Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
- كِتَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ
١٠ - باب لاَ يَجِلُّ القِتَالُ بِمَكَّةَ(١)
وَقَالَ أَبُو شُرَيْحٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ: (لاَ يَسْفِكُ بِهَا دَمًا)). [انظر:
١٨٣٢]
١٨٣٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ نُجَاهِدٍ، عَنْ
طَاؤُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهَ يَوْمَ أَفْتَتَحَ مَكَّةً: ((لاَ
هِجْرَةَ ولكن جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا، فَإِنَّ هذا بَلَدٌ حَرَّمَ اللهُ يَوْمَ
خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ
يَحِلَّ القِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ
اللهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلاَ يُتَقَّرُ صَيْدُهُ، وَلاَ يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّ مَنْ
عَرَّفَهَا، وَلاَ يُخْتَلَى خَلَاهَا)). قَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِلَّ الإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ
وَلِبُيُوتِهِمْ. قَالَ: قَالَ: ((إِلَّا الإِذْخِرَ)). [انظر: ١٣٤٩ - مسلم: ١٣٥٣ - فتح: ٤٦/٤]
وقال أبو شريح عن النبي وَله: ((لا يُسفك بها دمًا)) وهذا سلف مسندًا
قریبًا(٢).
وذكر حديث ابن عباس قَالَ: قَالَ النَِّيُّ وَّهِ يَوْمَ اقْتَحَ مَكَّةَ: ((لاَ هِجْرَةَ
ولكن جِهَادٌ وَنِيَّةٌ)) إلى آخره، وقد أخرجه مسلم أيضًا(٣)، ومعنى:
لا هجرة. أي: من مكة؛ لأنها صارت دار إسلام، أو لا هجرة فاضلة،
قال الداودي: ذكر حديث صفوان بن المعطل أنه قيل له بعد الفتح:
من لم يهاجر هلك، وإنه أتى رسول الله ﴿ إلى المدينة ثم قال:
«انصرف إلى مكة)).
(١) في هامش الأصل: ثم بلغ في الثامن بعد الثلاثين كتبه مؤلفه غفر الله له.
(٢) سلف برقم (١٨٣٢).
(٣) مسلم (١٣٥٣).

٤٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقوله: ((ولكن جهاد ونية)). أي: إنما عليكم ذَلِكَ، لكن كلمة الله
هي العليا، ثم بينه بقوله: ((وإذا استنفرتم فانفروا)) يريد: أن الجهاد
بعد الفتح على الذين قال الله تعالى: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ
الْكُغَارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] فإذا استنفر الإمام الناس ليتقوى بهم فلينفروا؛
وكذلك إن خشي من يلي الكفار عليهم فيجب على من يليهم النفر إليهم.
وقوله: ( ((هذا بلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض)) ) يعني:
كما حرمت الشهور الأربعة يوم ذاك فحرم مكة يومئذٍ كما حرم الشهور،
وسبق ذَلِكَ في علمه.
والقين: الحداد هنا.
وفيه وما قبله البيان الواضح أن صيد الحرم حرام واصطياده، وذلك
لأنه التّ نهى عن تنفيره، فاصطياده أوكد في التحريم من تنفيره، فإذا
نفره وأداه إلى هلاكه فعليه الجزاء، وإلا فلا شيء عليه غير التوبة،
ولا خلاف في هذا بين الفقهاء.
وقد روي عن عطاء: أنه من أخذ طائرًا في الحرم ثم أرسله، قال:
يطعم شيئًا لما نفره(١)، وقد روي عن عمر: أنه لا شيء في التنفير،
وروى شعبة عن الحكم عن شيخ من أهل مكة: أن حمامًا كان على
البيت فذرق على يد عمر فأشار عمر بيده، فطار فوقع على بعض
بيوت مكة، فجاءت حية فأكلته، فحكم عمر على نفسه بشاة(٢)، فلم
(١) رواه عبد الرزاق ٤/ ٤٤٠ (٨٣٦٦).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١٧٣/٣ (١٣٢١٩) كتاب: الحج، في الرجل يصيب الطير من
حمام مكة، والفاكهي في (أخبار مكة)) ٣٨٣/٣ - ٣٨٤ (٢٢٦١)، وقد رواه
عبد الرزاق في ((المصنف)) ٤/ ٤١٥ (٨٢٦٨) كتاب: الحج، باب: الحمام وغيره من
الطير يقتله المحرم، من طريق معمر عن جابر عن الحكم بن عتيبة، فذكره بلفظه.

٤٠٣
- كِتَابُ جَزَاءِ الضَّيْدِ
ير عمر لما نفر الحمامة عليه شيئًا حَتَّى تلفت، ورأى أن تلفها كان من
سبب تنفيره، وإنما استجاز عمر تنفيره من الموضع الذي كان واقفًا عليه
مع علمه بأن تنفیر صیده غير جائز، لأنه ذرق علی یده فكان له طرده عن
الموضع الذي يلحقه أذاه في كونه فيه، وكذلك كان عطاء يقول في معنى
ذَلِكَ، قال ابن جريج: قلت لعطاء: كم في بيضة من بيض الحمام؟ قال:
نصف درهم. ويحكم فيه، فقال له إنسان: بيضة وجدتها على فراشي
أميطها عنه؟ قال: نعم. قال: وجدتها في سهوة أو في مكان من
البيت، قال: لا تمطها (١)، فرأى عطاء أن المميط عن فراشه بيضة من
بيض حمام الحرم غير حرج ولا لازم بإماطته إياها شيء؛ لأن في
تركه إياها على فراشه عليه أذى، ولم ير جائزًا إماطتها عن الموضع
الذي لا أذى عليه في كونها فيه، فكذلك كان فعل عمر في إطارته
الحمامة التي ذرقت على يده في الموضع الذي كانت واقفة عليه.
وقال داود: من قتل صيدًا في الحرم فلا جزاء عليه، واتفق الفقهاء
كما قال الطبري: أن نهيه عن اختلاء خلاها هو مما ينبت فيه مما أنبته الله
تعالى، ولم يكن للآدمي فيه صنع، فأما ما أنبته الآدميون فلا بأس
باختلائه.
واختلف السلف في الرعي في خلاها: هل هو داخل في هذا النهي
أم لا؟
فقال بعضهم: لا، ولا بأس به، وروي ذَلِكَ عن طاوس وعطاء
ومجاهد وابن أبي ليلى إلا أنه لا يحبط، وحكى ابن المنذر مثله عن
(١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٤١٨/٤ (٨٢٨٦) كتاب: الحج، باب: بيض
الحمام - مختصرًا - ورواه بتمامه الأزرقي في ((أخبار مكة)) ٢/ ١٤٢، والفاكهي ٣/
٣٨٦ - ٣٨٧ (٢٢٦٩).

