Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
= كِتَابُ الحَجّ
رجلٍ يطلع علينا، فطلع رسول الله وي لفر فحكموه وسموه الأمين، وكان في
ذلك الوقت ابن خمس وثلاثين فيما ذكر ابن اسحاق. فأمر بالركن فوضع
في ثوب، ثم أمر سيد كل قبيلة فأعطاه ناحية من الثوب، ثم ارتقى هو
فرفعوا إليه الرکن فوضعه القێږ بیده، فعجبت قریش من سداد رأیه، وكان
الذي أشار بتحكيم أول رجل يطلع عليهم أبو أمية بن المغيرة والد أمّ
سلمةً أمِّ المؤمنين، وكان عامئذٍ أسنَّ قريش كلها(١).
وقد روي أن هارون الرشيد ذكر لمالك بن أنس أنه يريد هدم ما بناه
الحجاج من الكعبة، وأن يرده إلى بناءِ ابن الزبير، فقال له: ناشدتك الله
يا أمير المؤمنين أن (لا)(٢) تجعل هذا البيت ملعبة للملوك لا يشاء أحدٌ
منهم إلَّا نقض البيت وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس(٣).
الحديث الثاني: حديث عائشة أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ قَالَ لَهَا: ((أَلَمْ تَرَيْ
أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوُا الكَعْبَةَ أَقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟)). فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ
اللهِ، أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: ((لَوْلًا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ
لَفَعَلْتُ)). فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ: سَمِعَتْ هُذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ
﴿﴿ مَا أُرِى رَسُولَ اللهَِّهِ تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الحِجْرَ،
إِلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ.
هذا الحديث ذكره كذلك في التفسير(٤)، واختلف في إسناده كما
(١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٣١٣/٥-٣٢١ (٩٧١٨) كتاب: المغازي، باب:
ما جاء في حفر زمزم وقد دخل في الحج أو ما ذكر من عبد المطلب، وانظر:
(سيرة النبي)) لابن هشام ٢٠٩/١-٢١٤، و((تاريخ الطبري)) ٥٢٦/١.
(٢) ليست في الأصل، وإنما هي زيادة ليستقيم المعنى.
(٣) انظر: ((التمهيد)) ٤٩/١٠ -٥٠، و((تفسير القرآن العظيم)) لابن كثير ٩٢/٢.
(٤) سيأتي برقم (٤٤٨٤) باب: قوله تعالى: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد ... ﴾.

٣٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =-=
قال ابن الحذاء فقال بعضهم: عن سالم، عن عائشة، وقال بعضهم:
عبد الله بن أبي بكر. ورواه ابن وهب، عن مخرمة، عن أبيه، عن
نافع: سمعت عبيد الله بن أبي بكر يحدث ابن عمر، عن عائشة،
والصحيح رواية مالك، عن محمد يعني المذكور هنا وهناك.
ومعنى ( ((اقتصروا))): لم يستوعبوا. يعني: قريشًا حين بنوا البيت
الذي كان لها، وهذا البناء شهده رسول الله صل18 كما سلف، ووضعت
قريش الحجر الأسود في حائطه بحكم رسول الله وَص84* بينهم بذلك
البنيان الذي اقتصرت فيه قريش على بعض القواعد وتركت شيئًا منها
خارجًا عن بنيانها، وسبب ذلك قصر النفقة الحلال بهم كما ستعلمه بعد.
وقوله: ( ((لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت))): يريد أنهم لقرب
عهدهم بالجاهلية فربما أنكرت نفوسهم خراب الكعبة، ونفرت
قلوبهم، فيوسوس لهم الشيطان ما يقيض شيئًا في دينهم، وهو كان
يريد ائتلافهم وتثبيتهم على الإسلام، وقد بَوَّب عليه البخاري باب:
من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس فيقعوا في
أشد منه (١)، فرأى ترك ذلك، وأمر باستيعاب البيت بالطواف؛ لقربه
إلى سلامة أحوال الناس، وإصلاح أديانهم؛ لأنَّ استيعاب بنيانه ليس
من الفروض، ولا من أركان الشريعة التي لا تقام إلَّا به، وهو ممكن
مع بقائه على حالته. ومن طاف ببعض البيت لم يجزئه عند مالك
والشافعيّ(٢).
(١) سلف برقم (١٢٦) كتاب: العلم.
(٢) (المنتقى)) ٢٨٣/٢، ((الاستذكار)) ١١٨/١٢، ((عيون المجالس)) ٨١١/٢،
((البيان)) ٢٨٠/٤، ((روضة الطالبين)) ٨١/٣، ((مختصر خلافيات البيهقي)) ٣/
١٩٥.

