Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١ - كِتَابُ الحَجّ قَالَ ابن التين: يحتمل أن يكون غير مقدمة، وإن كان المصبوغ كله مكروهًا للآية، لكن ليس الحجاج ممن يقتدى به فيقال: مقدم من غيره. وقوله: (هُذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَ: نعم) فيه إعلام له بالسنة وأنه التعجيل؛ لأنه حج مع الشارع ورأى أفعاله. وقوله: (فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي) يحتمل أن يكونوا ركبانًا؛ لأن السنة الركوب حينئذٍ لمن له راحلة. وقوله: (فَتَزَلَ حَتَّى خَرَجَ الحَجَّاجُ) يدل عَلَى أنه كان راكبًا. وقوله: (فَقُلْتُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَاقْصُرِ الخُطْبَةَ) يدل له أيضًا حديث عمار ((اقصروا الخطبة))، أخرجه مسلم(١)، وكذا حديث جابر(٢)، وبه قَالَ ابن التين(٣)، والعراقيون من أصحابنا يطلقون أنه لا يخطب الإمام يوم عرفة، ومعناه: أنه ليس لما يأتي به من الخطبة تعلق بالصلاة كخطبة الجمعة؛ لأنها لا تغير حكم الصلاة، وبه قَالَ أبو حنيفة(٤). وقال الشافعي: يخطب(٥)، وهو قول جميع أصحابنا المغاربة، والمدنيون يقولون: يخطب إلا أنهم لا يجعلون للخطبة حكم الخطبة بالصلاة، وإنما يجعلون لها حكم التعليم(٦). (١) مسلم (٨٦٩) كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة. (٢) مسلم (٨٦٦) من حديث جابر بن سمرة، و(٨٦٧) من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري. (٣) أنظر قول ابن التين في ((المنتقى)) ٣٦/٣. (٤) ((المبسوط)) ١٣٠/٢، ((بدائع الصنائع)) ١٥٢/٢. (٥) ((روضة الطالبين)) ٩٣/٣، ((أسنى المطالب)) ٤٨٥/١، ((مغني المحتاج)) ٤٩٦/١. (٦) ((التفريع)) ٣٥٥/١، ((عيون المجالس)) ٨٤٥/٢، ((المنتقى)) ٣٦/٣. ٥٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقد قَالَ ابن حبيب: يخطب قبل الزوال. وقال أبو محمد: فيه نظر. وقال أشهب: إن خطب قبل الزوال لم يجزه ويعيدها، إلا أن يكون صلى الظهر بعد الزوال فيجزئه (١). وقال مالك: كل صلاة يخطب لها، فإنه يجهر فيها بالقراءة، قيل له : فعرفة يخطب فيها ولا يجهر بالقراءة؟ فقال: إنما تلك للتعليم(٢). فائدة : خطب الحج أربع : الأولى: سابع ذي الحجة بعد الزوال فردة، والمالكية: خطبتين يجلس بينهما خلافًا لمحمد، وقيل: قبل الزوال، حكاه محمد، وقال عطاء: أدركتهم يخرجون ولا يخطبون، وأدركتهم يخطبون بمكة. ثانيها: ببطن عُرنة من عرفة يجلس بينهما. ثالثها: يوم النحر. رابعها: أوسط أيام التشريق، وهو يوم الرءوس(٣). (١) ((النوادر والزيادات)) ٣٩٦/٢. (٢) ((المدونة)) ١٥٧/١. (٣) روى أبو داود (١٩٥٣) كتاب: المناسك، باب: أيُّ يوم يخطب بمنى؟ والبخاري في ((التاريخ)) ٢٨٧/٣، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) ٩٢/٦ (٣٣٠٥)، وابن خزيمة ٣١٨/٤ (٢٩٧٣)، والطبراني في ((الأوسط)) ٤٧/٣ (٢٤٣٠)، والبيهقي ١٥١/٥ - ١٥٢ كتاب: الحج، باب: خطبة الإمام بمنى أوسط أيام التشريق، والمزي في (تهذيب الكمال)) ١٢٢/٩ من طريق أبي عاصم، عن ربيعة بن عبد الرحمن بن حصین : حدثتني جدتي سراء بنت نبهان - وكانت ربة بيت في الجاهلية- قالت: خطبنا رسول الله وَل و يوم الرءوس، فقال: ((أي يوم هذا؟))، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: ((أليس أوسط أيام التشريق؟)). وهذا لفظ أبي داود. قال الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٣٣٥): إسناده ضعيف، ربيعة فيه جهالة . = ٥٤٣ = ڪِتَابُ الحَجِّ قَالَ ابن حزم: خطبها رسول الله وَّر يوم الأحد ثاني يوم النحر(١). وهو مذهب أبي حنيفة أيضًا (٢)، وهو يوم القر. وفيه حديث في أبي داود(٣)، وآخر في ((مسند أحمد))(٤)، وآخر في = وروى أيضا أبو داود (١٩٥٢)، والبيهقي ١٥١/٥ من طريق ابن المبارك، عن إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجیح، عن أبيه، عن رجلین من بني بکر قالا : رأینا رسول الله وهو يخطب بين أوسط أيام التشريق ونحن عند راحلته، وهي خطبة رسول الله ﴾﴾ التي خطب بمنی. وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)» (١٧٠٦). (١) (حجة الوداع)) لابن حزم ص ٢٠٥. (٢) ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٨٥/٢. (٣) أبو