Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ كِتَابُ فَضَائِلِ المَدِينَةِ ومعنى الحديث: من أراد الله مك نقص حظه من الأجر قيضه للخروج منها؛ رغبة عنها. قال ابن عبد البر: وأراد شرارهم، ألا ترى أنه مثل ذلك وشبهه بما يصنع الكير في الحديد، والكير إنما ينفي رديء الحديد، وخبثه ولا ينفي جيده. قال: وهذا عندي -والله أعلم- إنما كان في حياته، فحينئذ لم يكن يخرج من المدينة؛ رغبة عن جواره فيها إلا من لا خير فيه، وأما بعد وفاته فقد خرج منها الخيار والفضلاء والأبرار(١). وكذا قال القاضي: الأظهر أنه يختص بزمنه؛ لأنه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام معه إلا من ثبت إيمانه(٢). قال النووي: وهذا ليس بظاهر؛ لأن في ((صحيح مسلم)): ((لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد))(٣) وهذا -والله أعلم- زمن الدجال (٤). والكير هو قار الحديد والصائغ، وليس الجلد الذي تسميه العامة كيرًا، قال أهل العلم باللغة: ومنه حديث أبي أمامة وأبي ريحانة مرفوعًا: ((الحمى كير من جهنم، وهي نصيب المؤمن من النار))(٥). (١) ((التمهيد)) ١٧١/٢٣. (٢) ((إكمال المعلم)) ٤/ ٥٠٠. (٣) مسلم (١٣٨١). (٤) ((شرح صحيح مسلم)) ٩/ ١٥٤. (٥) حديث أبي أمامة رواه أحمد ٥/ ٢٥٢، ٢٦٤، وأحمد بن منيع في ((مسنده)) كما في ((إتحاف الخيرة المهرة)) ٤١٤/٤ (٣٨٥٣)، والروياني في ((مسنده)) ٣١٢/٢ (١٢٦٩)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) ٣٦٨/٧ - ٣٦٩ (٥٣٥٥- تحفة)، والطبراني ٩٣/٨ (٧٤٦٨)، والبيهقي في ((الشعب)) ١٦١/٧ (٩٨٤٣)، والخطيب في ((تالي التلخيص)) ٣٦٢/٢ (٢١٨)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ٣٥٩/٦، = ٥٢٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وفي ((المحكم)): الكير: الزق الذي ينفخ فيه الحداد، والجمع: أكيار وكيرة. وأما ثعلب فقال في ((تفسيره)) مقاديم كيران ضخام الأرانب: إن مقاديم الكيران تسوَد من النار، فكسّر کیرًا على كيران. قال: وليس ذلك بمعروف في كتب اللغة، إنما الكيران جمع الكور، وهو الرحل. ولعل ثعلبًا إنما قال: مقاديم الأكيار(١). قلت: قد ذكر ابن دريد وغيره أكيارًا في الجمع. وفي ((الجامع)) للقزاز: الكير هو الذي ينفخ فيه؛ ولذلك قال الشاعر: كير مستعار، وإنما يريد الزق. وقال قوم: الكير: الزق، والكور: هو البناء، وأنكره أكثرهم. وفي الحديث ما يدل على صحة اللغتين. وفي ((الصحاح)) و((المجمل)): عن أبي عمرو: كير الحداد، هو زق أو جلد غليظ ذو حافات(٢). وقال ابن التين: إنه الفرن المبني يحمى، فيخرج منه خبث الحديد، وفيه لغتان: كير وكور، ثم ذكر ما نقله القزاز السالف قبل، والصواب أن يكون الكير المذكور في الحديث الفرن؛ لأنه هو الذي يسبك فيه الحدید، ففیه یخرج الخبث. = ١٧١/٢٣، والمزي في ((التهذيب)) ٤١٤/٣٣- ٤١٥، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٣٠٥/٢ فيه أبو حصين الفلسطيني ولم أر له راويًا غير محمد بن مطرف. وانظر: ((الصحيحة)) (١٨٨٢) وحديث أبي ريحانة رواه البخاري في ((التاريخ الكبير)) ٧/ ٦٣، والطحاوي ٣٦٩/٧ (٥٣٥٦ - تحفة)، وابن قانع في ((معجم الصحابة)) ٣٤٥/١، والبيهقي في ((الشعب)) ١٦١/٧ - ١٦٢ (٩٨٤٦)، وابن عبد البر ٣٦٠/٦. قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في ((التخويف من النار)) ص٢٥١: حديث: ((الحمى حظ المؤمن من النار)). إسناده ضعيف. وانظر ((الصحيحة)) (١٨٨٢). (١) ((المحكم)) ٧/ ٨١. (٢) ((الصحاح)) ٨١١/٢، ((المجمل)) ٧٧٤/٣. ٥٢٣ = ڪِتَابُ فَضَائِلِ المَدِينَةِ ومثله الحديث الآخر: ((مثل الجليس السوء كمثل صاحب الكير، إن لم يلحقك شرره لحقك نتنه)) (١) قال أبو عبد الله بن أبي صفرة: هذا الحديث حجة لمن فضَّل المدينة على مكة؛ لأنها هي التي أدخلت مكة وسائر القرى في الإسلام، فصارت القرى ومكة في صحائف أهل المدينة، وإليه ذهب مالك وأهل المدينة، وروي عن أحمد خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، وقد أوضحنا المسألة في باب: فضل مسجد مكة والمدينة، فراجعه. قال أبو محمد ابن حزم: روى القطع بتفضيل مكة على المدينة عن سيدنا رسول الله ويليه جابر وأبو هريرة وابن عمر وابن الزبير وعبد الله بن عدي -منهم ثلاثة مدنيون- بأسانيد في غاية الصحة (٢)، قال: وهو قول (١) سيأتي برقم (٢١٠١) كتاب: البيوع، باب: في العطار وبيع المسك، ورواه مسلم (٢٦٢٨) كتاب: البر والصلة، باب: استحباب مجالسة الصالحين. من حديث أبي موسى الأشعري. (٢) حديث جابر رواه ابن ماجه (١٤٠٦) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في فضل الصلاة في المسجد الحرام ومسجد النبي ◌ٍَّ، وأحمد ٣٤٣/٣، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) ((تحفة)) ٤٣٧/١ (٤٢٣)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ٦/ ٢٧. بلفظ: ((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه)). قال البوصيري في ((مصباح الزجاجة)) ١٣/٢: إسناده صحيح، رجاله ثقات، وصححه الألباني في ((صحيح ابن ماجه)) (١١٥٥). وحديث أبي هريرة رواه النسائي في ((الکبری)) ٢/ ٤٨٠ (٤٢٥٤)، وأبو يعلى ١٠/ ٣٦٢ (٥٩٥٤) أن رسول الله وَّر قال وهو بسوق في مكة: ((والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت)). وحديث ابن عمر رواه الطبراني ٣٦١/١٢ - ٣٦٢ (١٣٣٤٧) بنحو حديث أبي هريرة. = ٥٢٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = جماعة الصحابة وجمهور العلماء(١). واحتج (٢) مقلدو مالك بأخبار ثابتة، منها قوله: ((إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم))(٣). = وحديث ابن الزبير رواه أحمد ٥/٤، وعبد بن حميد في ((المنتخب)) ٤٦٥/١ (٥٢٠)، والفاكهي في ((أخبار مكة)) ٨٩/٢ - ٩٠ (١١٨٣)، والبزار كما في ((الكشف)) (٤٢٥)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) كما في ((التحفة)) ٤٣٦/١ (٤٢١)، وابن حبان ٤٩٩/٤ (١٦٢٠)، وابن عدي في ((الكامل)) ٣٢٢/٣ -٣٢٣، والبيهقي ٢٤٦/٥، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٤/٦ - ٢٥. بنحو حديث جابر. قال الهيثمي في ((المجمع)) ٤/٤- ٥: رواه أحمد والبزار والطبراني، ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح. والحديث أصله سلف برقم (١١٩٠)، ورواه مسلم (١٣٩٤). وحديث عبد الله بن عدي، رواه الترمذي (٣٩٢٥) كتاب: المناقب، باب: في فضل مكة، وابن ماجه (٣١٠٨) كتاب: المناسك، باب: فضل مكة، وأحمد ٤/ ٣٠٥، والدارمي ١٦٢٣/٣ - ١٦٣٣ (٢٥٥٢) كتاب: السير، باب: إخراج النبي * من مكة، ويعقوب بن سفيان في ((المعرفة والتاريخ)) ٢٤٤/١ - ٢٤٥، والفاكهي ٢٠٦/٤ - ٢٠٧ (٢٥١٤)، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) ١/ ٤٤٧- ٤٤٨ (٦٢١ - ٦٢٢)، والنسائي في ((الكبرى)) ٤٧٩/٢ - ٤٨٠ (٤٢٥٢- ٤٢٥٣)، وابن حبان ٢٢/٩ (٣٧٠٨)، والحاكم ٢٨٠/٣، وابن عبد البر في (التمهيد)) ٢٨٩/٢، والمزي في ((التهذيب)) ٢٩١/١٥ - ٢٩٢. بنحو حديث أبي هريرة. وهذا الحديث أشار الترمذي إلى صحته، وكذا أبو حاتم وأبو زرعة كما في «العلل)) ٢٨٠/١ (٨٣٠)، وصححه الألباني في ((الثمر المستطاب)) ٥٠٩/١. (١) «المحلى)) ٢٩٠/٧. (٢) من هذا الموضع هو من كلام ابن حزم، وسيطيل المصنف - رحمه الله- النفس في النقل عنه، وأحيانًا يتكلم المصنف في أثناء كلام ابن حزم، ويصدره بقوله: قلت: ثم يستكمل النقل عنه. انظر: ((المحلى)) ٢٧٩/٧ - ٢٨٩. (٣) سيأتي برقم (٢١٢٩) كتاب: البيوع، باب: بركة صاع النبي وَّر، ورواه مسلم (١٣٦٢) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة، من حديث جابر. ٥٢٥ كِتَابُ فَضَائِلِ المَدِينَةِ وهذا لا حجة لهم فيه، إنما فيه الحرمة فقط، وبقوله: ((اللهم بارك لنا في تمرنا ومدنا)»(١) وبقوله: ((اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة)) (٢) ولا حجة فيه، إنما فيه الدعاء للمدينة، وليس من باب الفضل في شيء، وبقوله: ((المدينة كالكير)) (٣) ولا حجة فيه؛ لأن هذا إنما هو في وقت دون وقت، وقوم دون قوم، وخاص دون عام، وبقوله في النسائي: ((ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا المدينة ومكة)» (٤) ومعنى وطئه: أَمره وتقويه، لا يمكن غير هذا تفسير لما أسلفناه. قلت: لكن ظاهر حديث فاطمة بنت قيس في مسلم: ((فلا يدع قرية إلا هبطها))(٥) يخالفه، وفي ((الأوسط)) للطبراني من حديث أبي هريرة وابن عمر مرفوعا ((ينزل الدجال خندق المدينة، فأول من يتبعه النساء والإماء)) الحديث(٦). (١) يأتي برقم (١٨٨٩) كتاب: فضائل المدينة، باب: كراهية النبي ◌َّر أن تعرى المدينة، ورواه مسلم (١٣٧٦) كتاب: الحج، باب: الترغيب في سكنى المدينة. من حديث عائشة. (٢) يأتي برقم (١٨٨٥) كتاب: فضائل المدينة، ورواه مسلم (١٣٦٩) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة، من حديث أنس. (٣) يأتي برقم (١٨٨٣) كتاب: فضائل المدينة، باب: المدينة تنفي الخبث، ورواه مسلم (١٣٨٣) كتاب: الحج، باب: المدينة تنفي شرارها، من حديث جابر. (٤) يأتي برقم (١٨٨١) كتاب: فضائل المدينة، باب: لا يدخل الدجال المدينة، ورواه مسلم (٢٩٤٣) كتاب: الفتن، باب: قصة الجساسة، والنسائي في ((الكبرى)» ٤٨٥/٢ (٤٢٧٤) كتاب: الحج، باب: منع الدجال من المدينة. من حديث أنس. (٥) مسلم (٢٩٤٢) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: قصة الجساسة. (٦) حديث ابن عمر رواه أحمد ٦٧/٢، والطبراني في ((الكبير)) ٣٠٧/١٢-٣٠٨ = ٥٢٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وفي حديث النواس بن سمعان في الصحيح: شدة إسراعه(١). وبقوله: (والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون))(٢) وهذا إنما هو إخبار أنها لهم