٣٠٣
- ڪِتَابُ الحَجِّ
وقال أبو حنيفة: إن كان بمكة أعاد طوافه(١). وقال ابن بطال عنه:
قضى ما بقي عليه، وإن تباعد ورجع إلى بلده جبره بالدم(٢). وأجزأه إذا
طاف بالحجر طوافًا واحدًا، دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ
اٌلْعَيِّيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وهذا يقتضي الطواف بجميعه ومن طاف
بالحجر فإنما يطوف بالبعض.
وقول ابن عمر: (لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله وَل قوله
-يريد إن كان عبد الله بن محمد بن أبي بكر سلم من السهو في نقله عن
عائشة وكانت عائشة سمعته من رسول الله صل - ما أرى رسول الله وعليه
ترك ذلك .. ) إلى آخره، فأخبر ابن عمر أنه الكلية ترك استلامها،
ومقتضاه: أنه قصد تركهما، وإلا فلا يسمى تاركًا في عرف
الاستعمال من أراد شيئًا فمنعه منه مانع فكأن ابن عمر علم ترك
رسول الله وَ ﴿ ولم يعلم علته، فلمَّا أخبره عبد الله بن محمد بخبر
عائشة هذا عرف علَّة ذلك، وهو كونهما ليسا على القواعد، بل
أخرج منه بعض الحجر، فلم يبلغ به ركن البيت الذي في تلك
الجهة، فالركنان اللذان اليوم من جهة الحجر لا يستلمان كما لا يستلم
سائر الجدر؛ لأنه حكم يختصُّ بالأركان، وسيأتي عن عروة ومعاوية
استلام الكل، وأنه ليس من البيت شيءٌ مهجورًا(٣).
وعن ابن الزبير أيضًا (٤)، وذكر ذلك عن جابر، وابن عباس،
(١) انظر: ((بدائع الصنائع)) ١٣٢/٢، ((الهداية)) ١٥٢/١، ((حاشية ابن عابدين» ٥٢٢/٢.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٢٦٥/٤.
(٣) سيأتي برقم (١٦٠٨) باب: من لم يستلم إلا الركنين اليمانيين.
(٤) سيأتي معلقًا برقم (١٦٠٨)، ورواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٤٦/٥ (٨٩٤٧)
كتاب: الحج، باب: الاستلام في غير طواف، وهل يستلم غير متوضئ؟، وابن
أبي شيبة في ((المصنف)) ٣٤٨/٣ (١٤٩٩١) كتاب الحج، فيما يستلم من الأركان.

٣٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -=
والحسن، والحسين.
وقال أبو حنيفة: لا يستلم إلا الركن الأسود خاصة ولا يستلم
اليماني؛ لأنه ليس بسنة فإن استلمه فلا بأس، دليلنا ما في الكتاب.
وسيأتي(١) ذكر استلام الأركان في موضعه إن شاء الله تعالى.
الحديث الثالث :
حديثها أيضًا: سَأَلْتُ رسول الله وَ ﴿ عَنِ الجَدْرِ أَمِنَ البَيْتِ هُوَ؟ قَالَ:
(نَعَمْ). قُلْتُ: فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي البَيْتِ؟ قَالَ: ((إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ
النَّفَقَةُ». قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: ((فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ
شَاءُوا، وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ
فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ، أَنْ أُدْخِلَ الجَدْرَ فِي البَيْتِ، وَأَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ
بِالأَرْضِ».
وقد سلف ما فيه قبله، والجدر: الجدار، وأرادت الحجر: بكسر
الحاءِ. قال الخطابي: وضبطه بفتح الدال في البخاري، والذي ذكر
أهل اللغة سكونها، وكذا في بعض روايات البخاري، وكذا قال
الجوهري: الجدر والجدار: الحائط(٢).
وقال ابن فارس: الجدار: الحائط، والجدر أصل الحائط
والجدرة: حيٍّ من الأزد بنوا جدار الكعبة(٣).
وقولها: (فما شأن بابه مرتفعًا) .. إلى آخره، وروئ عبد الرزاق، عن
ابن جريج، قال: سمعت الوليد بن عطاء يحدث عن الحارث، عن ابن
(١) انظر: ((الهداية)) ١٥٢/١، ((البناية)) ٧٨/٤.
(٢) ((الصحاح)) ٦٠٩/٢.
(٣) ((مجمل اللغة)) ١٧٨/١.

٣٠٥
- ڪِتَابُ الحَجّ
عبد الله بن ربيعة، عن عائشة: أنه العَّه قال لها: ((وهل تدرين لم كان
قومك رفعوا بابها؟)) قالت: لا. قال: ((تعززًّا؛ لئلا يدخلها إلَّا من
أرادوا، وكان الرجل إذا كرهوا أن يدخلها يدعوه حتى يرتقي، حتى إذا
كاد أن يدخلها دفعوه فسقط))(١).
وفيه: أن الناس غير محجوبين عن البيت، متى شاءوا دخلوه، ولكنه
تركه على ما كان وسلم مفتاحه لبني عبد الدار، وقال: ((خذوها خالدة
تالدة))(٢)، فأمَّا ما يأخذه حُجَّابه من جُعْلٍ على فتح بابه ورؤية الحجر
الذي قام عليه إبراهيم ونحوه، فليس بسائغ، وإنما أجرهم في تحصينه
وتجميره، وتطييبه، وقد روي في قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾
[الأنفال: ٤١] أنه للكعبة (٣) والجمهور أنه ذكر للتبرك.
الحديث الرابع: حديثها أيضًا، أن النبي وَلقر قال لها: ((لولا حداثة
قومك بالكفر لنقضت البيت ثم لبنيته على أساس إبراهيم، فإن قريشًا
استقصرت بناءه وجعلت له خلفًا)) وقال أبو معاوية: ثنا هشام: خلفًا
يعني : بابًا.
(١) (المصنف)) ١٢٧/٥-١٢٨ (٩١٥٠) في الحج، باب: الحجر وبعضه من الكعبة.
(٢) رواه الطبراني ١٢٠/١١ (١١٢٣٤)، وفي ((الأوسط)) ١٥٥/١-١٥٦ (٤٨٨)،
وابن عدي في ((الكامل)) ٢٢٤/٥، وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٢٨٥/٣ وقال:
رواه الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))، وفيه: عبد الله بن المؤمل، وثقه ابن
حبان، وقال: يخطئ، ووثقه ابن معين في راوية، وضعفه جماعة، وقال السخاوي
في ((كشف الخفاء)) ص٣٧٤ (١١٩٧): رواه الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط)) عن
ابن عباس -رضي الله عنهما - رفعه بسند فيه: عبد الله بن المؤمل، وثقه ابن معين
في رواية، وابن حبان وقال: يخطئ وضعفه آخرون اهـ
(٣) رواه الطبراني في ((تفسيره)) ٦/ ٢٥٠ (١٦١١٦، ١٦١١٧) وابن أبي حاتم ٥٪
١٧٠٣ (٩٠٨٦) عن أبي العالية.

