Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
ـ كِتَابُ الحَجِّ
وأخذ المهلب من حديث الباب ما نحا إليه مالك فقال فيه: إن
الاستطاعة لا تكون الزاد والراحلة، ألا ترى أن ما أعتذرت به هذه
المرأة عن أبيها ليس بهما، وإنما كان ضعف جسمه، فثبت أن
الاستطاعة شائعة كيفما وقعت وتمكنت، وقال غيره: إنها في لسان
العرب: القدرة، فإن جعلناها عمومًا في كل قادر جاز سواء قدر ببدنه
أو به وبماله أو بماله إلا أن تقوم دلالة، وإن قلنا: إن حقيقتها أن
تكون صفة قائمة في المستطيع كالقدرة والكلام والقيام والقعود فينبغي
أن تكون الاستطاعة صفة فيه تخصه، وهذا لا يكون إلا لمن هو
مستطيع ببدنه دون ماله، وقد سلم المخالف أن المريض ليس
بمستطيع وإن وجدهما، وأهل الحرم والمواقيت فما دونهم لا يعتبر
فيهم زاد ولا راحلة(١).
فاحتج الشافعي ومن وافقه أنه العَيْ لما سئل عن السبيل في قوله تعالى :
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قال:
((الزاد والراحلة)) أخرجه الحاكم -أبو عبد الله- في ((مستدركه) من
حديث أنس، قال: صحيح على شرط الشيخين، ثم ذكر له متابعًا على
شرط مسلم(٢)، وضعفه البيهقي بلا دليل(٣).
وحكى القاضي حسين وجهًا أنه لا يشترط وجود الزاد في حق من
هو على دون مسافة القصر؛ لأنه كالحاضر. وحكى ابن كج عن أبي علي
الطبري أنه إذا كان في الحرم يلزمه الحج إذا كان صحيحًا ولم يكن له
مال ولا كسب قال: وهذا فاسد إذ لا يكلف المسألة في الطريق.
(١) انظر ((شرح ابن بطال)) ١٨٦/٤.
(٢) ((المستدرك)) ٤٤١/١ - ٤٤٢.
(٣) ((السنن الكبرى)) ٣٣٧/٤.

٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقول ابن بطال: فإن احتجوا بحديث: ((السبيل الزاد والراحلة))،
فإن ابن معين وغيره قالوا: راويه إبراهيم الخوزي، وهو ضعيف(١)
عجيب منه في اقتصاره على طريق ضعيف، وطرحه لما صح كما
أسلفناه على أن الترمذي حسنه من الوجه المذكور، قال: وإبراهيم
يُضعف(٢)، وقد رواه الدارقطني بإسقاطه(٣)، ثم نقل عن ابن المنذر
أنه قال: لا يثبت الحديث الذي فيه ذكر الزاد والراحلة وليس بمتصل(٤).
قُلْتُ: ما ذكرناه ثابت متصل فقدم على الطريقة الضعيفة، ثم قال:
والآية عامة ليست مجملة لا تفتقر إلى بيان فكأنه تعالى كلف كل مستطيع
على أي وجه قدر بمال أو بدن، قال: والدليل على ذَلِكَ حديث:
((لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي))(6) فجعل صحة الجسم
مساوية للغنى، فسقط قول من أعتبر الراحلة.
قُلْتُ: لا يسقط فإن الحديث مفسر للاستطاعة في الآية، وهو المبين
عن الله، وقال إسماعيل بن إسحاق: لو أن رجلا كان في موضع يمكنه
(١) ((شرح ابن بطال)) ١٨٦/٤.
(٢) ((سنن الترمذي)) من حديث ابن عمر ٨/٣، وأيضًا برقم (٢٩٩٨)، وضعفه الألباني
الأول في ((ضعيف الترمذي)) قائلًا: ضعيف جدًا، وضعف الثاني مثل الأول،
ولكن دون لفظ: العج والثج، فإنها وردت في حديث آخر.
(٣) (سنن الدارقطني)) من حديث ابن عمر ٢١٦/٢ - ٢١٨.
(٤) والحديث أشار النووي في ((المجموع)) ٥٣/٧ لضعفه، وضعفه الألباني في
(الإرواء)) (٩٨٨). وانظر لزامًا ((البدر المنير)) ١٩/٦ - ٣٠، و((التلخيص)) ٢٢١/٢.
(٥) رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو (١٦٣٤)، والترمذي (٦٥٢)
وقال: حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن، وعبد الرزاق ١١٠/٤ (٧١٥٥)،
وأحمد ١٦٤/٢، ١٩٢، والدارقطني ١١٩/٢، والطحاوي في ((شرح معاني
الآثار)) ١٤/٢، والحاكم ٤٠٧/١، والبيهقي ١٣/٧، وصححه الألباني في
((صحيح أبي داود)) (١٤٤٤).

