Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ كِتَابُ فَضَائِلِ المَدِينَةِ وفي رواية للبخاري في المغازي: ((تنفي الذنوب))(١)، وفي رواية: ((وأنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الحديد))(٢) وكان هذا الأعرابي من المهاجرين كما قاله بعض العلماء(٣)، فأراد أن يستقيل النبي ◌َّق في الهجرة فقط، ولم يرد أن يستقيله في الإسلام، فأبى ◌َّ من ذلك في الهجرة؛ لأنها عون على الإثم، وكان ارتدادهم عن الهجرة من أكبر الكبائر، ولذلك دعا لهم وَ ل فقال: ((اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم)» (٤) ويحتمل كما قال القاضي أن بيعته كانت بعد الفتح وسقوط الهجرة إليه، وإنما بايع على الإسلام وطلب الإقالة ولم يقله(٥). وفيه من الفقه: أن من عقد على نفسه أو على غيره عقدًا لله فلا ينبغي له حله؛ لأن في حله خروجًا عما عقد، وقال تعالى: ﴿بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوَفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] والدليل على أنه لم يطلب الارتداد عن الإسلام أنه لم يرد حل ما عقده إلا بموافقة الشارع على ذلك، ولو كان (١) سيأتي برقم (٤٠٥٠) باب: غزوة أحد. (٢) سيأتي برقم (٤٥٨٩) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِى الْمُفِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨]. (٣) قال الحافظ في ((الفتح)) ٤/ ٩٧: لم أقف على اسمه، إلا أن الزمخشري ذكر في (ربيع الأبرار)) أنه قيس بن أبي حازم، وهو مشكل؛ لأنه تابعي كبير مشهور صرحوا بأنه هاجر فوجد النبي وَ ل﴿ قد مات، فإن كان محفوظًا فلعله آخر وافق اسمه واسم أبيه، وفي ((الذيل)) لأبي موسى: في الصحابة قيس بن أبي حازم المنقري، فيحتمل أن يكون هو هذا أ هـ. وقال هذا الكلام بنصه العيني في ((عمدة القاري)) ٤٣٦/٨. (٤) سلف برقم (١٢٩٥)، ورواه مسلم (١٦٢٨). (٥) ((إكمال المعلم)) ٤/ ٥٠٠. ٥٦٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = خروجه عن المدينة خروجًا عن الإسلام لقتله حين خرج، وإنما خرج عاصيًا، ورأوا أنه معذور لما نزل به من الوباء، ولعله لم يعلم بفرضية الهجرة، وكان من الذين قال الله فيهم: ﴿وَأَجْدَرُ أَلَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهٍ﴾ [التوبة: ٩٧] فقال فيه: ((إن المدينة كالكير)). ولا يرد أن المنافقين قد سكنوها وماتوا فيها ولم تنفعهم؛ لأنها كانت دارهم، ولم يسكنوها اغتباطًا بالإسلام ولا حبًّا لها، وإنما كان لأجل معاشهم، ولم يرد بضرب المثل إلا من عقد على الإسلام راغبًا فيه ثم خبث قلبه، ولم يصح أن أحدًا ممن لم تكن له المدينة دارًا فارتد عن الإسلام ثم اختار السكنى فيها، بل كلهم فر إلى الكفر راجعًا، فبمثل أولئك ضرب المثل، وكان المنافقون الساكنون بالمدينة قد ميزهم الله حتى كأنهم بارزون عنها لما وسمهم به من قوله: ﴿اَلَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَتِ﴾ [التوبة: ٧٩] ﴿الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنْ﴾ [التوبة: ٦٢] وبقوله: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فيِ لَحْنِ اُلْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] وكانوا معروفين، وأبقاهم لئلا يقول الناس: إن محمدًا يقتل أصحابه(١)، أو ينفيهم، والنفي كالقتل، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِى الْمُفِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] منكرًا عليهم اختلافهم في قتلهم، فعرفهم الله تعالى أنه أركسهم (١) أنظر ما سيأتي برقم (٣٥١٨) كتاب: المناقب، باب: ما ينهى من دعوة الجاهلية، ورواه مسلم (٦٣/٢٥٨٤) كتاب: البر والصلة والآداب، باب: نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا، من حديث جابر قال: غزونا مع النبي ◌َّ .. الحديث، وفيه: وقال عبد الله بن أبي ابن سلول: قد تداعوا علينا، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال عمر: ألا نقتل يا رسول الله هذا الخبيث؟ لعبد الله، فقال النبي وَل: ((لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه)). ٥٦٣ كِتَابٌ فَضَائِلِ المَدِينَةِ بنتفاقهم، فلا يكون لهم صنع ولا جمع، ولا يسمع لهم قول مع أنه قد حسم أنهم لا يجاورونه فيها إلا قليلًا ، فنفتهم المدينة بعد؛ لخوفهم القتل، قال تعالى: ﴿مَّلْعُونِينٌَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَفْتِيلًا [الأحزاب: ٦٢] فلم يأمنوا فخرجوا، فصح إخباره أنها تنفي خبئها لكن ليس ذلك ضربة واحدة بل شيئًا فشيئًا، حتى يخلص أهلها الطيبين الناصعين وقت الحاجة إليهم في العلم؛ لأنهم في حياته مستغنى عنهم به، فلما احتيج إليهم بعده في العلم خلصتهم بركة المدينة، فنفت خبثها. وقوله: ( ((كالكير)) ) تمثيل منه وتنظير، ففيه جواز القياس بين الشيئين إذا اشتبها في المعنى، فشبَّه المدينة في نفيها من خبثها من خبث قلبه بالكير الذي ينفي خبث الحديد حتى يصفو. وقوله: ( ((وينصع طيبها)) ) هو مثل ضربه للمؤمن المخلص الساكن فيها الصابر على لأوائها وشدتها مع فراق أهله والمال والتزام المخافة من العدو، فلما باع نفسه من الله والتزم هذا الأمر بان صدقه ونصع إيمانه، وقوي اغتباطه بسكنى المدينة، وبقربه من رسول الله (وَلات، كما ينصح ريح الطيب فيها ويزيد عبقًا على سائر البلاد، خصوصية خص الله بها بلد رسوله التي اختار تربتها لمباشرة جسده الطيب الطهور. وقد جاء في الحديث أن المؤمن يقبر في التربة التي خلق منها (١)، (١) تقدم تخريجه في حديث (١٨٧١) من حديث أبي سعيد الخدري وابن عمر. وانظر: ((الصحيحة)) (١٨٥٨). ونضيف هنا أنه روي أيضًا عن ابن مسعود وعبد الله بن سوار وابن عباس موقوفًا. حديث ابن مسعود رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٣١٣/٢، ٤٠/١٣-٤١، والديلمي كما في ((الفردوس)) ٢٨/٤-٢٩ (٦٠٨٨)، وابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) ١٩٣/١ (٣١٠) مرفوعًا بلفظ: ((ما من مولود يولد إلا وفي سرته من تربته = ٥٦٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وكانت بها تربة المدينة أفضل الترب كما هو أفضل البشر؛ فلهذا -والله أعلم- يتضاعف ريح الطيب فيها على سائر البلاد. وقوله: ( ((طيبها))) هو بضم الباء، وهو الصحيح، وروي فتحها(١). قال ابن التين: والصواب الأول؛ لأن الطيب هو الذي ينصع -أي: يخلص ويصفو - ومنه: أبيض ناصع. وينصع -بالنون- قال القزاز: لم أجد له في الطيب وجهًا، وإنما الكلام يتضوع طيبها أي: يفوح، قال: ويروى: ينضخ، بضاد وخاء معجمتين، قال: ويروى بحاء مهملة، وهو أقل من النضخ. قلت: الرواية ((طيبها)) بتشديد المثناة تحت، ونصع الشيء: خلص، وخشب ناصع: خالص، وحق ناصع: واضح، والناصع من الجيش: القوم الذين لا يخالطهم غيرهم، فنصع الطيب من هذا، وقال أبو موسى: ويقال أيضًا أنصع: أظهر ما في نفسه وبرز لونه. وضبطه الزمخشري في ((فائقه)): بمثناة تحت مضمومة، ثم باء موحدة، ثم ضاد معجمة (٢). فرشقه الصغاني فقال: = التي ولد منها، فإذا رد إلى أرذل العمر رد إلى تربته إلتي خلق منها حتى يدفن فيها، وأنا وأبو بكر وعمر خلقنا من تربة واحدة وفيها ندفن)). وأما حديث عبد الله بن سوار فرواه أحمد في ((فضائل الصحابة)) ٤٤٤/١ - ٤٤٢ (٥٢٨): أن النبي ◌َّ﴿ مر بقبر يحفر، فقال: قبر من هذا؟ قالوا: قبر فلان الحبشي، قال: يا سبحان الله سيق من أرضه وسمائه إلى التربة التي خلق منها، .... وأما حديث ابن عباس فرواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٥١٥/٣ - ٥١٦ (٦٥٣١)، والعقيلي في ((الضعفاء الكبير)) ٣/ ١٨٠ عن ابن عباس قال: يدفن كل إنسان في التربة التي خلق منها. هكذا موقوفًا. والأحاديث الثلاثة هذِه لا تخلو أسانيدها من مقال، لكن الحديث صح عن أبي سعيد وابن عمر، أنظر: ((الصحيحة)) (١٨٥٨). وورد بهامش الأصل هنا: هو في ((المستدرك)). (١) عند الحموي والمستملي وأبي ذر الهروي. انظر اليونينية ٢٢/٣. (٢) ((الفائق» ٢٩٠/٣. ٥٦٥ كِتَابُ فَضَائِلِ المَدِينَةِ = خالف الزمخشري في ذلك جميع الرواة . وفي ((مجمع الغرائب)): ((ينصح طيبها)) أي يصفها ويخلطها. والنصوع لازم، فإن صحت أن الرواية ينصح من الثلاثي فهو غريب، وإلا فالوجه أن يقال: ينصع. يقال: أنصع الرجل: إذا أظهر ما في نفسه، أو يقال: ينصع طيبها بالرفع على أنه فاعل، وهو لازم. وقال ابن التين: ((ينصع طيبها)) أي: يخلص ويصفو. ومما استدل على تفضيل المدينة بهذا الحديث، وقد سلف. والخبث: الكفر والنفاق. وقوله: (ورجع ناس من أصحابه) هو عبد الله بن أبي، أي: رجع بثلث العسكر، ثلاثمائة رجل. ٥٦٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - باب(١) ١٨٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبي، سَمِعْتُ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ نَلَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ)). تَابَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ يُونُسَ. [مسلم: ١٣٦٩ - فتح: ٤ /٩٧] ١٨٨٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﴾ه أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَنَظَرَ إِلَى جُدُرَاتِ المَدِينَةِ، أَوْضَعَ رَاحِلَتَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا. [انظر: ١٨٠٢ - فتح: ٩٨/٤] ذكر فيه حديث أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ البَرَكَةِ)). تَابَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ يُونُسَ. وحديثه أيضا كَانَ النَّبِيُّ وَ ◌ّهِ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَنَظَرَ إِلَى جُدُرَاتٍ المَدِينَةِ، أَوْضَعَ رَاحِلَتَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا. وهذا سلف في باب: من أسرع ناقته إذا قدم المدينة(٢)(٣). والأول أخرجه مسلم أيضًا (٤). وقوله: (تابعه عثمان بن عمر) يعني: تابع جريرًا الراوي عن يونس الأول. (١) ورد بهامش الأصل: ليس في نسختي هذا الباب، وإنما فيها الأحاديث من غير فصل بباب. (٢) سلف برقم (١٨٠٢). (٣) ورد بهامش الأصل: في هذِه الطريق النص باستماع حميد من أنس بخلاف الأولى. (٤) مسلم (١٣٦٩). ٥٦٧ كِتَابُ فَضَائِلِ المَدِينَةِ = وقال الإسماعيلي: حدثنا أبو يعلى عن أبي خيثمة وقاسم بن أبي شيبة قالا : ثنا وهب بن جرير، ثم قال: وقال القاسم بن أبي شيبة عن أبيه، عن يونس الأيلي، فذكره وأبو شيبة ليس من شروط هذا الكتاب، وكذلك ابنه، قال: وقال الحسن: عن أنس أن رسول واله قال، فذكره(١)، وقال: يعني المدينة واستدل به من يفضل المدينة؛ لأن تضعيف الدعاء (٢) إنما هو لفضلها، وقد سلف، وكذا حبه إياها وتعجيل سيره إذا نظر إليها، من أجل أن قرب الدار يجدد الشوق إلى الأحبة والأهل، ويولد الحنين إلى الوطن، ولنا به الأسوة الحسنة. وقال مالك لهارون: استوص بأهل المدينة خيرًا فإنهم أفضل من على الأرض، فقال: بم؟ فقال: لأنه ليس على وجه الأرض قبر نبي يعرف إلا القبر الذي بهُذِه البلدة. (١) للحافظ تعقب على هذا الموضوع، انظره في ((الفتح)) ٩٨/٤ - ٩٩ فهو هام. (٢) ورد بالهامش: صوابه: تضعيف المدعو به. ٥٦٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح === ١١ - باب كَرَاهِيَةِ النَّبِيِّ كيا الله عادية وسيلة أَنْ تُعْرَى المَدِينَةُ ١٨٨٧ - حَدَّثَنَا ابن سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا الفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ قَالَ: أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَتَحَوَّلُوا إِلَىْ قُرْبِ المَسْجِدِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ وَلَ أَنْ تُغْرى المَدِينَةُ، وَقَالَ: ((يَا بَنِي سَلِمَةَ. أَلَا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ؟ !)). فَأَقَامُوا. [انظر: ٦٥٥ - فتح: ٩٩/٤] ذكر فيه حديث أَنَسٍ قَالَ: أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَتَحَوَّلُوا إِلَى قُرْبِ المَسْجِدِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ وَ لِ أَنْ تُعْرَى المَدِينَةُ، وَقَالَ: ((يَا بَنِي سَلِمَةَ. أَلَا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ؟!)). فَأَقَامُوا. وقد سلف في الصلاة(١). وإنما أراد أن لا تعرى المدينة وأن تعمر؛ ليعظم المسلمون في أعين المنافقين والمشركين إرهابًا وغلظًا عليهم. وقوله: ((ألا تحتسبون آثاركم)) يعني في الخُطى إلى المسجد، ولذلك قال أبو هريرة: إن أعظمكم أجرًا أبعدكم دارًا، قيل: لم يا أبا هريرة؟ قال: من أجل كثرة الخطئ(٢)، وهذا لا يكون إلا توقيفا. وقد ترجم له في الصلاة باب: احتساب الآثار(٣). (١) برقم (٦٥٥). (٢) رواه مالك في ((الموطأ)) ص٤٦، وقال الحافظ ابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٦/ ٢٠١: هكذا هذا الحديث موقوف في الموطأ لم يتجاوز به أبا هريرة ولم يختلف على مالك في ذلك. (٣) سلف برقم (٦٥٥ - ٦٥٦) كتاب: الأذان. ، ٥٦٩ كِتَابُ فَضَائِلِ المَدِينَةِ (وبنو سلمة)) - بكسر اللام- بطن من الأنصار ليس في العرب سلمة غيرهم، ذكره ابن فارس(١)(٢). قال الداودي: وفيه دليل أنهم كانوا ممن سكن المدينة، وكان لهم آثار خطاهم، وهم إحدى الطائفتين اللتين قال تعالى: ﴿إِذْ هَمَّت ◌َطَآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢]. (١) ((مقاييس اللغة)) ص٤٦٦. (٢) ورد بهامش الأصل: وكذا