٤٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -=
أبي يوسف والشافعي؛ وعلة ذَلِكَ أن النهي إنما ورد في الاختلاء دون
الرعي فيها، والراعي غير المختلي؛ لأن المختلي هو الذي يقطع
الخلاء بنفسه، وقال آخرون: لا يجوز الرعي فيها؛ لأن الرعي أكثر
من الاختلاء، هذا قول أبي حنيفة وصاحبيه قالوا: لو جاز ذَلِكَ جاز
أن يحتش منه إلا الإذخر خاصة.
وقال مالك: لا يحتش لدابته(١)، واعتلوا بالحديث، واختلاؤه
استهلاك له، وإماتة وإرعاء المواشي فيه أكثر من احتشاشه في
الاستهلاك، وأما جواز أجتناء الكمأة فلا صنع فيها لبني آدم؛ لأنه
لا يقع عليها اسم شجر ولا حشيش، وفي إجماع الجميع: أنه لا بأس
بشرب مياه آباره، والانتفاع بترابه للدليل الواضح أن ما أحدث الله في
حرمه مطلق أخذه والانتفاع به كالكمأة؛ لأنها لا تستحق اسم كلا
ولا شجر، وإنما هي كبعض ما خلق الله فيها من الشجر والمدر
والمياه إذ لا أصل لها ثابت.
وطلب العباس استثناء الإذخر يحتمل أن يكون تحريم مكة خاصة
من تحريم الله، ويكون سائر ما ذكر في الحديث من تحريمه العليها؛
فلذلك طلب استثناءه، ولو كان من تحريم الله ما استبيح منه إذخر
ولا غيره، وقد يأتي في آية وفي حديث أشياء منها فرض، ومنها
سنة، ومنها رغبة، ويكون الكلام فيها كلها واحدًا قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ﴾ الآية [النحل: ٩٠] والعدل فرض،
والإحسان والباقي سنن ورغائب، ومثله قوله العليا: ((إذا ركع فاركعوا،
(١) انظر: ((المبسوط)) ١٠٤/٤-١٠٥، ((المنتقى)) ٨٢/٣، ((المجموع)) ٤٥٥/٧-
٤٥٦، ((الفروع ٤٧٧/٣-٤٧٨.

٤٠٥
كِتَابُ جَزَاءِ الضَّيْدِ
=
وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد))(١)، والركوع
فريضة، وقوله: ربنا ولك الحمد نافلة، ويحتمل أن يكون تحريم
مكة وكل ما ذكر في هذا الحديث من تحريم الله تعالى، ويكون
وجه استثنائه ذَلِكَ؛ لأن الرب تعالى أعلم نبيه في كتابه بتحليل
المحرمات عند الضرورات كالميتة وغيرها، ثم أحلها بالآية الأخرى،
وهو حسن.
وقوله: ( ((وأنه لا يحل القتال فيه لأحد قبلي)) ) فيه الإبانة أن مكة غير
جائز لأحد أستحلالها ولا نصب الحرب عليها؛ لقتال أهلها بعدما
حرمها الله ورسوله إلى قيام الساعة، وذلك أنه التليف أخبر حين فرغ
من أمر المشركين بها، وأنها لله تعالى حرم، وأنها لم تحل لأحد قبله
ولا أحد بعده بعد تلك الساعة التي حارب فيها المشركين وأنها قد
عادت حرمتها كما كانت فكان معلومًا بقوله هذا أنها لا تحل لأحد
بعده بالمعنى الذي حلت له به، وذلك محاربة أهلها وقتالهم وردهم
عن دينهم.
وأما قتال الحجاج وغيره لها، ونصب الحرب لها (٢)، وأن القرمطي
(١) سلف برقم (٦٨٩) كتاب: الأذان، باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به، ورواه مسلم
(٤١١) كتاب: الصلاة، باب: أنتمام المأموم بالإمام. من حديث أنس، وفي
الباب من حديث عائشة وأبي هريرة.
(٢) رواه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) ٢٢٨/٥-٢٢٩ مطولًا. ورواه هكذا الفاكهي
في ((أخبار مكة)) ٣٥٥/٢-٣٥٩ (١٦٥٤)، ورواه العقيلي في ((الضعفاء)) ٢٢٢/٤
في ترجمة مشرح بن هاعان، بسنده إلى موسى بن داود قال: بلغني أن مشرح بن
هاعان كان ممن جاء مع الحجاج، ونصب المنجنيق على الكعبة، ورواه الحاكم
في ((المستدرك)) ٥٥٧/٣ بلفظ آخر من حديث مكحول قال: بينما أنا مع ابن عمر
آذ نصب الحجاج المنجنيق على الكعبة .. الحديث.

