Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
كِتَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ
=
صاروا حينئذٍ إلى استخراج الحكم فيه من الأمثال والأشباه، فأما والخبر
ثابت بالنهي عن ذَلِكَ فلا وجه لمقايسة فيه.
وفي ((طبقات ابن سعد)) عن ميمون بن مهران قال: كنت جالسًا عند
عطاء فسأله رجل: هل يتزوج المحرم؟ فقال عطاء: ما حرم الله النكاح
منذ أحله. قال ميمون: فذكرت له حديث يزيد بن الأصم: تزوجها وهو
حلال - يعني : - ميمونة. فقال عطاء: ما كنا نأخذ هذا إلا عن ميمونة،
وكنا نسمع أنه تزوجها وهو محرم، وعن الشعبي: أنه التَّى تزوجها وهو
محرم، وعن مجاهد وأبي يزيد المديني: أنه الَّ تزوجها وهو محرم (١).
قال ابن أبي شيبة: وممن كان لا يرى بأسًا أن يتزوج المحرم: إبراهيم
النخعي والقاسم بن محمد والحكم وحماد وعطاء وعبد الله بن عباس
وإبراهيم، عن ابن مسعود مثلهم(٢). وذكر الطحاوي عن عبد الله بن
محمد بن أبي بكر، وقال: سألت أنس بن مالك عن نكاح المحرم
فقال: ما به بأس، هل هو إلا كالبيع؟! (٣) وذكره ابن حزم أيضًا عن
معاذ بن جبل وعكرمة وسفيان -وهو قول أبي حنيفة- قال: وصح عن
عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت فسخ نكاح المحرم إذا نكح(٤). روى
مالك في ((الموطأ)) عن أبي غطفان بن طريف أن أباه تزوج أمرأة وهو
محرم فرد عمر نكاحه(®)، قال: وصح عن ابن عمر من طريق حماد بن
(١) (طبقات ابن سعد)) ١٣٤/٨، ١٣٦ - ١٣٧. وقد روى الآثار المذكورة بسنده.
(٢) (مصنف ابن أبي شيبة)) ١٤٨/٣ (١٢٩٥٧- ١٢٩٥٩) كتاب: الحج، في المحرم
یتزوج، من رخص في ذلك.
(٣) (شرح معاني الآثار)) ٢٧٣/٢ كتاب: المناسك، باب: نكاح المحرم.
(٤) ((المحلى)) ١٩٨/٧.
(٥) ((الموطأ)) ص٢٢٩.

٤٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
سلمة، عن أيوب، عن نافع عنه أنه قال: المحرم لا ينكح ولا ينكح،
ولا يخطب على نفسه، ولا على سواه. وروينا عن علي: لا يجوز
نكاح المحرم، وإن نكح نزعنا منه امرأته(١)، وهو قول ابن شهاب
وابن المسيب(٢)، وبه يقول مالك والشافعي وأبو سليمان، وأصحابهم
محتجين بحديث ميمونة(٣)، وقد سلف.
قال ابن حزم: يقول من أجاز نكاح المحرم: لا يعدل يزيد بن
الأصم الأعرابي بابن عباس، قالوا: وقد يخفى على ميمونة كونه
الَّ محرمًا، فالمخبر بكونه كان محرمًا معه زيادة علم. وخبر ابن
عباس وارد بزيادة حكم فهو أولى، وقالوا في خبر عثمان: معناه
لا يوطئ غيره ولا يطؤه ليس بشيء. وأما تأويلهم في خبر عثمان فقد
بينه قوله: ((ولا يخطب)) فصح أنه أراد النكاح الذي هو العقد، وأما
ترجيحهم ابن عباس على يزيد فنعم، والله لا يقرن يزيد بعبد الله
ولا كرامة، وهذا تمويه منهم؛ لأن يزيد إنما رواه عن ميمونة، وروى
أصحاب ابن عباس عن ابن عباس، فليسمعوا الآن إلى الحق، ونحن
لا نقرن، ابن عباس (صغير) (٤) من الصحابة إلى ميمونة أم المؤمنين،
ولكن نعدل يزيد إلى أصحاب ابن عباس، ولا نقطع بفضلهم(٥).
قلت: إن كان يزيد رواه عن خالته، فابن عباس يجوز أن يرويه عن
رسول الله عليه، أو يرويه عن أبيه الذي ولي عقدة النكاح بمشهد من
(١) رواه البيهقي ٦٦/٥، ٢١٣/٧.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١٤٩/٣ (١٢٩٧٤ - ١٢٩٧٦).
(٣) ((المحلى)) ١٩٩/٧.
(٤) كذا بالأصل، وفي ((المحلى)) (١٩٩/٧): صبيًّا.
(٥) المصدر السابق.

