Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
- كِتَابُ الحَجِّ
قلتُ: لعل البخاري أراد أصل الحديث على عادته، وإن كان ظاهره
غير مطابق للترجمة.
وادعى بعضهم أنه أراد من حديث عقيل التصريح بسماع ابن شهاب
من عروة، وليس كما ذكر، فإنه لم يأت به. نعم هو عند الإسماعيلي
وأبي نعيم.

٣٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٤٨- باب(١) كِسْوَةِ الكَعْبَةِ
١٥٩٤- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا وَاصِلُ الأَخْدَبُ، عَنْ أَبِ وَائِلٍ قَالَ: جِئْتُ إِلَى شَيْبَةَ.
وَحَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِيِ وَائِلٍ قَالَ: جَلَسْتُ مَعَ
شَيْبَةَ عَلَى الكُرْسِيِّ فِي الكَعْبَةِ فَقَالَ: لَقَدْ جَلَسَ هذا المَجْلِسَ عُمَرُ ﴾ فَقَالَ: لَقَدْ
هَمَمْتُ أَنْ لَا أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إِلَّ قَسَمْتُهُ. قُلْتُ: إِنَّ صَاحِبَيْكَ لَمْ يَفْعَلَا.
قَالَ: هُمَا المزآنِ أَقْتَدِي بِهِمَا. [٧٢٧٥ - فتح: ٤٥٦/٣]
ذكر فيه حديث أبي وائل من طريقين: جِئْتُ إِلَى شَيْبَةَ. وفي لفظ: جَلَسْتُ
مَعَ شَيْبَةَ عَلَى الْكُرْسِيِّ فِي الكَعْبَةِ فَقَالَ: لَقَدْ جَلَسَ هُذا المَجْلِسَ عُمَرُ ه
فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إِلَّا قَسَمْتُهُ. قُلْتُ: إِنَّ
صَاحِبَيْكَ لَمْ يَفْعَلَا. قَالَ: هُمَا المَرْآنِ أَقْتَدِي بِهِمَا.
هذا الحديث أخرجه أيضًا في الاعتصام في باب الاقتداء بالسنة،
وفيه : ما أنت بفاعل؟ قال: لم؟ قلتُ: لم يفعله صاحباك، فقال: هما
المرآن يقتدي بهما(٢)، وهذا الحديث جعله الحميدي(٣) وأبو مسعود
الدمشقي وقبلهما الطبراني من مسند شيبة (٤)، وهو ابن عثمان بن
أبي طلحلة الحجبي، أسلم يوم الفتح، ومات سنة تسع وخمسين (٥)،
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الثامن بعد العشرين كتبه مؤلفه.
(٢) سيأتي برقم (٧٢٧٥).
(٣) ((الجمع بين الصحيحين)) ٤٨٥/٣ (٣٠٣٧).
(٤) ((المعجم الكبير)) ٧/ ٣٠٠ (٧١٩٦).
(٥) انظر ترجمته في: ((الاستيعاب)) ٢٦٩/٢ (١٢١٠)، و(«أسد الغابة)) ٥٣٤/٢
(٢٤٦٦)، و((الإصابة)) ١٦١/٢ (٣٩٤٥).

٣٤٣
كِتَابُ الحَجّ
=
وخالف ذلك خلف فذكره في مسند عمر بن الخطاب.
وتقديم البخاري الإسناد الأول لمعنيين:
أولهما: تصريح سفيان فيه -وهو ابن سعيد- بالسماع.
ثانيهما: من عادة الأئمة غالبًا الابتداء بالنازل، ثم العالي (١)، وهو
كذلك في الأول إلى أبي وائل أربعة، وفي الثاني: ثلاثة.
وعند ابن ماجه عن أبي وائل قال: بعث رجل معي بدراهم هدية إلى
البيت، فدخلت البيت، وشيبة جالس على كرسي فناولته إياها فقال:
ألك هذِه؟ قلتُ: لا، ولو كانت لي لم آتك بها. قال: أما لئن قلت
ذاك، لقد جلس عمر مجلسك الذي أنت فيه، وقال: لا أخرج حتى
أقسم مال الكعبة، الحديث. وفيه: فقلت: لأنه العنيفة قد رأى مكانه،
وأبو بكر وهما أحوج منك إلى المال، فلم يحركاه، فقام كما هو
(٢)
فخرج(٢).
وقال الإسماعيلي: ليس في الخبر لكسوة الكعبة ذكر.
(١) الإسناد العالي هو: الإسناد الذي قلَّ عدد رجاله بالنسبة إلى إسناد آخر لنفس
الحدیث أو نفس المتن كثر عدد رجاله.
والإسناد النازل هو: الإسناد الذي كثر عدد رجاله بالنسبة إلى إسناد آخر لنفس
الحدیث أو نفس المتن قل عدد رجاله.
والإسناد العالي أفضل من النازل؛ لأن عدد رجاله أو وسائطه أقل وكلما قلت
الوسائط أو الرجال قلَّ احتمال وقوع الخطأ، والعكس. والإسناد النازل قد يكون
أفضل في حالة واحدة، إذا كان رجاله أوثق وأضبط وأتقن من الإسناد العالي، وقد
شغف المتقدمون بالإسناد العالي وبذلوا في طلبه الرحلات الطويلة الشاقة. أنظر:
((علوم الحديث)) لابن الصلاح ص: ٢٥٥ - ٢٦٤، و((المقنع في علوم الحديث))
للمصنف ٤٢١/٢ - ٤٢٦، و((فتح المغيث)) للسخاوي ٢/٣ - ٢٧.
(٢) (سنن ابن ماجه)) (٣١١٦) وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه)) (٢٥٢٩).