٣٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الحديث الخامس: حديثها أيضًا، أن رسول الله وَلل قال لها:
((يا عائشة، لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم
وأدخلت فيه ما أخرج منه .. )) الحديث بطوله.
تعليق أبي معاوية أسنده مسلم عن يحيى بن يحيى، عن
أبي معاوية (١). والحديث الثاني: هو من رواية جرير بن حازم، ثنا
يزيد بن رومان، عن عروة، عنها. أخرجه الإسماعيلي من حديث
أحمد بن الأزهر، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي قال: سمعت يزيد بن
رومان يحدث عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، فذكره، ثم قال:
كان يزيد بن رومان رواه عن عبد الله وعروة ابني الزبير إن كان ابن
الأزهر حفظه.
قال ابن التين: ولم يضبط ((أساس)) بفتح الهمزة، ولا بكسرها،
ويحتمل أن يكون بفتحها، ويكون واحدًا، وهو أصل البناء كما قاله
ابن فارس(٢)، وعن صاحب ((الصحاح)): أنه جمع أس(٣). ويحتمل
أن يكون بكسرها، وهو جمع إس، عن صاحب ((الصحاح)).
وقال ابن بطال: الجدر: واحد الجدور وهي الحواجز التي بين
السواقي التي تمسك الماء(٤).
وقوله: ((بابًا))، يريد أي: من خلفه، يدخل الناس من وجهه،
ويخرجون من خلفه، وخلفًا، بإسكان اللام . ((وجعلت له)) بضم التاء.
وقال ابن التين: في كتاب أبي الحسن بفتح اللام وسكون التاء عطفًا
(١) (صحيح مسلم)) (١٣٣٣) كتاب: الحج، باب: نقض الكعبة وبنائها.
(٢) ((مجمل اللغة)) ٧٩/١.
(٣) ((الصحاح)) ٩٠٣/٣.
(٤) (شرح ابن بطال)) ٤/ ٢٦٧.

٣٠٧
- ڪِتَابُ الحَجِّ
على فعل قريش، وليس ببين، والصحيح: سكونها مع ضم التاء، على
أنه فعل رسول الله وَله، معطوفًا على ((لبنيت)).
وقول عروة: (حجارة كأسنمة الإبل). قد أسلفنا عن قتادة أن قواعده
من حراء.
وقوله: (قال جرير: فحزرت من الحجر ستة أذرع أو نحوها). قد
اختلفت الروايات فيه، وسيأتي إن شاء الله ما فيه.
وفيه: أن الحجر من البيت، وإذا كان كذلك فإدخاله واجب في
الطواف. وقد اختلف العلماء فيمنْ سلك في الحجر في طوافه، فكان
عطاء ومالك والشافعي وأحمد وأبو ثور يقولون: يبني على ما طاف
قبل أنْ يسلك فيه، ولا يعتد بما طاف في الحجر(١). وفضَّل أبو حنيفة
كما سلف(٢).
واحتج المهلب وأخوه له فقالا: إنما عليه أن يطوف بما بُني من
البيت؛ لأنَّ الحكم للبنيان لا للبقعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ﴾ الآية
[الحج: ٢٩] فأشار إلى البناء، والبقعة دون البناء لا تسمى بيتًا.
والشارع إنما طاف بالبيت ولم يكن على الحجر علامة، وإنما علمها
عمر إرادة استكمال البيت، ذكره عبيد الله بن أبي يزيد(٣) وعمرو بن
دينار في باب: بنيان الكعبة في آخر مناقب الصحابة (٤)، كما ستعلمه.
(١) أنظر: ((المنتقى)) ٢٨٣/٢، ((الاستذكار)) ١١٨/١٢، ((عيون المجالس)) ٨١١/٢،
((البيان)) ٢٨٠/٤، ((روض الطالبين)) ٨١/٣، ١٩٥، ((مختصر خلافيات البيهقي))
١٩٥/٣، «المغني» ٢٢٩/٥.
(٢) انظر: ((بدائع الصنائع)) ١٣٢/٢، ((الهداية)) ١٥٢/١، ((حاشية ابن عابدين)) ٢/
٥٢٢.
(٣) في الأصل: عبد الله بن أبي زيد، والصواب ما أثبتناه.
(٤) سيأتي برقم (٣٨٣٠).