٤٢٣
كِتَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ
عبد الله ومرأى، أو رواه عن خالته المرأة العاقلة، فقدمت روايته على
رواية يزيد؛ لاختصاصه وضبطه وعلمه، وقد أسلفنا لعبد الله متابعين
وليس ليزيد عن خالته بمتابع.
وقال المروذي: سألت أحمد عن نكاح المحرم فقال: أذهب فيه
إلى حديث عثمان، قلت: إن أبا ثور قال لي: بأي شيء تدفع حديث
ابن عباس. فقال: الله المستعان(١).
قال(٢): وأما قولهم: قد يخفى على ابن عباس إحلال رسول الله وَله
من إحرامه، فالمخبرة بكونه قد أحل زائدة علمًا. وأما قولهم: خبر ابن
عباس وارد لحكم زائد، فليس كذلك، بل خبر عثمان هو الزائد الحكم،
فبقي أن نرجح خبر عثمان وخبر ميمونة على خبر ابن عباس، فنقول:
خبر يزيد عنها هو الحق، وقول ابن عباس وَهَمٌ لا شك فيه؛ لوجوه:
أولها: أنها هي أعلم بنفسها منه.
ثانيها: أنها كانت إذ ذاك أمرأة كاملة، وكان ابن عباس يومئذٍ ابن
عشرة أعوام وأشهر، فبين الضبطين فرق لا يخفى.
ثالثها: أنه إنما تزوجها في عمرة القضاء، هذا ما لا يختلف فيه
أثنان، ومكة يومئذٍ دار حرب، وإنما هادنهم على أن يدخلها معتمرًا،
ويبقى فيها ثلاثة أيام فقط ثم يخرج، فأتى من المدينة محرمًا بعمرة
ولم يقدم شيئًا، إذ دخل على الطواف والسعي، وتم إحرامه في
الوقت، ولم يشك أحدٌ في أنه صح إنما تزوجها بمكة حاضرًا لها
(١) أورد الرواية شيخ الإسلام في ((شرح العمدة)) ١٩٥/٢. وفيها: أذهب إلى حديث
نبيه بن وهب.
(٢) القائل هو ابن حزم.

٤٢٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
لا بالمدينة، فصح أنها بلا شك إنما تزوجها بعد تمام إحرامه، لا في
حال طوافه وسعيه، فارتفع الإشكال جملة، وبقي خبر عثمان وميمونة
لا معارض لهما، ثم لو صح خبر ابن عباس بيقين، ولم يصح خبر
ميمونة لكان خبر عثمان هذا الزائد الوارد بحكم لا يحل خلافه؛ لأن
النكاح قد أباحه الله في كل حال، ثم لما أمر رسول الله وَل و أن
لا ينكح المحرم كان بلا شك ناسخًا للحال المتقدمة من الإباحة،
لا يمكن غير ذَلِكَ أصلًا، وكان خبر ابن عباس منسوخًا بلا شك؛
لموافقته للحال المنسوخة بيقين(١).
قلت: روى مالك، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار أن رسول الله
وَ الر بعث أبا رافع ورجلاً من الأنصار يزوجانه ميمونة، ورسول الله وله
بالمدينة قبل أن يخرج (٢)، وهذا يبعد احتمال أنهما زوجاه إياها وهو
متلبس بالإحرام في طريقه إلى مكة، ولما حل بنى بها كما سبق عن
أبي رافع: وكنت السفير بينهما. لأنه لم يطلع إلا على حال باشرها
بنفسه؛ لأنه فارق رسول الله و # وهما حلالان، فجاء بالزوجة إليه
وهما حلالان، ولم يتعرض لما بين ذَلِكَ؛ إذ قوله بالمدينة قبل أن
يخرج، صريح في خلاف ذَلِكَ، وأنه حلال؛ لأنه لم يحرم إلا بعد
خروجه من المدينة. وفي ((الطبقات)): أنهما أضلا بعيريهما إلى أن
قدم رسول الله وَ لّ فمشى إلى بيت العباس، فأنكحه إياها(٣).
وذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب: خرج رسول الله وَ طّ معتمرًا في
ذي القعدة، فلما بلغ موضعًا ذكره، بعث جعفر بن أبي طالب بين يديه
((المحلى)) ٢٠٠/٧ بتصرف.
(١)
(٢)
((الموطأ)) ص٢٢٩.
((الطبقات الكبرى)) ١٣٢/٨.
(٣)

٤٢٥
كِتَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ
=
إلى ميمونة يخطبها عليه، فجعلت أمرها إلى العباس، فزوجها منه(١)،
وقد أوضح ذَلِكَ أبو عبيدة في كتاب ((الزوجات)): توجه رسول الله
وَل* إلى مكة معتمرًا سنة سبع، وقدم جعفرًا يخطب عليه ميمونة،
فجعلت أمرها إلى العباس، فأنكحها رسول الله وَ طير وهو محرم، وبنى
بها بسرف وهو حلال.
وأجاب بعض أصحابنا فقال: المراد وهو محرم، أي: في الحرم
وهو حلال؛ لأنه يقال لمن هو في الحرم: محرم، وإن كان حلالا ،
وهي لغة شائعة معروفة ، ومنه البيت المشهور:
قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا (٢)
وعورض بأن كسرى قتل بالمدائن من بلاد فارس.
وقد قال الشاعر:
قتلوا كسرى بليل محرمًا(٣)
أو أراد بمحرم: في الأشهر الحرم. وأجيب أيضًا: بأنه تعارض
معنى قوله وفعله، وفيها الخلاف المشهور في الأصول، والراجح
القول؛ لتعديه والفعل قد يكون مقصورًا عليه.
وثم جواب آخر وهو: أن ذَلِكَ من خصائصه على الأصح، وقد
روى الدارقطني من حديث أبي الأسود ومطر الوراق، عن عكرمة،
عن ابن عباس أنه الثّ تزوجها وهو حلال، لكن قال: تفرد به
محمد بن عثمان بن مخلد، عن أبيه، عن سلام أبي المنذر، وهو
(١) انظر: ((التمهيد)» ١٥٩/٣.
(٢) («البداية والنهاية)) ٤/ ٦٢٤.
(٣) ((البداية والنهاية)) ٤/ ٦٦٣.