ابن دريد في ((الجمهرة)). ٥٧٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ١٢ - باب(١) ١٨٨٨ - حَذَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَخْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَقْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِیَاضِ الجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي)). [انظر: ١١٩٦ - مسلم: ١٣٩١ - فتح: ٩٩/٤] ١٨٨٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ، حَذَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ لَمَا قَدِمَ رَسُولُ اللهِنَِّالمَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ، فَكَانَ أَبُو بَكْرِ إِذَا أَخَذَتْهُ الحُمَّى يَقُولُ: كُلُّ أُمْرِئٍ مُصَبَّحْ فِي أَهْلِهِ وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أُقْلِعَ عَنْهُ الحُمَّى يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ يَقُولُ: بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلٌ أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيثَنَّ لَيْلَةً وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ قَالَ: اللَّهُمَّ العَنْ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُثْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، كَمَا أَخْرَجُونَا مِنْ أَرْضِنَا إِلَى أَرْضِ الوَبَاءِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ تَ: ((اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبَّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، اللَّهُمَّ بَارِلْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَفِي مُدِّنَا، وَصَحِّحْهَا لَنَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الجُحْفَةِ». قَالَتْ: وَقَدِمْنَا المَدِينَةَ وَهْيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللهِ. قَالَتْ: فَكَانَ بُطْحَانُ يَجْرِي نَجْلًا. تَغْنِي: مَاءٌ آجِئًا. [٣٩٢٦، ٥٦٥٤، ٥٦٧٧، ٦٣٧٢ - مسلم: ١٣٧٦ - فتح: ٩٩/٤] ١٨٩٠ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عُمَرَ ﴾ قَالَ: اللَّهُمَّ أَزْزُقْنِي شَهَادَةٌ فِي سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ مَوْنٍ فِي بَلَدِ رَسُولِكَ وَلِهِ. (١) ورد بهامش الأصل: وكذلك هذا الباب ليس هو في نسختي، إنما فيها حديث أبي هريرة تلو حديث أنس. ٥٧١ كِتَابُ فَضَائِلِ المَدِينَةِ وَقَالَ ابن زُرَبِعٍ، عَنْ رَوْحِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ زَنِدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ حَقْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَتْ: سَمِعْتُ عُمَرَ نَحْوَهُ. وَقَالَ هِشَامٌ، عَنْ زَنْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَفْصَةَ: سَمِعْتُ عُمَرَ رضى الله عنه. [فتح: ٤/ ١٠٠] ذكر حديث خُبَيْب - بالخاء المعجمة - بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَقْصٍ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ بَلْ قَالَ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي)). وهذا سلف في باب: فضل ما بين القبر والمنبر(١). وحديث عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ وَهِ المَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرِ وَبِلَالٌ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الحُمَّى يَقُولُ: كُلُّ أَمْرِئٍ مُصَبَّحْ فِي أَهْلِهِ وَالْمَوْتُ أَدْنَىْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أُقْلِعَ عَنْهُ الحُمَّى يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ ويَقُولُ: بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ قَالَ: اللَّهُمَّ العَنْ شَيْئَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةً، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، كَمَا أَخْرَجُونَا مِنْ أَرْضِنَا إِلَى أَرْضِ الوَبَاءِ، ثُمَّ قَالَ النبي ◌َّهِ: ((اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَفِي مُدِّنَا، وَصَحِّحْهَا لَنَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الجُحْفَةِ)). قَالَتْ: وَقَدِمْنَا المَدِينَةَ وَهْيَ أَوْبَأْ أَرْضِ اللهِ. قَالَتْ: فَكَانَ بُطْحَانُ يَجْرِي