٤٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الكافر قلع الحجر الأسود منها وأمسك سبعة عشر عامًا (١)، فوجهه: أن
الحجاج وكل من نصب الحرب عليها بعد رسول الله وَ ﴿ لم يكن ذَلِكَ له
مباحًا ولا حلالاً كما حل للشارع، وليس قوله: «قد عادت حرمتها كما
كانت ولا يحل القتال بها لأحد بعدي)) أن هذا لا يقع ولا يكون، وكيف
يريد ذَلِكَ وقد أنذرنا أن ذا السويقتين من الحبشة يخربها حجرًا حجرًا(٢)،
وإنما معناه أن قتالها ونصب الحرب عليها حرام بعده على كل أحد إلى
يوم القيامة، وأن من استباح ذَلِكَ فقد ركب ذنبًا عظيمًا، واستحل محرمًا
شنيعًا .
فإن قلت: لو أرتد مرتد بمكة فمنع أهلها السلطان من إقامة الحد
عليه أيجوز للسلطان حربهم وقتالهم حَتَّى يصل إلى من يجب عليه
إقامة الحد؟
قلت: نعم، ولكن يجب على الإمام الاحتيال؛ لإخراجهم من
الحرم حَتَّى يقيمه بالحصار ومنع الطعام ونحوه.
(١) لزيادة بيان ينظر: ((المنتظم)) لابن الجوزي ٢٢١/٦-٢٢٥، و((الكامل)) لابن الأثير
٨/ ١٤٣-١٤٤، و((وفيات الأعيان)) لابن خلكان ١٤٨/٢-١٥٠، و((الوافي
بالوفيات)) للصفدي ٣٦٣/١٥-٣٦٦، و((البداية والنهاية)) ١٩٠/١١-١٩٣،
و«سير أعلام النبلاء)) ٣٢٠/١٥- ٣٢٥.
(٢) سلف برقم (١٥٩١) باب: قول الله تعالى ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَمًا
لِّلنَّاسِ﴾، ورواه مسلم (٢٩٠٩) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: لا تقوم
الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل ..

٤٠٧
كِتَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ
===
١١ - باب الحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ
وَكَوى ابن عُمَرَ ابنهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ. وَيَتَدَاوىُ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ
طِیب.
١٨٣٥ - حَدَّثَنَا عَلَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ عَمْرٌو: أَوَّلُ شَيْءٍ
سَمِعْتُ عَطَاءَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَقُولُ: أَخْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ
وَلَهُ وَهُوَ تُخْرِمٌ. ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: حَدَّثَنِي طَاوُسٌ، عَنِ ابن عَبَّاسِ. فَقُلْتُ: لَعَلَّهُ سَمِعَهُ
مِنْهُمَا. [١٩٣٨، ١٩٣٩، ٢١٠٣، ٢٢٧٨، ٢٢٧٩، ٥٦٩١، ٥٦٩٤، ٥٦٩٥، ٥٦٩٩، ٥٧٠٠، ٥٧٠١ -
مسلم: ١٢٠٢ - فتح: ٤/ ٥٠]
١٨٣٦ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُّ ◌َخْلَدٍ، حَذَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ آَبِي
عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَغْرَجِ، عَنِ ابنِ بُحَيْنَةَ ﴾ قَالَ: أَخْتَجَمَ النَّبِيُّ وََّ وَهُوَ مُحْرِمٌ
بِلَخِي جَمَلٍ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ. [٥٦٩٨ - مسلم: ١٢٠٣ - فتح: ٤ / ٥٠]
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ عَمْرٌو: أَوَّلُ شَيْءٍ
سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ: سَمِعْتُ ابن عَبَّاسِ يَقُولُ: أَحْتَجَمَ رَسُولُ اللهِنَّهِ وَهُوَ
مُخْرِمٌ. ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: حَدَّثَنِي طَاؤُسٌ، عَنِ ابن عَبَّاسِ. فَقُلْتُ: لَعَلَّهُ
سَمِعَهُ مِنْهُمَا.
ثم ذكر حديث ابن بُحَيْنَةَ قَالَ: أَحْتَجَمَ النَّبِيُّ بَّهِ وَهْوَ مُخْرِمٌ بِلَحْىٍ
جَمَلٍ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ.
الشرح :
حديث ابن عباس أخرجه مسلم والأربعة (١)، زاد البخاري:
واحتجم وهو صائم. ولما خرج هذِه الزيادة النسائي عن محمود بن
(١) مسلم (١٢٠٢)، أبو داود (٢٣٧٣)، الترمذي (٧٧٥ -٧٧٧)، النسائي (٥/ ١٩٣)،
ابن ماجه (١٦٨٢، ٣٠٨١).

٤٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
غيلان: ثنا قبيصة عن الثوري، عن حماد، عن سعيد، عن ابن عباس أن
النبي وَ ﴿ احتجم وهو صائم. قال: هذا خطأ، لا نعلم أن أحدًا رواه عن
سفيان، عن قبيصة. وقبيصة كثير الخطأ، وقد رواه أبو هاشم، عن حماد
مرسلًا(١)، ورواه الحميدي، عن ابن عينة: حَدَّثَنَا بهذا الحديث عمرو بن
مرة قال فيه: سمعت عطاء يقول سمعت ابن عباس، ومرة سمعته يقول:
سمعت طاوسًا يحدث عن ابن عباس، فلا أدري أسمعه عمرو منهما
أو كانت إحدى الروايتين وهما (٢). وفي لفظ ابن أبي عمر، عن سفيان
فقلت لعمرو: إنما كنت تحدثناه، عن عطاء، عن ابن عباس، فقال:
أسكت يا بني لم أغلط، كلاهما حَدَّثَني بهذا. وللحاكم: احتجم وهو
محرم على رأسه، ثم قال: صحيح على شرطهما، وهو مخرج
بإسناده فيهما بدون ذكر الرأس (٣).
وحديث ابن بحينة أخرجه مسلم بلفظ: احتجم بطريق مكة وهو
محرم في وسط رأسه(٤)، وفي تعليق البخاري من شقيقة كانت به (٥)،
ولابن ماجه من حديث أبي الزبير عن جابر أنه التقلي احتجم وهو
محرم، من وهصة أخذته(٦)، ولابن أبي شيبة من وثٍ كان بصلبه.
(١) (سنن النسائي الكبرى)) (٢٣٥/٢).
(٢) ((مسند الحميدي)) ٤٤٣/١ (٥٠٨ - ٥٠٩).
(٣) ((المستدرك)) ٤٥٣/١.
(٤) مسلم (١٢٠٣).
(٥) يأتي برقم (٥٧٠١) كتاب: الطب، باب: الحجم من الشقيقة والصداع.
(٦) ابن ماجه (٣٠٨٢) كتاب: المناسك، باب: الحجامة للصائم، ورواه أيضًا ابن
خزيمة ١٨٨/٤ (٢٢٦١)، وأبو الشيخ الأنصاري في ((طبقات المحدثين بأصبهان))
٦٢٣/٣ (٧٧٢)، وقال البوصيري في ((الزوائد)) ص: ٤٠٥: إسناده فيه مقال،
محمد بن أبي الضيف لم أر من ضعفه، وباقي رجال الإسناد ثقات، والحديث
صححه الألباني في ((صحيح ابن ماجه)) (٢٥٠٢).