٤٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
غريب عن مطر(١) وضعيف. وأجاب بعضهم عن حديث ابن عباس بأنه قد
يكون أخذ في ذَلِكَ بمذهبه أنه من قلد هديه صار محرمًا بالتقليد، فلعله
علم بحاله بعد أن قلد الشارع هديه.
فرع:
خطبته مكروهة كراهة تنزيه؛ للحديث السالف.
فرع :
يجوز له رجعتها على الأصح، وبه قال مالك وأبو حنيفة، وخالف
أحمد فيه(٢).
(١) سنن الدارقطني ٢٦٣/٣. ورواه الطبراني ٣٣٤/١١ (١١٩٢٢)، والخطيب
٣٣٤/٤ من طريق مطر الوراق عن عكرمة، به.
(٢) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في التاسع بعد الثلاثين. كتبه مؤلفه.

٤٢٧
كِتَابُ جَزَاءِ الضَّيْدِ
=
١٣ - باب مَا يُنْهَى مِنَ الطِّيبٍ لِلْمُحْرِمِ وَالْمُحْرِمَةِ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: لاَ تَلْبَسُ المُحْرِمَةُ ثَوْبًا بِوَرْسٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ.
١٨٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا نَافِعْ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَاذَا تَأْمُرُّنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ
الثِّيَّابِ فِي الإِحْرَامِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((لاَ تَلْبَسُوا القَمِيصَ، وَلاَ السَّرَاوِيلاَتِ، وَلاَ
العَمَائِمَ، وَلاَ الْبَرَانِسَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلاَنٍ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ،
وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلاَ تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلاَ الوَرْسُ، وَلاَ
تَنْتَقِبِ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ، وَلاَ تَلْبَسِ القُفَّزَيْنِ)). تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ
بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، وَجُوَيْرِيَةُ، وَابْنُ إِسْحَاقَ. في النِّقَابِ وَالْقُفَّازَيْنِ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ:
وَلاَ وَرْسٌ، وَكَانَ يَقُولُ: لاَ تَتَنَقَّبِ المُخْرِمَةُ، وَلاَ تَلْبَسِ القُقَّازَيْنِ. وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ،
عَنِ ابن عُمَرَ: لاَ تَتَتَقَّبِ المُخرِمَةُ. وَتَابَعَهُ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ. [انظر: ١٣٤ - مسلم: ١١٧٧
- فتح: ٤ / ٥٢]
١٨٣٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الَحَكَمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
جُبٍَّ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: وَقَصَتْ بِرَجُلٍ نُخْرِمِ نَاقَتُهُ فَقَتَلَتْهُ، فَأُتَ بِهِ
رَسُولُ اللهِ نَِّ فَقَالَ: ((اغْسِلُوهُ وَكَفِّنُوهُ، وَلاَ تُغَطُّوا رَأْسَهُ، وَلاَ تُقَرِّبُوهُ طِيبًّا، فَإِنَّهُ
يُبْعَثُ يُهِلَّ)). [انظر: ١٢٦٥ - مسلم: ١٢٠٦ - فتح: ٤/ ٥٢]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، ثَنَا اللَّيْثُ، ثَنَا نَافِعُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ
قَالَ: قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ القِّيَابِ
فِي الإِحْرَامِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ وَِّ: ((لاَ تَلْبَسُوا القَمِيصَ، وَلاَ السَّرَاوِيلاَتِ،
وَلاَ العَمَائِمَّ، وَلاَ الْبَرَانِسَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلاَنٍ، فَلْيَلْبَسِ
الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلاَ تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانٌ وَلاَ
الوَرْسُ، وَلاَ تَنْتَقِبِ المُحْرِمَةُ، وَلاَ تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ)). تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ

٤٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
عُقْبَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، وَجُوَيْرِيَةُ، وَابْنُ إِسْحَاقَ. فِي
النِّقَابِ وَالْقُفَّزَيْنِ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: وَلاَ وَرْسٌ، وَكَانَ يَقُولُ: لاَ تَتَنَّقَّبٍ
المرأة المُخْرِمَةُ، وَلاَ تَلْبَسِ القُقَّازَيْنِ. وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن
عُمَرَ: لاَ تَقَّبِ المُحْرِمَةُ. وَتَابَعَهُ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْم.
ثم ذكر حديث ابن عَبَّاسٍ في الذي وقصته ناقته. وفيه: ((وَلاَ تُقَرِّبُوهُ
طِيبًا، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُهِلَّ)).
الشرح :
أما تعليق عائشة فأخرجه ابن أبي شيبة عن جرير، ثَنَا مغيرة، عن
إبراهيم، عنها أنها قالت: يكره للمحرم الثوب المصبوغ بالزعفران
والمشبع بالعصفر للرجال والنساء إلا أن يكون ثوبًا غسيلًا(١).
وحَدَّثَنَا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عنها
قالت: تلبس المحرمة ما شاءت إلا المهرود بالعصفر(٢). وقد سلف في
باب: ما يلبس المحرم من الثياب(٣)، ورواه البيهقي من حديث معاذة
عنها، قالت: المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبًا مسه ورس
أو زعفران(٤).
وأما حديث ابن عمر فسلف في باب: ما لا يلبس المحرم من الثياب
وغيره(٥)، وأصل حديث موسى بن عقبة سلف هناك، وقد رواها النسائي
(١) (مصنف ابن أبي شيبة)) ١٦٤/٣ (١٣١٢٦) كتاب: الحج، الثوب المصبوع
بالورس والزعفران.
(٢) السابق ٣/ ١٤٠ (١٢٨٧٤) من رخص في المعصفر للمحرمة.
(٣) قبل حديث (١٥٤٥).
(٤) البيهقي ٤٧/٥.
(٥) سلف برقم (١٥٤٢).

٤٢٩
كِتَابُ جَزَّاءِ الضَّيْدِ
عن سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك، عن موسى(١)، وقال
أبو داود: روى هذا الحديث حاتم بن إسماعيل ويحيى بن أيوب عن
موسى مرفوعًا، ورواه عبيد الله بن عمر ومالك وأيوب وأبو قرة
موقوفًا، ورواه إبراهيم بن سعيد المدني، عن نافع، عن ابن عمر،
عن رسول الله وير: ((المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين))(٢)، قال
أبو عمر: ورفعه صحیح(٣).
ومتابعة جويرية أخرجها أبو يعلى أحمد بن علي الموصلي: حَدَّثَنَا
عبد الله بن محمد بن أسماء، نا عمي جويرية بن أسماء، ثَنَا نافع،
فذكره(٤).
ومتابعة ابن إسحاق أخرجها الحاكم من حديث يعقوب بن إبراهيم بن
سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق، حَدَّثَني نافع به، مرفوعًا(٥)، وكذا ذكره
ابن حزم بلفظ: نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب .. الحديث
بطوله(٦). قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم(٧). وهو في أبي داود
لكن بعنعنة ابن إسحاق(٨)، وقد صرح هنا بالتحديث فانتفت تهمة
تدليسه. وقول الضياء المقدسي: كأنه لم يسمعه منه، يرده ما ذكرناه،
(١) النسائي ١٣٥/٥ - ١٣٦.
(٢) (سنن أبي داود)) ٤١١/٢ - ٤١٢ (١٨٢٥) كتاب: المناسك، باب: ما يلبس
المحرم. وانظر: ((صحيح أبي داود)) (١٦٠١ - ١٦٠٢).
(٣) ((التمهيد)) ١٠٦/١٥.
(٤) ((مسند أبي يعلى)) ١٨٩/١٠ - ١٩٠ (٥٨١٨).
(٥) ((المستدرك)) ٤٨٦/١.
(٦) ((المحلى)) ٧٩/٧.
(٧) ((المستدرك)) ٤٨٦/١.
(٨) أبو داود (١٨٢٣).

٤٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقد وقع مصرحًا بالتحديث في بعض نسخ أبي داود من طريق ابن
الأعرابي وغيره.
وقوله: (وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: وَلاَ وَرْسٌ)، وصله الحسن بن سفيان:
أخبرنا العباس بن الوليد، ثنا يحيى القطان: ثَنَا عبيد الله بن عمر،
عن نافع، فذكره.
وأثر نافع عن ابن عمر: لا تنتقب المحرمة، سلف في كلام
أبي داود، وأخرجه الترمذي من حديث الليث بن سعد، عن نافع،
عن ابن عمر مرفوعًا: ((لا تنتقب المرأة الحرام، ولا تلبس القفازين))
ثم قال: حسن صحيح(١).
وروى ابن أبي شيبة، حَدَّثَنَا وكيع، عن فضيل بن غزوان، عن نافع،
عن ابن عمر: أنه كره البرقع والقفاز للمحرمة. وحَدَّثَنَا أبو خالد، عن
يحيى بن سعيد، وعبد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: لا بأس
بالقفازين(٢). وذكر ليئًا هنا في المتابعة، وحديث ابن عباس سلف في
الجنائز (٣).
والقفاز شيء يعمل لليدين؛ ليقيهما من البرد يحشى بقطن ويكون له
أزرار على الساعدين، قاله الجوهري وغيره(٤)، ويتخذه الصائد أيضًا،
وهو أيضًا ضربٌ من الحلي، قاله ابن سيده وغيره، وتقفزت المرأة:
نقشت يديها ورجليها بالحناء(٥).
(١) ((سنن الترمذي)) (٨٣٣) كتاب: الحج، باب: ما جاء فيما لا يجوز للمحرم لبسه.
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢٧٢/٣.
(٣) سلف برقم (١٢٦٥) باب: الكفن في ثوبين.
(٤) ((الصحاح)) ٨٩٢/٣ مادة [قفز].
(٥) ((المحكم)) ١٥٩/٦.

