فأعرض عنه ابن مسعود، ثم التفت فرأى عينيه تزرفان فقال: إن للجنة ثمانية أبواب كلها تفتح وتغلق، إلا باب التوبة، فإن عليه ملكًا موكلًا به لا يغلق، فاعمل ولا تيأس(٢). ذكره ابن بطال(٣). ووجه الاتفاق في ذَلِكَ ما يتقوى به عَلَى طاعة الله تعالى، ويتحلل من المحارم التي سلفت منه، ويؤدي المظالم إلى أهلها، وسائر الأبواب (١) جاء على هامش النسخة (م) ما نصه: قال الكرماني: فإن قلت ما وجه التكرار حيث ذكر الآتفاق في صدر الكلام والصدقة في عجزه. قلت: لا تكرار، إذ الأول: النداء بأن الاتفاق وإن كان قليلاً من جملة الخبرات العظيمة، وذلك حاصل من كل الأبواب. والثاني: استدعاء الدخول إلى الجنة وإنما هو من بابه الخاص به، وعي الحديث فضيلة عظيمة حيث افتتح واختتم به. (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٠٤٢). (٣) ((شرح ابن بطال)» ٤/ ١٧. ٤٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == مقسومة عَلَى أعمال البر، باب الزكاة، العمرة، الحج، الصلة، وعند القاضي عياض باب الكاظمين الغيظ، باب الراضين، الباب الأيمن الذي يدخل منه من لا حساب عليه. وفي كتاب ((الصوم)) لابن أبي عاصم بإسناد جيد عن أبي هريرة مرفوعًا: ((لكل عمل باب من أبواب الجنة يدعون منه بذلك العمل))(١) وذكره ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) بإسناد صحيح عَلَى شرط مسلم (٢) . وفي كتاب الآجري عن أبي هريرة مرفوعًا: ((إن في الجنة بابًا يقال له باب الضحى، فإذا كان يوم القيامة ينادي مناد: أين الذين كانوا يدومون عَلَى صلاة الضحى؟ هذا بابكم فادخلوا))(٣). (١) رواه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (١٢٣٧) وبنحوه أحمد ٤٤٩/٢، وقال الهيثمي في («المجمع» ٣٩٨/١٠: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عمرو بن علقمة، وقد وثقه جماعة. (٢) ((المصنف)) ٢٧٤/٢ - ٢٧٥ (٨٩٠٣). (٣) رواه بنحوه الطبراني في ((الأوسط)) ١٩٥/٥ (٥٠٦٠)، والحاكم كما في ((زاد المعاد)» ١/ ٣٤٨ - ٣٤٩ عن سليمان بن داود اليمامي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة مرفوعًا به. وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٣٩/٢: فيه سليمان بن داود اليمامي أبو أحمد، وهو متروك، وقال الألباني: في ((الضعيفة)) (٣٩٢): ضعيف جدًا. وقد روي في هذا الباب أحاديث أخرى باطلة. منها: ما رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٢٠٧/١٤، وابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) ١/ ٤٧١ (٨٠١) من طريق يحيى بن شبيب اليماني عن سفيان الثوري عن الأعمش عن أنس مرفوعًا: ((إن في الجنة بابًا يقال له: الضحى، فمن صلى الضحى حنت إليه صلاة الضحى، كما يحن الفصيل إلى أمه، حتى إنها لتستقبله حتى تدخله الجنة)). والحديث رواه الخطيب في ترجمة: يحيى بن شبيب اليماني وقال: يروي أحاديث باطلة، وروى له ثلاثة أحاديث، منها هذا الحديث.