خير من اليمن والشام والعراق، وهو أيضًا في خاص لا عام. وبقوله: ( تَأْكُلُ القُرى)) ) وهذا إنما هو المدينة تفتح الدنيا، وقد فتحت خرسان وسجستان وفارس وكرمان من البصرة وليس في ذلك دلالة على فضل البصرة على مكة، وبقوله: ((إن الإيمان يأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها)»(٣) وهذا إنما هو خبر عن وقت دون وقت، وفيه زيادة توضح لو صح ما ذكرناه رواها مسلم: ((إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها)»(٤) ففيه بيان أن الإيمان يأرز بين المسجدين: مسجد مكة والمدينة، وبقول أنس: كان ◌َ﴿ إذا قدم من سفر فنظر إلى جدرات المدينة أوضع راحلته من حبها (٥)، وهذا ليس = (١٣١٩٧)، ((الأوسط)) ٢٤٦/٤ (٤٠٩٩) وقال الهيثمي في («المجمع» ٣٤٧/٧: في الصحيح بعضه، رواه أحمد، والطبراني في ((الأوسط))، وفيه ابن إسحاق، وهو مدلس، وقال الألباني في «قصة المسيخ الدجال» ص٨٨: إسناده حسن لولا عنعنة محمد بن إسحاق. وحديث أبي هريرة رواه الطبراني في ((الأوسط)) ٣٣١/٥- ٣٣٢ (٥٤٦٥)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٣٤٩/٧: رجاله رجال الصحيح، غير عقبة بن مكرم الضبي، وهو ثقة. (١) رواه مسلم (٢٩٣٧) كتاب: الفتن، باب: ذكر الدجال، وفيه أن سرعته كالغيث استدبرته الربح. (٢) سيأتي قريبًا برقم (١٨٧٥). (٣) سيأتي قريبًا برقم (١٨٧٦). (٤) مسلم (١٤٦) كتاب: الإيمان، باب: بيان أن الإسلام بدأ غريبًا. (٥) سيأتي برقم (١٨٨٦) كتاب: فضائل المدينة. ٥٢٧ كِتَابُ فَضَائِلِ المَدِينَةِ فيه إلا حبها فقط، وبقوله: ((لا يكيد أحد أهل المدينة إلا أنماع كما ينماع الملح في الماء))(١) وقال: ((لا يريد أحد أهل المدينة بشر إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص)) (٢) ((ومن أخاف أهل المدينة أخافه الله))(٣) وقال مثل هُذا فيمن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا، وهذا إنما فيه الوعيد لمن كاد أهلها، ولا يحل كيد مسلم، وبقوله: ((لا يثبت على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة))(٤). وإنما فيه الحث على الثبات على شدتها، وأنه يكون له شفيعًا، وقد صح أنه شفيع لجميع أمته(٥)، وبقوله: ((اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد))(٦) وإنما هذا دعاء لا تفضيل، وبقوله: ((لقاب قوس أحدكم (١) سيأتي قريبًا برقم (١٨٧٧). (٢) رواه مسلم (١٣٦٣) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة، من حديث سعد بن أبي وقاص. (٣) رواه أحمد ٥٥/٤- ٥٦، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) ٤/ ١٧١ (٢١٥٢)، والنسائي في ((الكبرى)) ٤٨٣/٢ (٤٢٦٥ - ٤٢٦٦)، وابن قانع في ((معجم الصحابة)) ٢٩٩/١، والطبراني ١٤٣/٧ - ١٤٤ (٦٦٣١ - ٦٦٣٧)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٣٧٢/١ من حديث عطاء بن يسار عن السائب بن خلاد. ورواه ابن حبان ٩/ ٥٥ (٣٧٣٨) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة. من حديث محمد بن جابر بن عبد الله، عن أبيه جابر بن عبد الله الأنصاري. والحديث صححه الألباني في ((الصحيحة)) (٢٣٠٤، ٣٦٧١). (٤) رواه مسلم (١٣٧٨) كتاب: الحج، باب: الترغيب في سكنى المدينة، من حديث أبي هريرة. (٥) حديث الشفاعة سيأتي برقم (٦٥٦٥) كتاب: الرقاق، باب: صفة الجنة والنار، ورواه مسلم (١٩٣) كتاب: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة، من حديث أنس. (٦) سيأتي برقم (١٨٨٩) كتاب: فضائل المدينة، باب (١٢)، ورواه مسلم (١٣٧٦) كتاب: الحج، باب: الترغيب في سكنى المدينة والصبر على لأوائها. من حديث عائشة. ٥٢٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = من الجنة خير من الدنيا وما فيها))(١) وقال أيضًا: ((ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي)) (٢) وأرادوا أن يبينوا من هذا أن مكة من الدنيا كموضع قاب قوس من تلك الروضة خير من مكة، وليس كما ظنوه، ولو كانت كذلك لكانت مصر والكوفة وهيت(٣) خيرًا من مكة والمدينة؛ لأنه قد صح أنه قال: ((سيحان وجيحان والفرات والنيل من أنهار الجنة))(٤)(٥) وهذا ما لا يجوز قوله، وليس هذان الحديثان كما يظنه بعض الأغبياء أن تلك الروضة قطعة مقتطعة من الجنة، وأن هذِه الأنهار تهبط من الجنة، وهذا باطل؛ لأن الله تعالى يقول في الجنة: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَّجُوعَ فِيَهَا وَلَا تَعْرَى الآية [طه: ١١٨]. فهذِه صفة الجنة بلا شك، وليست هذه صفة الأنهار المذكورة (١) سيأتي برقم (٢٧٩٣) كتاب: الجهاد، باب: الغدوة والروحة في سبيل الله، من حديث أبي هريرة. (٢) سيأتي برقم (١١٩٦) كتاب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، ورواه مسلم (١٣٩١) كتاب: الحج، باب: ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة، من حديث أبي