٣٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قالا : ولم یکن حول البیت حائط إنما کانوا یصلّون حول البيت حتى كان
عمر، فبنى حوله حائطًا جدره قصير، فبناه ابن الزبير؛ ولذلك كان
الطواف قبل تحجير عمر حول البيت الذي قصرته قريش عن القواعد،
كما قال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلِّآئِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥] والطواف فرضه
البيت المبني، ولو كان ذراعًا منه، وقد حج الناس من زمن الشارع
إلى زمن عمر فلم يأمر أحدًا بالرجوع من بلده إلى استكمال البيت.
وقد قال مالك: من حلف أن لا يدخل دار فلان فهدمت فدخلها أنه
لا يحنث. فهذا دالّ أنَّ الدار والبيت إنما يختص بالبنيان لا بالبقعة.
قال المهلب: ومعنى ما سلف أنه لم يكن حول البيت حائط أي
حائط يحجز الحجر من سائر المسجد، حتى حجزه عمر بالبنيان،
ولم يبنه على الجدر الذي كان علامة للناس، بل زاد ووسع قطعًا
للشك أنَّ الجدر على آخر قواعد إبراهيم، فلمَّا لم يكن عند عمر أن
ذلك الجدر هو آخر قواعد إبراهيم التي رفعها إبراهيم وإسماعيل على
يقين ونقلٍ كافة، مع معرفته أن قريشًا كانت قد هدمت البيت وبنته
على غير القواعد، خشي أن يكون الجدر من بنيان قريش القديم،
فزاد في الفسحة أستبراءً للشك، ووسع الحجر حتى صار الجدر في
داخل الحجر.
وقد بان هذا في حديث جرير، وهو قوله: (فحزرت من الحجر ستة
أذرع أو نحوها)، والحائط الذي بناه عمر حول الحجر ليس بحائط
مرتفع، هو من ناحية الحجر نحو ذراعين، ومن الجرف خارجه نحو
أربعة أذرع إلى صدر الواقف من خارجه، ولم يكن الجدر الذي ظهر
من الأساس مرتفعًا، إنما كان علامة كالنجم والهدف لا بنيانا.
والحجة لمالك ومن تبعه كما سلف، وإخبار الشارع أن البيت قصر به

٣٠٩
-- كِتَابُ الحَجِّ
عن القواعد ولم يتم عليها لمن طاف في الحجر جعل طائفًا ببعضه؛ لأن
البيت يضم ما خط آدم، وبناه إبراهيم. وقد قال عمر وابنه عبد الله:
لولا أن الحجر من البيت ما طفت به. وقال ابن عباس: الحجر من
البيت، قال تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوْ يِلْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] ورأيت
رسول الله * طاف من وراء الحجر(١). يدل على أنه إجماع.
ومن لم يستوف الطواف بالبيت وجب أن لا یجزئہ کما لو فتح بابًا
في البيت فطاف وخرج منه(٢).
(١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ١٢٧/٥ (٤١٤٩) كتاب: الحج، باب: الحجر
وبعضه من الكعبة، وابن خزيمة ٢٢٢/٤-٢٢٣ (٢٧٤٠) كتاب: المناسك، باب:
الطواف من وراء الحجر، والطبراني ٤٤/١١ (١٠٩٨٨)، والبيهقي في ((السنن
الكبرى)) ٩٠/٥ كتاب: الحج، باب: موضع الطواف، وفي ((معرفة السنن
والآثار)» ٢٣٨/٧ (٩٩١٨) كتاب: المناسك، كمال الطواف وموضعه.
(٢) ورد في هامش الأصل: ثم بلغ في السابع بعد العشرين، كتبه مؤلفه غفر الله له.

٣١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
٤٣- باب فَضْلِ الحَرَمِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَآَ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِى
حَرَّمَهَا﴾ [النمل: ٩١]، وَقَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ ثُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا ءَإِنَّا﴾.
الآية [القصص: ٥٧].
١٥٨٧ - حَدَّثَنَا عَلَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَذَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ
تُجَاهِدٍ، عَنْ طَاؤُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ يَوْمَ فَتْح
مَكَّةَ: ((إِنَّ هذا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يُلْتَقِطُ
لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا)). [انظر: ١٣٤٩ - مسلم: ١٣٥٣ - فتح: ٤٤٩/٣]
ثم ذكر فيه حديث ابن عباس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّه يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ:
(إِنَّ هذا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يُلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ
إِلَّ مَنْ عَرَّفَهَا)).
أما الآية الأولى فقال الزجاج: قرئ ﴿الَّتِ﴾ وهي قليلة و﴿الَّذِى﴾
في موضع نصب من صفة و﴿رَبَّ هَذِهِ﴾، و﴿الَّتِ﴾ في موضع خفض
من نعت البلدة.
وقال ابن التين: وقع في رواية أبي الحسن ﴿اَلَِّى﴾(١) وقال:
﴿الَّذِى﴾ قرأنا في السبعة.
وروي أنَّ ابن عباس قرأها كذلك، وذلك غير بعيد جعله نعتا للبلدة.
وأمَّا الآية الثانية فكانوا آمنين قبل الإسلام، فلو أسلموا لكان أوكد،
قال قتادة: وكان أهل الحرم آمنين يخرج أحدهم فإذا عرض له قال: أنا
(١) انظر: (مختصر شواذ القرآن)) ص ١٦٢.