نَجْلًا. تَعْنِي: مَاءَ آجِنًا. (١) سلف برقم (١١٩٦). ٥٧٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وذكر فيه عن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِكَ وَله. وَقَالَ ابْن زُرَيْعٍ، عَنْ رَوْحِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ قَالَتْ: سَمِعْتُ عُمَرَ نَّحْوَهُ وقال هشام، عن زيد، عن أبيه، عن حفص سمعت عمر. الشرح: حديث أبي هريرة سلف(١). وحديث عائشة أخرجه مسلم أيضًا(٢)، وفي رواية: فدخلت عليهما فقلت: يا أبه كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ ذكره في المرضى، وفيه: قالت عائشة: فجئت رسول الله وَالر فأخبرته فقال: ((اللهم حبب إلينا المدينة)) وقال: ((في صاعها وفي مدها))(٣)، وفي ((موطأ معن بن عيسى)) (٤): عرض علي مالك، عن يحيى بن سعيد قالت عائشة: وكان عامر بن فهيرة يقول: (١) برقم (١١٩٦). (٢) مسلم (١٣٧٦). (٣) سيأتي برقم (٥٦٥٤) كتاب: المرضى، باب: عيادة النساء الرجال. (٤) هو ابن يحيى بن دينار، الإمام الحافظ الثبت، أبو يحيى المدني القزاز، حدث عن أبي ذئب ومالك، وحدث عنه أحمد - فيما قيل- وابن المديني وابن معين، قال معن: وكل شيء من الحديث في ((الموطأ)) سمعته من مالك إلا ما استثنيت أني عرضته عليه، وكل شيء من غير الحديث عرضته على مالك إلا ما استثنيت أني سألته عنه، وقال أبو إسحاق في ((الطبقات)): كان معن يتوسد عتبة مالك، فلا يلفظ مالك بشيء إلا كتبه وكان ربيبه، وهو الذي قرأ ((الموطأ)) للرشيد وبنيه على مالك. انظر تمام ترجمته في ((طبقات ابن سعد)) ٤٣٧/٥، (تهذيب الكمال)) ٣٣٦/٢٨ (٦١١٥)، ((سير أعلام النبلاء)) ٣٠٤/٩ (٩١)، ((شذرات الذهب) ٣٥٥/١. = ٥٧٣ كِتَابُ فَضَائِلِ المَدِينَةِ لقد رأيت الموت قبل ذوقه إن الجبان حتفه من فوقه كالثور يحمي جلده بروقه (١) وهذا لعمرو اللخمي أخي عمرو بن عبد الملك ذكره المرزباني، وفيه رد لقول أبي عمر: لم يذكره مالك عن يحيى بن سعيد، قال أبو عمر: ورواه ابن عيينة وإسحاق، عن هشام، عن أبيه عنها، فجعل الداخل على أبي بكر وبلال وعامر رسول الله وَّه لا عائشة. وفيه: فقال: ((اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك دعاك لأهل مكة، وأنا عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة بمثل ما دعاك إبراهيم لأهل مكة، اللهم بارك لنا في مدينتنا)) الحديث، وفيه: ((وانقل وباءها إلى خُمّ والجحفة))(٢). وفي لفظ ابن إسحاق: ((وانقل وباءها إلى مهيعة))(٣). قلت: والذي في ((سيرة ابن إسحاق)) عن هشام كما في البخاري أولًا. قال: وفي رواية ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه: سمعت النبي ◌َّلل يقول: ((رأيت في المنام امرأة سوداء ثائرة الشعر (١) ((الموطأ)) ص٥٥٦ (١٨٥٩)، وليس فيه قوله: كالثور يحمي جلده بروقه. وبنحوه رواه أحمد ٦٥/٦، ٢٢١/٦- ٢٢٢، ٢٣٩/٦ - ٢٤٠، والنسائي في ((الكبرى)» ٣٦١/٤ (٧٥١٩)، وابن حبان ٤١٣/١٢ - ٤١٤ (٥٦٠٠)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٩٢/٢٢، والمزي في ((تهذيب الكمال)) ٨٣/٣٣ - ٨٤. (٢) رواه الحميدي في («مسنده)) ٢٦٨/١ - ٢٦٩ (٢٢٥) عن سفيان بن عيينة، هكذا، وفيه قوله: كالثور يحمي جلده بروقه، ورواه من طريق الحميدي أيضًا، ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٢/ ١٩٢. (٣) رواه ابن إسحاق بهذا اللفظ كما في ((سيرة ابن هشام)) ٢٢٠/٢ - ٢٢١، وانظر ((التمهيد)» ١٩١/٢٢ - ١٩٣. ٥٧٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - تفلة أخرجت من المدينة فأسكنت مهيعة، فأولتها وباء المدينة ينقله الله إلى مهيعة)) (١) وذكر ابن الكلبي أن العماليق أخرجوا بني (عبيل)(٢)، وهم إخوة عاد من يثرب، فنزلوا الجحفة، وكان اسمها مهيعة، فجاءهم سيل فأجحفهم، فسميت الجحفة. وتعليق ابن زريع وصله أبو نعيم فقال: حدثنا أبو علي الصواف، ثنا إبراهيم بن هشام(٣)، ثنا أمية بن بسطام، ثنا يزيد بن زريع، ثنا روح بلفظ: سمعت عمر وهو يقول: اللهم قتلًا في سبيلك ووفاة في بلد نبيك، قال: قلت: وأنى يكون لك هذا؟ قال: يأتي به الله جل وعلا إذا شاء. وقال الإسماعيلي: أخبرنا إبراهيم بن هاشم، ثنا أمية بن بسطام، نا يزيد بن زريع، ثنا روح بن القاسم به(٤). (١) ((التمهيد)) ١٩٣/٢٢. وهذا الحديث بهذا الإسناد رواه أحمد ١٣٧/٢، والدارمي ١٣٧٩/٢ - ١٣٨٠ (٢٢٠٧) كلاهما عن سليمان بن داود الهاشمي، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، به. والحديث سيأتي برقم (٧٠٣٨ - ٧٠٤٠) كتاب: التعبير، من طريق سليمان بن بلال وفضيل بن سليمان كلاهما عن موسى بن عقبة، به. (٢) في الأصل: عبير، والمثبت من ((فتح الباري)). (٣) كذا بالأصل، ولعل صوابه: هاشم؛ وذلك لأن طريق الإسماعيلي الذي أورده المصنف -رحمه الله- بعد جاء فيه: هاشم وكذلك -كما سيأتي- كل من وصل التعليق كالطبراني وأبي نعيم والحافظ، قال: هاشم، وأضيف أيضًا أني وجدت في ترجمة أبي علي الصواف -شيخ أبي نعيم في السند الذي ساقه المصنف- من ((السير)) ١٨٤/١٦ - ١٨٥ فيمن سمع منه: إبراهيم بن هاشم البغوي ولم أجد له شيخًا أو أحدًا سمع منه. يسمى: إبراهيم بن هشام. وكذلك في ترجمة إبراهيم بن هاشم البغوي من («تاريخ الإسلام)» ١٠٣/٢٢ أنه سمع أمية بن بسطام. والله أعلم. (٤) قلت: وصله الطبراني في ((الأوسط)) ١٥٥/٣، ١٥٩ (٢٧٩٥): حدثنا: إبراهيم بن هاشم، بإسناد الإسماعيلي سواء وباللفظ الذي ذكره المصنف، وعنه أبو نعيم الأصبهاني في «الحلية)) ١/ ٥٣- ٥٤ ومن طريقهما وصله الحافظ في ((التغليق)) ١٣٦/٣. ٥٧٥ كِتَابُ فَضَائِلِ المَدِينَةِ = وتعليق هشام وصله ابن سعد في ((طبقاته)): أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن حفصة، فذكره كما ذكره أبو نعيم قبل(١)، قال: وأخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي، حدثنا عبد الله بن عمرو، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي بردة، عن أبيه قال: رأى عوف بن مالك زمن أبي بكر رؤيا، فيها: وأن عمر شهيد مستشهد فقال عمر في خلافته لما قصها عليه ثانيًا: أنى لي بالشهادة وأنا بين ظهراني جزيرة العرب؛ لست أغزو والناس حولي، ثم قال: ويلي ويلي يأتي بها الله إن شاء الله مل(٢). إذا تقرر ذلك فالكلام على ذلك من أوجه: أحدها : قوله يعلق: ( ((روضة من رياض الجنة))) قد أسلفنا أنه يحتمل أن يكون حقيقة، وأن يكون مجازًا، وجه الأول: أن يكون الموضع الذي بين المنبر والقبر يوم القيامة في الجنة روضة، يؤيده قوله تعالى عن أهل الجنة: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَمُ وَأَنَ الْأَرْضَ نَتَّبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ﴾ [الزمر: ٧٤] فدلت أن الجنة تكون في الأرض يوم القيامة. ووجه الثاني: أن يكون معناه أن من صلى فيما بين القبر والمنبر فقد استوجب روضة في الجنة يجازى بها يوم القيامة على قصده وصلاته في (١) (الطبقات الكبرى)) ٣٣١/٣ ووصله الحافظ في ((التغليق)) ١٣٦/٣ بإسناده إلى ابن سعد. (٢) ((طبقات ابن سعد)) ٣٣١/٣. ٥٧٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - هذا الموضع كما قال ويتر: ((ارتعوا في رياض الجنة)) يعني: حلق الذكر والعلم(١)، لما كانت مؤدية إلى الجنة، ويكون معناه التحريض على (١) روي من حديث أبي هريرة وابن عمر وأنس وجابر بن عبد الله وابن عباس. أما حديث أبي هريرة فرواه الترمذي (٣٥٠٩) من طريق حميد المكي عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة مرفوعًا: ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا)» قلت: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: ((المساجد .. )) الحديث. والحديث أورده الألباني في ((الضعيفة)) (١١٥٠، ٢٧١٠) وقال: ضعيف. وأما حديث ابن عمر فرواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٣٥٤/٦، والخطيب في ((الفقيه والمتفقه)) ٩٣/١ (٣٨) بلفظ: ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا))، قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: ((حلق الذكر)). قال أبو نعيم: غريب من حديث مالك، لم نكتبه إلا من حديث محمد بن عبد الله بن عامر. والحديث أورده النووي في ((الأذكار)) (٤) عن ابن عمر بزيادة: ((فإن الله تعالى سيارات من الملائكة يطلبون حلق الذكر فإذا أتوا عليهم حفوا بهم)). قال الحافظ في ((نتائج الأفكار)) ١/ ٢١: لم أجده من حديث ابن عمر ولا بعضه لا في الكتب المشهورة ولا الأجزاء المنثورة! وانظر: ((الضعيفة)) ٢٩١/٣. وأما حديث أنس فرواه الترمذي (٣٥١٠)، وأحمد ٣/ ١٥٠، وأبو يعلى ٦/ ١٥٥ (٣٤٣٢)، وابن حبان في ((المجروحين)) ٢/ ٢٥٢، وابن عدي في ((الكامل)) ٧/ ٣١١- ٣١٢، والبيهقي في ((الشعب)) ٣٩٨/١ (٥٢٩)، والحافظ في ((نتائج الأفكار)» ١/ ٢٣ من طريق محمد بن ثابت البناني عن أبيه، عن أنس مرفوعًا: ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا)) قالوا: وما رياض الجنة، قال: ((حلق الذكر)). قال