٤٠٩
كِتَابُ جَزَّاءِ الصَّيْدِ
وللنسائي من وثءٍ كان بظهره أو وركه (١)، وفي ((سنن أبي قرة)) من
حديث سفيان: حَدَّثَنَا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد، عن
ابن عباس: أن النبي ◌َ﴾ احتجم وهو صائم محرم.
فائدة :
الحاجم هو أبو طيبة، قال ابن سعد في ((الطبقات)): حجمه أبو طيبة
لثمان عشرة من رمضان نهارًا، من حديث جابر، ومن حديث ابن
عباس: احتجم بالقاحة وهو صائم محرم. وفي لفظ: محرم من أكلةٍ
أكلها من شاة سمتها امرأة من أهل خيبر. وفي حديث بكير بن
الأشج: احتجم في القمحدوة(٢). وفي حديث عبد الله بن عمر بن
عبد العزيز: كان سمها منفذًا (٣). وفي حديث أنس: المغيئة(٤). وفي
الحاكم على شرطهما من حديث أنس أنه الكفي احتجم وهو محرم
على ظهر القدم من وجع كان به(٥)، و(لحي جمل) بفتح اللام،
وحكى صاحب ((المطالع)) كسرها وسكون الحاء المهملة والجيم
(١) النسائي في ((الكبرى)) ٢٣٦/٢ (٣٢٣٤).
(٢) ((طبقات ابن سعد)) ٤٤٣/١ - ٤٤٥، ٤٤٧.
(٣) رواه ابن سعد ٤٤٧/١، وابن أبي شيبة ٣٨/٥ (٢٣٤٩٢) وضعفه الألباني في
(ضعيف الجامع)) (٢٧٥٨).
(٤) رواه ابن سعد ١/ ٤٤٧، وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٣٥١٧).
(٥) ((المستدرك)) ٤٥٣/١ من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة. عن أنس به.
ورواه من هذا الطريق أبو داود (١٨٣٧) كتاب: المناسك، باب: المحرم
يحتجم، والنسائي ١٩٤/٥، وأحمد ١٦٤/٣، وأبو يعلى ٣٨١/٥ (٣٠٤١)،
وابن خزيمة ٤/ ١٨٧ (٢٦٥٩)، وابن حبان ٩/ ٢٦٧ (٣٩٥٢)، والبغوي في ((شرح
السنة)» ٢٥٨/٧ (١٩٨٦)، والضياء في ((المختارة)) ١١/٧ - ١٢ (٢٣٨١ - ٢٣٨٤).
قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهُذِه الزيادة، وأقره
الذهبي.
=

٤١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
مفتوحة، ثم ميم، ثم لام: موضع بين المدينة ومكة، وهو إلى المدينة
أقرب، احتجم به في حجة الوداع، وهو غير لحي جمل الذي بين
المدينة وفيد، ذكره الحازمي وياقوت (١)، وزعم أبو عبيد أنه ما في
رسم العقيق، وهو بئر جمل الذي ورد ذكرها في حديث أبي الجهيم:
أقبل الكثير من نحو بئر جمل، فذكر مسح وجهه ويديه بالجدار (٢).
وقال صاحب ((المطالع)): هي عقيبة الجَخْفة على سبعة أميال من
السقيا، قال: ورواه بعضهم لحيي جمل بالتثنية، قال في ((الموطأ)):
لحي جمل بطريق مكة (٣)، وجزم به ابن بطال(٤)، ولم يحكِ غيره.
وقوله: (فِي وَسَطِ رَأْسِهِ) بيان لموضعها؛ لاختلافها باختلاف
مواضعها، وفي حديث ((الموطأ)»: احتجم فوق رأسه بلحيي جمل.
وروي أنه قال: إنها شفاء من النعاس والصداع والأضراس(٥).
= وقال أبو داود: سمعت أحمد قال: ابن أبي عروبة أرسله، يعني: عن قتادة.
قال الحافظ في ((الفتح)) ١٥٤/١٠ معقبًا: رجاله رجال الصحيح، إلا أن أبا داود
حكى عن أحمد أن سعيد بن أبي عروبة رواه عن قتادة فأرسله، وسعيد أحفظ من
معمر، وليست هُذِه بعلة قادحة. وانظر: ((صحيح أبي داود)) (١٦١١).
(١) ((معجم البلدان)) ١٥/٥.
(٢) سلف برقم (٣٣٧) كتاب: التيمم، باب: التيمم في الحضر، ورواه مسلم (٣٦٩)
معلقًا.
(٣) ((الموطأ)) ص ٢٣٠.
(٥) روي من حديث ابن عباس وأبي سعيد الخدري وابن عمر وأم سلمة.
(٤)
((شرح ابن بطال)) ٥٠٦/٤.
حديث ابن عباس رواه الطبري في (تهذيب الآثار)) ٢/ ١٣٢ (١٣٣٤)، والطبراني
٢٩/١١ (١٠٩٣٨) من طريق عمر بن رياح، نا ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن
عباس مرفوعًا به. ومن هذا الوجه رواه ابن عدي في ((الكامل)) ١٠٥/٦، ومن
طريقه ابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) ٣٩٤/٢ - ٣٩٥ (١٤٦٩).
=

