Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
كِتَابُ المُحْصَّرِ
=
وعن سعيد بن المسيب لما قرأ الآية أخذ من الأرض شيئًا ثم قال:
الحصور الذي ليس له إلا مثل هذا (١)، وقيل: الحابس نفسه عن
المعاصي.
وقال ابن عباس: هو الذي لا يُنْزِل(٢).
قلت: والظاهر أنه الذي لا يقع منه مع القدرة؛ لأن العنة عيب،
والأنبياء يصانون عنه(٣)، والآية حجة لأبي حنيفة والشافعي وأشهب
في أن المحصور بعذر عليه الهدي (٤)، وانفرد أشهب بذلك بين
أصحابه(٥)، والآية محمولة عند مالك وأصحابه على المرض(٦)،
وفسر العزيزي الآية بالمنع من السير لمرض أو عدو أو غيره من العوائق.
ومذهب ابن عمر وابن عباس وأهل المدينة: أنه لا يكون إلا من
عدو. وابن مسعود وأهل الكوفة: أنه منه ومن المرض (٧)، وعليهما
الهدي واجب على من منع لعدو، والمعنى فرضيته للمحصر.
(١) رواه الطبري ٢٥٥/٣ (٦٩٧٩)، وابن أبي حاتم ٦٤٣/٢ (٣٤٦٤). قال الحافظ
ابن كثير في «تفسيره» ٥٥/٣: هذا حديث غريب جدًا.
(٢) رواه الطبري ٢٥٦/٣ (٦٩٩٢)، وابن أبي حاتم ٢/ ٦٤٣ (٣٤٦٧). وزاد السيوطي
في ((الدر المنثور» ٣٩/٢ نسبته إلى أحمد في ((الزهد)) وابن المنذر.
(٣) قال القاضي عياض: فاعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى بأنه حصور ليس كما قال
بعضهم: إنه كان هيوبًا أو لا ذكر له بل قد أنكر هذا حذَّاق المفسرين ونقاد
العلماء، وقالوا: هذِه نقيصة وعيب ولا يليق بالأنبياء عليهم السلام؛ وإنما معناه
أنه معصومٌ من الذنوب أي: لا يأتيها كأنه حُصر عنها، وقيل مانعًا نفسه من
الشهوات، وقيل: نسيت له شهوة في النساء. اهـ ((الشفا)) ٨٨/١.
(٤) أنظر: ((المبسوط)) ١٠٦/٤، ((المنتقى)) ٢٧٣/٢، ((الأم)) ١٦٩/٨.
(٥) انظر: ((المنتقى)) ٣٧٢/٢.
(٧) انظر: ((شرح معاني الآثار)) ٢٥٢/٢، ((المجموع)) ٣٢٠/٨.
(٦) السابق.

٢٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١ - باب إِذَا أُخْصِرَ المُعْتَمِرُ
١٨٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ
رضي الله عنهما حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعتَمِرًا فِيِ الفِتْنَةِ قَالَ: إِنْ صُدِذتُ عَنِ البَيْتِ
صَنَعْتُ كَمَا صَنَغْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِنَّهِ. فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ كَانَ
أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الْحَدَيْبِيَّةِ. [انظر: ١٦٣٩ - مسلم: ١٢٣٠ - فتح: ٤/٤]
١٨٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، حَدَّثَنَا جُوَئِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عُبَيْدَ
اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ، وَسَالَمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا كَلَّمَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما
لَيَالِيَ نَزَلَ الْجَيْشُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالاَ: لاَ يَضُرُّكَ أَنْ لاَ تَحُجَّ العَامَ، وَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يُحَالَ
بَيْنَكَ وَبَيْنَ البَيْتِ. فَقَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ البَيْتِ،
فَتَحَرَ النَّبِيُّ بَِّ هَذْيَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَأُشْهِدُكُمْ أَنّ قَدْ أَوْجَبْتُ العُمْرَةَ، إِنْ شَاءَ اللهُ
أَنْطَلِقُ، فَإِنْ خُلَِّ بَيْنِي وَبَيْنَ البَيْتِ طُفْتُ، وَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَعَلْتُ كَمَا فَعَلَ
النَّبِيُّ وَّهِ وَأَنَّا مَعَهُ. فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ مِنْ ذِي الْخَلَيْفَةِ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا
شَأْنُهُمَا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنَّ قَدْ أَوْجَبْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْرَتٍِ. فَلَمْ يَجِلَّ مِنْهُمَا حَتَّى حَلَّ
يَوْمَ النَّحْرِ وَأَهْدِىُ، وَكَانَ يَقُولُ: لاَ يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافًا وَاحِدًا يَوْمَ يَدْخُلُ مَكَّةً.
[انظر: ١٦٣٩ - مسلم: ١٢٣٠ - فتح: ٤/٤]
١٨٠٨ - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعِ، أَنَّ بَعْضَ بَنِي
عَبْدِ اللهِ قَالَ لَهُ لَوْ أَقَمْتَ. بهذا. [انظر: ١٦٣٩ - مسلم: ١٢٣٠ - فتح: ٤/ ٤]
١٨٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدْ قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ صَالِحِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامِ،
حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قَالَ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: قَدْ
أُخْصِرَ رَسُولُ اللهِ وٍَّ فَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَذْيَهُ، حَتَّى أَغْتَمَرَ عَامًا
قَابِلًا. [فتح: ٤/٤]