هريرة. (٣) بكسر أوله، وبالتاء المعجمة باثنتين من فوقها، مدنية مذكورة في تجديد العراق، وهي على شاطئ الفرات، والهيت: الهوة، وسميت هيت؛ لأنها في هوة. ((معجم ما استعجم)) (٤/ ١٣٥٧)، وانظر: ((معجم البلدان)) (٤٢٠/٥-٤٢١). (٤) ورد بهامش الأصل: من خط الشيخ في الهامش: روى البخاري من حديث مقاتل عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا: ((أنزل الله إلى الأرض خمسة أنهار - بزيادة: دجلة- من عين واحدة من عيون الجنة في أسفل درجة من درجاتها على جناح جبريل، ثم يرفع عنه خروج ما خرج إلى السماء)). (٥) رواه مسلم (٢٨٣٩) كتاب: الجنة، باب: ما في الدنيا من أنهار الجنة. من حديث أبي هريرة. ٥٢٩ كِتَابُ فَضَائِلِ المَدِينَةِ ولا تلك الروضة، فصح أن قوله: ((من الجنة)) إنما هو لفضلها، وأن الصلاة فيها تؤدي إلى الجنة، وأن تلك الأنهار لبركتها أضيفت إلى الجنة كما تقول في اليوم الطيب: هذا من أيام الجنة. وكما قيل في الضأن: إنها من دواب الجنة. قلت: قد أخرجه ابن ماجه من طريق ابن عمر، والبزار من طريق جابر: ((أحنوا إلى المعز فإنها من دواب الجنة))(١) ومن طريق أم هانئ في ((الأوسط)) نحوه، وكما قال ◌َّ ى: ((الجنة تحت ظلال السيوف))(٢) فهذا في أرض الكفر بلا شك، وليس في هذا فضل لها على مكة، ثم لو صح ما أدعوه لما كان الفضل إلا لتلك الروضة خاصة لا لسائر المدينة (٣)، (١) رواه ابن ماجه (٢٣٠٦) كتاب: التجارات، باب: أتخاذ الماشية، من حديث ابن عمر مرفوعًا: ((الشاة من دواب الجنة))، وقال البوصيري في ((الزوائد» ص٣١٥ (٧٦٦): هُذا إسناد فيه زربي بن عبد الله بن يحيى الأزدي، وهو متفق على ضعفه، ورواه ابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) ١٧٤/٢ (١١٠٢) وقال: هذا حديث لا يصح، قال ابن حبان: زربي يروي ما لا أصل له. وروى نحوه من حديث أبي هريرة مرفوعًا، مالك في ((الموطأ) ص ٥٨٠، وأحمد ٤٣٦/٢، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٥٧٢)، والبزار كما في ((كشف الأستار)) (٤٤٤)، والطبراني في ((الأوسط)) ٢٩١/٥ (٥٣٤٦)، والبيهقي ٤٤٩/٢ - ٤٥٠ كتاب: الصلاة. وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٧/٢: رواه البزار وفيه عبد الله بن جعفر بن نجیح وهو ضعيف، وقال أحمد بن عدي: یکتب حديثه ولا يحتج به. والحديث صححه الألباني في ((الصحيحة)) (١١٢٨). (٢) سيأتي برقم (٢٨١٨) كتاب: الجهاد والسير، باب: الجنة تحت بارقة السيوف، ورواه مسلم (١٧٤٢) كتاب: الجهاد والسير، باب: كراهية تمني لقاء العدو. من حديث عبد الله بن أبي أوفى. (٣) ورد بهامش الأصل: تنبيه: أفضل الأرض إذ فيها سيد الأولين والآخرين وقد صحح الحاكم من حديث أبي سعيد ((إن المرء يدفن في التربة التي خلق منها)) والأصل أن تربته أفضل الترب. ٥٣٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وهذا خلاف قولهم، فإن قالوا: ما قرب منها أفضل مما بعد. قلنا : فلزمكم أن تقولوا: الجحفة ووادي القرى وخيبر أفضل من مكة؛ لأنها أقرب من تلك الروضة إلى مكة، وهذا لا يقولونه. وقد روينا من طريق النسائي من حديث عطاء بن السائب عن ابن جبير، عن ابن عباس يرفعه: ((إن الحجر الأسود من الجنة))(١) فهذا بمكة كالذي بالمدينة أنه في كل منهما شيء من الجنة. واحتجوا أيضًا بقوله: ((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)) (٢) وتأولوه أن الصلاة في مسجد المدينة أفضل من مكة بدون ((ألف)). وقلنا نحن: بل هذا الاستثناء؛ لأن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجد المدينة، وكلاهما محتمل. (١) (سنن النسائي)) ٢٢٦/٥ ومن هذا الطريق ورواه أيضًا الترمذي (٨٧٧) كتاب: الحج، باب: بما جاء في فضل الحجر الأسود والركن والمقام، وأحمد ٣٠٧/١، ٣٢٩، ٣٧٣، وابن عدي ٥٥/٣، والبيهقي في ((الشعب)) ٤٥/٣ (٤٠٣٤)، والخطيب ٧/ ٣٦٢. بلفظ: ((نزل الحجر الأسود من الجنة، أشد بياضًا من الثلج فسودته خطايا بني آدم)). قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وعنده: اللبن، مكان: الثلج، قال الألباني في ((الصحيحة)) ٢٣٠/٦: هو شاذ عندي لمخالفته للفظ الجماعة. وصحح الحديث أيضًا ابن خزيمة ٢١٩/٤ (٢٧٣٣)، وقال الحافظ في ((الفتح)) ٣/ ٤٦٢: فيه عطاء بن السائب وهو صروم، ولكنه اختلط، وحماد ممن سمع من عطاء قبل الاختلاط. قلت: حماد بن سلمة هو راويه هنا عن عطاء. وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٢٦١٨). (٢) سلف برقم (١١٩٠) كتاب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، ورواه مسلم (١٣٩٤) كتاب: الحج، باب: فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة. ٥٣١ كِتَابُ فَضَائِلِ المَدِينَةِ وفيه: تأويل ثالث وهو: ((إلا المسجد الحرام)) فإن الصلاة فيهما سواء، فلا يجوز المصير إلى أحد هذه التأويلات دون الآخر إلا بنص آخر. وبقوله: ((لا يدخلها الطاعون)) (١) وليس فيه تفضيل عليها؛ لأنه أخبر أن مكة لا يدخلها الدجال أيضًا(٢) - قلت: الكلام في الطاعون، مع أنه ورد بإسناد ضعيف أنها لا يدخلها طاعون أيضًا(٣)- وبقوله: ((هي طيبة)) (٤) وما لهم خبر صحيح سوى ما ذكر، وكلها لا حجة في شيء منها على ما بينا. واحتجوا بالخبر الصحيح أن عمر قال لعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة : أنت القائل: لمكة خير من المدينة؟ فقال له عبد الله: هي حرم الله وأمنه، وفيها بيته، فقال له عمر: لا أقول في حرم الله ولا بيته شيئًا (٥). (١) حديث يأتي برقم (١٨٨٠) كتاب: فضائل المدينة، باب: لا يدخل الدجال المدينة، ورواه مسلم (١٣٧٩) كتاب: الحج، باب: صيانة المدينة من دخول الطاعون والدجال إليها. (٢) يأتي أيضًا برقم (١٨٨١)، ورواه مسلم (٢٩٤٣) كتاب: الفتن، باب: قصة الجساسة، من حديث أنس. (٣) رواه أحمد ٤٨٣/٢ من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة، على كل نقب منها ملك، لا يدخلها الدجال ولا الطاعون)). قال الهيثمي في ((المجمع)) ٣٠٩/٣: رجاله ثقات. وأخرجه أيضًا ابن شبة في ((تاريخ مكة)) كما في ((الفتح)) ١٩١/١٠، وقال: رجاله رجال الصحيح وذكره ابن كثير في كتاب ((الفتن والملاحم)) ص٨٩ من طريق أحمد، وقال: هذا غريب جدًّا، وذكر مكة في هذا ليس بمحفوظ. (٤) قطعة من حديث سيأتي برقم (٤٠٥٠) كتاب: المغازي، باب: غزوة أحد، ورواه مسلم (١٣٨٤) كتاب: الحج، باب: المدينة تنفي شرارها، من حديث زيد بن ثابت. (٥) رواه مالك ص٥٥٧، والفاكهي وفي ((أخبار مكة)) ٢٦٢/٢. ٥٣٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وهُذا حجة عليهم لا لهم؛ لأن ابن عياش لم ينكر لعمر أنه قال ما قرره عليه بل احتج لقوله ذلك بما لم يعترض فيه، فصح أن ابن عياش -وهو صحابي(١) - كان يقول بأن مكة أفضل من المدينة، وليس في قول عمر تفضيل لإحداهما على الأخرى وإنما فيه تقرير عبد الله على قوله فقط ونحن نوجدهم عن عمر تصريحًا بأن مكة أفضل منها، ثم ساق بإسناده عنه: ((صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجد رسول الله))(٢) قال: وهذا سند كالشمس في الصحة، فهذان صاحبان لا يعرف لهما من الصحابة مخالف، ومثل هُذا حجة عندهم. وعن ابن المسيب: من نذر أن يعتكف في مسجد إيلياء فاعتكف في مسجد المدينة أجزأ عنه، ومن نذر أن يعتكف في مسجد المدينة فاعتكف في المسجد الحرام أجزا عنه (٣) فهذا فقيه أهل المدينة يفضل مكة على المدينة . قال: واحتجوا بأحاديث موضوعة يجب التنبيه عليها والتحذير منها، منها: أنه رأى رجلا دفن بالمدينة فقال: ((لمن تربتها خلق)) وهو خبر موضوع بسبب ابن زبالة، وهو ساقط بالجملة متفق على إطراحه (٤)، (١) يكنى أبا الحارث، حفظ عن النبي وَّه وروى عنه، وذكر أنه ولد بأرض الحبشة، واسم جده - أبي ربيعة: عمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. أنظر تمام ترجمته في: ((معرفة الصحابة)) ١٧٣٩/٣ (١٧٢١)، ((الاستيعاب)) ٣/ ٩٠ (١٦٤٦)، ((أسد الغابة)) ٣٦٠/٣ (٣١١٣)، ((الإصابة)» ٣٥٦/٢ (٤٥٧٦). (٣) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٤/ ٣٥٠ - ٣٥١ (٨٠٢٥)، ٤٥٥/٨ (١٥٨٨٩). (٢) تقدم باستيفاء. (٤) ابن زبالة هو: محمد بن الحسن بن أبي الحسن القرشي المخزومي المدني. قال ابن معين: والله ما هو بثقة. وقال مرة: كذاب خبيث لم يكن بثقة ولا مأمون يسرق. وقال البخاري: عنده مناکیر، وقال أحمد بن صالح المصري: کتبت منه = ٥٣٣ - كِتَابُ فَضَائِلِ المَدِينَةِ ثم هو من طريق أنيس بن يحيى، ولا ندري من أنيس(١) هذا(٢). = مائة ألف حديث، ثم تبين لي أنه كان يضع الحديث فتركت حديثه، وقال الجوزجاني: لم يقنع الناس بحديثه وقال أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان: واهي الحديث، وزاد أبو حاتم: ذاهب الحديث، ضعيف عنده مناكير، منكر الحديث. وليس بمتروك الحديث. وقال أبو داود: كذابا المدينة: ابن زبالة ووهب بن وهب. وقال النسائي: متروك الحديث. أنظر تمام ترجمته في: ((تاريخ الدوري» ٥١٠/٢، ((تاريخ البخاري)، ٦٧/١ (١٥٤)، (ضعفاء النسائي)) (٥٣٥)، ((الجرح والتعديل) ٢٢٧/٧ (١٢٥٤)، ((المجروحين)) لابن حبان ٢/ ٢٧٤، ((الكامل)) لابن عدي ٧/ ٣٧٠ (١٦٥٥)، («تهذيب الکمال» ٦٠/٢٥ (٥١٤٨). ولم أعثر على هذا الحدیث بإسناد فيه ابن زبالة، بل كل من يترجم له يذكر فيما أنكر عليه الحديث الآتي: فتحت المدائن ... والله أعلم. (١) ورد بهامش الأصل: أنيس بن أبي يحيى (د، ت) ثقة توفي سنة ١٤٢ وإن كان ابن ( ... ) من هو. (٢) هكذا وقع في الأصل، وكذا هو في ((المحلى)) ٢٨٦/٧ : أنيس بن يحيى، والصواب: أنيس بن أبي يحيى، بزيادة أبي. وأنيس بن أبي يحيى، اسمه: سمعان الأسلمي مولاهم، وقيل مولى خزاعة، أبو يونس المدني، وهو أخو محمد بن أبي يحيى. قال يحيى بن سعيد: لم يكن به بأس، ووثقه يحيى بن معين وأبو حاتم الرازي والنسائي والحاكم. وقال الحافظ في ((التقريب)): ثقة. أنظر تمام ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٤٢/٢ (١٦٢٤)، ((الجرح والتعديل)) ٣٣٤/٢ (١٢٦٧)، (ثقات ابن حبان)) ٨١/٦، ((تهذيب الكمال)» ٣٨٢/٣ (٥٧١)، ((التقريب)) (٥٦٨). أما قول ابن حزم: ولا ندري من أنيس هذا، لا يعني تضعيف أو تجهيل أنيس، فهو موثق كما مر، فمن الجائز أن يكون ابن حزم لا يعرفه. وأما الحديث من طريق أنيس فرواه البزار كما في ((كشف الأستار)) (٨٤٢)، والحاكم في ((المستدرك)) ٣٦٦/١ - ٣٦٧، والبيهقي في ((الشعب)) ١٧٣/٧ (٩٨٩١) من طريقين عن أنيس بن أبي يحيى عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري أن النبي ◌َّلفي مر بالمدينة فرأى جماعة يحفرون قبرًا. فسأل عنه، فقالوا: حيشيٍّ قدم فمات، فقال ◌َله: ((لا إله إلا الله سيق من أرضه وسمائه إلى التربة التي خلق منها))، قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وأنيس ثقة. ٥٣٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وروي أيضًا من طريق أبي خالد -وهو مجهول- عن يحيى البكاء -وهو ضعيف(١) - ثم لو صح لما كانت فيه حجة؛ لأنه إنما كان يكون (١) رواه من هذا الطريق أبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) ٣٠٤/٢، والخطيب في ((الموضح)» ٢١٧/٢ من طريق عمر بن شبة وعقبة بن مكرم البصري كلاهما عن -أبي خلف- عبد الله بن عيسى الخزاز عن يحيى البكاء أن ابن عمر قال: دفن حبشي بالمدينة فقال رسول الله ويلي: ((دفن في طينته التي خلق منها)). قال الهيثمي في ((المجمع)) ٤٢/٣: فيه عبد الله بن عيسى الخزاز، وهو ضعيف. وله شاهد من حديث أبي الدرداء، رواه الطبراني في «الأوسط)) ٢١٦/٥ (٥١٢٦). قال الهيثمي ٤٢/٣: فيه الأحوص بن حكيم، وثقه العجلي وغيره وضعفه الجمهور. والحديث أورده الألباني في ((الصحيحة)) (١٨٥٨) من طرقه الثلاثة وقال: الحديث عندي حسن بمجموع طرقه. تنبيه هام: جاء في الأصل من طريق أبي خالد، وكذا هو في ((المحلى)) ٢٨٦/٧: أبي خالد، ولعله خطأ أو تصحيف وقع في ((المحلى))؛ فالحديث مروي - كما مر تخريجه- من طريق عبد الله بن عيسى، عن يحيى البكاء، وعبد الله بن عيسى كنيته أبو خلف، فلعلها تحرفت إلى أبي خالد لتقارب الكلمتين، أو أن ابن حزم أخطأ في نقلها أو كتابتها، وعلى كلا الأمرين فقد نقلها المصنف على الخطأ أو التحريف، فيما أظن، والله أعلم. أما عبد الله بن عيسى فهو الخزاز، أبو خلف البصري، صاحب الحرير، قال أبو زرعة: منكر الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن عدي: مضطرب الحديث، وليس ممن يحتج به. وقال الحافظ في ((التقريب)): ضعيف. انظر تمام ترجمته في: ((الجرح والتعديل)) ١٢٧/٥ (٥٨٥)، ((الكامل)) لابن عدي ٤١١/٥ (١٠٨٦)، ((تهذيب الكمال)) ٤١٦/١٠ (٣٤٧٤)، ((التقريب)» (٣٥٢٤). وأما البكاء فهو: يحيى بن مسلم، ويقال: ابن سليم، ويقال: ابن سليمان، ويقال: ابن أبي خليد، الأزدي. قال ابن معين: ليس بذاك، وقال أبو زرعة: ليس بقوي، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال في موضوع آخر: متروك الحديث، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله. انظر تمام ترجمته في: ((طبقات ابن سعد)» ٢٤٥/٧، ((التاريخ الكبير)) ٢٦٤/٨ (٢٩٣٦)، ٢٨١/٨ (٣٠٠٢)، ((ضعفاء النسائي)) (٦٣٦)، ((تهذيب الكمال)) ٥٣٣/٣١ (٦٩٢٠)، ((تاريخ الإسلام» ٥٦٤/٨. = ٥٣٥ كِتَابُ فَضَائِلِ المَدِينَةِ = الفضل لغيره فقط، وإلا فقد دفن فيها المنافقون ودفن معظم الأنبياء بالشام، ولا يقول مسلم إنها أفضل من مكة. ومنها: (فتحت المدائن بالسيف والمدينة بالقرآن)) من وضع ابن زيالة (١)، ثم لو صح فاليمن والبحرين وصنعاء والجند وغيرها لم يفتحوا (بالسيف، فتحن)(٢) بالقرآن، وليس ذلك بموجب فضلها على مكة. قلت: تابعه محمد بن موسى الأنصاري وغيره(٣)، كما بينه ابن (١) رواه البزار كما في ((كشف الأستار)) (١١٨٠)، وأبو يعلى في ((معجم شيوخه)) (١٧٣)، والعقيلي في ((الضعفاء)) ٥٨/٤، وابن عدي في ((الكامل)) ٣٧٠/٧ - ٣٧١، والخليلي في ((الإرشاد)) ١٦٩/١ - ١٧٠، والبيهقي في ((الشعب)) ١٤٥/٢ - ١٤٦ (١٤٠٧)، وابن الجوزي في ((الموضوعات)) ٥٩٦/٢ (١١٦٧) من طريق محمد بن الحسن بن زبالة عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا به. ورواه أبو يعلى كما في ((المطالب العالية)) ١٤٤/٧ (١٣١٦) من نفس الطريق، لکنه عن عروة مرسلًا. قال ابن الجوزي: قال أحمد بن حنبل: هذا منكر لم يُسمع من حديث مالك ولا هشام، إنما هذا قول مالك، لم يروه عن أحد، وقد رأيت هذا الشيخ - يعني: محمد بن الحسن- کان کذابًا. وكذا قال الحافظ في ((المطالب)): تفرد به محمد بن الحسن وكان ضعيفًا جدًّا، وإنما هذا قول مالك، فجعله محمد بن الحسن مرفوعًا وأبرز