٤١١
= ڪِتَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ
وقال الليث: ليست في وسط الرأس، إنما هي في فأس الرأس،
وأما التي في وسط الرأس فربما أعمت، وإنما بيَّن أنها في الرأس؛
لما تحتاج إليه من حلق فربما قتلت شيئًا من الدواب.
= قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، عمر بن رياح، قال الفلاس: دجال،
وقال الدارقطني: متروك، وقال ابن عدي: يروي عن ابن طاوس البواطيل ما لا
يتابعه أحد عليه أ.هـ بتصرف، وقال الهيثمي ٩٣/٥: فيه: عمر بن رياح، وهو
متروك. وضعفه الحافظ في ((الفتح)) ١٠/ ١٥٢.
ورواه العقيلي في ((الضعفاء)) ١/ ٨٣، والطبراني ١١/ ١٨٧ (١١٤٤٦)، وابن عدي
١٧٩/٧ من طريق قدامة بن محمد الأشجعي، ثنا إسماعيل بن شبيب الطائفي عن
ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس. قال الألباني في ((الضعيفة)) (٣٥١٣):
موضوع.
وأما حديث أبي سعيد الخدري فرواه الحاكم ٤/ ٢١٠ عن أبي موسى عيسى بن
عبد الله الخياط، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي سعيد مرفوعًا بلفظ:
((المحجمة التي في وسط الرأس من الجنون والجزام والنعاس))، وكان يسميها
منقذة. وقال: صحيح الإسناد! ورده الذهبي بقوله: عيسى في ((الضعفاء)) لابن
حبان وابن عدي.
قال الألباني في «الضعيفة» (٣٥١٣) وقد أورد هذا الحدیث بعد حديث ابن عباس
السالف، قال: عيسى بن عبد الله الخياط، قال فيه ابن عدي: عامة ما يرويه
لا يتابع عليه. ورواه الطبراني في ((الأوسط)) ٤٢/٥ (٤٦٢٣) من حديث محمد بن
كعب القرظي عن أبي سعيد مرفوعًا، بلفظ الحاكم.
وأما حديث ابن عمر فرواه الطبراني ١٢/ ٢٩١ (١٣١٥٠)، وفي ((الأوسط)) ١٦/٥
(٤٥٤٧) عن عبد الله بن محمد العُبادي: نا مسلم بن سالم: نا عبيد الله بن عمر،
عن نافع، عن سالم، عن ابن عمر مرفوعًا.
قال الهيثمي ٩٣/٥: رواه الطبراني في ((الأوسط)) وفيه: مسلمة بن سالم الجهيني،
ويقال: مسلم بن سالم، وهو ضعيف. وقال الألباني في ((الضعيفة)) (٣٥١٦):
إسناده ضعيف جدًّا.
وأما حديث أم سلمة فرواه الطبراني ٢٣ (٦٦٧) إلا أنه قال: والصداع -مكان-
والضرس. وانظر ((الضعيفة)) (٣٥١٦).

٤١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال الداودي: لا يحلق الشعر وإنما يجعل على الشعر الخطمي
وشبهه؛ لتمسك المحاجم. وقال غيره: يحلق وإن قتل الدواب،
وذلك كله مباح للضرورة عند مالك.
واختلف العلماء في الحجامة للمحرم، فرخص فيها عطاء ومسروق
وإبراهيم وطاوس والشعبي(١)، وهو قول الثوري والشافعي وأحمد
وإسحاق؛ أخذًا بظاهر حديث الباب، وقالوا: ما لم يقطع الشعر(٢).
وقال قوم: لا يحتجم المحرم إلا من ضرورة، روي ذَلِكَ عن ابن
عمر (٣)، وبه قال مالك(٤). وحجة هذا القول أن بعض الرواة يقول:
إن النبي ◌َ* احتجم؛ لضرر كان به، رواه هشام بن حسان، عن
عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله وَ﴿ إنما احتجم وهو محرم في
رأسه؛ لأذى كان به(٥)، ورواه حميد الطويل عن أنس قال: احتجم
رسول الله وَ من وجع كان به (٦).
ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز له حلق شيء من شعره حَتَّى
يرمي جمرة العقبة يوم النحر إلا من ضرورة، وأنه إن حلقه من ضرورة
فعليه الفدية التي قضى بها رسول الله وسلم على كعب بن عجرة(٧)،
فإن لم يحلق المحتجم شعرًا فهو كالعرق يقطعه أو الدمل يبطه
أو القرحة ينكؤها ولا يضره ذَلِكَ، ولا شيء عليه عند جماعة
(١) رواه عنهم ابن أبي شيبة ٣٠٦/٣ (١٤٥٨٨، ١٤٥٩١ - ١٤٥٩٢).
(٢) انظر: ((البيان)) ٢٠٥/٤، ((المغني)) ١٢٦/٥.
(٣) رواه الشافعي في ((المسند)) (٨٣٤)، والبيهقي في ((المعرفة)) ١٧٩/٧ (٩٧٣٥).
(٥) يأتي بهذا الإسناد برقم (٥٧٠٠).
(٤) انظر: ((المنتقى)) ٢٤٠/٢.
(٦) رواه أحمد ٢٦٧/٣، وابن خزيمة ١٨٧/٤ (٢٦٥٨)، والضياء في ((المختارة)» ٦/
٤٤ - ٤٥ (٢٠١٢ - ٢٠١٤).
(٧) سلف حديث كعب برقم (١٨١٤).

٤١٣
كِتَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ
العلماء، وعند الحسن البصري: عليه الفدية(١).
وقال ابن التين: الحجامة ضربان، موضع يحتاج إلى حلق الشعر؛
فيفتدي من فعله، والأصل جوازه؛ لهذا الخبر، وفي الفدية قوله تعالى:
﴿فَمَنْ كَانَ مِنكُمْ تَرِيضًا﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]. وموضع يحتاج إلى حلق
في غير الرأس فيفتدي. قال عبد الملك في ((المبسوط)»: شعر الرأس
والجسد سواء، وبه قال أبو حنيفة والشافعي(٢). وقال أهل الظاهر:
لا فدية عليه إلا أن يحلق رأسه(٣).
فإن كانت في موضع لا يحتاج إلى حلق، فإن كانت لضرورة جازت
ولا فدية، وإن كانت لغير ضرورة فمنعه مالك، وأجازه سحنون، وروي
نحوه عن عطاء، فإن قلنا: هو ممنوع ففعل لغير ضرورة. قال ابن حبيب:
لا فدية عليه. وروى نافع، عن ابن عمر: يفتدي(٤). قال مالك: ويبط
المحرم خُراجه، ويفقاً دُمَّله، ويقطع عرقًا إن أحتاج إلى ذَلِكَ(٥).
وفيه من الفقه: أن للمحرم إذا احتاج إلى إخراج دمه بالاحتجام
والفصد ما لم يقطع شعرًا، وأن له العلاج بكل ما عرض له من علة
في جسده بما رجي دفع مكروهها عنه من الأدوية بعد أن لا يأتي في
ذَلِكَ، ما هو محظور عليه في حال إحرامه، ثم لا يلزمه بكل ما فعل
من ذَلِكَ فدية، ولا كفارة، وكذلك لو بط له دملًا، وقلع ضرسًا إن
اشتكاه؛ لأن النبي ◌َّ احتجم في حال إحرامه لحاجته إلى ذَلِكَ ثم
(١) ((الإجماع)) لابن المنذر ص٤٦ (١٧٥ - ١٦٧).
(٢) انظر: ((مختصر الطحاوي)) ص٦٩، ((الإشراف)) لعبد الوهاب ٢٧٧/١، ((روضة
الطالبين) ١٣٥/٣.
(٣) ((المحلى)) ٢١١/٧.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٣٠٧/٣ (١٤٥٩٦). (٥) ((النوادر والزيادات)) ٣٥٥/٢.