٤٣١
= ڪِتَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ
والورس: نبت يصبغ به، قال أبو حنيفة الدينوري: يزرع باليمن
زرعًا، ولا يكون بغير اليمن، ولا يكون شيءٌ منه بریًا، ونباته مثل
حب السمسم، فإذا جف عند إدراكه تفتق فينفض منه الورس، ويزرع
سنة فيجلس عشر سنين. أي: يقيم في الأرض ينبت ويثمر، وفيه
جنس يسمى الحبشي وفيه سواد، وهو أكبر الورس، والعرعر:
ورس، والرمث ورس. قال أبو حنيفة: لست أعرفه بغير أرض العرب
ولا من أرض العرب بغير بلاد اليمن. قال الأصمعي: ثلاثة أشياء
لا تكون إلا باليمن، وقد ملأت الأرض: الورس، واللبان، والعصب.
وقال ابن البيطار في ((جامعه)): يؤتى بالورس من الصين والهند
واليمن، وليس بنبات يزرع كما زعم من زعم، وهو يشبه زهر
العصفر، ومنه شيء يشبه البنفسج، ويقال: إن الكركم عروقه.
وقال الفضل بن سلمة في كتاب ((الطب)): يقال: إن الكركم عروق
الزعفران، والزعفران قال أبو حنيفة: لا أعلم ينبت بشيء من أرض
العرب، وقد كثر مجيئه في كلامهم وأشعارهم، وقد زعم قوم أنه اسم
أعجمي، وقد صرفته العرب. فقالوا: ثوب مزعفر، وقد زعفر ثوبه
يزعفره زعفرةً، والعبير عند العرب: الزعفران والخلوق، وقال مؤرج:
يقال لورق الزعفران: الفيد. وبه سمي مؤرج أبا فيد. وفي ((المحكم)):
جمعه بعضهم وإن كان جنسًا: زعافر (١). وقال الجوهري: كترجمان
وتراجم(٢).
وقد سبق فقه الباب: في باب ما لا يلبس المحرم من الثياب.
(١) ((المحكم)) (٣١٨/٢).
(٢) ((الصحاح)) ٢/ ٦٧٠ مادة (زعفر).

٤٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
قال الطحاوي: ذهب قوم إلى هُذِه الآثار فقالوا: كل ثوب مسه
ورس أو زعفران فلا يحل لبسه في الإحرام وإن غسل؛ لأن النبي وَل
لم يبين في هذِه الآثار ما غسل من ذَلِكَ مما لم يغسل، فنهيه عام،
وخالفهم في ذَلِكَ آخرون فقالوا: ما غسل من ذَلِكَ حَتَّى لا ينفض
فلا بأس بلبسه في الإحرام؛ ولأن الثوب الذي صبغ إنما نهي عن
لبسه في حال الإحرام، لما كان دخله مما هو (حرام)(١) على
المحرم، فإذا غسل وذهب ذلك المعنى منه عاد الثوب إلى أصله
الأول، كالثوب الذي تصيبه النجاسة، فإذا غسل طهر وحلت الصلاة
فیه(٢).
قال ابن المنذر: وممن رخص في ذَلِكَ سعيد بن المسيب والنخعي
والحسن البصري وعطاء وطاوس، وبه قال الکوفیون والشافعي وأبو ثور،
وكان مالك يكره ذَلِكَ إلا أن يكون قد غسل وذهب لونه.
قال الطحاوي: وقد روي عن النبي ◌َّ ر أنه استثنى مما حرمه على
المحرم من ذَلِكَ فقال: ((إلا أن یکون غسیل، ثم قال: حدثناہ فهد، ثنا
يحيى بن عبد الحميد، ثنا أبو معاوية، ثنا ابن أبي عمران، ثنا
عبد الرحمن بن صالح الأزدي، عن أبي معاوية، عن عبيد الله، عن
نافع، عن ابن عمر، عن النبي ( 18 -بمثل حديثه الذي في الباب-
قال: فثبت بهذا استثناء الغسيل مما قد مسه ورس أو زعفران.
قال ابن أبي عمران: رأيت يحيى بن معين يتعجب من الحماني إذ
حدث بهذا الحديث، وقال عبد الرحمن بن صالح: هذا عندي، فوثب
(١) في (م): حلال.
(٢) (شرح معاني الآثار)) ١٣٧/٢.