٢٨٣
= كِتَابُ المُحْصَرِ
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها: أَنَّ ابن عُمَرَ لما خَرَجَ إِلَى مَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الفِتْنَةِ فَقَالَ: إِنْ
صُدِدْتُ عَنِ الْبَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ. وَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ
أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهَ كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ.
ثانيها: حديث عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُمَا كَلَّمَا
عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ لَيَالِيَ نَزَلَ الجَيْشُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالاَ: لاَ يَضُرُّكَ أَنْ لاَ تَحُجَّ
العَامَ .. الحديث، وقد سلفا.
ثالثها: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِح - هو الوحاظي(١) - ثنا
مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَامِ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قَالَ ابن عَبَّاسٍ
رضي الله عنهماً: قَدْ أُخْصِرَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ فَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ،
وَنَحَرَ هَذْيَهُ، حَتَّى أَعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا.
ومحمد هذا قيل: إنه ابن إدريس أبو حاتم الرازي الحافظ، مات
سنة سبع وسبعين ومائتين، كذا هو بخط الدمياطي على حاشية
الصحيح مقتصرًا عليه.
وقال أبو مسعود الدمشقي: محمد هذا هو محمد بن مسلم بن وارة،
وقال الحاكم: هو الذهلي. وقال الكلاباذي: هو محمد بن إدريس
أبو حاتم الرازي، وقال: قاله لي ابن أبي سعيد السرخسي وذكر أنه
رآه في أصلٍ عتيق(٢).
قلت: يؤيده أن الإسماعيلي رواه في ((مستخرجه)) عن عبد الله بن
(١) ورد بهامش الأصل: قوله: (هو الوحاظي) من إيضاح المصنف، مات الوحاظي
سنة ٢٢٢، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي الأول عنه، والباقي
بواسطة ثقة قال القتبي: جهمي.
(٢) انظر: ((تقييد المهمل)) ١٠٤٠/٣.

٢٨٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
محمد بن مسلم، عن أبي حاتم الرازي، ثنا يحيى بن صالح، ومن جهته
رواه ابن طاهر مرسخًا لكونه أبا حاتم(١)، وكذا قال أبو نعيم في
((مستخرجه): حَدَّثَنَا أبو أحمد، ثَنَا عبد الله بن محمد بن مسلم، ثَنَا
أبو حاتم، فذكره.
إذا تقرر ذَلِكَ: فغرض البخاري من هذِه الترجمة الرد على من قال:
إن من أحصر في العمرة بعدو، أنه لابد من الوصول إلى البيت
والاعتمار؛ لأن السنة كلها وقت للعمرة بخلاف الحج، ولا إحصار
في العمرة، ويقيم على إحرامه أبدًا، وهو قول لبعض السلف، حكي
عن مالك وهو مخالف لفعله العليه؛ لأنه كان معتمرًا بالحديبية هو
وجميع أصحابه وما حلوا دون البيت، والفقهاء على خلافه حكم
الإحصار في العمرة والحج عندهم سواء.
واختلف فيمن أحصر بعدو، فقال مالك والشافعي: لا حصر
إلا حصر العدو (٢)، وهو قول ابن عباس(٣) وابن عمر (٤). ومعنى
ذَلِكَ: أنه لا يحل لمحصر أن يحل دون البيت إلا من حصره العدو،
(١) انظر: ((الجمع بين رجال الصحيحين)) ٤٦٧/٢.
(٢) أنظر: ((المدونة)) ٣٩٦/١، ((بداية المجتهد)) ٦٨٨/٢، ((الأم)) ١٣٥/٢.
(٣) رواه الطبري ٢٢١/٢ (٣٢٤٠ - ٣٢٤٢)، وابن أبي حاتم ٣٣٦/١ (١٧٦٨)
والبيهقي في ((سننه)) ٢١٩/٥ كتاب: الحج، باب: من لم ير الإحلال بالإحصار
بالمرض، وفي ((معرفة السنن والآثار)) ٤٩١/٧ (١٠٧٩٥) كتاب: المناسك،
الإحصار بالمرض، وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) ١/ ٣٨٤ إلى سفيان بن عيينة
والشافعي في ((الأم)) وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن
المنذر وابن أبي حاتم.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٢٠٦/٣ (١٣٥٥٣) كتاب: الحج، في الإحصار في الحج
ما يكون، وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) ٣٨٤/١ إلى ابن أبي شيبة.

٢٨٥
=ِ كِتَابُ المُحْصَرِ
كما فعل الشارع، وكان حصره بالعدو، واحتج الشافعي فقال: على
الناس إتمام الحج والعمرة، ورخص الله تعالى في الإحلال للمحصر
بعدو، فقلنا: في كل بأمر الله ولم نعد بالرخصة موضعها كما لم نعد
بالرخصة المسح على الخفين، ولم يجعل عمامة ولا قفازين قياسًا
على الخفين. وخالف الشافعي مالكًا، فأوجب عليه الهدي، ينحره في
المكان الذي حصر فيه، وقد حل، كما فعل النبي ◌ّو بالحديبية، وهو
قول أشهب، وقال أبو حنيفة: الهدي واجب عليه ينحره في الحرم.
وقد حل كما أسلفناه فيما مضى، واحتجوا في إيجاب الهدي عليه
بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ نَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]
فأجابهم الكوفيون: أن هذا إحصار مرض، ولو كان إحصار عدو لم
يكن لهم في نحر أهل الحديبية حجة؛ لأن ما كان معهم من الهدي
لم يكونوا ساقوه لما عرض لهم من حصر العدو؛ لأنه القيّها لم يعلم
حين قلده أنه يصد، وإنما ساقه تطوعًا فلما صد أخبر الله عن صدهم
وحبسهم الهدي عن بلوغ محله.
و کیف يجوز أن ینوب هدي قد ساقه قبل أن يصد عن دم وجب
بالصد، ولم یأمرهم الشارع بهدي؛ لحصرهم، قاله جابر (١)، ولو وجب
عليهم الهدي لأمرهم به كما أمرهم بالهدي الذي وجب عليهم،
فكيف ينقل الحلق ولا ينقل إيجاب الهدي؟ وهو يحتاج إلى بيان من
معه هدي: ما حكمه؟ ومن لا هدي معه، ما حكمه؟ وأما قول أبي
حنيفة: ينحره في الحرم بقوله تعالى: ﴿وَالْهَدّىَ مَعْكُوْفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾
[الفتح: ٢٥] يدل أن التقصير عن بلوغ المحل سواء كان ذَلِكَ في الحل
(١) (شرح معاني الآثار)) ٢/ ١٩٢، وأنظر: ((المنتقى)) ٢٧٣/٢، ((الأم)) ١٣٥/٢-١٣٧.