داود (١٧٦٥) كتاب: المناسك، باب: في الهدي إذا عطب قبل أن يبلغ. ورواه أحمد ٤/ ٣٥٠، والبخاري في ((التاريخ)) ٣٤/٥ - ٣٥، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)» ٣٦٧/٤ (٢٤٠٧)، والنسائي في ((الكبرى)) ٤٤٤/٢ (٤٠٩٨) كتاب: الحج، فضل يوم النحر، وابن خزيمة ٢٧٣/٤ - ٢٧٤ (٢٨٦٦)، ٢٩٤/٤ (٢٩١٧)، ٣١٥/٤ (٢٩٦٦)، وابن حبان ٧/ ٥١ (٢٨١١) كتاب: الصلاة، باب: العيدين، والطبراني في ((الأوسط)) ٤٤/٣ (٢٤٢١)، وفي ((مسند الشاميين)) ١/ ٢٧٢ - ٢٧٣ (٤٧٥)، والحاكم ٢٢١/٤، والبيهقي ٢٣٧/٥، ٢٨٨/٧، وابن الأثير في ((أسد الغابة)) ٣٦٤/٣ - ٣٦٥، والمزي في ((تهذيب الكمال)) ٤٤٥/١٥ من طريق ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، عن عبد الله بن عامر بن لحي، عن عبد الله بن قرط، عن النبي ونَ ﴿ قال: إن أعظم الأيام عند الله تعالى يوم النحر ثم يوم القر، قال عيسى: قال ثور: وهو اليوم الثاني، وقال : .. الحديث. هذا لفظ أبي داود. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الألباني في «صحيح أبي داود)) (١٥٤٩): إسناده صحيح. (٤) ((المسند)) ٧٣/٥ من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن أبي حرة الرقاشي، عن عمه قال: كنت آخذًا بزمام ناقة رسول الله وَلي في أوسط أيام التشريق، أذود عنه الناس فقال : .. الحديث مطولًا. ومن هذا الطريق رواه الدارمي ١٦٤٩/٣ - ١٦٥٠ (٢٥٧٦) كتاب: البيوع، باب : = ٥٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - (١) الدار قطني(١). = في الربا الذي كان في الجاهلية، وأبو يعلى ١٣٩/٣ (١٥٦٩)، والطبراني ٤ / ٥٣ (٣٦٠٩)، وابن الأثير في ((أسد الغابة)) ٣٦٦/٦. وذكره أبو داود معلقًا بعد حديث (١٩٥٣) كتاب: المناسك، باب: أي يوم يخطب بمنى؟ فقال: وكذلك قال عم أبي حرة الرقاشي: إنه خطب أواسط أيام التشريق. وفي ((علل ابن أبي حاتم)) ٣٢٤/٢ - ٣٢٥ (٢٤٩٣) سئل أبو زرعة عن هذا الحديث قيل: هل يسمى أبو حرة، ويسمى عمه؟ فقال: لا يسمى أبو حرة ولا عمه، ولا أعرف له إلا هذا الحديث الواحد. وقال المنذري: أبو حرة الرقاشي: اسمه حنيفة، وقال أبو الفضل محمد بن طاهر: عمه حنيفة، ويقال: حکیم بن أبي زيد، وقيل: عامر بن عبدة الرقاشي، وقال عبد الله البغوي: عم أبي حرة بلغني أن اسمه حذلم بن حنيفة، وعلى بن زيد هذا هو ابن جدعان، لا يحتج بحديثه أهـ ((مختصر أبي داود)) ٦٩/٣، وتعقبه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على ((المختصر))، فقال: علي بن زيد: اختلف فيه، والراجح عندنا أنه ثقة، ومن فقه ترجمته أيقن أن كلام من تكلم فيه لا يضر.اهـ. وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٦٥/٣ - ٢٦٦: أبو حرة الرقاشي وثَّقه أبو داود، وضعَّفه ابن معين، وفيه: علي بن زيد، وفيه كلام، وقال في ١١٦/٤: فيه: علي بن زيد، وهو ضعيف، وقد وثق. وقال الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٣٣٦) وصله الإمام أحمد بسند فيه علي بن زید بن جدعان، وهو ضعيف. (١) ((سنن الدارقطني)) ٢٤٥/٢. ورواه الروياني في ((مسنده» ٤٩٨/٢ - ٤٩٩ (١٥٣٠)، والبغوي في ((معجم الصحابة)) ١١٣/٥ (٢٠١٤)، والطبراني ١٩/ ١٧٥ - ١٧٦ (٤٠٠ - ٤٠١) من طريق كرامة بنت الحسين بن جعفر بن الحارث قالت: سمعت أبي يحدث، عن أبي عياش، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، عن كعب بن عاصم الأشعري: أن رسول الله ﴿ خطب بمنى أوسط أيام الأضحى - يعني الغد من يوم النحر - وهذا لفظ الدارقطني، وعند بعضهم: أوسط أيام التشريق. وقال البغوي: هذا حديث غريب، وقال الحافظ في ((الإصابة)) ٢٩٧/٣: أخرجه البغوي وقال: غريب، وأخرجه ابن السكن. اهـ وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٣/ ٢٧٢: فيه كرامة بنت الحسين، ولم أجد من ذكرها. ٥٤٥ = ڪِتَابُ الحَجِّ قَالَ ابن حزم: وقد روي أيضًا أنه خطبهم يوم الاثنين، وهو يوم الأكارع، وأوصى بذوي الأرحام خيرًا(١). قَالَ ابن قدامة: وروي عن أبي هريرة أنه كان يخطب العشر كله، وفي ((المصنف)): وكذا ابن الزبير (٢). (١) (حجة الوداع» ص٢٠٥. (٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢٤٦/٣ (١٣٩٧١) كتاب: الحج، في خطبة النبي ◌َّاقر أي يوم يخطب؟ ٥٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ٨٨ - باب: الوُقُوفِ عَلَى الدَّابَّةِ بِعَرَفَةَ ١٦٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي النَّصْرِ، عَنْ عُمَثْرٍ -مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ العَبَّاسِ - عَنْ أُمِّ الفَضْلِ بِنْتِ الحَارِثِ، أَنَّ نَاسَا اخْتَلَفُوا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةً فِي صَوْمِ النَّبِيِّ بَّةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ. فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهْوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَهُ. [انظر: ١٦٥٨ - مسلم: ١١٢٣ - فتح: ٣/ ٥١٣] ذكر فيه حديث أم الفضل السالف قريبًا في باب صوم يوم عرفة، وفي آخره: وَهْوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَهُ(١). والوقوف راكبا أفضل من الترجل للاتباع. وفيه: قوة عَلَى الدعاء والتضرع والتعظيم لشعائر الله، وهو ما اختاره مالك والشافعي وجماعة، وعنه قول: إنهما سواء(٢). وقد سلف هذا المعنى. وفيه: أن الوقوف عَلَى ظهر الدواب مباح، إذا كان بالمعروف ولم يجحف بالدابة، وأن النهي الوارد ألا تتخذ ظهورها منابر، معناه الأغلب الأكثر، بدليل هذا الحديث. وإرسال أم الفضل إلى الشارع؛ لتختبر صومه كما سلف وهو دال علیه، وإن كان قد ترکه لغيره کشبع. وذكر بعضهم فيما حكاه ابن التين: أن من سهل عليه بذل المال (١) برقم (١٦٥٨). (٢) (الاستذكار)) ٢٣/١٣، ((المنتقى)) ١٩/٣، ((البيان)) ٣١٧/٤، ((مغني المحتاج)) ١/ ٤٩٧. ٥٤٧ - كِتَابُ الحَجِّ وشق عليه المشي، فمشيه أكثر أجرًا له، ومن شق عليه بذله وسهل عليه المشي فركوبه أكثر أجرًا له، وهذا على اعتبار المشقة في الأجور، قَالَ: وذلك غیر بعید. ٥٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٨٩ - باب: الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ وَكَانَ ابن عُمَرَ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الإِمَامِ جَمَعَ بَيْنَهُمَا. ١٦٦٢ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِ سَالَمٌ، أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ -عَامَ نَزَلَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما - سَأَلَ عَبْدَ اللهِ ﴾: كَيْفَ تَضْنَعُ فِي المَوْقِفِ يَوْمَ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ سَالمُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَهَجِّزْ بِالصَّلَاةِ يَوْمَ عَرَفَّةً. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: صَدَقَ، إِنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَضْرِ فِي السُّنَّةِ. فَقُلْتُ لِسَالمٍ: أَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِوَلِّ؟ فَقَالَ سَالَمٌ: وَهَلْ تَتَّبِعُونَ فِي ذَلِكَ إِلَّ سُنَّتَهُ؟! [انظر: ١٦٦٠ - فتح: ٥١٣/٣] ثم ذكر معلقًا حديث ابن عمر السالف قريبًا في التهجير(١)، وقد سلف مسندًا (٢)، وحكمة الجمع أول الوقت امتداد الوقوف والدعاء والتضرع والإنابة، وقد أسلفنا في باب: التهجير، اختلاف العلماء فيمن فاتته الصلاة بعرفة مع الإمام، فكان ابن عمر يجمع بينهما، كما حكاه البخاري، وهو قول عطاء ومالك وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وحكاه أبو ثور عن يعقوب ومحمد والشافعي(٣). قال النخعي وأبو حنيفة والثوري: إذا فاتته مع الإمام صلی كل صلاة لوقتها، ولا يجوز الجمع إلا مع الإمام للاتباع. ووجه الدلالة عَلَى الكوفيين قول سالم للحجاج: (إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة يوم عرفة)، وهذا خطاب يتوجه إلى كل أحد مأمومًا كان أو منفردًا أن سنة الصلاة ذَلِكَ الوقت، وكذلك قول ابن عمر: كانوا يجمعون (١) في هامش الأصل: بالرواح يوم عرفة. (٢) برقم (١٦٦٠). (٣) سبق بيان المسألة. ٥٤٩ - كِتَابُ الحَجِّ بينهما، فالسنة لفظ عام يدخل فيه كل مصلٍّ، فمن زعم أنه لبعض المصلين فعليه الدليل. قَالَ الطحاوي: وقد رُوِي عن ابن عمر وعائشة مثل قول الصاحبين من غير خلاف من الصحابة، وقال ابن القصار: قول (الكوفيين) (١) ليس بشيء؛ لقوله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))(٢) وهذا خطاب لكل واحد في نفسه أن يُصلي الصلاتين في وقت إحداهما بعرفة كما فعل وَالت؛ لأن الخطاب إنما يتوجه إلى هيئة الصلاة ووقتها لا إلى الإمامة. واتفق مالك وأبو حنيفة والشافعي عَلَى أنه إذا وافق يوم عرفة يوم جمعة لم يصل بهم الإمام الجمعة، وكذلك قال الطحاوي(٣). قَالَ أبو حنيفة وأبو يوسف: يجمع بمنى من له ولاية الصلاة هناك. وقال محمد ومالك والشافعي: لا يجمع، وإنما يصلي بعرفة الظهر ركعتين سواء، هذا إن كان الإمام من غير أهل عرفة. وقال أبو يوسف: يجمع بها، وسأل أبو يوسف مالكًا عن هذِه المسألة (١) ورد بهامش (م) تعليق على هذِه الكلمة وهو: المراد بالكوفيين: الإمام إبراهيم النخعي والإمام سفيان الثوري والإمام أبو حنيفة ، يقول ابن القصار: إن قولهم: ليس بشيء، لعمري إنه ليس بشيء؛ لأن قولهم ( جارٍ على القاعدة الأصولية، وبين أن الشيء إذا ورد على غير القياس يقتصر فيه على مورده ولا يتعدى إلى غيره، وتقديم الصلاة على وقتها على غير القياس. وقد ورد مع الجماعة والإمام، فيقتصر على مورده ألا يتعدى إلى حالة الانفراد. وبقية الهامش غير واضح ثم بعد ذلك: إنه بخلاف الجمع في مزدلفة فإن الجمع فيها على كل حال بعدم تقديم الصلاة على وقتها ... والله أعلم. (٢) سبق برقم (٦٣١) كتاب: الأذان، باب: الأذان للمسافر، إذا كانوا جماعة والإقامة، وكذلك بعرفة وجمع. من حديث مالك بن الحويرث. (٣) ((المبسوط)) ٥٥/٤، ((المدونة)) ٢٣٩/١، ((المجموع)) ١١٧/٨ - ١١٨. ٥٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - بحضرة الرشيد فقال مالك: سبايانا بالمدينة يعلمون ألا جمعة بعرفة، وعلى هذا أهل الحرمين مكة والمدينة، وهم أعلم بذلك من غيرهم، وقد جمع الشارع بين الصلاتين بعرفة، وصادف ذَلِكَ يوم جمعة، ولم ينقل أنه جهر بالقراءة، فدلَّ أنه وله صلى الظهر (بغير) (١) جهر، ولو جهر لنقل، وأيضًا فإن من شرط الجمعة الاستيطان، وليست عرفة بوطن لأهل مكة، فلم يجز لهم أن يصلوها. وروى ابن وهب عن مالك: أنه إذا وافق يوم جمعة يوم التروية أو يوم عرفة أو يوم النحر أو أيام التشريق لا جمعة عليهم، من كان من أهل مكة أو من أهل الآفاق، قَالَ: ولا صلاة عيد يوم النحر. (١) في (ج): (لغير). ٥٥ ١ = ڪِتَابُ الحَجّ ٩٠ - باب: قَصْرِ الخُطْبَةِ بِعَرَفَةَ ١٦٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالمِ بنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ الَلِكِ بْنَ مَزْوَانَ كَتَبَ إِلَى الحَجَّاجِ أَنْ يَأْتَمَّ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ فِي الحَجِّ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ جَاءَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما وَأَنَا مَعَهُ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ - أَوْ زَالَتْ - فَصَاحَ عِنْدَ فُسْطَاطِهِ أَيْنَ هذا؟ فَخَرَحَ إِلَيْهِ، فَقَالَ ابن عُمَرَ: الرَّوَاحَ. فَقَالَ: الآنَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَنْظِرْنِي أُفِيضُ عَلَّيَّ مَاءً. فَنَزَلَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما حَتَّى خَرَجَ، فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي. فَقُلْتُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ الشُّنَّةَ اليَوْمَ فَاقْصُرِ الْخُطْبَةَ وَعَجِّلِ الوُقُوفَ. فَقَالَ ابن عُمَرَ: صَدَقَ. [انظر: ١٦٦٠ - فتح: ٣/ ٥١٤] ذكر فيه حديث ابن عمر مع الحجاج السالف(١). وقصر الخطبة بعرفة وغيرها سنة، وقد أسلفناه. (١) سلف برقم (١٦٦٠). ٥٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٩١- باب: الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ ١٦٦٤ - حَذَّثَنَا عَلِّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم، عَنْ أَبِيهِ: كُنْتُ أَطْلُبُ بَعِيرًا لِي. وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدْ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ تُحَّمَّدَ بْنَ جُبَثٍ، عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي، فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ رَِّ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ، فَقُلَّتُ: هذا والله مِنَ الْحُمْسِ، فَمَا شَأْنُهُ هَا هُنَا؟ [مسلم: ١٢٢٠ - فتح: ٥١٥/٣] ١٦٦٥ - حَذَّثَنَا فَزْوَةُ بْنُ أَبِي المغْرَاءِ، حَدَّثَنَا عَلِيَّ بْنُ مُشهِرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةً قَالَ عُزوَةُ: كَانَ النَّاسُ يَطُوفُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عُرَاةٌ إِلَّ الخُمْسَ - وَالْحَمْسُ: قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ- وَكَانَتِ الْحُمْسُ يَخْتَسِبُونَ عَلَى النَّاسِ، يُعطِي الرَّجُلُ الرَّجُلَ الثِّيَابَ يَطُوفُ فِيهَا، وَتُعْطِي المَزَّةُ المزْأَةَ الثِّيَابَ تَطُوفُ فِيهَا، فَمَنْ لَمْ يُغْطِهِ الخُمْسُ طَافَ بِالْبَيْتِ عُزْيَانًا، وَكَانَ يُفِيضُ جَمَاعَةُ النَّاسِ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَيُفِيضُ الْخُمْسُ مِنْ جَمْعٍ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَبِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ هذِه الآيَةَ نَزَلَتْ في الخُمْسِ ﴿ثُمَّ أَفِيدُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] قَالَ: كَانُوا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ، فَدُفِعُوا إِلَىْ عَرَفَاتٍ. [٤٥٢٠ - مسلم: ١٢١٩ - فتح: ٥١٥/٣] ذكر فيه حديث مُحَمَّدٍ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم، عَنْ أَبِيهِ: كُنْتُ أَطْلُبُ بَعِيرًا لِي، وفي لفظ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي، فَذَهَبْتُ أَظْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيِّ بَّهِ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ، فَقُلْتُ: هُذا والله مِنَ الحُمْسِ، فَمَا شَأْنُهُ هَا هُنَا؟ هذا الحديث زاد فيه الإسماعيلي في ((صحيحه)) والبرقاني فيما ذكره الحميدي. قَالَ سفيان : -يعني قريشًا- وكانت تسمى الحمس، وكانت قريش لا تجاوز الحرم، ويقولون: نحن أهل الله فلا نخرج من الحرم، وكان سائر الناس يقفون بعرفة، وذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ ٥٥٣ - ڪِتَابُ الحَجّ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] قَالَ سفيان: الأحمس: الشديد في دينه(١). زاد أبو نعيم في ((مستخرجه)): وكان الشيطان قد استهواهم فقال لهم: إن عظمتم غير حرمكم استخف الناس بحرمكم، فكانوا لا يخرجون من الحرم، وقيل: كانت قريش تتكبر أن تقف مع الناس. ولابن إسحاق: حَدَّثَني عبد الله بن أبي بكر، عن عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، عن عمه نافع، عن أبيه جبير قَالَ: رأيتُ النبي ◌َّ﴿ قائمًا مع الناس قبل أن ينزل عليه الوحي توفيقًا من الله تعالى له(٢). وهذا يزيل شبهة من زعم أن رؤية جبير كانت بعد النبوة. قَالَ ابن التين: وروي هذا الحديث، عن سفيان، عن عمرو، عن محمد، عن أبيه -مثل ما في البخاري - قَالَ فيه: رأيته بَِّ قائمًا مع الناس قبل أن يبعث. فمن هاهنا قَالَ بعضهم: إنه ◌َّ حج في الجاهلية(٣)، أما بعد الهجرة فواحدة، وأحاطت قريش به. ثم ذكر البخاري من حديث هِشَام بْنِ عُرْوَةً قَالَ عُرْوَةُ: كَانَ النَّاسُ يَطُوفُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ عُرَاةً إِلَّ الحُمْسَ - وَالْحُمْسُ: قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ .. الحديث، وفي آخره قالت عائشة: إِنَّ هَذِه الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الحُمْسِ ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ [البقرة: ١٩٩] قَالَ: كَانُوا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ، فَدُفِعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ. (١) ((الجمع بين الصحيحين)) للحميدي ٣٦٨/٣ وقول سفيان رواه مسندًا، البيهقي في (سننه)) ١١٤/٥، كتاب: الحج، باب: الوقوف بعرفة. (٢) (سيرة ابن إسحاق)) ص٧٦. (٣) ورد بهامش النسخة ((م)) ما نصه: قوله هذا هو الحج الأكبر يحمد له بكون الإشارة إلى يوم النحر