٣١١
= ڪِتَابُ الحَجّ
من أهل الحرم فيترك، وغيرهم يُقتل ويُسلب(١).
وقال الفراء: قال بعض قريش: يا محمد، ما منعنا أن نؤمن بك
ونصدقك إلا أنَّ العرب على ديننا فنخاف أن نصطلم(٢) إذا آمنا بك.
فأنزل الله هذه الآية. يعني: ألم نسكنهم حرمًا آمنا لا يخاف من دخله
أن يقام عليه حدّ ولا قصاص، فكيف يخافون أن تستحل العرب
قتالهم فيه؟!(٣).
وقوله: ﴿يُحَّّ إِلَيْهِ ثَمَرَّتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾، ذكرت ﴿يُجْىَ﴾ وإنْ كانت
الثمرات مؤنثة، لأنك فرقت بينهما بالنية.
قال الشاعر:
إنَّ الذي غره منكن واحدة بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور
قال ابن عباس: ﴿يُحّىَ إِلَيْهِ﴾ ثمرات الأرضين(٤).
وقد قيل: إنَّ البلدة اسم خاص بمكة، ولها أسماء كثيرة، ذكرتها في
((لغات المنهاج)) نحو الأربعين، فلتراجع منه.
وفيه: التصريح بتحريم الله ك مكة والحرم، وتخصيصها بذلك من
بين البلاد. وقد أعترض قوم من أهل البدع وقالوا: قد قتل خلق بالحرم
والبيت من الأفاضل كعبد الله بن الزبير ومن جرى مجراه، ولا تعلق لهم
بذلك؛ لأنه خرج مخرج الخبر، والمراد به الأمر بأمان من دخل البيت،
وأن لا يقتل، ولم يرد الإخبار بأن كل داخل إليه آمن، وعلى مثل هذا
(١) رواه الطبري في ((تفسيره) ٨٩/١٠-٩٠ (٢٧٥٣٥).
(٢) الاصطلام: الاستئصال، واصطلم القوم: أبيدوا من أصلهم، أنظر: ((لسان
العرب)» ٢٤٨٩/٤.
(٣) ((معاني القرآن)) للفراء ٣٠٨/٢.
(٤) رواه الطبري ٩٠/١٠ (٢٧٥٣٧).

٣١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
خرج قوله الكلية ((من ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل الكعبة أو دار
أبي سفيان فهو آمن)) (١) فإنما قصد الأمر بأمان من ألقى سلاحه ودخل
في ذلك، ولم يرد بذلك الخبر، ومثل قوله تعالى: ﴿ وَلْمُطَلَّقَتُ
· [البقرة: ٢٢٨] يعني بذلك الأمر لهن
يَتَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ ثَلَثَةَ قُ
بالتربص دون الخبر عن تربص كل مطلقة؛ لأنها قد تعصي الله
ولا تتربص، فلذلك قال: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنَا﴾ [آل عمران: ٩٧] أي
أمنوا من دخله، فهو داخل على صفة من يجب أنْ يؤمن، فمن لم
يفعل ذلك عصى وخالف، ومتى جعلنا هذا القول أمرًا بطل تمويههم.
قال القاضي أبو بكر بن الطيب: وقد يجوز أن يكون أراد تعالی کان
آمنا يوم الفتح، وقت قوله: ((من ألقى سلاحه فهو آمن .. )) إلى آخره
فلا يناقض عدم الأمن في غير ذلك الوقت وجوده فيه، فيكون الأمن
في بعض الأوقات دون جميعها، وسيأتي في باب: لا يحل القتال
بمكة(٢)، زيادة في هذا المعنى.
وأما حديث الباب فذكره في اللقطة معلقًا فقال: وقال طاوس عن
ابن عباس عن النبي ◌َّل: ((لا يلتقط لقطتها إلا من عرفها))(٣) وقد
أسنده هنا كما تراه وسيأتي حكمه -إن شاء الله- وفي الحج أيضًا.
(١) رواه مسلم (١٧٨٠) كتاب: الجهاد والسير، باب: فتح مكة.
(٢) أنظر ما سيأتي برقم (١٨٣٤).
(٣) سيأتي قبل حديث (٢٤٣٣) باب: كيف تعرف لقطة أهل مكة.

٣١٣
كِتَابُ الحَجّ
٤٤- باب تَوْرِيثِ دُورٍ مَڪَّةَ وَبَيْعِهَا وَشِرَائِهَا
وَأَنَّ النَّاسَ فِي مَسْجِدِ الحَرَامِ سَوَاءٌ خَاصَّةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
الَّذِى جَعَلْنَهُ لِلنَّاسِ سَوَآءَ الْعَكِّفُ فِيهِ وَالْبَادِّ﴾ الآية [الحج: ٢٥].
البَادِي: الطَّارِي، مَعْكُوفًا: مَحْبُوسًا.
١٥٨٨ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ: أَخْبَرَنِ ابن وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ
عَلِيٍّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ رضي الله عنهما أنَّهُ قَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: ((وَهَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ؟)).
وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ، وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ وَلَا عَلِيٍّ رضي الله
عنهما شَيْئًا؛ لأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنٍ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنٍ، فَكَانَ عُمَرُ بْنُ
الخَطَّابِ ﴾﴿ يَقُولُ: لَا يَرِثُ المُؤْمِنُ الكَافِرَ. قَالَ ابن شِهَابٍ: وَكَانُوا يَتَأَوَّلُونَ
قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِيِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلٍ
اللَّهِ وَاُلَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢] الآيَةَ. [٣٠٥٨، ٤٢٨٢،
٦٧٦٤ - مسلم: ١٣٥١ - فتح: ٣/ ٤٥٠]
ثم ذكر حديث ابن شهاب، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟
فَقَالَ: ((وَهَلْ تَرََكَ لنا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ)) .. الحديث.
أما الآية: فخبر ﴿إِنَّ﴾ محذوف، المعنى: هلكوا، أي: وعن
المسجد الحرام، واختلف في العاكف والبادي، فقال مجاهد:
العاكف: النازل، والبادي: الجائي(١).
(١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ١٢٩/٩ (٢٥٠١٢-٢٥٠١٣).