٢٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -=
أو الحرم اسم التقصير واقع عليه إذا لم يبلغ مكة؛ لقوله تعالى: ﴿مَدْيًا
بَلِغَ الْكُمْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥].
وقول ابن عمر: إنما شأنهما واحد، يعني: الحج والعمرة في
اجتناب ما يجتنب المحرم بالحج وفي العمل لهما؛ لأن طوافًا واحدًا
وسعيًا واحدًا يجزئ القارن عنده.
واختلفوا فيمن أحصر بمرض؛ فقال مالك: لا يجوز له التحلل دون
البيت بالطواف والسعي، ثم عليه حج قابل والهدي، وهو قول الشافعي
وأحمد وإسحاق، وروي عن ابن عمر وابن عباس. وقال أبو حنيفة:
المحصر بالمرض كالمحصر بالعدو، يبعث بهديه إلى الحرم، فإذا
علم أنه نحر عنه حل في مكانه من غير عمل عمرة، وإنما لم ير عليه
عمرة؛ لأنه محرم والعمرة تحتاج إلى إحرام مستأنف ولا يدخل إحرام
على إحرام. وهو قول النخعي وعطاء والثوري(١).
واحتجوا بالحديث السالف هناك ((من كسر أو عرج فقد حل، وعليه
الحج من قابل))(٢)، فيحتمل أن يكون معناه: فقد حل له أن يحل إذا نحر
(١) انظر: ((مختصر الطحاوي)): ص٧١، (شرح معاني الآثار)) ٢٥٣/٢، ٢٤٩،
((الموطأ)) ٥٠٧/٢، ((المنتقى)) ٢٧٦/٢، ((المغني)) ٢٠٣/٥.
(٢) رواه أبو داود (١٨٦٢-١٨٦٣) كتاب: المناسك، باب: الإحصار، والترمذي
(٩٤٠) كتاب: الحج، باب: ما جاء في الذي يهل بالحج فيكسر أو يعرج -وقال:
حديث حسن- والنسائي في ((المجتبى)) ١٩٨/٥-١٩٩ كتاب: المناسك، فيمن
أحصر بعدو، وفي ((الكبرى)) ٣٨٠/٢-٣٨١ (٣٨٤٣-٣٨٤٤) كتاب: الحج،
فيمن أحصر بغير عدو، وابن ماجه (٣٠٧٧-٣٠٧٨) كتاب: المناسك، باب:
المحصر، وأحمد ٣/ ٤٥٠، وابن سعد في ((طبقاته)) ٣١٨/٤، والدارمي ١٢٠٥/٢
(١٩٣٦) كتاب: الحج، باب: في المحصر بعدو، وابن أبي عاصم في ((الآحاد
والمثاني)) ١٧٤/٤-١٧٥ (٢١٥٥)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢٤٩/٢ =

٢٨٧
ـ كِتَابُ المُحْصَرِ
الهدي في الحرم لا على معنى: أنه قد حل بذلك من إحرامه كما يقال:
حلت فلانة للرجال إذا خرجت من عدتها، ليس على معنى: أنها قد
حلت للأزواج فيكون لهم وطؤها، ولكن على معنى: أنه قد حل لهم
تزويجها فيحل لهم حينئذٍ وطؤها وهو سائغ في الكلام، وهذا موافق
معنى حديث ابن عمر أنه التي لم يحل من عمرته بحصر العدو إياه
حَتَّى نحر الهدي(١).
ومعنى هذا الحديث عند أهل المقالة الأولى:
وقد حل يعني: وصل البيت وطاف وسعى حلّا كاملًا، وحل له
بنفس العرج والكسر أن يفعل ما شاء من إلقاء التفث ويفتدي، وليس
للصحيح أن يفعل ذَلِكَ.
قال إسماعيل بن إسحاق: وهذا إسناد صالح من أسانيد الشيوخ،
ولكن أحاديث الثقات تضعفه، حَدَّثَنَا سليمان بن حرب: حَدَّثَنَا حماد
ابن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: خرجت معتمرًا حَتَّى إذا
كتاب: مناسك الحج، باب: حكم المحصر بالحج، وفي ((شرح مشكل الآثار))
=
٣٥٦/٣-٣٥٧ (١٨٥٢-١٨٥٤) -تحفة- وابن قانع في ((معجم الصحابة))
١٩٤/١-١٩٥، والطبراني ٢٢٤/٣-٢٢٥ (٣٢١١-٣٢١٤)، والدارقطني
٢٧٧/٢-٢٧٩، والحاكم في ((المستدرك)) ٤٧٠/١، ٤٨٢-٤٨٣ كتاب:
المناسك -وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه- وأبو نعيم في
((الحلية)) ٣٥٧/١-٣٥٨، والبيهقي ٢٢٠/٥ كتاب: الحج، باب: من رأى
الإحلال بالإحصار بالمرض، والخطيب في ((موضح أوهام الجمع والتفريق))
٣٥/٢-٣٦، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٠٨/١٥ - ٢٠٩، والمزي في ((تهذيب
الكمال)) ٤٤٥/٥-٤٤٦، والذهبي في (سير أعلام النبلاء)) ٢٩/٦ - ٣٠، جميعًا
من حديث الحجاج بن عمرو الأنصاري، والحديث صححه الألباني في ((صحيح
أبي داود)» (١٦٢٧)، وفي ((صحيح الجامع)) (٦٥٢١).
(١) سيأتي برقم (٢٧٠١) كتاب: الصلح، باب: الصلح مع المشركين.