٤٣٣
= كِتَابُ جَزَاءِ الضَّيْدِ
من فوره فجاء بأصله فأخرج منه هذا الحديث عن أبي معاوية، كما ذكره
الحماني فكتبه عنه يحيى بن معين(١).
قال الميموني: قال أبو عبد الله: إن كان قاله النبي وَلله. ثم قال: كان
-يعني: أبا معاوية- مضطرب في أحاديث عبيد الله، ولم يجئ بها أحد
غيره ((إلا أن يكون غسيلًا))(٢).
وقال ابن حزم: إن صح وجب الوقوف عنده ولا نعلمه صحیحًا(٣) ،
والحديث دال على أن المرأة لا تلبس القفازين؛ ولأن اليد عضو لا يجب
على المرأة ستره في الصلاة فلا يجوز لها ستره في الإحرام كالوجه،
فإحرامها في وجهها ويديها؛ لأن ما عداهما عورة، والوجه مختص
بالنقاب، والكفان بالقفازين، وللشافعي قول آخر: أنه يجوز؛ لأن
سعد بن أبي وقاص كان يأمر بناته بلبسهما في الإحرام، رواه في
(الأم))(٤).
(١) (شرح معاني الآثار)) ١٣٧/٢.
(٢) ومذهب الإمام أحمد: أن المحرم لا يلبس شيئًا فيه طيب، أو مسه ورس أو
زعفران. أنظر: ((مسائل أبي داود لأحمد)) (٧٢١)، و ((مسائل ابن هانئ لأحمد)»
(٧٦٨، ٧٨٢، ٧٨٣)، ((شرح العمدة)) لشيخ الإسلام ٨٣/٢.
(٣) ((المحلى)) ٧/ ٨٠.
(٤) (الأم)) ٢٠٣/٢.

٤٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
١٤ - باب الاغْتِسَالِ لِلْمُحْرِمِ
وَقَالَ ابن عَبَّاسِ: يَدْخُلُ المُحْرِمُ الحَمَّامَ. وَلَمْ يَرَ ابن عُمَرَ
وَعَائِشَةُ بِالْحَكِّ بَأُسّا.
١٨٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ
بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ العَبَّاسِ، وَاِمْسوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْتَلَفَا
◌ِالأَبَوَاءِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ المُخْرِمُ رَأْسَهُ. وَقَالَ المشوَرُ: لاَ يَغْسِلُ المُخْرِمُ
رَأْسَهُ. فَأَزْسَلَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ العَبَّاسِ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الأَنَّصَارِيِّ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ
القَزْنَيْنِ، وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَنْ هذا؟ فَقُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
حُنَيْنٍ، أَزْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللهِ بنُ العَبَّاسِ، أَسْأَلُكَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَغْسِلُ
رَأْسَهُ وَهُوَ نُخْرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ، فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ ثُمَّ قَالَ
لإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ: أَضْبُبْ. فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا
وَأَذْبَرَ وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُ نَِّ يَفْعَلُ. [مسلم: ١٢٠٥ - فتح: ٤ /٥٥]
ثم ذكر حديث زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ
أَبِهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءِ، فَقَالَ
عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ المُحْرِمُ رَأْسَهُ .. الحديث.
وقد أخرجه مسلم أيضًا(١).
و(الأبواء) بالمد سلف قريبًا، و(المسور) صحابي ابن صحابي،
واختلافهما هو في الغسل، والاختلاف في مذاكرة العلم، والظاهر
من إرسال ابن عباس إلى أبي أيوب يسأله عن غسل رسول الله ولايه
رأسه وهو محرم، أن ابن عباس علم أن عند أبي أيوب من ذَلِكَ
(١) مسلم (١٢٠٥) كتاب: الحج، باب: جواز غسل المحرم رأسه.

٤٣٥
ـ كِتَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ
علمًا، وفي إرساله عبد الله بن حنين أن الصاحب ينقل عن التابعي.
و(القرنان): العمودان بجنب البئر عليهما البكرة يستقى عليهما، فإن
كانا من خشب فهما زرنوقان.
وفيه: ستر المغتسل بثوب ونحوه، والبداءة بالسلام عليه وإن كان في
حالة تجتنب مكالمته، ويغض البصر عنه، وأرسله للعلم بالغسل فسأل
عن الكيفية؛ لأنه ناشئ عن الغسل، ولعل اختلافهما كان في غسل
التطوع أو فيما زاد على الفرض من إمرار اليد، ولعل المسور إنما
أنكره، خشية من قتل الدواب في الرأس وإزالة الشعث، وليس في
إمرار اليد على الرأس قتل لها ولا إزالتها عن موضعها إلا في مثل
الصب عليها.
وفيه: أن الصحابة إذا اختلفوا لم تكن الحجة في قول أحد منهم
إلا بدليل يجب التسليم له من كتاب أو سنة، كما نزع أبو أيوب
بالسنة، ففلج(١) ابن عباس المسور.
وفيه: التناظر في المسائل والتحاكم فيها إلى الشيوخ العالمين بها.
وقوله في الترجمة: (ولم ير ابن عمر وعائشة بالحك بأسًا) يعني:
حك جلده إذا أكله، وقال عطاء: يحك الجنب في جسده وإن أدماه.
وقد اختلف العلماء في غسل المحرم رأسه، فذهب أبو حنيفة
والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق إلى أنه لا بأس
بذلك(٢)، ورويت الرخصة في ذَلِكَ عن عمر بن الخطاب وابن عباس
(١) في ((المعجم الوسيط)) (٧٠٦/٢): يقال: فلج بحاجته وبحجته: أحسن الإدلاء
بها ، فغلب خصمه.
(٢) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١١٢/٢، ((البيان)) ٢٠٤/٤، ((المغني)) ١١٧/٥.