٣٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قلتُ: الجواب - كما أفاده ابن بطال -: لأنَّ منْ المعلوم أنَّ الملوك
في كل سنة كانوا يتفاخرون بتسبيل الأموال لها، فأراد البخاري أنَّ عمر
لمَّا أراد قسمة الذهب والفضة الموقوفين بها على أهل الحاجة صوابًا،
كان حكم الكسوة حكم المال يجوز قسمتها، بل ما فضل من كسوتها
أولى بالقسمة على أهل الحاجة من قسمة المال، إذ قد يمكن نفقة
المال فيما تحتاج إليه الكعبة في إصلاح ما وَهَى منها، وفي (وقيد)(١)
وأجرة قيم، والكسوة لا تدعو إليها ضرورة، ويكفي منها بعضها(٢).
ونحا نحوه ابن المنير فقال: يحتمل أنْ يكون مقصوده بالترجمة
التنبيه على أنَّ كسوة الكعبة مشروعة ومأثورة، ولم تزل تقصد بمال
يوضع فيها على معنى الزينة والجمال؛ إعظاماً لحرمتها في الجاهلية
والإسلام، والكسوة من هذا القبيل.
ويحتمل أن يريد التنبيه على حكم الكسوة، وهل يجوز التصرف فيما
عتق منها كما يصنع الآن؟ فَّه على أنه موضع اجتهاد، وأنَّ مقتضى رأي
عمر أن يقسم في المصالح، وأنَّ رأي الشارع والصديق يخالف رأيه.
قال: والظاهر جواز قسمة الكسوة العتيقة إذ بقاؤها تعريض لفسادها
بخلاف النقدين، وإذ لا جمال في كسوة عتيقة مطوية، ويؤخذ من قول
عمر أن صرف المال في الفقراء والمساكين آكد من صرفه في كسوة
الكعبة، لكن الكسوة في هذِه الأزمنة أهم؛ إذ الأمور المتقادمة تتأكد
حرمتها في النفوس، وقد صار تركها في العرف غضا في الإسلام،
(١) كذا صورتها في الأصل، وفي ((شرح ابن بطال)) وهو المصدر المنقول منه وضع
محقق الكتاب مكانها بياضًا بين قوسين وعلق قائلًا: كلمة لم أستطع قراءتها في
الأصل.
(٢) (شرح ابن بطال)) ٢٧٦/٤ - ٢٧٧.

٣٤٥
كِتَابُ الحَجّ
واضعًا لقلوب المسلمين(١).
ولك أن تقول: لعل البخاري أراد أصل الحديث على عادته في
الاستنباط وهو قوله عند ابن ماجه: ((مال الكعبة)) (٢) وهي داخلة فيه.
يؤيده قوله القيّم: ((وهل لك من مالك إلا ما لبست فأبليت))(٣). فجعل
اللبس وهو الكسوة مالًا.
قال صاحب ((التلخيص)): لا يجوز بيع أستارها، وكذا قال
أبو الفضيل بن عبدان: لا يجوز قطع أستارها ولا قطع شيء من
ذلك، ولا يجوز نقله ولا بيعه ولا شراؤه، قال: ومن عمل شيئًا من
ذلك كما تفعله العامة يشترونه من بني شيبة لزمه رده، ووافقه الرافعي.
وقال ابن الصلاح: الأمر فيها إلى الإمام يصرفه في بعض مصارف
بيت المال بيعًا وعطاء. واحتج بما ذكره الأزرقي: أنَّ عمر كان ينزع
كسوة البيت كل سنة فيقسمها على الحاج(٤).
وعند الأزرقي عن ابن عباس وعائشة أنهما قالا: تباع كسوتها،
ويجعل منها في سبيل الفقراء والمساكين وابن السبيل، قالا : ولا بأس
أن يلبس كسوتها من صارت إليه من حائض وجُنب وغيرهما، وكذا قالته
أم سلمة (٥).
وذكر ابن أبي شيبة عن ابن أبي ليلى - وسُئل عن رجل سرق من
الكعبة- فقال: ليس عليه قطع (٦).
(١) ((المتواري)) ص: ١٣٨ - ١٣٩.
(٢) ابن ماجه (٣١١٦).
(٣) رواه مسلم (٢٩٥٨).
(٤) ((أخبار مكة)) ٢٥٨/١ - ٢٥٩.
(٥) ((أخبار مكة)) ٢٦١/١ - ٢٦٢.
(٦) ((المصنف)) ٣/٦ (٢٩٠٠١).