٢٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
کنت بالرئینة وقعت عن راحلتي فانكسرت، فأرسلت إلى ابن عباس وابن
عمر أسألهما فقالا: ليس لها وقت كوقت الحج، يكون على إحرامه
حَتَّى يصل إلى البيت(١).
وحَدَّثَنَا علي، ثَنَا سفيان، قال عمرو: أخبرني ابن عباس قال:
لا حصر إلا حصر العدو. ورواه ابن جريج ومعمر، عن ابن طاوس،
عن أبيه، عن ابن عباس(٢)، فقد بان بما رواه الثقات أنه خلاف
ذَلِكَ؛ لأن ابن عباس حصر الحصر بالعدو دون غيره، فبان أن مذهب
مالك كمذهب ابن عمر، ومن الحجة له في أن المحصر بمرض
لا يحله إلا البيت، قوله تعالى ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ
اَلْحَرَامِ﴾ الآية [الفتح: ٢٥]، فأعلمنا تعالى أنهم حبسوا الهدي عن
بلوغ محله فينبغي أن يكون بلوغ محله شرطًا فيه مع القدرة عليه، وأما
قوله تعالى: ﴿هَدْيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وقوله (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى
الْبَيْتِ الْعَتِّيقِ﴾ [الحج: ٣٣] والمخاطب بذلك: الآمن الذي يجد
السبيل إلى الوصول إلى البيت، والمريض آمن يمكنه ذَلِكَ، وقول
الكوفيين ضعيف، وفيه تناقض؛ لأنهم لا يجيزون لمحصر بعدو
ولا بمرض أن يحل حَتَّى ينحر هديه في الحرم، وإذا أجازوا للمحصر
بمرض أن يبعث هديه ويواعد حامله يومًا ينحر فيه، فيحلق، ويحل
أجازوا له الإحلال بغير يقين من نحر الهدي وبلوغه، وحملوه على
الإحلال بالظنون.
(١) رواه مالك في ((الموطأ)) ص٢٣٧ عن رجل من أهل البصرة. وقال الحافظ في
((الفتح) ١٥/٤ إسناده صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٥٩/٣
(١٣٥٧٧) عن أبي العلاء بن الشخير.
(٢) ورواهما الطبري ٢٢١/٢ (٣٢٤١)، ٢٣٣/٢ (٣٣١٥).

٢٨٩
كِتَابُ المُحْصَرِ
=
والعلماء متفقون على أنه لا يجوز لمن لزمه فرض أن يخرج منه
بالظن، والدليل على أن ذَلِكَ ظن قولهم: أنه لو عطب الهدي أو ضل
أو سرق فحل مرسله وأصاب النساء وصاد، أنه يعود حرامًا، وعليه
جزاء ما صاد، وأباحوا له فساد الحج بالجماع، وألزموه ما يلزم من
لم يحل من إحرامه وهذا تناقض بلا شك.
واحتج الكوفيون بحديث ابن عباس في الباب، حَتَّى اعتمر عامًا
قابلًا في وجوب قضاء الحج أو العمرة على من أحصر في أحدهما
بعدو، وقال أهل الحجاز: معنى قوله: حَتَّى اعتمر إلى آخره، هو
ما عقده معهم في صلح الحديبية أنه لا يمنعوه البيت عامًا قابلًا،
ولا يحال بينهم وبينه، فإما أن يكون ما فعلوه من العمرة قضاء عن
عمرة الحديبية، ففيه النزاع، فيحتاج إلى ذَلِكَ، وسيأتي ما للعلماء فيه
قريبًا في باب: من قال: ليس على المحصر بدل.
وقول ابن عباس: (قد أحصر رسول الله وَلي) حجة على من قال:
لا يقال: أحصره العدو، وإنما يقال: حصره العدو وأحصره المرض،
واحتج بقول ابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو، واحتج به ابن
القصار (١) فيقال له: هذا ابن عباس قال: قد أحصر رسول الله له.
وقام الإجماع أنه العنيف لم يحصر بمرض، وإنما أحصر بعدو عام
الحديبية (٢)، فثبت أنه يقال: حصره العدو وأحصره لغتان.
وقوله: (أشهدكم أني قد أوجبت حجًّا مع عمرتي). فهو حجة لمثبت
القياس، ولمن قال: أن الحج يرتدف على العمرة، وروى معمر، عن
منصور، عن مالك بن الحارث قال: لقيتُ عليًا، وقد أهللت بالحج
(١) انظر: ((عيون المجالس)) ٨٩٣/٢ (٦١٣).
(٢) انظر: ((شرح معاني الآثار)) ٢٥٢/٢.