٤١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
لم ينقل عنه ناقل أنه حظر ذَلِكَ على أحد من أمته، ولا أنه افتدى، فبان
بذلك أن كل ما كان نظير الحجامة التي هي إخراج الدم من جسده فله
فعله، ونظيره قلع الضرس وبط الجرح، وفصد العرق، وقطع الظفر الذي
انقلع فتعلق فآذى صاحبه أن على المحرم قلعه، ولا فدية.
وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن للمحرم أن يزيل عن نفسه
ما أنكسر من أظفاره، وأجمعوا أنه ممنوع من أخذ أظفاره(١) وذكر
عن الكوفيين: أن المحرم إذا أصابه في أظافيره أذى يقصها، وكفر
بأي الكفارات شاء.
وقال أبو ثور: فيها قولان أحدهما: قول الكوفيين، والثاني:
لا شيء عليه بمنزلة الظفر ينكسر(٢). وقال ابن القاسم: لا شيء عليه،
وإذا أراد أن يداوي قرحة فلم يقدر على ذَلِكَ إلا أن يقلم أظفاره(٣).
قال ابن عباس: إذا أوجعه ضرسه ينزعه، فإن الله لا يصنع بأذاكم
شيئًا(٤)، وكذلك إذا انكسر ظفره(٥)، وقاله عطاء وإبراهيم وسعيد بن
المسيب(٦)، وقال عطاء: ينتقش الشوكة من رجله، ويداوي جرحه.
وقال الحسن: إن أصابته شجة فلا بأس أن يأخذ ما حولها من
الشعر، ثم يداويها بما ليس فيه طيب.
(١) ((الإجماع)) لابن المنذر ص٥٠.
(٢) أنظر: ((المبسوط)) ٧٢/٤-٧٣، ((البيان)) ٢١٦/٤، ((المغني)) ٣٨٨/٥-٣٨٩،
((المحلى)) ٧/ ٢١٣.
(٣) ((النوادر والزيادات)) ٣٥٥/٢.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ١٣١/٣ (١٢٧٦٩) بمعناه.
(٥) السابق ١٢٩/٣ (١٢٧٥٢).
(٦) انظر: ((المصنف)) ١٣٠/٣-١٣١ (١٢٧٥٦، ١٢٧٥٩، ١٢٧٦٧، ١٢٧٧١).

٤١٥
كِتَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ
-
١٢ - باب تَزْوِيجِ المُحْرِمِ
١٨٣٧ - حَدَّثَنَا أَبُو المُغِيرَةِ عَبْدُ القُدُّوسِ بْنُ الَحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي
عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ وَّ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةً وَهُوَ
تحرِمٌ. [٤٢٥٨، ٤٢٥٩، ٥١١٤ - مسلم: ١٤١٠ - فتح: ٤/ ٥١]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ.
هذا الحديث أخرجه مسلم (١)، زاد البخاري في موضع آخر: وهو
في عمرة القضاء، وبنى بها وهو حلال، وماتت بسرف (٢)، وقال فيه
أيضًا: زاد ابن إسحاق: حَدَّثَني ابن أبي نجيح وأبان بن صالح، عن
عطاء ومجاهد، عن ابن عباس: تزوج النبي ◌ّ ميمونة في عمرة
القضاء (٣)، وهذا التعليق أسنده النسائي، عن هناد، عن يحيى بن
زكريا بن أبي زائدة إلى ابن إسحاق فذكره(4)، وأسنده الحاكم في
((إكليله)) من حديث يونس، عن ابن إسحاق، وأخرجه النسائي من
حديث عمرو بن علي، عن أبي عاصم، عن عثمان بن الأسود، عن
ابن أبي مليكة، عن عائشة أن رسول الله وَلو تزوج وهو محرم، قال
عمرو: قلت لأبي عاصم: أنت أمليت هذا علينا من الرقعة، ليس فيه
عائشة. قال: دع عائشة حَتَّى أنظر فيه(٥).
(١) مسلم (١٤١٠) كتاب: النكاح، باب: تحريم نكاح المحرم.
(٢) سيأتي برقم (٤٢٥٨) كتاب: المغازي، باب: غزوة زيد بن حارثة.
(٣) يأتي برقم (٤٢٥٩).
(٤) النسائي في ((الكبرى)) ٢٣١/٢ (٣٢٠٢).
(٥) السابق ٢٨٩/٣ (٥٤٠٩).