٣٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ---
وذكر محمد بن إسحاق في ((سيره)) تبان أسعد کرب، وهو تُبَّعُ
الآخر، وجده تُبَّع الأول، ثم ساق نسبه إلى يعرب بن قحطان، قال:
كان هو وقومه أصحاب أوثان يعبدونها، وجه إلى مكة حتى إذا كان
بين عسفان وأمجَ أتاه نفر من هذيل بن مدركة فقالوا: ألا ندلك على
بيت مال دائر؟ قال: بلى، قالوا: مكة. وإنما أراد الهذليون هلاكه؛
لما عرفوا هلاك من أراده من الملوك، فقال له حبران كانا معه: إنما
أراد هؤلاء هلاكك، قال: فبماذا تأمراني؟
قالا : تصنع عنده ما يصنع أهله، تحلق وتطوف وتنحر، ففعل،
وأقام بمكة ستة أيام ينحر للناس ويطعمهم، فَأَرِيَ في المنام أنْ يكسو
البيت، فكساه الخصف، ثم أُرِيَ أن يكسوه أحسن من ذلك، فكساه
المعافر، ثم أَريَ أنْ يكسوه أحسن من ذلك، فكساه الملاء
والوصائل، فكان تبع فيما يزعمون أول من كسا البيت.
وقال في موضع آخر عن ابن إسحاق: أول من كساها الديباج
الحجاج، وذكر ابن قتيبة أنَّ هُذِه القصة كانت قبل الإسلام بسبعمائة سنة.
وفي ((معجم الطبراني)) من حديث ابن لهيعة ثنا أبوزرعة بن عمرو
سمعت سهل بن سعد رفعه: ((لا تسبوا تبعًا فإنه قد أسلم)». وقال:
لا يروى عن سهل إلَّا بهذا الإسناد، تفرَّد به ابن لهيعة(١).
وفي ((مغائص الجوهر في أنساب حمير)): كان يدين بالزبور.
وذكر ابن أبي الأزهر في ((تاريخه)): أول من كساها عدنان بن أدد،
وفي كتاب الكلبي: تبع بن حسان بن تبع بن ملكیکرب، وهو تبع
(١) (المعجم الأوسط)) ٣٢٣/٣ (٣٢٩٠)، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع))
(٧٣١٩)، وانظر: ((الصحيحة)) ٥٤٨/٥ (٢٤٢٣).

٣٤٧
- ڪِتَابُ الحَجِّ
الأصغر، وآخر التبابعة، أتى مكة وطاف بها وحلق كالذي فعل جده تبع
الأوسط، وكسا البيت الملاء والخز والديباج، وهو القائل:
کسونا البيت الذي حرَّم اللَّـ
وقيل: بل قائله تبع الأوسط، والأول أصح وأكثر، وهو الذي عليه
العلماء باليمن.
وزعم الزبير أنَّ أول من كساها الديباج عبد الله بن الزبير، زاد أبو بكر
التاريخي وغيره جوفها أجمع، وكان يصب الطيب فيما بين أضعاف
البنيان.
وذكر بعض الحجبة أنه وجد قطعة ديباج من ديباج الكعبة فيها مما
أمر به أبو بكر أمير المؤمنين، وكان ينقل بنفسه الحجارة لبنائها، قال
عامر ابنه: رأيته يشرب الماء وهو نائم من اللغب.
قال أبو بكر بإسناده إلى عمر أنه كان ينزع كسوة الكعبة كل عام
يقسمها في الحاج، فيستترون بها ويستظلون بها على الشجر، وهذا
سلف في ((أخبار مكة وفتوحها)) للفاكهي (١)، ويقال: أول من كساها
الديباج عبد الملك بن مروان.
وفي ((الأوائل)) لأبي عروبة الحراني من حديث الأشعث، عن
الحسن قال: أول شيء كسية الكعبة أن سيدنا رسول الله صل كساها
قباطي. وذكر الدارقطني أنَّ نتيلة بنت جناب أم العباس بن عبد المطلب
كانت قد أضلت العباس صغيرًا فنذرت إن وجدته أن تكسو الكعبة
الديباج، ففعلت ذلك حين وجدته، وكانت من بيت مملكة (٢).
(١) ((أخبار مكة)) ٢٣٢/٥ (٢١٢).
(٢) رواه الدارقطني في ((المؤتلف والمختلف)) ٤٦٦/١.

٣٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وللأزرقي عن ابن جريج: كان تبع أول من كسا البيت كسوة كاملة،
أُرِي في المنام أن یکسوها، فکساها الأنطاع، ثم أُرِي أن یکسوها ثياب
حبرة من عصب اليمن(١). ثم كساها الناس بعده في الجاهلية، ثم ذكر
أيضًا أن النبي ◌َّ ر كساها، ثم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ومعاوية بن
أبي سفيان وابن الزبير الديباج، وكانت تُكسى يوم عاشوراء ثم صار
معاوية يكسوها مرتين، والمأمون كان يكسوها ثلاثًا: الديباج الأحمر
يوم التروية، والقباطي هلال رجب، والديباج الأبيض يوم سبع
وعشرين من رمضان(٢).
وذكر الماوردي أن أول من كساها الديباج خالد بن جعفر بن
كلاب، أخذ لطيمة(٣) تحمل البز ووجد فيها أنماطًا فعلقها على الكعبة.
وذكر الجاحظ أن أول من خلَّقها عبد الله بن الزبير.
وفي كتاب ابن اسحاق أول من جلاها عبد المطلب بن عبد مناف،
لمَّا حفرها بالغزالين اللذين وجدهما من ذهب (٤).
وفي ابن أبي شيبة، عن عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن
عجوز من أهل مكة قالت: أُصيب ابن عفان وأنا ابنة أربع عشرة
سنة، قالت: ولقد رأيت البيت وما عليه كسوة إلَّا ما يكسوه الناس
الكساء الأحمر يطرح عليه، والثوب الأصفر والكساء الصوف، وما
كسي من شيء علق عليه، ولقد رأيته وما عليه ذهب ولا فضة، قال
(١) ((أخبار مكة)) ٢٤٩/١ - ٢٥٠.
(٢) ((أخبار مكة)) للأزرقي ٢٥٢/١ - ٢٥٦.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: اللطيمة: العير التي تحمل الطيب وبز التجار، وربما
قيل لسوق العطارين: لطيمة.
(٤) (سيرة ابن إسحاق)) ص ٦ (١٢).