٢٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
فقلت له: هل أستطيع أن أضيف إلى حجتي عمرة؟ قال: لا ذَلِكَ لو كنت
بدأت بالعمرة ضممت إليها حجًّا(١)، وهذا قول مالك وأبي حنيفة قالا:
ويصير قارنًا(٢)، قال مالك: ولا تدخل العمرة على الحج، وهو قول أبي
ثور وإسحاق. وقال الكوفيون: تجوز ويصير قارنًا، وقال الشافعي
بالعراق كقول الكوفي، وقال بمصر: أكثر من لقيت يقول: ليس له ذَلِكَ.
قال ابن المنذر: والحجة لقول مالك: أن أصل الأعمال أن لا يدخل
عمل على عمل ولا صلاة على صلاة، ولا صوم على صوم ولا حج
على حج، ولا عمرة على عمرة إلا ما خصت السنة في إدخال الحج
على العمرة، وعلى الذي يحرم بعمرة إذا ضم إليها حجًّا فقد ضم إلى
العمل الذي كان قد دخل فيه، وألزم نفسه أعمالًا لم تكن لزمته حين
أحرم بالعمرة، مثل الخروج إلى منى والوقوف بالموقفين، ورمي
الجمار، والمقام بمنى، وغير ذَلِكَ من أعمال الحج، والذي يضم
إلى الحج عمرة لم يضم إليها عملًا؛ لأن عمل المفرد والقارن
واحد، والذي يعتمد عليه في هذا الباب السنة وإجماع الأمة(٣).
(١) لم أقف عليه من هذا الطريق، إنما رواه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار))
٢/ ١٥٧ كتاب: مناسك الحج، باب: إحرام النبي ◌َّر، و٢٠٥/٢ باب: القارن،
والبيهقي ٣٤٨/٤ كتاب: الحج، باب: إدخال الحج على العمرة، و١٠٨/٥،
باب: المفرد والقارن يكفيهما طواف واحد. من عدة طرق عن منصور والأعمش
عن إبراهيم ومالك بن الحارث عن أبي نصر السلمي قال: لقيت عليًا .. الحديث،
ليس في حديث منها عن مالك بن الحارث قال لقيت عليًا، إنما يرويه مالك عن
أبي نصر السلمي، قوله، وقال البيهقي ١٠٨/٥: کذا روي عن فضیل عن منصور،
ورواه الثوري عن منصور، وكذلك شعبة وابن عيينة، وأبو نصر السلمي مجهول.
(٢) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٠١/٢، ((المدونة)) ٣٠٠/١.
(٣) انظر: ((الاستذكار)) ١٣٨/١١، ((المغني)) ٣٧١/٥.

٢٩١
كِتَابُ المُحْصَرِ
وقوله: (في الفتنة) يريد فتنة الحجاج ونزوله على ابن الزبير.
وقوله: (صنعنا كما صنعنا مع رسول الله ێ)، یرید أنه يحل دون
البيت، ويجزئ عنه نسكه ولو لم يكن محرمًا ما دخل فيه؛ لأنه بمنزلة
من تعرض لفوات النَّسك وإبطاله، ويحتمل كما قال ابن التين: أن
يكون ابن عمر لم يتيقن نزول الجيش، وإنما كان يتيقيه ويخاف أن
يكون، ويحتمل أن يكون تيقن نزوله، ولم يتقين صدَّه له؛ لما كان
عليه من اعتزال الطوائف، ويبينه قوله: (إن صددت عن البيت) ولو
لم يتيقن العذر المانع لما جاز أن يحرم؛ لأنه تلبس بعبادة يتيقن أنها
لا تتم فيكون كالقاصد غير البيت بنسكه أو ملتزمًا لتمام النسك،
ومطرحًا للإحلال بالحصر وعلى من فعل ذَلِكَ إتمام نسكه، ولا يحل
دون البيت، قاله ابن الماجشون(١)، ومما يبينه أنه التّها لم يتيقن أن
يصد عام الحديبية؛ لأنه لم يأتهم محاربًا، وإنما قصد العمرة ولم
تكن قريش تمنع من قصد الحج والعمرة.
وقوله: (أليس حسبكم). أي: أليس تكفيكم سنة رسول الله وَالقه؟ لأن
الحسب الكفاية، ومنه حسبنا الله أي: کافینا.
وقال ابن عبد البر: أتفق مالك والشافعي على أن المحصر ينحر
هديه حيث حبس وصد في الحل كان أو في الحرم، وخالفهما أبو حنيفة
وأهل الكوفة، واختلفوا في موضع نحره يوم الحديبية هل كان في الحل أو
في الحرم؟ فكان عطاء يقول: لم ينحر هديه يومها إلا في الحرم، وهو
قول ابن إسحاق، وقال غيره من أصحاب المغازي: لم ينحره إلا في
الحل وهو قول الشافعي(٢)، وقد سلف الخلاف فيه هناك.
(١) ((المنتقى)) ٢٧٥/٢.
(٢) ((الاستذكار)) ١٢/ ٨٠.

٢٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وذكر يعقوب بن سفيان: أخبرنا ابن أبي أويس عن مجمع بن
يعقوب(١)، عن أبيه قال: لما حبس رسول الله وَله وأصحابه نحروا
بالحديبية وحلقوا، فبعث الله ريحًا عاصفًا فحملت شعورهم وألقتها
في الحرم(٢). قال: فهذا بيَّن أنهم حلقوا في الحل(٣). وأكثر أهل
العلم على أن المحصر عليه الهدي، خلافًا لمالك.
وقال الطحاوي: إذا نحر المحصر هديه هل يحلق رأسه أم لا؟ فقال
قوم: ليس عليه أن يحلق؛ لأنه قد ذهب عنه النسك كله، وهو قول أبي
حنيفة ومحمد، وقال آخرون: بل يحلق فإن لم يحلق فلا شيء عليه، وهو
قول أبي يوسف -وفي ابن أبي شيبة عن مجاهد أنه اللّه لما أحصر،
ونحر الهدي حلق رأسه(٤)، وهذا يأتي- وقال آخرون: يحلق ويجب
عليه ما يجب على الحاج والمعتمر -وهو قول مالك- فكان من حجة
أبي حنيفة أنه قد سقط عنه بالإحصار جميع مناسك الحج، وذلك مما
يحل به المحرم من إحرامه، ألا ترى أنه إذا طاف يوم النحر حل له
أن يحلق، فيحل له بذلك الطيب واللباس، فلما كان ذَلِكَ مما يفعله
حين يحل يسقط ذلك عنه بالإحصار، سقط عنه سائر ما يحل به
المحرم بسبب الإحصار، وكان من حجة الآخرين عليهم في ذَلِكَ أن
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: يعقوب بن مجمع عن أبيه وعمه، وعنه ابنه مجمع
وابن أخيه إبراهيم بن إسماعيل، وثق.
(٢) رواه من هذا الطريق ابن سعد في ((الطبقات)) ١٠٤/٢، والفاكهي في ((أخبار مكة))
٧٥/٥ (٢٨٦٩).
(٣) ((الاستذكار)) ٨٠/١٢-٨١.
(٤) ((المصنف)) ٣٩٥/٣ (١٥٤٦٩) كتاب: الحج، في المحصر يهدي قبل أن يحلق،
لکنه عن موسی بن أبي کثیر، وقد رواه ابن سعد في ((طبقاته)) ١٠٤/٢ عن مجاهد.