٣١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقال الحسن وعطاء: العاكف: من كان من أهل مكة، والبادي: من
كان بغيرها(١). قال مجاهد: أي هما في تعظيمها وحرمتها سواء(٢).
وقال عطاء: ليس أحد أحق به من الآخر، ونحوه عن ابن عباس،
وقيل: هما في إقامة المناسك سواء، وقيل: لا فضل لأحد على الآخر،
وتأوله عمر بن عبد العزيز على أن بيوت مكة لا تكرى(٣)، وروي عن
عمر أنه كان ينهى أن تغلق دور مكة في زمن الحج، وأن الناس كانوا
ينزلون فيها وحيث وجدوه فارغًا (٤). وقيل: إنَّ المراد بالآية
المسجد الحرام خاصة دون الدور؛ لأنهم كانوا يمنعون منه، ويدّعون
أنهم أربابه.
وأما حديث أسامة فأخرجه مسلم أيضًا إلى قوله: وكان طالب
وعقيل كافرين(٥)، والباقي مما زاده البخاري عليه، وفي موضع آخر
((لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم)»(٦) وفي رواية لمسلم:
وذلك في حجته حين دنوا من مكة، وفي لفظ آخر له: وذلك زمن
الفتح(٧).
وقال البخاري: لم يقل يونس: حجته، ولا زمن الفتح. وهو ما ساقه
في الكتاب من طريقه.
(١) (تفسير الطبري)) ١٢٩/٩ (٢٥٠١٤).
(٢) السابق.
(٣) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ١٤٧/٥ (٩٢١٢) كتاب: الحج، باب: الكراء في
الحرم.
(٤) ((مصنف عبد الرزاق)) ١٤٦/٥ (٩٢١٠).
(٥) (صحيح مسلم)) (١٣٥١) كتاب: الحج، باب: النزول بمكة للحاج.
(٦) سيأتي برقم (٦٧٦٤) كتاب: الفرائض، باب: لا يرث المسلم الكافر.
(٧) ((صحيح مسلم)) (١٣٥١).

٣١٥
- كِتَابُ الحَجِّ
وقال الطرقي: رواية الأكثرين من أصحاب الزهري: زمن الفتح،
ويحتمل كما قال القرطبي: تكرر السؤال والجواب(١)، وفيه بُعد.
وقد ترجم البخاري أيضًا، وأخرجه مع البخاري مسلم وأبو داود
والنسائي وابن ماجه(٢).
(١) ((المفهم)) ٤٦٦/٣.
(٢) ((صحيح مسلم)) (١٣٥١) كتاب: الحج، باب: النزول بمكة للحاج، ((سنن
أبي داود)» (٢٩٠٩) كتاب: الفرائض، باب: هل يرث المسلم الكافر؟، ((السنن
الكبرى)) للنسائي ٤٨٠/٢ (٤٢٥٥) كتاب: الحج، باب: دور مكة، ((سنن ابن
ماجه)) (٢٧٣٠) كتاب: الفرائض، باب: ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك.

٣١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٤٥- باب نُزُولِ النَّبِيِّ وَلِّ مَكَّةَ
١٥٨٩- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ،
أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ عَُّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَِّ حِينَ أَرَادَ قُدُومَ مَّةَ: ((مَنْزِلُنَا غَدًّا - إِنْ
شَاءَ اللهُ بِخَيْفٍ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الكُفْرِ)). [١٥٩٠، ٣٨٨٢، ٤٢٨٤،
٤٢٨٥، ٧٤٧٩ - مسلم: ١٣١٤ - فتح: ٣/ ٤٥٢]
١٥٩٠- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، حَدَّثَنَا الأَوَزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ،
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَلَّ مِنَ الغَدِ يَوْمَ النَّخْرِ وَهُوَ بِمِنَّى:
(نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي ◌ِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ). يَغْنِي: ذَلِكَ
المُحَصَّبَ، وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا وَكِنَانَةَ تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِم وَبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ - أَوْ
بَنِي المُطَّلِبِ - أَنْ لَا يُتَاكِحُوهُمْ، وَلَا يُبَايِعُوهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا إِلَيْهِمُ النَّبِيَّ ◌َ.
وَقَالَ سَلَامَةُ: عَنْ عُقَيْلٍ وَيَخْيَى بْنُ الضَّخَّاكِ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ: أَخْبَرَنِي ابن شِهَابٍ.
وَقَالَا: بَنِي هَائِمٍ وَبَتِي المُطَّلِبِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: بَنِي الْمُطَّلِبِ أَشْبَهُ. [انظر: ١٥٨٩ - مسلم: ١٣١٤ - فتح: ٤٥٣/٣]
ثم ساق من حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ حِينَ أَرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ: ((مَنْزِلُنَا غَدًا - إِنْ شَاءَ اللهُ- بِخَيْفٍ
بَنِي كِتَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ)). وبه قال(١) قال: النبي ◌َّ من الغد
يوم النحر وهو بمنى: ((نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا
على الكفر». يعني بذلك: المحصَّب، وذلك أن قريشًا وكنانة تحالفت
على بني هاشم وبني عبد المطلب أو بني المطلب .. الحديث. وقال
سلامة: عن عقيل ويحيى بن الضحاك، عن الأوزاعي، أخبرني ابن
(١) فوقها في الأصل: يعني: زيد السند من الزهري لا من أوله.