٣٤٩
- ڪِتَابُ الحَجِّ
محمد: لم يُكسَ البيت على عهد أبي بكر ولا عمر، وأن عمر بن
عبد العزيز كساه الوصائل والقباطي.
وعن ليث بن أبي سليم قال: كانت كسوة الكعبة على عهد رسول الله
وَي* الأنطاع والمسوح(١).
وقال ابن دحية: كساها المهدي القباطي والخز والديباج، وطلى
جدرانها بالمسك والعنبر من أسفلها إلى أعلاها (٢).
وفي ابن بطال: قال ابن جريج: زعم بعض علمائنا أنَّ أول من
كساها إسماعيل، قال: وبلغني أن تبعًا أول من كساها، ولم تزل
الملوك في كل زمن يكسونها بالثياب الرقيقة، ويقومون بما تحتاج إليه
من المؤنة؛ تبركا بذلك، فرأى عمر أن ما فيها من الذهب والفضة
لا تحتاج إليه الكعبة لكثرته، فأراد أن يصرفه في منافع المسلمين؛
نظرًا لهم، فلمَّا أخبره شيبة بأنه العنف وأبا بكر لم يتعرضا لذلك
أمسك، وصوب فعلهما، وإنما تركا ذلك والله أعلم؛ لأن ما جعل
في الكعبة وسبل لها يجري مجرى الأوقاف، ولا يجوز تغيير الأوقاف
عن وجوهها، ولا صرفها عن طرقها، وفي ذلك أيضًا تعظيم للإسلام
وحرماته، وترهيب على العدو (٣).
وقد روى ابن عيينة، عن عمرو، عن الحسن قال: قال عمر بن
الخطاب: لو أخذنا ما في هذا البيت -يعني الكعبة- فقسمناه، فقال
له أبي بن كعب: والله ما ذلك لك. قال: ولم؟ قال: لأن الله بين
(١) ((المصنف)» ٤٢٨/٣- ٤٢٩ (١٥٨١٢، ١٥٨١٤).
(٢) أنظر: ((أخبار مكة)) للأزرقي ٢٦٢/١ - ٢٦٣.
(٣) (شرح ابن بطال)) ٢٧٦/٤.

٣٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
موضع كل مال، وأقره رسول الله وَ له. قال: صدقت(١).
وفي الحديث حجة لمن قال: إنه يجوز صرف ما جعل سبيل من سبل
الله في سبيل آخر من سُبل الله، إذا كان ذلك صوابًا، وفي فعله الظّر وفعل
أبي بكر حجة لمن رأى بقاء الأموال على ما سبلت عليه، وترك تغييرها
عما جُعلت له.
وفي قوله: (هُمَا المَرْآنِ أَقْتَدِي بهما)، من الفقه ترك خلاف كبار
الأئمة، وفضل الاقتداء بهما، وأن ذلك فعل السلف.
وقوله: (الْمَرْآنِ): يقال هذا مرء صالح، وفيه لغة بالضم، ولا يجمع
على لفظه ، وبعضهم يقول: المرءون.
فإن جئت بألف الوصل كان فيه ثلاث لغات: فتح الراء على كل
حال، وإعرابها على كل حال، حكاهما الفراء، وضم الراء على كل
حال، وإعرابها على كل حال، تقول: هذا امرؤٌ، ورأيت أمراً،
ومررت بامرئ، ولا جمع له من لفظه، وهذه أمرأة، مفتوحة الراء على
کل حال.
(١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٨٨/٥ (٩٠٨٤).