٢٩٣
- كِتَابُ المُحْصَرِ
تلك الأشياء من الطواف والسعي والرمي قد صد عنه المحرم، وحيل بينه
وبينه فسقط عنه أن يفعله، والحلق لم يحل بينه وبينه وهو قادر على فعله
فما كان يصل إلى فعله فحكمه فيه في حال الإحصار كحكمه في غير حال
الإحصار، وما لا يستطيع أن يفعله في حال الإحصار فهو الذي يسقط
عنه(١).
وقد ثبت عنه ټځ أنه حلق حین صد في حديث ابن عمر والمسور(٢)،
وليس لأحد قياس مع وجود السنة الثابتة، وقد دعا رسول الله وَ له
للمحلقين يوم الحديبية ثلاثًا لأنهم لم يشكوا، وللمقصرين مرة(٣)،
فثبت بتفضيله من حلق منهم على من قصّر، أنه كان عليهم ذَلِكَ كما
يكون عليهم لو وصلوا البيت، ولولا ذَلِكَ لما كانوا فيه إلا سواء،
ولا كان لبعضهم في ذَلِكَ فضيلة على بعض، فبان أن حكم الحلق
والتقصير لا يزول بالإحصار، وقد روى الطبراني والنسائي أيضًا، من
حديث ناجية بن جندب، قال: أتيت رسول الله وَّ ر حين صد الهدي.
فقلت: يا رسول الله، أتبعث معي بالهدي فلأنحرنه بالحرم. قال:
((كيف تصنع به؟)) قلت: آخذ به أودية فلا يقدرون عليه، فانطلقت
حتى نحرته بالحرم(٤)، وقد ثبت عنه حین صد في حديث المسور:
(١) (شرح معاني الآثار)) ٢٥٤/٢-٢٥٥.
(٢) سيأتي برقم (٢٧٣١ - ٢٧٣٢) كتاب: الشروط، باب: الشروط في الجهاد.
(٣) سلف برقم (١٨٢٧ - ١٨٢٨) باب: الحلق والتقصير عند الإحلال، ورواه مسلم
(١٣٠١-١٣٠٢) كتاب: الحج، باب: تفضيل الحلق على التقصير وجواز
التقصير.
(٤) لم أقف عليه عند الطبراني، إنما رواه الطبري في ((تفسيره)) ٢٣٢/٢ (٣٣١٢)،
فلعله خطأ في النسخ؛ لتشابه الاسمين، ورواه النسائي في ((الكبرى)) ٤٥٣/٢
(٤١٣٥) كتاب: الحج، هدي المحصر.

٢٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
أنه حلق، قال(١): وذهب قوم إلى أن الهدي إذا صد عن الحرم ذبح في
غيره(٢) احتجاجًا بحديث ابن عباس، وإن كان معه هدي وهو محصر
نحره. وقالوا: إنما نحر هديه بالحديبية إذ صد دل أن من (لم)(٣)
يمنع من إدخال هديه في الحرم أن يذبحه في غير الحرم. وهذا قول
مالك(٤)، وروى سفيان من حديث أبي أسماء مولى عبد الله بن جعفر
قال: خرجت مع علي وعثمان فاشتكى الحسن بالسقيا وهو محرم
فأصابه برسام(٥) فأومأ إلى رأسه فحلق ونحر جزورًا (٦)، ورواه مالك
عن يحيى بن سعيد فلم يذكر عثمان ولا أن الحسن كان محرمًا(٧)(٨).
(١) يعني: الطحاوي.
(٢) ((شرح معاني الآثار)) ٢٤١/٢.
(٣) المعنى غير مستقيم بها ولعلها زائدة، وأنظر: ((شرح معاني الآثار)) ٢٤١/٢.
(٤) أنظر: ((التمهيد)) ١٥٠/١٢.
(٥) البرسام بالكسر، علة يهذي فيها، نعوذ بالله منها، وهو ورم حار يعرض للحجاب
الذي بين الكبد والأمعاء، ثم يتصل إلى الدماغ.
انظر: ((الصحاح)) ١٨٧١/٥، (تاج العروس)) ٤٨/١٦، ((القاموس المحيط))
ص١٣٩٥. مادة: برسم.
(٦) رواه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار) ٢/ ٢٤٢ باب: الهدي يصد عن الحرم ..
(٧) ((الموطأ)) ٤٧٨/١ (١٢٢٤) كتاب: المناسك، جامع الهدي.
(٨) ورد بهامش (س) ما نصه: ثم بلغ في السادس بعد الثلاثين. وبجوارها: آخر ٦ من
٧ من تجزئة المصنف.