ويؤيده رواية أبي داود عن ابن عمر أنه جعله وهو يوم النحر من الحمد له فقال: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم النحر، قال: ((هذا يوم الحج الأكبر)) وإليه ذهب مالك، ويحمد له بكون إشارة أي يوم النحر الذي حج فيه النبي ◌َّ. ٥٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقد اختلف المفسرون في هذه الآية: فقال الضحاك: يريد إبراهيم القليهن(١). ويؤيده ما أخرجه الترمذي وحسنه، عن يزيد بن سفيان قَالَ: كنا وقوفًا مكانًا بعيدًا من الموقف فأتانا ابن مربع فقال: أتى رسول الله ولي إليكم يقول لكم: ((كونوا عَلَى مشاعركم، فإنكم عَلَى إرث من إرث إبراهيم))(٢). وروي عن الضحاك أنه الإمام(٣)، وقيل: آدم(٤)، وقد قرئ: (الناسي)(٥) وقيل: سائر الناس. قال ابن التین: وهو الصحیح بدلیل حديث جبير (غير الحمس) وهم قريش، ومن ولدت من غيرها، وقيل: قريش ومن ولدت وأحلافها، وقيل: قريش ومن ولدت من قريش وكنانة وجديلة قيس، وكانوا إذا أنكحوا امرأة منهم غريبًا اشترطوا عليه أن ولدها عَلَى دينهم، ودخل في هذا الأسم من غير قريش ثقيف وليث بن بكر وخزاعة وبنو عامر بن صعصعة. وقوله: (وَالْحُمْسُ: قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ) قَالَ الداودي: يعني من مسه (١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٣٠٥/٢ (٣٨٤٥)، وابن أبي حاتم في ((تفسير القرآن العظيم)) ٣٥٤/٢ (١٨٦١). (٢) ((سنن الترمذي)) (٨٨٣) وقال الترمذي: حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث ابن عيينة عن عمرو بن دينار، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٤٥٨٦). (٣) رواه ابن أبي حاتم ٢/ ٣٥٤ (١٨٦٢). (٤) قاله الزهري، كذا ذكره البغوي في ((معالم التنزيل)) ٢٣١/١، وابن الجوزي في ((زاد المسير) ٢١٤/١. (٥) هي قراءة سعيد بن جبير، وهي شاذة. قال ابن خالويه: يعني: آدم عُهد إليه فنسي. اهـ ((مختصر شواذ القرآن)) ص ٢٠. ٥٥٥ كِتَابُ الحَجّ = ولادة قريش من نسل البنات، والأحمس والحمس: الشديد، وتحامس القوم تحامسًا وحماسًا: تنادوا واقتتلوا، والأحمس: المشدد عَلَى نفسه في الدين، والحماسة: الشدة في كل شيء، ذكره ابن سیده(١)، وتحامس عنيٍّ: من غلط العامة، وحمس بالكسر، وأحمس: بين الحمس، وقيل: الحمسة: الحرمة، ذكره ابن فارس(٢). وقال الحربي عن بعضهم: سموا حمسًا بالكعبة؛ لأنها حمساء، وحجرها أبيض يضرب إلى السواد، وذكره الهروي. قَالَ ابن إسحاق: وكانت قريش - لا أدري بعد الفيل أو قبله- ابتدعت أمر الحمس رأيًا رأوه، فتركوا الوقوف عَلَى عرفة والإفاضة منها، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج، إلا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم، نحن الحمس، والحمس أهل الحرم، قالوا: ولا ينبغي للحمس أن يأتقطوا الأقط، ولا يسلوا السمن وهم حرم، ولا يدخلوا بيتًا من شعر، ولا يستظلوا - إن استظلوا- إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرمًا، ثم قالوا: لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من (الحل إلى الحرم)(٣) إذا جاءوا حجاجًا أو عمارًا، ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس، ومما أحدثوه أن لا يطوفوا بالبيت عراة، ولا يطوفوا بين الصفا والمروة، وما سواهم من العرب يقال لهم: الحلة، كانوا إذا حجوا طافوا بالبيت عراة ورموا ثيابهم التي قدموا فيها، وقالوا: نكرم البيت أن نطوف به في ثيابنا التي جرحنا بها الآثام، فما طرحوا من (١) ((المحكم)) ١٥٧/٣. (٢) (مجمل اللغة)) ٢٥١/١. (٣) في الأصل: (الحلال الحرم). ٥٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ثوب لم يمسه أحد(١). وسُمَّي النسيء واللقاء والحريم، ذكره الكلبي. وقال السهيلي: كانوا ذهبوا في ذَلِكَ مذهب الترهب والتأله، وكانت نساؤهم لا ينسجن الشعر ولا الوبر (٢)، وكذا قَالَ المهلب: إنما كان وقوف قريش -وهم الحمس- عند المشعر الحرام من أجل أنها كانت عزتها في الجاهلية - بالحرم وسكناها فيه، ويقولون: نحن جيران الله، فكانوا لا يرون الخروج عنه إلى الحل عند وقوفهم في الحج، ويقولون: نحن لا نفارق عزنا وما حرم الله به أموالنا ودماءنا، وكانت طوائف العرب تقف في موقف إبراهيم من عرفة، وكان وقوف النبي ◌ّير وطوائف العرب بعرفة ليدعوهم إلى الإسلام وما افترض الله تعالى عليه من تبليغ الدعوة وإفشاء الرسالة، وأمر الناس كلهم بالإفاضة من حيث أفاض الناس من عرفة، وقيل: كانت قريش تستكبر أن تقف مع الناس، وكذلك جبير، وقال: ما شأنه وقف في الحل؟ وانظر كيف أنكر جبير ذَلِكَ، وقد حج قبله عتَّاب سنة ثمان وأبو بكر سنة تسع(٣)، فإما أن يكونا وقفا بجمع عَلَى ما كانت قريش تفعل، أو لم يكن جبير شهد معهما الموسم، قاله ابن التين. وإنما كان ذَلِكَ في الجاهلية كما سلف، وجبير أسلم عام الفتح (٤). (١) ((سيرة ابن إسحاق)) ص ٨٠ - ٨١. (٢) ((الروض الأنف)) ٢٢٩/١. (٣) أنظر: ((السيرة النبوية)) لابن هشام ١٤٩/٤، ٢٠١. (٤) أنظر ترجمته في: ((الاستيعاب)) ٣٠٣/١ (٣١٥)، ((أسد الغابة)) ٣٢٣/١ (٦٩٨)، ((الإصابة)) ٢٢٥/١ (١٠٩١). وورد في هامش الأصل ما نصه: قال الذهبي في ((التجريد)»: أسلم هو بعد الحدیبیة، آنتهى. = ٥٥٧ - كِتَابُ الحَجّ وقال الخطابي: قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] في ضمنه الأمر بالوقوف بعرفة؛ لأن الإفاضة والانتشار إنما يكون عن اجتماع قبله بها(١). وكذا قَالَ ابن بطال: في الآية دليل أنه قد أمرهم بوقوف عرفة قبل إفاضتهم منها، غير أنا لم نجده، ذكر لنا ابتداء ذَلِكَ الوقوف، وبينه الشارع كما سيأتي. فإن قلت: ثم يفيض (المهملة)(٢): وقال تعالى: ﴿فَأَذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَاءِ﴾ [البقرة: ٩٨] ثم قَالَ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ﴾ [البقرة: ١٩٩] وإنما الإفاضة من عرفات قبل المجيء إلى المشعر الحرام فالجواب أن (ثم) بمعنى الواو، والمختار أنها عَلَى بابها، والمعنى: ثم آمركم بالإفاضة من عرفات من حيث أفاض الناس، وفيه معنى التوكيد؛ لأنهم أمروا بالذكر عند المشعر الحرام إذا أفاضوا من عرفات، ثم أكد عليهم الإفاضة من حيث أفاض الناس لا من حيث كانت قريش تفيض. وزعم الطحاوي أن ظاهر الآية: فإذا أفضتم من عرفات، وقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، والإفاضة الأولى من عرفات، والثانية من المشعر الحرام؛ لأنه قَالَ: ﴿فَأَذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَاءِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، إلى ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ = والحديبية سنة ست، وفي تهذيب النووي: أسلم عام خيبر، انتهى. وخیبر سنة سبع، قال النووي: وقيل: أسلم عام الفتح، انتهى. والفتح في السنة الثامنة في رمضان. (١) ((أعلام الحديث)) ٢/ ٨٨٧. (٢) كذا في الأصل ولعلها: (المهلة). ٥٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] غير أنا وجدنا قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] في معنى: وأفيضوا، وتجعل ثم في موضع الواو كما قَالَ تعالى: ﴿وَإِمَّا نُيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ﴾ ثم قَالَ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [يونس: ٤٦] عَلَى معنى: والله شهيد(١). واختلفوا إذا دفع من عرفة قبل الغروب ولم يقف بها ليلًا، فذهب مالك إلى أن الاعتماد في الوقوف بعرفة عَلَى الليل من ليلة النحر والنهار من يوم عرفة تبع، فإن وقف جزءًا من النهار وحده ودفع قبل الغروب لم يجزئه، وإن وقف جزءًا من الليل أي جزء كان قبل طلوع الفجر من يوم النحر أجزأه؛ وأخذ في ذَلِكَ بما رواه عن نافع، عن ابن عمر أنه قَالَ: من لم يقف بعرفة ليلة المزدلفة قبل أن يطلع الفجر فقد فاته الحج(٢). وعن عروة بن الزبير مثله(٣)، ورفعه ابن عمر مرة: ((من فاته عرفات بليل فقد فاته الحج))(٤). وعن عطاء يرفعه ((من أدرك عرنة بليل فقد أدرك الحج ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج)) وعن عمرو بن شعيب رفعه قَالَ: ((من أجاز بطن عرفة قبل أن تغيب الشمس فلا حج له))(٥). (١) (شرح ابن بطال)) ٣٤٤/٤. (٢) رواه مالك في ((الموطأ)) ١/ ٥٢٠ (١٣٤٣) كتاب: المناسك، باب: وقوف من فاته الحج بعرفة، ((عيون المجالس)) ٨٢٢/٢، ٨٢٣. (٣) رواه مالك في ((الموطأ)) ٥٢٠/١- ٥٢١ (١٣٤٤). (٤) رواه ابن عدي في ((الكامل)) ٣٩٣/٧، والدارقطني في ((سننه)) ٢٤١/٢ كتاب: الحج، باب: المواقيت، وابن حزم في ((حجة الوداع)» ص ٤٧٥ (٥٤٠) . قال الزيلعي في ((نصب الراية)) ١٤٥/٣: فيه رحمة بن مصعب، قال الدارقطني: ضعيف، وقد تفرد به، ورواه ابن عدي في ((الكامل)) وأعله بمحمد بن عبد الرحمن بن أبي لیلی وضعفه جماعة اهـ (٥) رواه ابن وهب كما في ((التمهيد)) ٤١٩/٢٤. ٥٥٩ - كِتَّابُ الحَجِّ وعن معمر عن رجل عن سعيد بن جبير رفعه: ((إنا لا ندفع حَتَّى تغرب الشمس)»(١) يعني: من عرفات. ضعفها كلها ابن حزم(٢). وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري: الاعتماد عَلَى النهار من يوم عرفة من وقت الزوال، والليل كله تبع (٣). وحديث عروة بن مضرس الطائي مرفوعًا: ((من أدرك معنا هذِه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضی تفثه))، رواه أصحاب السنن الأربعة، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم(٤). وفيها من حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي أنه بَّ قَالَ: ((الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل صلاة الصبح فقد أدرك حجة)). وصححه ابن حبان والحاكم(٥). (١) ذكره ابن حزم في ((المحلى)) ٧/ ١٢٣ من طريق عبد الرزاق. (٢) ((المحلى)) ١٢٣/٧. (٣) أنظر: ((المبسوط)) ٥٥/٤، ((بدائع الصنائع)) ١٢٦/٢، ((روضة الطالبين)) ٩٧/٣. (٤) ((سنن أبي داود)) (١٩٥٠) كتاب: المناسك، باب: من لم يدرك عرفه، ((سنن الترمذي)) (٨٩١) كتاب: الحج، باب: ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج، ((سنن النسائي)) ٢٦٣/٥ - ٢٦٤ كتاب: مناسك الحج، فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة، ((سنن ابن ماجه)) (٣٠١٦) كتاب: المناسك، باب: من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع، ((صحيح ابن حبان» ١٦٢/٩ (٣٨٥١) كتاب: الحج، باب: الوقوف بعرفة والمزدلفة والدفع منها، ((المستدرك)) ٤٦٣/١ وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط أئمة الحديث وهي قاعدة من قواعد الإسلام، وقد أمسك عن إخراجه الشيخان على أصلهما أن عروة بن مضرس لم یحدث عنه غیر عامر الشعبي، وقد وجدنا عروة بن الزبير بن العوام حدث عنه، وصححه الألباني في ((الإرواء)» (١٠٦٦). (٥) أبو داود (١٩٤٩)، الترمذي (٨٨٩ - ٨٩٠، ٢٩٧٥)، النسائي ٢٥٦/٥، ٢٦٤- ٢٦٥، ابن ماجه (٣٠١٥). = ٥٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح سد قالوا: فإن وقف جزءًا من النهار أجزأه، وإن وقف جزءًا من الليل أجزأه، إلا إنهم يقولون: إن وقف جزءًا من النهار بعد الزوال دون الليل كان عليه دم، والأظهر عند الشافعي: لا دم عليه، وإن وقف جزءًا من الليل دون النهار لم يجب عليه دم، أخذوا بحديث عروة بن مضرس إلا في إيجاب الدم لمن وقف نهارًا ودون الليل، وتفريقهم في وقت النهار بين بعد الزوال وقبله، فإنه من حين طلوع الفجر من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من ليلة النحر؛ تمسكًا بحديث عروة بن مضرس السالف، فسوى بين أجزاء الليل وأجزاء النهار. قال ابن قدامة: وعلى من دفع قبل الغروب دم في قول أكثر أهل العلم، منهم عطاء والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي(١). وقال ابن جريج: عليه بدنة. وقال الحسن بن أبي الحسن: عليه هدي من الإبل، فإن دفع قبل الغروب ثم عاد نهارًا فوقف حَتَّى غربت فلا دم عليه، وبه قَالَ مالك والشافعي. وقال الكوفيون وأبو ثور: (٢) عليه دم (٢). = وهو حديث مشهور - كما قال النووي في ((شرح مسلم)) ١١٦/٩ - صححه ابن حبان ٩/ ٢٠٣ (٣٨٩٢)، والحاكم ٤٦٣/١- ٤٦٤ و٢٧٨/٢ - كما ذكر المصنف- وصححه أيضًا ابن خزيمة ٢٥٧/٤ (٢٨٢٢)، وابن الجارود ٩٢/٢ (٤٦٨)، وعبد الحق الإشبيلي في «أحكامه)) ٢٩٤/٢- ٢٩٥، والنووي -قدس الله روحه- في ((المجموع)) ١٢٤/٨، ١٢٩، والحافظ ابن كثير -طيب الله ثراه - في ((التفسير)) ٢٪ ٢٥٣ - ٢٥٤، وفي ((الإرشاد)) ٣٣٨/١، والمصنف- رحمه الله في ((البدر المنير)) ٢٣٠/٦، والألباني في ((الإرواء)) (١٠٦٤)، وفي ((صحيح أبي داود)) (١٧٠٣). (١) أنظر: ((المغني)) ٢٧٣/٥. (٢) أنظر: ((بدائع الصنائع)) ١٢٧/٢، ((روضة الطالبين)) ٩٧/٣، ((المغني)) ٢٧٣/٥ - ٢٧٤.