=
كِتَابُ الحَجِّ
٣٥١
٤٩- باب هَدْمِ الكَعْبَةِ
قَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((يَغْزُو جَيْشِرٌ الكَعْبَةَ، فَيُخْسَفُ
بِهِمْ)). [انظر: ٢١١٨]
١٥٩٥- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَليُّ، حَذَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ
الأَخْنَسِ، حَدَّثَنِي ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ وَلَِّ
قَالَ: ((كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ، يَقْلَعُهَا حَجَرًّا حَجَرًا)). [فتح: ٤٦٠/٣]
١٥٩٦- حَذَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ
سَعِيدِ بنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: ((يُخَرِّبُ الكَعْبَةَ ذُو
السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشَةِ)). [انظر: ١٥٩١ - مسلم: ٢٩٠٩ - فتح: ٤٦٠/٣]
ثم ذكر حديث ابن عباس السالف، وحديث أبي هريرة السالف
أيضًا، وقد سبقا.
والتعليق الأول عنده مسند وكذا عند مسلم(١).
وفيه: إخبار عما يكون من الحدثان والأشراط؛ وذلك يكون في
أوقات مختلفة، فحديث عائشة هو في وقت غير هدمها، ويمكن أن
يكون هدمه لها عند أقتراب الساعة، ولا يدل ذلك على أنقطاع
الحج، فقد سلف من حديث أبي سعيد أنه يحج بعد خروج يأجوج
ومأجوج، وعيسى يحج ويعتمر بعد ذلك (٢).
(١) سيأتي مسندًا برقم (٢١١٨) في البيوع، باب: ما ذكر في الأسواق، ورواه مسلم
(٢٨٨٤) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: الخسف بالجيش الذي يؤم البيت.
(٢) سلف برقم (١٥٩٣).

٣٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٥٠- باب مَا ذُكِرَ فِي الحَجَرِ الأَسْوَدِ
١٥٩٧- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ إِنْرَاهِيمَ، عَنْ
عَابِسٍ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُمَرَ ◌ّ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الَجَرِ الأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ، فَقَالَ: إِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ
حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَّ رَأَيْتُ النَّبِيَّ نَِّ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ. [١٦٠٥، ١٦١٠-
مسلم: ١٢٧٠ - فتح: ٤٦٢/٣]
ذكر فيه حديث عابس بن ربيعة، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الحَجَرِ
الأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ، فَقَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلًا
أَنِّي رَأَيْتُ رسول الله وَّهِ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا من حديث عبد الله بن عمر وعبد الله
ابن سرجس عن عمر (١)، والنسائي من حديث ابن عباس عنه، وعنده:
قبله ثلاثا(٢)، وعند الحاكم: وسجد عليه، ثم صحح إسناده(٣)، وعند
الترمذي عنه: ((نزل الحجر الأسود من الجنة أشد بياضا من اللبن،
فسودته خطايا بني آدم)) ثم قال: حسن صحيح(٤)، وعنده عنه: ((إن
لهذا الحجر لسانًا وشفتين يشهد لمن استلمه يوم القيامة بحق)) وقال:
حسن(٥).
(١) (صحيح مسلم)) (١٢٧٠) كتاب: الحج، باب: استحباب تقبيل الحجر الأسود في
الطواف.
(٢) ((سنن النسائي)) ٢٢٧/٥.
(٣) ((المستدرك)) ٤٥٥/١.
(٤) ((سنن الترمذي)) (٨٧٧). وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٦٧٥٦)، وانظر:
(«الصحيحة» ٦/ ٢٣٠ (٢٦١٨).
(٥) (سنن الترمذي)) (٩٦١). بلفظ: ((والله ليبعثته الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما
ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق)). وصححه الألباني في ((صحيح =

٣٥٣
كِتَابُ الحَجّ
=
والحاكم وقال: صحيح الإسناد (١)، وله شاهد صحيح عن عبد الله بن
عمرو مرفوعا: ((يأتي الركن والمقام يوم القيامة أعظم من أبي قبيس، له
لسان وشفتان، یکلم عمن استلمه بالنية، وهو یمین الله التي يصافح بها
عباده))(٢).
قال: وقد روي لهذا الحديث شاهد مفسر غير أنه ليس من شرطهما،
فذكره من حديث أبي سعيد الخدري(٣). وذكر على شرط مسلم من
حديث جابر: بدأ بالحجر فاستلمه، وفاضت عيناه بالبكاء وقبَّله
ووضع يده عليه، ومسح بها وجهه (٤).
وفي ((فضائل مكة)) للجندي من حديث ابن جريج، عن محمد بن
عباد بن جعفر، عن ابن عباس: إن هذا الركن الأسود يمين الله في
الأرض يصافح به عباده مصافحة الرجل أخاه.
ومن حديث الحكم بن أبان، عن عكرمة عنه زيادة: فمن لم يدرك
بيعة رسول الله وقي ثم استلم الحجر فقد بايع الله ورسوله.
وللطبراني من حديث إبراهيم بن يزيد المكي زيادة: ما حادى به
عبد مسلم يسأل الله خيرا إلا أعطاه إياه.
= الجامع)» (٧٠٩٨)، وانظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) ٢٨/٢ (١١٤٤).
(١) ((المستدرك)) ١/ ٤٥٧، باللفظ الذي ذكره المصنف، وصححه الألباني في ((صحيح
الجامع)) (٢١٨٤).
(٢) ((المستدرك)) ١/ ٤٥٧ وقال الألباني في ((صحيح الترغيب والترهيب)) ٢٩/٢
(١١٤٥): حسن لغيره.
(٣) ((المستدرك)) ٤٥٧/١- ٤٥٨.
(٤) ((المستدرك)) ٤٥٤/١ - ٤٥٥، وقال الألباني في ((ضعيف الترغيب والترهيب)) ١/
٣٦٣ (٧٣١): منكر.