٢٩٥
كِتَابُ المُحْصَرِ
=
٢ - باب الإِحْصَارِ في الحَجّ
١٨١٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ:
أَخْبَرَنِ سَالَّ قَالَ: كَانَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ: أَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ
وَبِّه؟ إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الَحَجِّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَاَزْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ
شَيْءٍ، حَتَّى يَجُجّ عَامًا قَابِلًا، فَيُهْدِي أَوْ يَصُومُ، إِن لم يجِدْ هَذيًا.
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالمُ، عَنِ ابن عُمَرَ نَحْوَهُ.
[انظر: ١٦٣٩ - مسلم: ١٢٣٠ - فتح: ٨/٤]
ذكر فيه حديث سَالِمٍ قَالَ: كَانَ ابن عُمَرَ يَقُولُ: أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ
رَسُولِ اللهِ وَّ؟ إِنْ حُبِسٌ أَحَدُكُمْ عَنِ الحَجِّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا
وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى يَحُجَّ قَابِلًا، فَيُهْدِي أَوْ يَصُومُ،
إِنْ لَمْ يَجِدْ هَذیًا. یرید حبس بمرض.
وقوله: (طاف .. ) إلى آخره ويكون محصرًا بمكة. مذهب مالك
والشافعي: أن المحصر بمرض لا يحل حَتَّى يطوف ويسعى(١)، وقال
أبو حنيفة: له التحلل حيث أحصر(٢)، دليلنا قوله تعالى: ﴿وَتِقُواْ الَّْ
وَالْعُبْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] والإتمام يقتضي الوجوب؛ ولأنه متلبس
بالحج لم يصد عنه بيد عادية، فلم يحل دون البيت المخطي الوقت
أو الطريق، فإن شرط التحلل بالمرض، فالمشهور عنه أنه يتحلل به
لحديث ضباعة في ذَلِكَ(٣)، خلافًا لمالك.
(١) رواه مسلم (١٢٠٨) كتاب: الحج، باب: جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر
المرض ونحوه، وأبو داود (١٧٧٦) كتاب: المناسك، باب: الاشتراط في
الحج، والترمذي (٩٤١) كتاب: الحج، باب: ما جاء في الاشتراط في الحج،
وابن الجارود في ((المنتقى)) ٦١/٢ (٤١٩).
(٢) انظر: ((المنتقى)) ٢٧٦/٢، ((الأم)) ١٣٩/٢.
(٣) ((الهداية)) ١٩٥/١.

٢٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقوله: (فيهدي). أي للآية السالفة ولا يذبحه إلا بمكة أو منى
خلافًا للشافعي، وقد سلف، فإن بقى على إحرامه إلى قابل. ففي
الهدي قولان عن مالك، فإن تحلل بعمرة في أشهر الحج، ففي تحلله
قولان لابن القاسم، فإن صححناه. فاختلف قوله: هل يكون متمتعًا
أم لا(١)؟ واحتج ابن عمر فيمن أحصر في الحج أنه يلزمه ما يلزم من
أحصر في العمرة، وحكمهما سواء في ذَلِكَ، قاس الحج على العمرة،
والشارع لم يحصر إلا في عمرة، وهو أصل في إثبات القياس كما
سلف واستعمال الصحابة له.
واختلف العلماء فيمن أحصر بمكة، فقال الشافعي وأبو ثور: حكم
الغريب والمكي سواء يطوف ويسعى ويحل ولا عمرة عليه على ظاهر
حديث ابن عمر، وأوجبها مالك على المحصر المكي، وعلى من
أنشأه من مكة، وقال: لا بد لهم من الخروج إلى الحل لاستئناف
عمرة التحلل؛ لأن الطواف الأول لم يكن نواه للعمرة، فلذلك يعمل
بهذا، وفرق بين هؤلاء وبين الغريب يدخل من الحل محرمًا،
فيطوف، ويسعى، ثم يحصره العدو عن الوقوف، أنه لا يحتاج إلى
الخروج إلى الحل؛ لأن منه دخل ولم يحل من إحرامه، ويتحلل
بعمرة ينشئها من مكة. وقال أبو حنيفة: لا يكون محصرًا من بلغ
مكة؛ لأن الإحصار عنده من منع من الوصول إلى مكة وحيل بينه
وبين الطواف والسعي، فيفعل ما فعل الشارع من الإحلال بموضعه،
وأما من بلغها فحكمه عنده كمن فاته الحج يحل بعمرة، وعليه الحج
من قابل ولا هدي عليه؛ لأن الهدي يجبر ما أدخله على نفسه، ومن
(١) انظر: ((المنتقى)) ٢٧٩/٢.

٢٩٧
كِتَابُ المُحْصَرِ
حبس عن الحج فلم يدخل على نفسه نقصًا. وقال الزهري: إذا أحصر
المكي فلا بد له من الوقوف بعرفة وإن نعش نعشًا.
وفي حديث ابن عمر رد على الزهري؛ لأن المحصر لو وقف بعرفة
لم يكن محصرًا، ألا ترى قول ابن عمر: طاف بالبيت وبين الصفا
والمروة، ولم يذكر الوقوف بعرفة(١).
وفيه أيضًا: رد قول أبي حنيفة: أن من كان بمكة لا يكون محصرًا،
وقد استدل ابن عمر على أنه يكون محصرًا بقوله: (أليس حسبكم سنة
رسول الله ﴿ إن حبس أحدكم عن الحج؟!) والحبس عنه: هو
الإحصار عند أهل اللغة، وقول ابن عمر: ثم حل من كل شيء حَتَّى
يحج عامًا قابلًا، ويهدي هديًا، معناه عند الحجازيين: إن كان
ضرورة، ومعنى الهدي للضرورة: إذا قضى الحج إنما هو من أجل
وقوع الحبس الذي كان يقع له في سفر واحد في سفرين، وكذلك
معنى هدي الإحصار لمرض.
(١) ((التمهيد)) ٢٠٧/١٥، ((الاستذكار)) ١٠٣/١٢، وأنظر: ((مختصر الطحاوي))
ص٧٢، ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٩٢/٢، ((النوادر والزيادات)) ٤٢٨/٢،
((الأم)) ١٣٨/٢.