٣١٧
= ڪِتَابُ الحَجّ
شهاب، وقالا: بني هاشم وبني المطلب.
قال أبو عبد الله: بني المطلب أشبه. قلت: ويحيى بن الضحاك هو
يحيى بن عبد الله بن الضحاك(١) البابلتي، مات سنة ثماني عشرة
ومائتين(٢)، وسلامة هو ابن روح بن خالد بن أخي عقيل، كنيته
أبو خربق بالخاء المعجمة، ثم راء، ثم باء موحدة، ولم يسمع من
عقيل، ومات سنة ثمان وتسعين ومائة(٣)، ولم يسمع يحيى من
الأوزاعي كما قاله يحيى بن معين (٤)، لكنه كان في حجره، لا جرم
قال أبو عبد الرحمن: حديث الأوزاعي غير محفوظ، وخرج طرفًا منه
عن مالك عن الزهري(٥) -أي: عن علي بن الحسين، عن عمرو، عن
(١) ورد في هامش الأصل ما نصه: قال في ((الكاشف)) وهو لين، وقال في ((الضعفاء))
واهٍ، قال ابن عدي الضعف على حديثه بيّن، وأما سلامة فقال في ((الكاشف))
و((المغني)): قال أبو زرعة: منكر الحديث، زاد في ((الكاشف)) وقواه ابن حبان
وكونه لم يسمع من عقيل قاله الدمياطي في حاشية نسخته .....
(٢) هو يحيى بن عبد الله بن الضحاك بن بابلت البابلتي، أبو سعيد الحراني، مولی
بني أمية، أصله من الري، وهو ابن امرأة الأوزاعي. قال ابن أبي حاتم: سألت
أبا زرعة عنه، فقال: لا أحدث عنه، ولم يقرأ علينا حديثه، وذكره ابن حبان في
((المجروحين)) وقال: يأتي عن الثقات بأشياء معضلات يهم فيها، فهو ساقط
الاحتجاج فيما أنفرد به، وقال ابن عدي: وليحيى البابلتي عن الأوزاعي أحاديث
صالحة، وأثر الضعف على حديثه بيِّن، انظر: ((التاريخ الكبير)) ٢٨٨/٨
(٣٠٢٧)، ((الجرح والتعديل)) ١٦٤/٩ (٦٨١)، و((المجروحين)) لابن حبان ٣/
١٢٧، ((الكامل)) ١١٨/٩ (٢١٥١)، ((تهذيب الكمال)) ٤٠٩/٣١ (٦٨٦٢).
(٣) قال عنه أبو حاتم: ليس بالقوي، محله عندي محل الغفلة، وقال أبو زرعة: أيلي
ضعيف منكر الحديث، وسئل: هل يكتب حديثه؟ قال: نعم يكتب على الاعتبار،
آنظر: ((الجرح والتعديل)) ٣٠١/٤-٣٠٢ (١٣١١)، و((الكامل)» ٣٢٩/٤ (٧٧٣).
(٤) انظر: ((الكامل)) لابن عدي ١١٨/٩.
(٥) في (م): (الترمذي) وهو خطأ.

٣١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
أسامة- قلت: يا رسول الله، أين تنزل غدًا؟ في حجته فقال: ((وهل ترك
لنا عقيل منزلً))(١) أخرجه في الجهاد عن محمود، عن عبد الرزاق، أنا
معمر والأوزاعي، عن الزهري به، وزيادة ثم قال: قال الزهري:
والَخيْف: الوادي(٢)، وقال(٣): الصواب من حديث مالك: عمرو
وقال البخاري: عمر وهم(٤).
قلت: وقال الدارقطني في ((موطآته)): رواه روح بن عبادة وخالد بن
مخلد ومكي بن إبراهيم عن مالك فسماه عَمرًا. وفي رواية القعنبي
ويحيى بن بكير، عن مالك: عُمر، أو عَمرو على الشك.
وفي رواية إسحاق الطباع: قال مالك: أنا أعرف به، كان عمر بن
عثمان جاري، وقد أخطأ من سماه عمرًا.
وقال أبو حاتم الرازي فيما ذكره عنه ابنه في ((علله)): تفرد الزهري
برواية هذا الحديث(٥).
إذا تقرر ذلك فالكلام على البابين من أوجه:
أحدها: ظاهر الإضافة في قوله: (أين تنزل غدًا؟) من دارك. وفي
أخرى ذكرها ابن التين: من ربع آبائك وأجدادك الملكية، يؤيده ((هل
ترك لنا عقيل من رباع))(٦)؟ فأضافها إلى نفسه وظاهرها يقتضي
(١) ((السنن الكبرى)) ٢/ ٤٨٠ عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب عن يونس بن
یزید عن ابن شهاب.
(٢) سيأتي برقم (٣٠٥٨) باب: إذا أسلم قوم في دار الحرب.
(٣) ورد أعلى كلمة قال في الأصل: يعني أبا عبد الرحمن.
(٤) (التاريخ الكبير)) ٣٥٣/٦-٣٥٤.
(٥) ((علل الحديث)) ٢٨٨/١ (٨٦٠).
(٦) الرواية السابقة.