٤٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وجابر(١)، وعليه الجمهور وحجتهم حديث الباب، وكان مالك يكره
ذَلِكَ للمحرم، وذكر أن عبد الله بن عمر كان لا يغسل رأسه إلا من
الاحتلام(٢)، قال مالك: فإذا رمى جمرة العقبة فقد حل له قتل القمل
وحلق الشعر وإلقاء التفث، وهذا الذي سمعت من أهل العلم (٣).
وروي عن سعد بن عبادة مثل قول مالك، وكان أشهب وابن وهب
يتغاطسان في الماء وهما محرمان مخالفة لابن القاسم، وكان ابن القاسم
يقول: إن غمس رأسه في الماء أطعم شيئًا من طعام خوفًا من قتل
الدواب، ولا يجب الفداء إلا بيقين، وغير ذَلِكَ استحباب. ولا بأس
عند جميع أصحاب مالك أن يصب المحرم على رأسه الماء لحر
یجده(٤) .
قال أشهب: لا أكره غمس المحرم رأسه في الماء، وما يخاف في
الغمس ينبغي أن يخاف مثله في صب الماء على الرأس من الحر، وقد
قال عمر بن الخطاب ليعلى بن (أمية)(٥) -حين كان عمر يغسل رأسه
ويعلى يصب عليه -: أصبب فلن يزيده الماء إلا شعثًا(٦)، يعني: إذا
(١) عن عمر رواه مالك في ((الموطأ)) ٤٠٩/١ (١٠٣٤)، وعن ابن عباس هو حديث
الباب، وعن جابر رواه البيهقي ٥٤/٥.
(٢) رواه مالك في ((الموطأ)) ٤١٠/١ (١٠٣٦).
(٣) انظر: ((المنتقى)) ١٩٥/٢.
(٤) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٣٢٦/٢.
(٥) في الأصل: منيه، والصواب ما أثبتناه.
(٦) رواه مالك في ((الموطأ)) ص٢١٥ عن عطاء بن أبي رباح أن عمر بن الخطاب قال
ليعلى بن أمية .. الحديث.
قال الألباني في ((الإرواء)) ٢١١/٤: رجاله ثقات رجال الشيخين إلا أنه منقطع بين
عطاء وعمر أ.هـ
=

٤٣٧
= ڪِتَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ
لم يغسل بغير الماء. ألا ترى فعل أبي أيوب حين صب على رأسه الماء
حركه بيديه، ولم ير ذَلِكَ مما يذهب الشعث، ومثله قوله التَّ لعائشة:
((انقضي رأسك في غسلك وامتشطي)) (١) أي: أمشطيه بأصابعك وخلليه
بها فإن ذَلِكَ لا يذهب الشعث، وإن شعثه لا يمنعك من المبالغة في
غسل رأسك؛ لأن الماء لا يزيده إلا شعئًا.
وابن عباس أفقه من المسور؛ لموافقة النبي ◌َّطهر وأصحابه، قاله ابن
أبي صفرة، ونقل ابن التين عن مالك أن انغماس المحرم فيه محظور.
وروي عن ابن عمر وابن عباس إجازته، وأما إن غسل رأسه بالخطمي
والسدر فإن الفقهاء يكرهونه، هذا قول مالك وأبي حنيفة والشافعي،
وأوجب مالك وأبو حنيفة عليه الفدية.
وقال الشافعي وأبو ثور: لا شيء عليه(٢)، وقد رخص عطاء
وطاوس ومجاهد لمن لبّد رأسه فشق عليه الحلق أن يغسل بالخطمي
حَتَّى يلين(٣)، وكان ابن عمر يفعل ذَلِكَ(٤).
قال ابن المنذر: وذلك جائز؛ لأنه الكلية أمرهم أن يغسلوا الميت
= ووصله الشافعى ٢١٥/٢ (٨٦١)، وكذا البيهقي ٥/ ٦٣ من طريق سعيد بن سالم
عن ابن جريج: أخبرني عطاء أن صفوان بن يعلى أخبره عن أبيه يعلى بن أمية أنه
قال: بينما عمر بن الخطاب # يغتسل إلى بعير .. الحديث.
قال الألباني في ((الإرواء)) ٢١١/٤: هذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات رجال
الشيخين غير سعيد بن سالم، قال الحافظ في ((التقريب)): صدوق يهم، رمي
بالإرجاء، وكان فقيها. أ.هـ وصححه بمجموع طريقيه: أنظر: ((الإرواء)) (١٠٢٠).
(١) سلف برقم (١٥٥٦) كتاب: الحج، باب: كيف تهل الحائض.
(٢) انظر: ((المبسوط)) ١٢٤/٤، ((المدونة)) ٣٠٩/١، ((البيان)) ٢٠٤/٤.
(٣) رواه عنهم ابن أبي شيبة ٣/ ٣٤٠ (١٤٩٠٣).
(٤) ابن أبي شيبة ٣٤١/٣ (١٤٩٠٦).