٤١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ورواه الطحاوي من حديث أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة:
تزوج النبي ◌ّ﴿ بعض نسائه وهو محرم(١). ثم قال: نقلة هذا الحديث
كلهم ثقات يحتج برواياتهم(٢). وهو رد على قول ابن عبد البر:
ما أعلم أحدًا من الصحابة روى أنه تزوج وهو محرم إلا ابن عباس(٣).
ولابن أبي شيبة عن عيسى بن يونس، عن ابن جريج، عن عطاء
قال: تزوج النبي وَلّ﴾ ميمونة وهو محرم. وعن أبي الضحى، عن
مسروق أن النبي (18 تزوج وهو محرم(٤). وللدارقطني من حديث
أبي صالح عن أبي هريرة: تزوجها وهو محرم(٥).
واختلف العلماء في تزويج رسول الله ويله بميمونة، فروى ابن
عباس: أنه پڼ تزوجها وهو محرم. وروي أنه تزوجها وهو حلال،
أخرجاه من حديث ميمونة (٦). قال يزيد بن الأصم: وكانت خالتي
(١) (شرح معاني الآثار)) ٢٦٩/٢. ورواه أيضًا النسائي في ((الكبرى)) ٢٨٨/٣ - ٢٨٩
(٥٤٠٨)، وابن حبان ٩/ ٤٤٠ (٤١٣٢) كتاب: النكاح، باب: حرمة المناكحة،
والبيهقي ٢١٢/٧ - ٢١٣ كتاب: النكاح، باب: نكاح المحرم، وأعله بالإرسال،
قال الحافظ في ((الفتح)) ١٦٦/٩: وهذا ليس بقادح.
قال الألباني في «صحیح موارد الظمآن» (١٠٦٣): صحيح لغيره دون قوله الأول:
وهو محرم.
(٢) ((شرح معاني الآثار)) ٢٧١/٢.
(٣) ((التمهيد)» ١٥٣/٣.
(٤) ((المصنف)) ١٤٨/٣ (١٢٩٥٦، ١٢٩٦٤) كتاب: الحج، في المحرم يتزوج، من
رخص في ذلك.
(٥) الدارقطني ٢٦٣/٣، ورواه أيضًا الطحاوي ٢٧٠/٢، وصححه الحافظ في
((الفتح)) ٤/ ٥٢.
(٦) قلت: هذا الحديث لم يخرجه البخاري، بل انفرد به مسلم (١٤١١) كتاب:
النكاح، باب: تحريم نكاح المحرم وكراهية خطبته.

٤١٧
= كِتَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ
وخالة ابن عباس(١). ولأحمد: تزوجني حلالًا وبنى بي حلالًا،
واستغربه الترمذي(٢)، وحسن حديث أبي رافع مثله بزيادة: وكنت
السفير بينهما(٣)، والروايات في ذَلِكَ متواترة عن أبي رافع مولى
رسول الله (٤)، وعن سليمان بن يسار وهو مولاها (٥)، وعن يزيد بن
(١) مسلم (١٤١١).
(٢) الترمذي (٨٤٥) كتاب: الحج، باب: ما جاء في الرخصة في تزويج المحرم.
والحديث رواه مسلم (١٤١١) بإسناد آخر، وانظر ((صحيح أبي داود)) (١٦١٦).
(٣) الترمذي (٨٤١) كتاب: الحج، باب: ما جاء في كراهية تزويج المحرم.
(٤) رواه الترمذي (٨٤١) كتاب: الحج، باب: ما جاء في كراهية تزويج المحرم،
وأحمد ٣٩٢/٥-٣٩٣، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) ٣٣٧/١ (٤٦١)،
والنسائي في ((الكبرى)) ٢٨٨/٣ (٥٤٠٢)، والروياني ٤٦٧/٢ (٧٠٣)،
والطحاوي في ((شرح المعاني)) ٢٧٠/٢، وابن حبان ٤٣٨/٩ (٤١٣٠)، ٩/
٤٤٢ - ٤٤٣ (٤١٣٥)، والطبرانى ٣١٠/١ (٩١٥)، والدارقطنى ٢٦٢/٢ - ٢٦٣،
وأبو نعيم في ((الحلية)) ٢٦٤/٣، والبيهقي ٦٦/٥، ٢١١/٧، والخطيب في
(الموضح)) ٧٩/٢، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٥٢/٣، والبغوي في ((شرح
السنة)) ٧/ ٢٥٢ (١٩٨٢) من طريق مطر الوراق عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن
سلیمان بن يسار عن أبي رافع، به.
قال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: لا أعلم روى عن ربيعة بن
أبني عبد الرحمن عن سليمان بن يسار عن أبي رافع أن النبي وَّ ه تزوج ميمونة وهو
حلال غير مطر الوراق أ.هـ ((العلل الكبير)) ١/ ٣٧٨، وضعفه الألباني في ((ضعيف
الترمذي».
(٥) رواه مالك ١/ ٥٩٢ (١٥٣٦) كتاب: النكاح، باب: ما جاء في نكاح المحرم،
وابن سعد ١٣٣/٨، والطحاوي ٢/ ٢٧٠ من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن
سليمان بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ◌َّهر، أن رسول الله وَلقر بعث أبا رافع ..
الحدیث -هكذا مرسلًا.
سئل الدارقطني عن حديث سليمان بن يسار عن أبي رافع أن النبي ◌َّ ه تزوج ميمونة
حلالًا.
=

٤١٨
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الأصم وهو ابن أختها(١)، وجمهور علماء المدينة يقولون: لم ينكح
رسول الله ◌َ﴾ ميمونة إلا وهو حلال. وروى مالك، عن ربيعة، عن
سليمان بن يسار أن رسول الله وَل و بعث أبا رافع مولاه ورجلاً من
الأنصار فزوجاه ميمونة بنت الحارث، ورسول الله وق لقه بالمدينة قبل
أن يخرج(٢).
= فقال يرويه ربيعة بن أبي عبد الرحمن واختلف عنه فرواه مطر الوراق، عن ربيعة،
عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع متصلًا.
وكذلك رواه بشر بن السري، عن مالك بن أنس، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار،
عن أبي رافع، وخالفه أصحاب مالك فرووه عن مالك، عن ربيعة، عن سليمان أن
النبي ◌َّر، بعث أبا رافع، مرسلًا. وحديث مطر وبشر السري متصلًا، وهما ثقتان.
أ.هـ ((علل الدارقطني)) ١٣/٧ - ١٤ (١١٧٥).
وقال ابن عبد البر: الحديث رواه مطر الوراق عن ربيعة، عن سليمان بن يسار،
عن أبي رافع، وذلك عندي غلط من مطر، لأن سليمان بن يسار ولد سنة أربع
وثلاثين، وقيل سنة سبع وعشرين، ومات أبو رافع بالمدينة بعد قتل عثمان بیسیر.
وكان قتل عثمان # في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وغير جائز ولا ممكن أن
يسمع سليمان بن يسار من أبي رافع، ومن الممكن أن يسمع سليمان بن يسار من
ميمونة، لما ذكرنا من مولده؛ ولأن ميمونة مولاته، ومولاة أخوته أعتقتهم،
وولاؤهم لها وتوفيت ميمونة سنة ست وستين، وصلى عليها ابن عباس، فغير نكير
أن يسمع منها، ويستحيل أن يخفى عليه أمرها، وهو مولاها، وموضعه من الفقه
موضعه. أ.هـ ((التمهيد))، ١٥١/٣.
وقال الحافظ: الحديث تعقبه ابن عبد البر بالانقطاع، بأن سليمان لم يسمع من
أبي رافع، ولكن وقع التصريح بسماعه منه في ((تاريخ ابن أبي خيثمة)) في حديث
نزول الأبطح، ورجح ابن القطان أتصاله، ورجح أن مولد سليمان سنة سبع
وعشرين، ووفاة أبي رافع سنة ست وثلاثين، فيكون سنه ثمان سنين أو أكثر. أ.هـ
(تلخيص الحبير)) ٥٠/٣. وانظر: ((الإرواء)) (١٨٤٩).
(١) رواه مسلم (١٤١١) كتاب النكاح. باب: تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته.
(٢) ((الموطأ)) ٥٩٢/١ (١٥٣٦) كتاب: النكاح، باب: ما جاء في نكاح المحرم.
٠