له إسنادًا. وقال البيهقي: لم يثبت لضعف رواته، وقال الألباني في ((الضعيفة)) (١٨٤٧): منكر. وانظر: ((الإرشاد) ) ١/ ١٧٠. (٢) زيادة من (ج). (٣) محمد بن موسى هو ابن مسكين، أبو غزية القاضي المدني الفقيه، من شيوخ الزبير ابن بکار. قال البخاري عنده مناکیر، وقال ابن حبان: کان یسرق الحديث، ویروي عن الثقات الموضوعات، واتهمه الدارقطني بالوضع. ٥٣٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- عساكر في ((مجموع الرغائب)). ومنها: ((ما على الأرض بقعة أحب إليَّ من أن يكون قبري فيها منها)) وآفته ابن زبالة (١)، ثم لو صح فالشارع كره للمهاجرين وهو سيدهم أن يرجعوا إلى مكة ليحشروا غرباء مطرودين عن وطنهم في ذاته، فلهذا أراد ذلك. ومنها: ((فأسكني في أحب البلاد إليك)) وهو موضوع من رواية ابن زبالة ومرسل(٢). = انظر تمام ترجمته في: ((التاريخ الكبير» ٢٣٨/١ (٧٥٣)، ((ضعفاء العقيلي)) ٤/ ١٣٨ (١٦٩٩)، ((المجروحين)) ٢٨٩/٢، ((تاريخ الإسلام)» ٣٧٦/١٤ (٣٥٤)، ((لسان الميزان)) ٣٩٨/٥. ومتابعته رواها ابن حبان في ((المجروحين)) ٢٨٩/٢ - ٢٩٠ من طريق سليمان بن داود القزاز عن محمد بن موسى عن مالك به. وتابعهما ذؤيب بن عمامة السهمي، كما في ((ميزان الاعتدال)) ٢٢٣/٢، عن مقدام بن داود الرعيني عن ذؤيب، عن مالك به، بلفظ: ((افتتحت أم القرى بالسيف والمدينة بالقرآن)). قال الذهبي: هذا منکر مما تفرد به ذؤيب. وقال الحافظ في ((اللسان)) ٤٣٦/٢: هذا الحديث معروف بمحمد بن الحسن بن زبالة عن مالك، وهو متروك متهم، وكأن ذؤيبًا إنما سمعه منه فدلسه عن مالك. (١) رواه الديلمي كما في ((الفردوس)) ٤/ ٩٥ (١٢٩٨) عن أبي هريرة. وروى مالك في ((الموطأ)) ٤٦٢/٢ عن يحيى بن سعيد قال: كان رسول الله وَّ جالسًا وقبر يحفر بالمدينة .. الحديث، وفيه: فقال رسول الله وَّل في: ((لا مثل للقتل في سبيل الله، ما على الأرض بقعة هي أحب أن يكون قبري بها منها))، ثلاث مرات، يعني: المدينة. قال الحافظ ابن عبد البر في ((التمهيد)» ٩٢/٢٤: هذا الحديث لا أحفظه مسندًا. وقال الألباني في ((إزالة الدهش والولة)) ص٣٨: هذا معضل ضعيف. (٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) ٣/٣، وعنه البيهقي كما في ((سيرة ابن كثير) ٢٨٤/٢ من طريق موسى الأنصاري عن سعد بن سعيد المقبري عن أخيه، عن أبي هريرة به . = ٥٣٧ = كِتَابُ فَضَائِلِ المَدِينَةِ ومنها: ((المدينة خير من مكة)) كذا تصريحا رويناه من طرق، فمنها ابن زبالة صاحب هُذِه الفضائح كلها، المنفرد بوضعها(١)، ومنها: محمد بن عبد الرحمن، وهو مجهول لا يدريه به أحد (٢)، ومنها: عبد الله بن نافع، وهو ضعيف بلا خلاف(٣). = قال الحاكم: حديث رواته مدنيون من بيت أبي سعيد المقبري. وقال الحافظ ابن عبد البر في ((الاستذكار)) ص١٢٦ حديث موضوع منكر، لا یختلف أهل العلم في نکارته وضعفه، وأنه موضوع وينسبون وضعه إلى محمد بن الحسن بن زبالة، وحملوا عليه فيه وتركوه. وقال الحافظ ابن كثير في ((السيرة)) ٢٨٤/٢: حديث غريب جدًّا. وقال شيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوى)) ٣٦/٢: حديث موضوع كذب، لم يروه أحد من أهل العلم. وقال الذهبي في ((التلخيص)) ٣/٣: موضوع فقد ثبت أن أحب البلاد إلى الله مكة، وسعد ليس بثقة، وقال السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (١٧٠): أخو سعد بن سعيد هو: عبد الله وهو ضعيف جدًّا وهذا الحديث من منكراته.اهـ وبنحو هذا الحدیث روی الحاکم أيضًا ٢٧٧/٣ - ٢٧٨ في حديث طويل بإسناد آخر. وأورده الألباني بالإسنادين في ((الضعيفة)) (١٤٤٥) وقال: موضوع. (١) لم أهتد للحديث من طريق محمد بن الحسن بن زبالة. (٢) رواه الطبري في ((تاريخه)) ١٦٠/١، والطبراني ٢٨٨/٤ (٤٤٥٠)، وابن عدي في ((الكامل)) ٧/ ٤٠١ من طريقه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن رافع بن خديج به. قال ابن عدي: هُذا عن يحيى بن سعيد بهذا الإسناد، ولم يروه غير ابن الدواد، وعامة ما يرويه غير محفوظ. وقال الذهبي في ((الميزان)) ٦٩/٥: ليس بصحيح، وقد صح في مكة خلافه، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٩٨/٣- ٣٩٩: فيه محمد بن عبد الرحمن، وهو مجمع على ضعفه، ومحمد بن عبد الرحمن هو ابن الردَّاد، مديني، من ولد ابن أم مكتوم، قال أبو حاتم: ليس بقوي، وقال أبو زرعة: لين، وقال الأزدي: لا یکتب حديثه. انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ١٦٠/١ (٤٧٦)، ((الجرح والتعديل» ٣١٥/٧ (١٧٠٥)، ((الكامل)) لابن عدي ٧/ ٤٠٠ (١٦٦٦)، ((لسان الميزان)) ٢٤٩/٥. (٣) ورد بهامش الأصل: من خط الشيخ: وثقه النسائي وغيره، وخرج له مسلم . = ٥٣٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وهذا الخبر رويناه من طريق مسلم بإسناد في غاية الصحة: خطب مروان فذكر مكة وأهلها وحرمتها فناداه