الترمذي: حديث حسن غريب من هذا الوجه من حدیث ثابت عن أنس، وقال في ((العلل الكبير)) ٧٩٧/٢: سألت محمدًا عن هذا الحديث فلم يعرف شيئًا، وقال: لمحمد بن ثابت عجائب. وقال الحافظ في ((النتائج)): حديث غريب. وتابع محمد بن ثابت زائدة بن أبي الرقاد عن زياد النميري، رواه البزار كما في (كشف الأستار)) (٣٠٦٣)، والطبراني في ((الدعاء)) ١٦٤٣/٣ - ١٦٤٤ (١٨٩٠)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٢٦٨/٦، والخطيب في ((الفقيه)) (٣٩)، والحافظ في ((النتائج)) ٢٤/١ وقال: غريب من هذا الوجه، وهي متابعة جيدة. = ٥٧٧ = ڪِتَابُ فَضَائِلِ المَدِينَةِ زيارة قبره وي(١)، والصلاة في مسجده، وكذلك يدل قوله: ((صلاة في وحديث أنس هذا ضعفه الألباني من طريقيه في ((الضعيفة)) ٢٩٠/٣ - ٢٩١. = وأما حديث جابر فرواه عبد بن حميد فى ((المنتخب)) ٥٤/٣ (١١٠٥)، والبزار كما في ((الكشف)» (٣٠٦٤)، وأبو يعلى ٣/ ٣٩٠ (١٨٦٥)، ١٠٦/٤ (٢١٣٨)، وابن حبان في ((المجروحين)) ٨١/٢، والطبراني في ((الدعاء)) ١٦٤٤/٣ (١٨٩١)، والحاكم في ((المستدرك)) ٤٩٤/١ - ٤٩٥، والبيهقي في ((الشعب)) ٣٩٧/١ - ٣٩٨ (٥٢٨)، وفي ((الدعوات الكبير)) (٦)، والحافظ في ((النتائج)) ٢٢/١ من طريق عمر بن عبد الله، عن أيوب بن خالد بن صفوان عن جابر قال: خرج علينا رسول الله ◌َل فقال: ((إن الله ريك سرايا من الملائكة تحل وتقف على مجالس الذكر في الأرض، فارتعوا في رياض الجنة .. )) الحديث. قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الحافظ ٢٣/١: هذا حديث غريب، صححه الحاكم فوهم؛ فإن مداره على عمر بن عبد الله، وهو ضعيف. وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٧٧/١٠: فيه عمر بن عبد الله، وقد وثقه غیر واحد، وضعفه جماعة وبقية رجالهم رجال الصحيح. وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٦٢٠٥). وأورد حديث أنس وابن عمر وأبي هريرة وجابر وصححه بمجموع طرقه في ((الصحيحة)) (٢٥٦٢)، فلينظر، ففي ذيل التخريج فائدة هامة. وأما حديث ابن عباس فرواه الطبراني ٩٥/١١ (١١١٥٨) بلفظ: ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا))، قيل: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: ((مجالس العلم)). قال الهيثمي في ((المجمع)) ١٢٦/١: فيه رجل لم يسم. وفي الباب أيضًا عن ابن عمرو وابن مسعود، رواه عنهما الخطيب في ((الفقيه)) (٤١ - ٤٢) لكن إسنادهما ضعيف. والله أعلم. (١) قلت: هُذِه مجازفة وكلام فيه نظر؛ فسئل شيخ الإسلام ومفتي الأنام والعالم العامل الزاهد الورع ناصر السنة وقامع البدعة، تقي الدين أبو العباس ابن تيمية: هل صح عن النبي وَّ ر أنه قال: ((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) أم لا؟ وهل صح في فضل زيارة قبر النبي وَالر شيء من الأحاديث أم لا؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين، الزيارة تنقسم إلى قسمين: زيارة شرعية، وزيارة بدعية. = ٥٧٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه))(١) على الحض والندب على قصده والصلاة فيه والزيارة له، وقد بسطنا القول في ذلك في فضل ما بين القبر والمنبر فراجعه منه(٢). الثاني : قول عمر: (اللهم اجعل موتي في بلد رسولك)، احتج به من فضل المدينة، وقالوا: لو علم عمر بلدة أفضل من المدينة لدعا ربه أن يجعل = فالزيارة الشرعية، السلام على الميت والدعاء له. وأما الزيارة البدعية: فمن جنس زيارة اليهود والنصارى وأهل البدع الذين يتخذون قبور الأنبياء والصالحين مساجد، وقد استفاض عن النبي وَله في الكتب الصحاح وغيرها أنه قال عند موته: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) يحذر ما فعلوا، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدًا. فالزيارة البدعية مثل قصد قبر بعض الأنبياء والصالحين للصلاة عنده أو الدعاء عنده أو به، أو طلب الحوائج منه، ونحو ذلك هو من البدع التي لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان أ هـ ((مجموع الفتاوى)) (٣٣٣/٢٤- ٣٣٥). بتصرف. وقال في موضع آخر (٣٥٦/٢٤-٣٥٩): الحديث المذكور في زيارة قبر النبي وس فر فهو ضعيف. وليس في زيارة قبر النبي ◌َّهر حديث حسن ولا صحيح، بل عامة ما يروى في ذلك أحاديث مكذوبة موضوعة. ثم قال: كره مالك أن يقول الرجل: زرت قبر النبي ◌ّ﴿ ومالك قد أدرك الناس من التابعين، وهم أعلم الناس بهذِه المسألة، فدل على أنه لم تكن تعرف عندهم ألفاظ زيارة قبر النبي