٣٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ومن حديث معمر، عن رجل، عن المنهال بن عمرو، عن مجاهد
أنه قال: يأتي الحجر والمقام يوم القيامة كل واحد منهما مثل أُحد،
فيناديان بأعلى صوتهما، يشهدان لمن وافاهما بالوفاء.
وعن أنس رفعه: ((الركن والصفا يقوتتان من ياقوت الجنة)). قال
الحاكم: صحيح الإسناد(١).
وعن ابن عمرو مرفوعًا: ((الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت
الجنة ،طمس الله نورهما، ولولا ذلك لأضاء مابين المشرق والمغرب)»
ذكره شاهدًا (٢)، وأخرجه البيهقي بإسناد جيد بزيادة ((ولولا ما مسهما
من خطايا بني آدم، وما مسهما من ذي عاهة إلا شفي، وما على
الأرض من الجنة غيره))(٣).
قال ابن أبي حاتم عن أبيه: وقفه أشبه على عبد الله بن عمرو،
ورجاء بن صبيح الذي رفعه ليس بقوي(٤).
وعن عبد الله بن السائب: سمعت النبي ◌َّ﴿ فيما بين ركن بني جُمح
والركن الأسود يقول: ((ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا
عذاب النار)). قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم (٥).
وعن ابن عباس يرفعه كان يدعو بين الركن: ((رب قنعني بما رزقتني،
(١) ((المستدرك)) ٤٥٦/١، بلفظ: (الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة) وصححه
الألباني في ((صحيح الجامع)) (٣٥٥٩).
(٢) ((المستدرك)) ٤٥٦/١، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (١٦٣٣)، وانظر:
(صحيح الترغيب والترهيب)) ٢٩/٢ - ٣٠ (١١٤٧).
(٣) ((السنن الكبرى)) ٥/ ٧٥.
(٤) ((علل الحديث)) ٢٩٩/١ (٨٩٩).
(٥) ((المستدرك)) ٤٥٥/١.

٣٥٥
كِتَابُ الحَجّ
=
وبارك لي فيه، واخلف علي كل غائبة لي بخير)) وقال: صحيح
الإسناد(١).
وعن أبي هريرة يرفعه: ((وُكِّلَ بالحجر الأسود ملكًا فمن قال: اللهم
إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة
وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. قالوا آمين)) رواه ابن ماجه بإسناد
فيه: إسماعيل بن عياش، بلفظ ((من فاوضه - يعني الركن الأسود-
فإنما یفاوض ید الرحمن»(٢).
وعن ابن عباس مرفوعًا ((ما مرّرت على الركن إلَّا رأيت عليه ملكًا
يقول: آمين، فإذا مررتم عليه فقولوا: ربنا آتنا في الدنيا حسنة)) الحديث.
ذكره ابن مردويه في («تفسيره))(٣)، وعن ابن عمر أن رسول الله ولي- كان إذا
طاف بالبيت مسح أو قال: استلم الحجر والركن في كل طواف. صحيح
الإسناد (٤).
وعند الجندي عن سعيد بن المسيب: الركن والمقام حجران من
حجارة الجنة.
(١) ((المستدرك)) ٤٥٥/١، وقال الألباني: إسناده ضعيف، وقد استغربه الحافظ، لأن
عطاء بن السائب كان اختلط، وسعيد بن زيد سمع منه آخرًا، على ضعف في
حفظه، ورواه غيره عنه موقوفًا ا.هـ ((صحيح ابن خزيمة)) ٢١٧/٤ (٢٧٢٨).
(٢) ((سنن ابن ماجه)) (٢٩٥٧)، وضعفه الألباني في ((ضعيف الترغيب والترهيب)) ١/
٣٥٩ (٧٢١).
(٣) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ٤١٨/١، وعزاه لابن مردويه.
(٤) رواه ابن خزيمة ٢١٦/٤ (٢٧٢٣)، والحاكم في ((المستدرك)) ٤٥٦/١ وقال: هذا
حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع))
(٤٧٥١)، وانظر: ((الصحيحة)) ١٠٨/٥ (٢٠٧٨). والحديث رواه أبو داود (١٨٧٦)
بلفظ: كان رسول الله ولو لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة، قال:
وكان عبد الله بن عمر يفعله. وكذا رواه النسائي ٢٣١/٥، أحمد ١٨/٢.