٤٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المحرم بماء وسدر، وأمرهم أن يجنبوه ما يجنب المحرم الحي، فدل
ذَلِكَ على إباحة غسل رأس المحرم بالسدر والخطمي، وما في معناه،
وأجاز الكوفيون والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق للمحرم دخول
الحمام(١).
وقال مالك: إن دخله فتدلك وأنقى الوسخ فعليه الفدية (٢).
(١) أنظر: ((المبسوط)) ١٢٤/٤، ((روضة الطالبين)) ١٣٣/٣.
(٢) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٣٢٦/٢.

٤٣٩
كِتَابُ جَزَّاءِ الضَّيْدِ
=
١٥ - باب ◌ُبْسِ الخُقَّيْنِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ
١٨٤١ - حَدَّثَنَا أَبُوِ الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، سَمِعْتُ
جَابِرَ بْنَ زَيْدِ، سَمِعْتُ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَِّ يَخْطُبُ
بِعَرَفَاتٍ: (مَنْ لَمْ يَجِدِ التَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ
سَرَاوِيلَ)). لِلْمُخرِم. [انظر: ١٧٤٠ - مسلم: ١١٧٨ - فتح: ٤/ ٥٧]
١٨٤٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بنُ سَغدٍ، حَدَّثَنَا ابن شِهَابٍ، عَنْ
سَالمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ عُ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ: مَا يَلْبَسُ المُخْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ: ((لا
◌َلْبَسِ القَمِيصَ، وَلاَ العَمَائِمَ، وَلاَ السَّرَاوِيلاَتِ، وَلاَ البُرْنُسَ، وَلاَ ثَوْبًّا مَسَّهُ
زَعْفَرَانٌ وَلاَ وَرْسٌ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى
يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ)). [انظر: ١٣٤ - مسلم: ١١٧٧ - فتح: ٤ /٥٧]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: ((مَنْ
لَمْ يَجِدِ التَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُقَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ السَرَاوِيلَ)).
لِلْمُحْرِمِ.
وحديث عَبْدِ اللهِ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ النِّيَابِ
.. الحديث. وقد سبقا(١).
(١) حديث ابن عباس الأول سلف برقم (١٧٤٠) كتاب: الحج، باب: الخطبة أيام
منى.
وحديث ابن عمر الثاني سلف برقم (١٣٤) كتاب: الوضوء، باب: من أجاب
السائل بأكثر مما سأله.

٤٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١٦ - باب إِذَا لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ فَلْيَلْبَسِ الشَّرَاوِيلَ
١٨٤٣ - حَذَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، حَذَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَنْدِ،
عَنِ ابْن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ◌َ بِعَرَفَاتٍ فَقَالَ: (مَنْ لَمْ يَجِدِ
الإِزَارَ فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدِ التَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ)). [انظر: ١٧٤٠
- سلم ١١٧٨ - فتح: ٥٨/٤]
ذکر فیه حديث ابن عبّاسٍ المذكور.
وقد اختلف العلماء إذا احتاج إلى لبس الخفين عند عدم النعلین،
وقطعهما فقال مالك والشافعي: لا فدية عليه، وأخذا بحديث ابن
عمر. وقال أبو حنيفة: عليه الفدية(١). وهو خلاف الحديث، واحتج
أصحابه: بأنه التي أباح له لبس السراويل عند عدم الإزار، وذلك
يوجب فيه الفدية، فيقال: أمرنا بالقطع كما سلف؛ ليصير في معنى
النعلين التي لا فدية في لبسهما، ولم نؤمر بفتق السراويل؛ لئلا
تنكشف العورة فبقي في حكم القميص المخيط، ولو أمر بفتقه لصار
في معنى الخف إذا قطع.
والحجة للمانع الأمر بقطعهما حَتَّى يكونا أسفل من الكعبين فلو
وجبت مع قطعهما، وتركهما لم يكن لقطعهما فائدة؛ لأنه إتلاف من
غير فائدة، وإنما قطعهما؛ ليصيرا في معنى النعلين حَتَّى لا تجب
فدية، ولا يدخل فيجبر بهما، ولو وجبت بلبسه بعد القطع كما تجب
بلبسه قبله لم يأمره التقنية بالقطع؛ لأن لبسه بعد القطع كلبسه قبله،
فلما جوز له لبسه بعد القطع، ولم يجوزه قبله علم أنه إذا لبسه بعد
(١) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٠٥/٢، ((النوادر والزيادات)) ٣٤٥/٢،
((البيان)) ٤/ ١٥٣.