٣١٩
كِتَابُ الحَجِّ
-
الملك، فيحتمل أن يكون عقيل أخذها وتصرف فيها كما فعل أبو سفيان
بدور المهاجرين.
قال الداودي: كان (عقيل باع)(١) ما كان لرسول الله وَالر لمن هاجر
من بني عبد المطلب، فعلى هذا يكون قوله القيا ذلك تحرجًا أنْ يرجع
في شيء خرج منه لأجل الله، ولفظه يقتضي الاستفهام، ومعناه النفي،
أي: ما ترك لنا شيئًا. وأبعد من قال: يحتمل أنه حكم لها بحكم الدار،
فإنها خرجت عن ملكه لمَّا ملكها المسلمون، كما يقوله مالك والليث في
هُذِهِ المسألة لا في هذا الحديث، وسبب بُعده أنه يكون تعليله بأخذ
عقيل لا يوافق، ويخرج عن أن يكون جوابًا لما سأله. وقيل: كان
أصلها لأبي طالب فأمسكه التَّه مدة حياته إياها، فلما مات أبو طالب
ورثه عقيل وطالب (٢)، واستولى عليها عقيل لما هاجر الكلية بحكم
میراثه من أبيه.
وعلى هذا فتكون إضافتها إليه مجازية؛ لأنه كان يسكنها لا أنه
ملكها، والقول الأول أولى كما قاله القرطبي (٣).
وقال عياض: احتواء أبي طالب على أملاك عبد المطلب لأنه كان
أكبر ولده حين وفاته على عادة أهل الجاهلية (٤).
الثاني: فيه دلالة على أن مكة -شرفها الله- فتحت صلحًا، وقد
اختلف العلماء في ذلك، فذهب الشافعي وأصحابه إلى ذلك، وذهب
(١) كذا في الأصل، وفي (م): يجعلها حجة.
(٢) ورد في هامش (م): ولعله لما فقد طالب يوم بدر أختص بها عقيل، وقد أسل عقيل
قبل الفتح بعد الحديبية، ولم يسلم طالب.
(٣) ((المفهم)) ٤١٣/٣.
(٤) (إكمال المعلم)) ٤/ ٤٦٣.

٣٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
أبو حنيفة والأوزاعي ومالك وغيرهم إلى أنها فتحت عنوة (١).
قال ابن بزيزة: وهو الصحيح، ونقله غيره عن الأکثرین. وفي حديث
أبي شريح الكعبي دلالة على ذلك أيضًا(٢). وقيل: إن أسفلها دخله
خالد بن الوليد عنوة، وأعلاها صلحًا، كفوا عن الزبير والتزموا شرط
أبي سفيان، فلما دخل رسول الله * التزم أمان من لم يقاتل
واستأنف أمان من قاتل، فلذلك استجار بأم هانئ رجلان، فلو كان
الأمان عامًّا لم يحتاجا إلى ذلك، ولو لم يكن أمان لكان كل الناس
كذلك. وفي «الإکلیل) لأبي عبد الله الحاکم: والأخبار تدل أن سيدنا
رسول الله 843* نزل يوم الفتح في بيت أم هانئ ابنة عمه، وكان عمر بن
الخطاب يأمر بنزع أبواب دور مكة إذا قدم الحاج، وكتب عمر بن
عبد العزيز إلى عامله بمكة فيما حكاه السهيلي أن ينهى أهلها عن
كراء دورها إذا جاء الحاج، فإنَّ ذلك لا يحل لهم، وعن مالك: إن
کان الناس ليضربون فساطیطھم بدور مکة لا ینهاهم أحد.
ولابن ماجه من حديث علقمة بن نضلة: توفي رسول الله وَاخوي
وأبو بكر وعمر، وإنَّ دور مكة كانت تدعى السوائب، من أحتاج
سكن(٣)، ومن استغنى أسكن. وإسناده على شرطهما، ورماه البيهقي
بالانقطاع (٤).
(١) انظر: (شرح معاني الآثار)) ٣١١/٣، ((الهداية)) ٤٥٠/٢، ((البحر الرائق)» ٥٪
١٣٩، ((عيون المجالس)) ٧٠٦/٢، ((المنتقى)) ٢٢٠/٣، ((نهاية المحتاج، ٧٨/٨،
((الفروع)» ٢٤٣/٦، ((نيل الأوطار)) ١٨٢/٥.
(٢) سلف برقم (١٠٤) كتاب: العلم، باب: ليبلغ العلم الشاهد الغائب.
(٣) (سنن ابن ماجه)) (٣١٠٧) كتاب: المناسك، باب: أجر بيوت مكة. وضعفه
الألباني. في ((ضعيف ابن ماجه)) (٦٦٣).
(٤) ((السنن الكبرى)) ٣٥/٦ كتاب: البيوع، باب: ما جاء في بيع دور مكة وكرائها =