٢٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٣ - باب النَّحْرِ قَبْلَ الحَلْقِ فِي الحَصْرِ
١٨١١ - حَدَّثَنَا تَحْمُودٌ، حَذَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ،
عَنِ اِسْوَرِ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَخْلِقَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ.
[انظر: ١٦٩٤ - فتح: ٤ /١٠]
١٨١٢ - حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَدْرٍ شُجَاعُ بْنُ الوَلِيدِ، عَنْ عُمَرَ
بْنِ مُحَمَّدِ العُمَرِيِّ قَالَ: وَحَدَّثَ نَافِعْ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ وَسَالما كَلَّمَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي
الله عنهما، فَقَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ بَِّ مُعْتَمِرِينَ، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشِ دُونَ البَيْتِ،
فَتَحَرَ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ بُدْنَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ. [انظر: ١٦٣٩ - مسلم: ١٢٣٠ - فتح: ٤ /١٠]
ذكر فيه حديث المِسْوَرِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، وَأَمَرَ
أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ.
وحديث ابن عمر: خَرَجْنَا مَعَ رسول الله وَّهِ مُعْتَمِرِينَ، فَحَالَت كُفَّارُ
قُرَيْشِ دُونَ البَيْتِ، فَتَحَرَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بُدْنَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ.
قال ابن المنذر: النحر قبل الحلق للمحصر وغيره، هو ظاهر كتاب الله
تعالى، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَّ بَلْغَ اَلْهَذِىُ عِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]
إلا أن سنة المحصر أن ينحر هديه حيث أحصر، وإن كان في الحل
اقتدىُ بالشارع في الحديبية قال تعالى: ﴿وَالْحَدِىَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّمْ﴾
[الفتح: ٢٥] أي: محبوسًا، و(لما)(١) سقط عنه أن يبلغ محله سقط
عنه هدیه.
فأما قوله: ﴿مَدِّيَا بَلِغَ الْكُمْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ
مَجِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِّيقِ﴾ [الحج: ٣٣].
(١) من (ج)، وهي في ((الأصل)): ما.

٢٩٩
كِتَابُ المُحْصَرِ
فقد أسلفنا قبل أن المخاطب به الآمن الذي يجد السبيل إلى
الوصول إلى البيت، وليس للمحصر بعد أن يفعل شيئًا مما يحرم على
المحرمين، حَتَّى ينحر هديه تأسيًا بالشارع، فإن خالف فالفدية لازمة
استدلالًا بأنه القيمة أمر كعب بن عجرة بالفدية (لما)(١) حلق(٢). وهذا
قول مالك والشافعي(٣).
(١) في ((الأصل)) ما، وما أثبتناه من (ج).
(٢) رواه مسلم (١٢٠١) كتاب: الحج، باب: جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به
أذى.
(٣) أنظر: ((المنتقى)) ٦٨/٣، ٦٩، (الأم)) ١٣٥/٢-١٣٦.

٣٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٤ - باب مَنْ قَالَ لَيْسَ عَلَى المُحْصَرِ بَدَلّ
وَقَالَ رَوْحٌ، عَنْ شِبْلٍ، عَنِ ابن أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ
ابن عَبَّاسٍ: إِنَّمَا البَدَّلُ عَلَى مَنْ نَقَضَ حَجَّهُ بِالتَّلَذَّذِ، فَأَمَّا مَنْ
حَبَسَهُ عدَو أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ وَلاَ يَرْجِعُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ
هَذْيٌ وَهُوَ مُحْصَرٌ نَحَرَهُ إِنْ كَانَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ، وإن
استطاع أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدي محله. وقال
مالك وغيره: ينحر هديه، وَيَحْلِقُ فِي أْ مَوْضِعٍ كَانَ، وَلاَ
فَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ وَأَضْحَابَهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ نَحَرُوا وَحَلَقُوا
وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ الطَّوَافِ، وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ الهَدْيُ إِلَى
البَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يُذْكَرْ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ أَمَرَ أَحَدًا أَنْ يَقْضُوا شَيْئًا،
وَلاَ يَعُودِ، وَالْحُدَيْبِيَةُ خَارِجٌ مِنَ الحَرَمِ.
١٨١٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ
رضي الله عنهما قَالَ حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعتَمِرًا في الفِتْنَةِ: إِنْ صُدِدْتُ عَنِ البَيْتِ
صَنَغْنَا كَمَا صَنَغْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّةِ. فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ النَّبِيَّ نََّ كَانَ أَهَلَّ
بِعُمْرَةٍ عَامَ الْحَدَيْبِيَةِ، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَّ وَاحِدٌ.
فَالْتَفَتَ إِلَىْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَّ وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَّ قَدْ أَوْجَبْتُ الحَجَّ مَعَ
العُمْرَةِ. ثُمَّ طَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا، وَرَأَىْ أَنَّ ذَلِكَ نُجْزِيًا عَنْهُ، وَأَهْدِى. [انظر: ١٦٣٩ -
مسلم: ١٢٣٠ - فتح: ١١/٤]
ثم ساق حديث نَافِعِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةً
مُعْتَمِرًا فِي الفِتْنَةِ .. الحديث، وقد سلف.
وروح هو ابن عبادة، وشبل هو ابن عباد المكي الثقة، وقول مالك
إلى آخره هو في ((الموطأ)) (١)، وظاهر كلام ابن عباس أن من أحصر
(١) ((الموطأ)) ص٢٣٦.