٣٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
وعن ابن عمر أنه الذي أتى الحجر الأسود فاستلمه، ووضع شفتيه
عليه وبكى بكاءً طويلا ثم التفت فإذا عمر يبكي خلفه فقال: ((يا أبا
حفص هاهنا تسكب العبرات))، قال الحاكم فيه: صحيح الإسناد(١).
وعنده -أعني: الجندي- عن مجاهد: الركن من الجنة ولو لم يكن
منها لغني.
وعن ابن عباس رفعه: ((لولا ما طبع الله الركن من أنجاس الجاهلية
وأوساخها وأيدي الظلمة والأئمة؛ لاستشفي به من كل عاهة، ولألفاه
اليوم كهيئة يوم خلقه الله تعالى وإنما غيَّره الله بالسواد؛ لئلا ينظر أهل
الدنيا إلى زينة الجنة، وإنه لياقوتة من ياقوت الجنة بيضاء وضعه لآدم
حيث أنزله في موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة والأرض يومئذ
طاهرة، لم يعمل فيها بشيء من المعاصي، وليس لها أهل ينجسونها،
ووضع لها صفًّا من الملائكة على أطراف الحرم يحرسونه من جان
الأرض، وسكانها يومئذ الجن، وليس ينبغي لهم أن ينظروا إليه؛ لأنه
شيء من الجنة، ومن نظر إلى الجنة دخلها فهم على أطراف الحرم
حيث أعلامه اليوم، محدقون به من كل جانب بينه وبين الحرم))(٢).
وللطبراني عن عائشة مرفوعًا ((استمتعوا من هذا الحجر الأسود قبل أن
يرفع فإنه خرج من الجنة وإنه لا ينبغي لشيء خرج منها أن لا يرجع
إليها قبل يوم القيامة)).
(١) ((المستدرك)) ٤٥٤/١، وقال الألباني في ((الضعيفة)) ٩١/٣ (١٠٢٢): ضعيف جدًا.
(٢) رواه الفاكهي في ((أخبار مكة)) ١/ ٨١ - ٨٢، والطبراني ٥٥/١١ - ٥٦ (١١٠٢٨)،
وفي ((الأوسط)) ٢٢٩/٦ - ٢٣٠ (٦٢٦٣) مختصرًا، وأورده الهيثمي في ((المجمع))
٢٤٢/٣ - ٢٤٣، وقال: رواه الطبراني في ((الأوسط))، وفيه: جماعة لم أجد من
ترجمهم ثم أتبعه بالحديث الذي في ((الكبير)) وقال: رواه الطبراني في ((الكبير))
وفيه: من لم أعرفه ولا له ذكر. وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) ٦١٥/١ (٤٢٦).

٣٥٧
- كِتَابُ الحَجِّ
ولأحمد عن عمر أنه عليه وَ * قال له: ((إنك رجل قوي فلا تزاحم
على الحجر فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبل وكبر
وهلل))(١).
وللدارقطني عن عطاء قال: رأيت أبا سعيد وأبا هريرة وابن عمر
وجابرًا إذا استلموا الحجر قبَّلوا أيديهم(٢).
ولمسلم عن ابن عباس يرفعه ((يستلم الركن بمحجن، ويقبل
المحجز))(٣).
وللطبراني: أن ابن عمر كان إذا استلم الركن قال: بسم الله ، والله
أكبر (٤).
وعنده من حديث الحارث عن علي أنه كان إذا استلم الحجر قال:
اللهم إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك وسُنة نبيك ◌َلِ(٥).
إذا تقرر ذلك: فإنما قال ذلك عمر؛ لأن الناس كانوا حديث عهد
بعبادة الأصنام.
(١) ((المسند» ٢٨/١.
(٢) (سنن الدارقطني)) ٢٩٠/٢.
(٣) حديث ابن عباس هذا رواه مسلم (١٢٧٢) لكن بدون ذكر: (ويقبل المحجن)،
كتاب: الحج، باب: جواز الطواف على بعير وغيره واستلام الحجر بمحجن
ونحوه للراكب. واللفظ الذي ذكره المصنف رواه مسلم (١٢٧٥) من حديث
أبي الطفيل.
(٤) ((الدعاء)) ١٢٠١/٢ (٨٦٢).
(٥) ((المعجم الأوسط)) ١٥٧/١ (٤٩٢)، وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٣/ ٢٤٠ وقال:
رواه الطبراني في ((الأوسط))، وفيه: الحارث، وهو ضعيف وقد وثق، وضعفه
الألباني في ((الضعيفة)) ١٥٦/٣ (١٠٤٩).
٠٠

٣٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٥٤- باب مَنْ كَبَّرَ فِي نَوَاحِي الكَعْبَةِ
١٦٠١- حَدَّثَنَا أَبُو مَغْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَذَّثَنَا أَيُّوبُ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ
ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِوَلَا قَدِمَ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ البَيْتَ وَفِيهِ
الآَلِهَةُ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ، فَأَخْرَجُوا صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ فِي أَيْدِيهِمَا الأَزَّلَامُ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((قَاتَلَهُمُ اللهُ، أَمَا والله قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا
قَطُّ». فَدَخَلَ البَيْتَ، فَكَبََّ فِي نَوَاحِيهِ، وَلَمْ يُصَلّ فِيهِ. [انظر: ٣٩٨ - مسلم: ١٣٣١ - فتح:
٤٦٨/٣]
ذكر فيه حديث ابن عباس: أنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ لَمَّا قَدِمَ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ
البَيْتَ، وَفِيهِ الآلِهَةُ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ، فَأَخْرَجُوا صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ
وَإِسْمَاعِيلَ فِي أَيْدِيهِمَا الأَزْلَامُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((قَاتَلَهُمُ اللهُ، أَمَا
والله قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا قَطَّ)). فَدَخَلَ البَيْتَ، فَكَبَّرَ فِي
نَوَاحِيهِ، وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ. هذا الحديث من أفراد البخاري.
وفي رواية: حتى أمر بها فمحيت، خرجهُ في الأنبياء في باب قول
الله تعالى: ﴿وَأَتَّخَذَ اُللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، وخرج فيه أيضًا
عن ابن عباس: دَخَل النبي ◌َّ البيت فَوجَد صورة إبراهيم وصورة
مريم فقال ((أما هم فقد سمعوا أنَّ الملائكة لا تَدخل بيتًا فيه صورة،
هذا إبراهيم مُصور، فما له يستقسم؟))(١).
وأخرجه أيضًا من طريق وهيب: حَدَّثَنَا أيوب، عن عكرمة، عن
رسول الله وَّلُ مرسلاً(٢). وسَلف في الصَّلاة عن إسحاق بن نصر، ثَنَا
(١) سيأتي برقم (٣٣٥١).
(٢) ستأتي عقب حديث رقم (٤٢٨٨).