رافع بن خديج، فقال: ما لي أسمعك ذكرت مكة وأهلها وحرمها ولم تذكر المدينة وأهلها وحرمها، وقد حرم رسول وَ ل﴿ ما بين لابتيها(١)، فبدله أهل الجهل قال: ومما يدل على فضله، فذكر أمورًا. منها: عن ابن عمر مرفوعًا في حجة الوداع: ((أي بلد تعلمونه أعظم حرمة؟)) قالوا: لا إلا بلدنا هذا، الحديث(٢) وعن جابر أيضًا(٣)، فهذان ابن عمر وجابر يشهدان أن رسول الله به قرر الناس على أي بلد أعظم حرمة فأجابوه بأنه مكة، فصدقهم فيه، وهذا إجماع في إجابتهم من جمیع الصحابة له أنه بلدهم ذلك، وهم بمكة، وذكر حديث أبي هريرة، وعبد الله بن عدي بن الحمراء قال رسول الله ويلقى: ((إنك خير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولو تركت فيك ما خرجت منك))(٤) ثم = قلت: والحديث من طريقه رواه المفضل الجندي في ((فضائل المدينة)) (١٢) عنه عن محمد بن عبد الرحمن بن الردَّاد به. والحديث أورده الألباني في ((الضعيفة)) (١٤٤٤) وقال: باطل. (١) رواه مسلم (١٣٦١). (٢) سيأتي برقم (٦٧٨٥) كتاب: الحدود، باب: ظهر المؤمن حمى. (٣) رواه مسلم (١٢١٨) مطولًا. ورواه أحمد ٣١٣/٣، ٣٧١، وابن أبي شيبة ٧/ ٤٥٣ (٧٣١٥٤)، وابن أبي عاصم في ((الديات)) ص٢٤ وغيرهم بلفظ: ((فأي بلد أعظم حرمة؟». (٤) حديث أبي هريرة رواه أحمد ٣٠٥/٤، والنسائي في ((الكبرى)) ٢/ ٤٨٠ (٤٢٥٤)، وأبو يعلى ٣٦٢/١٠ (٥٩٥٤)، والطحاوي في ((شرح المعاني)) ٢٦١/٢، ٣/ ٣٢٨، والبيهقي في ((الدلائل)) ٥١٨/٢ من طرق عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. وحديث عبد الله بن عدي بن الحمراء رواه الترمذي (٣٩٢٥)، وابن ماجه = ٥٣٩ = ڪِتَابُ فَضَائِلِ المَدِينَةِ قال: وهذا خبر في غاية الصحة، رواه عن رسول وَل هذان(١). (٣١٠٨)، وأحمد ٣٠٥/٤، والنسائى فى ((الكبرى)) ٣٧٩/٢ - ٤٨٠ (٤٢٥٢- = ٤٢٥٣)، والحاكم ٧/٣، ٤٣١، والبيهقي في ((الدلائل)) ٥١٧/٢ - ٥١٨، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٨٨/٢، ٢٨٩، وفي ((الاستذكار)) ١٥/٢٦ - ١٦ (٣٨٥٢٨)، وابن الأثير في ((أسد الغابة)) ٣٣٦/٣، والمزي في ((تهذيب الكمال)) ٢٩٠/١٥، ٢٩١، ٢٩٢ من طرق عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عدي. واختلف في أي الحديثين أصح، قال الترمذي: حديث الزهري عن أبي سلمة عن عبد الله بن عدي عندي أصح. وقال أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان: حديث أبي هريرة خطأ، وحديث عبد الله بن عدي هو الصحيح. اهـ ((العلل)) ١/ ٢٨٠ بتصرف. وكذا قال البيهقي في ((الدلائل)) أن الصحيح حديث عبد الله بن عدي. وقال الحافظ في ((الإصابة)) ٣٤٥/٢: المحفوظ حديث عبد الله بن عدي. وقال الحاكم ٧/٣: حديث عبد الله بن عدي: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) ١٦/٢٦: هو حديث لا يختلف أهل العلم بالحديث في صحته. وصححه الألباني أيضًا في ((الثمر المستطاب)) ٥٠٩/١. ولينظر: ((علل الدارقطني)) ٢٥٤/٩ - ٢٥٥. (١) انتهى كلام ابن حزم في ((المحلى)) ٢٧٩/٧ - ٢٨٧ بتصرف من المصنف رحمه الله، وورد بهامش الأصل: آخر ٨ من ٧ من تجزئة المصنف. ٥٤٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٣ - باب المَدِينَةُ طَابَةٌ ١٨٧٢ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ نَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَخْيَىُ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ : أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ◌َِّ مِنْ تَبُوكَ حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ: ((هذِهِ طَابَةُ)). [انظر: ١٤٨١ - مسلم: ١٣٩٢ - فتح: ٨٨/٤] ذكر فيه حديث أَبِي حُمَيْدٍ: أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ نَّهِ مِنْ تَبُوكَ حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ: ((هذِهِ طَابَةُ)». هذا الحديث أخرجه مسلم أيضا مطولا. وفي آخره: ((هذا أحد جبل يحبنا ونحبه))(١). وطابة مشتقة من الطيب، ووزن طيبة: فعلة، وقد يقال لها أيضًا: طيبة، وزنها فِعلة وفَعلة وفِعّلة، يتعاقبان على معنى واحد، فاشتق لها الكلية هذا الاسم من الطيب، وكره اسم يثرب، لما فيه من التثريب وقد أوضحنا ذلك في الباب قبله. وقد قال بعض أهل العراق: وأمر المدينة عجيب في ترابها، وهو أنها دليل شاهد وبرهان على قوله: ((إنها طيبة، تنفي خبثها وينصع طيبها))(٢)؛ لأن من دخلها وأقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيبة ليس لها اسم في الأرائح، وبذلك السبب طاب طيبها، والمعجونات من الطيب فيها أحد رائحة، وكذلك العود وجميع البخور يتضاعف طيبه في تلك البلدة على كل بلدة استعمل ذلك الطيب بعينه فيها. (١) مسلم (١٣٩٢). (٢) حديث يأتي قريبًا برقم (١٨٨٣) بلفظ: ((المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها)). ورواه مسلم (١٣٨٣).