بَّه. وقال: فلا يمكن أحدًا أن يروي بإسناد ثابت عن النبي ◌َّه، ولا عن أصحابه شيئا في زيارة قبر النبي ◌َّه ، بل الثابت عنه في الصحيحين يناقض المعنى الفاسد الذي ترويه الجهال: بهذا اللفظ، كقوله بسير: ((لا تتخذوا قبري عيدا)). اهـ بتصرف. وقال في موضع آخر (١٦/٢٧): كل حديث يروى في زيارة قبر النبي بَّ فإنه ضعيف بل موضوع. (١) سلف برقم (١١٩٠)، ورواه مسلم (١٣٩٤). (٢) راجع حديثي (١١٩٥ - ١١٩٦) كتاب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب: فضل ما بين القبر والمنبر. ٥٧٩ = ڪِتَابُ فَضَائِلِ المَدِينَةِ موته وقبره فيها، وكان مما استدل به على فضلها أن الله تعالى لما أختارها لنبيه علم أنه لم يختر له إلا أفضل البقاع. وقد جاء أن ابن آدم إنما يدفن في التربة التي خلق منها، وقد سلف ذلك(١). الثالث : حديث عائشة ووعك أبي بكر وبلال وإنشادهما في ذلك، فإن الله تعالى لما ابتلى نبيه بالهجرة وفراق الوطن ابتلى أصحابه بما يكرهون من الأمراض التي تؤلمهم، فتكلم كل إنسان حسب علمه ويقينه بعواقب الأمور فتعزى الصديق عند أخذ الحمى له بما ينزل به من الموت في صباحه ومسائه، ورأى أن ذلك شامل للخلق، فلذلك قال: كل أمرئ مصبح في أهله يعني: تصبحه الآفات وتمسيه وأما بلال فإنه تمنى الرجوع إلى مكة وطنه الذي اعتاده ودامت فيه صحته، فبان فضل الصديق وعلمه بسرعة فناء الدنيا حتى مثل الموت بشراك نعله، فلما رأى الشيخ وما نزل بأصحابه من الحمى والوباء خشي منهم كراهية البلد؛ لما في النفوس من استثقال ما تكرهه، فدعا ربه تعالى في رفع الوباء عنهم، وأن يحبب إليهم المدينة كحبهم مكة أو أشد، فدل ذلك أن أسباب التحبيب والتكرمة بيد الله تعالى وهبة منه يهبها لمن يشاء، وفي هذا حجة واضحة على من كذب بالقدر إذ الذي ملك النفوس فيحبب إليها ما أحب ويكره إليها (١) تقدم تخريجه باستفاضة في حديث (١٨٧١) عن أبي سعيد الخدري وابن عمر، وعنهما صححه الألباني في ((الصحيحة)) (١٨٥٨) وتقدم تكملة تخريجه عن ابن مسعود وعبد الله سوار وابن عباس موقوفًا، في حديث (١٨٨٣) ولكنها طرق ضعيفة. ٥٨٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ما أكره هو الرب جل جلاله، فأجاب الله دعوة نبيه، فأحبوها حبا دام في نفوسهم حتى ماتوا عليه، وفيه رد على الصوفية إذ قالوا: إن الولي لا تتم ولايته إلا إذا تم له الرضى بجميع ما نزل به، ولا يدعو الله في كشف ذلك عنه، فإن دعا فليس في الولاية كاملًا. وقد أزروا في قولهم هذا بنبيه وأصحابه، وقد كان ◌َ﴿ إذا نزل به شيء يكثر عليه الرقى والدعاء في کشفه(١). وفيه: أن الله تعالی أباح للمؤمن أن يسأل ربه صحة جسمه، وذهاب الآفات عنه إذا نزلت به، كسؤاله إياه في الرزق والنصر، وليس في دعاء المؤمن ورغبته في ذلك إلى الله لوم ولا قدح في دينه، وکان من دعائه ** كثيرًا ((وقوتي في سبيلك))(٢). (١) من ذلك ما سلف برقم (٢٤٠)، ورواه مسلم (١٧٩٤) عن عبد الله بن مسعود، في قصة وضع كفار قريش سلى الجزور على ظهره الشريف وَلطفي، الحديث، وفيه: فرفع وَ يهز رأسه ثم قال: ((اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بأبي جهل، وعليك بعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة .. )) الحديث. ومن ذلك أيضًا ما روا مسلم (١٧٦٣) عن عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر، نظر رسول الله وَله إلى المشركين .. الحديث، وفيه: فجعل يهتف بربه: ((اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتٍ ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذا العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض))، فما زال يهتف بربه، مادًّا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبه .. الحديث. ومن ذلك أيضًا ما سلف برقم (١٠٠٣) عن أنس قال: قنت النبي ◌َّ و شهرًا يدعو على رعل وذكوان، ومن ذلك أيضا ما سلف برقم (٩٣٣)، وغير ذلك مما لا ينفسح المجال لذكره، فهي مسألة تستحق أن تفرد بالبحث أو التأليف. (٢) روى مالك في ((الموطأ)) ص١٤٩ عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن رسول الله و # كان يدعو فيقول: ((اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكنًا والشمس والقمر حسبانًا، آقض عني الدين وأغنني من الفقر، وأمتعني بسمعي، وبصري، وقوتي في سبيلك)). ورواه ابن أبي شيبة ٦/ ٢٥ (٢٩١٨٤) عن أبي خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، =