٣٥٩
كِتَابُ الحَجِّ
=
عبد الرزاق، أنا ابن جريج، عن عطاء: سَمعْتُ ابن عباس لما دخل النبي
وَلّ البيت. الحديث(١).
قَالَ الإسماعيلي: هذا أحسبه وقع غلطًا لا من الكتّاب، فإني نقلتهُ
من كتاب مسموع مُصحح ممن سمع منهُ، ووجدتهُ كذلك في غير نسخة،
والحديث إنما هو عن ابن عباس، عن أسامة، وكان هذا في فتح مكة
سنة ثمان.
وفي أبي داود، عن عبد الرحمن بن صفوان: لمَّا فتح رسول الله وَيقول
مكة، انطلقت فوافقته قد خرج من الكعبة، وكان قد دخلها بالسيف،
فأخرجت الآلهة وهي الأنصاب التي كانت قُريش تعبد، ثم دخل
البيت بعد ذَلِكَ، وكَبَّر في نواحيه، وكان دخل مكة حلالًا، ثم اعتمر
في ذَلِكَ العام بعد رجوعه من الطائف(٢).
إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه:
أحدها :
الأزلام: جمع زُلم وزَلم، وهي: الأقداح أيضًا، واحدها قِدْح،
وسُميت بذلك؛ لأنها تُقلم أي: تُبرى، ذكرهُ ابن قتيبة في كتاب
((القداح))، كانت الجاهلية يتخذونها، ويكتبون عَلَى بعضها: نهاني
ربِّي، وعلى بعضها: أمرني ربي، وعلى بعضها: نعم، وعلى بعضها:
لا ، فإذا أراد أحدهم سفرًا، أو غيره دفعوها إلى بعضهم حَتَّى يقبضها،
فإن خرج القدح الذي عليه: أمرني ربي مضى، أو نهاني كف.
(١) برقم (٣٩٨) باب: قول الله تعالى: ﴿وَأَخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصٌَّ﴾.
(٢) (سنن أبي داود)) (١٨٩٨) كتاب: المناسك، باب: الملتزم. وضعفه الألباني في
(ضعيف أبي داود)) برقم (٣٢٩).

٣٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
والاستقسام: ما قسم له من أَمر يزعمه، وقيل: كان إذا أراد أحدهم
أمرًا أدخل يده في الوعاء الذي فيه الأزلام، فأخرج منها زلمًا وعمل بما
عليه(١)، وقيل: الأزلام: حصى أبيض كانوا يضربون بها(٢)، والاستقسام
اسْتفعال من قسم الرزق والحاجات، وذلك طلب أحدهم بالأزلام
عَلَى ما قَسم له في حاجته التي يلتمسها من نجاح أو حرمان، فأبطل
الرب تعالى ذَلِكَ من فعلهم، وأخبر أنه فسق؛ لأنهم كانوا يستقسمون
عند آلهتهم التي يعبدونها، ويقولون: يا إلهنا، أخرج الحق في ذَلِكَ،
ثم يعملون بِمَا خرج فيه، فكان ذَلِكَ كُفرًا بالله تعالى؛ لإضافتهم
ما يكون من ذَلِكَ من صَواب، أو خطأ إلى أنهُ قسم آلهتهم (٣).
فأخبر الشارع عن إبراهيم، وإسماعيل أنهما لم يكونا يستقسمان
بالأزلام، وإِنمَّا كانا يفوضان أمورهما إلى الله الذي لا يخفَى عليه
علم ما كان وما هو كائن؛ لأن الآلهة لا تضر ولا تنفع، ولذلك قَالَ
وَلجر: ((لقدْ علموا أنهما لم يستقسما بها قط))، لأنهم قد علموا أنَّ
آباءهم أحدثوها، وكان فيهم بقية من دين إبراهيم، منهُ: الخِتان،
وتحريم ذوات المحارم، إلا أمرأة الأب، والجمع بين الأختين.
وقال ابن التين: الأزلام: قداح، وهي أعواد نحتوها، وكتبوا في
إحديهما: أفعل، وفي الأخرى: لا تفعل، ولا شيء في الآخر. فإن
خرجا فقد سلف، وإِنْ خرج الثالث أعاد الضرب حَتَّى يخرج له
أفعل، أو لا تفعل.
(١) أنظر: ((الصحاح)) ٢٠١٢/٥. و((النهاية في غريب الحديث)) ٦٣/٤.
(٢) انظر: ((الصحاح)) ١٩٤٣/٥. ((لسان العرب)) ١٨٥٧/٦ - ١٨٥٨.
(٣) ((النهاية في غريب الحديث)) ٦٣/٤. و((لسان العرب)) ٣٦٢٩/٦.