٤١٩
كِتَابُ جَزَّاءِ الصَّيْدِ
=
واختلف الفقهاء في ذَلِكَ من أجل أختلاف الآثار، فذهب أهل
المدينة إلى أن المحرم لا ينكح ولا يُنكح غيره، فإن فعل فالنكاح
باطل، وروي ذَلِكَ عن عمر وعثمان وابنه أبان وعلي وزيد بن ثابت
وابن عمر، وبه قال سعيد بن المسيب وسالم وسليمان بن يسار(١)
ومالك والليث والأوزاعي والشافعي وأحمد(٢). وفي أفراد مسلم من
حديث عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ويلقول: ((لا ينكح المحرم
ولا ينكح ولا يخطب)»(٣)، وأبعد من قال في الاعتذار عن البخاري
كونه لم يخرجه(٤): راويان: نبيه وأبان بعن ولم يصرحا بالتحديث(٥)،
ففي مسلم التصريح بإخبار أبان بن عثمان. نعم قال أحمد: لم يسمع
منه وذهب الثوري والكوفيون: إلى أنه يجوز للمحرم أن ينكح وينكح
غيره، وهو قول ابن مسعود وابن عباس وأنس، ذكره الطحاوي(٦)،
وروي عن القاسم بن محمد والنخعي(٧)، وروي عن معاذ، وحجتهم:
حديث ابن عباس وقالوا: الفروج لا تحل إلا بنكاح أو شراء. والأمة
(١) أنظرها في: ((مسند الشافعي)) ٢١٨/٢ - ٢١٩، و((المصنف)) ١٤٩/٣، و((سنن
البيهقي)) ٦٦/٥.
(٢) أنظر: ((المنتقى)) ٢٣٨/٢، ((روضة الطالبين)) ١٤٤/٣، ((المغني)) ١٦٢/٥.
(٣) مسلم (١٤٠٩) كتاب: النكاح، باب: تحريم نكاح المحرم وكراهية خطبته.
(٤) ورد بهامش الأصل: قال العلائي في ((المراسيل)): ذكر ابن أبي حاتم في
(المراسيل)) عن أبي بكر الأثرم أنه سأل أحمد بن حنبل: أبان سمع من أبيه؟ قال:
لا، من أين سمع منه. انتهى. وفي ((صحيح مسلم)) التصريح بسماعه من عثمان غير
مرة، وکذا صرح بالإخبار أيضا.
(٥) ورد بهامش الأصل: يعني ابن وهب فإنه يرويه عن أبان وفي ((صحيح مسلم))
التصريح بسماعه منه في الحديث نفسه.
(٦) ((شرح معاني الآثار)) ٢/٢، ورواه ابن أبي شيبة ١٤٨/٣.
(٧) رواه ابن أبي شيبة ١٤٨/٣ (١٢٩٥٨ - ١٢٩٥٩).

٤٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
مجمعة على أن المحرم يملك ذَلِكَ بشراءٍ وهبة وميراث في حال إحرامه،
ولا يبطل ملكه، فكذلك إذا ملكه بنكاح لا يبطل ملكه قياسًا على
الشراء، قاله الطبري، قال: والصواب عندنا أن نكاح المحرم فاسد
يجب فسخه؛ لصحة الخبر عن عثمان، عن النبي بَّه بالنهي عن
ذَلِكَ(١)، وخبر ابن عباس: أنه العَرْ تزوجها وهو محرم، فقد عارضهم
فيه غيرهم من الصحابة، وقالوا: تزوجها وهو حلال فلم يكن قول
من قال تزوجها وهو محرم أولى بالقبول من الآخر.
وقد قال سعيد بن المسيب: وَهِم ابن عباس -وإن كانت خالته-
ما تزوجها إلا بعد ما أحل (٢). قال ابن عُلية: حَدَّثَنَا أيوب قال: أنبئت
أن الاختلاف إنما كان في نكاح رسول الله وَله ميمونة، أن رسول الله
وَ و بعث العباس بين يديه؛ لينكحها إياه فأنكحه، قال بعضهم:
أنكحها قبل أن يحرم(٣)، وقال بعضهم: بعدما أحرم. وقد ثبت أن
عمر وعليًّا وزيدًا فرقوا بين محرم نكح وبين امرأته(٤)، ولا يكون هذا
إلا عن صحة ويقين.
وأما قياسهم النكاح على الشراء فإن الذين أفسدوا نكاح المحرم لم
يفسدوه من جهة القياس والاستنباط فتلزمهم المقاييس والأشباه، وإنما
أفسدوه من جهة الخبر الوارد بالنهي عنه فالذي ينبغي لمخالفيهم أن
يناظروهم من جهة الخبر، فإن ثبت لزمهم التسليم له، وإن بطل
(١) رواه مسلم (١٤٠٩).
(٢) رواه البيهقي ٢١٢/٧.
(٣) حديث عمر رواه مالك في ((الموطأ)) ٤٦٣/١ (١١٧٨)، والدارقطني ٢٦٠/٣،
والبيهقي ٢١٣/٧، وصححه الألباني في ((الإرواء)) (١٠٣٨).
(٤) وحديث علي وزيد رواهما البيهقي ٢١٣/٧.