٢٣
كِتَابُ الحَجِّ
=
المشي إلى الحج وهو لا يملك راحلة لوجب عليه الحج؛ لأنه مستطيع
إليه سبيلاً(١).
قُلْتُ: لا نسلم له ثم قال: وما رووه عن السلف في ذَلِكَ أن السبيل
الزاد والراحلة، فإنما أرادوا التغليظ على من ملك هذا المقدار ولم
يحج؛ لأنهم ذكروا أقل الأملاك التي يبلغ بها الإنسان إلى الحج.
قُلْتُ: لا نسلمه بل أرادوا التشريع، فإن قيل: فإنها عبادة تتعلق بقطع
مسافة بعيدة فوجبت فيها الراحلة أصله الجهاد، قيل: لا فرق بينهما،
ومن تعين عليه فرض الجهاد وهو قادر ببدنه على المشي فليست
الراحلة شرطًا في وجوبه عليه(٢).
فرع :
انفرد أبو محمد بن حزم حيث قال: الحج واجب على العبد أيضًا؛
احتجاجًا بقول جابر وابن عمر: ما من مسلم. وقال الآخر: ما من أحد
من خلق الله إلا وعليه عمرة وحجة معًا، ولم يخصا إنسيًّا من جني
ولا حرًّا من عبد، وسئل القاسم وسلمان بن يسار عن العبد يحج بإذن
سيده فقالا: يجزئ عنه من حجة الإسلام، فإذا حج بغير إذنه لم يُجْزِهِ
(١) جاء في هامش الأصل ما نصه: من خط الشيخ في الهامش قال ابن حزم: الأخبار
في ذلك في أحدها الخوزي وهو ساقط مطرح، وفي الثاني الحارث الأعور وهو
كذاب والثالث مرسل ولا حجة في مرسل، والروايات في ذلك عن الصحابة واهية
كلها [المحلى ٧/ ٥٥]، وتبعه ابن العربي وغيره. وقال ابن عبد البر: روي ذلك من
أوجه منها مرسلة ومنها ضعيفة. وقال عبد الرحمن: سألت أبي عن حديث رواه
سعيد بن سلام عن ابن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا: ((الزاد
والراحلة)) فقال: باطل [علل ابن أبي حاتم ٢٩٦/١ (٨٩١)]. وقال ابن دحية في
((علمه)): قال البخاري ومسلم: لا يصح في هذا الباب حديث عن رسول الله وَل.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ١٨٦/٤ - ١٨٧.

٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال مجاهد: إذا حج العبد وهو فحل أجزأت عنه حجة الإسلام، قال:
وأما خبر محمد بن كعب عن النبي ◌ّ فمرسل لا يعرف، وحديث ابن
عباس وقفه جماعة(١).
فإن صح وقفه فهو منسوخ؛ لأنه كان قبل الفتح، ومن قال: إنه القليل
لم یحج بأم ولده فكذب شنيع لا يوجد.
تاسعها: أدعى الطحاوي والطرطوسي، أن في هذِه الأحاديث ما يدل
على أنه جائز للرجل أن يحج عن غيره، وإن لم يكن حج عن نفسه
لإطلاقها ولم يسألها أحججت أم لا، ويدل عليه تشبيهه بالدين ويجوز
قضاؤه بغير إذن من عليه، قال: والذي يدل عليه أن من حج تطوعًا
ولم يحج الفرض أنها تكون تطوعًا - كما قاله من قاله من أهل المدينة
يعني: المالكيين والكوفة ولا يكون من حجة الإسلام كما قاله من
قاله- ما روي عن رسول الله وَ له أنه قال: ((أول ما يحاسب به العبدُ
يوم القيامة صلاته، فإن كان أكملها كتبت كاملة، وإن لم يكن أكملها
قال الله جل وعلا لملائكته: أنظروا هل تجدون لعبدي من تطوع
فأكملوا ما ضيع به من فريضته))(٢).
والزكاة مثل ذَلِكَ ثم تؤخذ الأعمال على مثل ذَلِكَ، فدل أنه جائز
للرجل أن يحج تطوعًا، وإن لم يكن حج الفرض، وأنه جائز أن يحج عن
(١) أنظر: ((المحلى)) ٤٢/٧ - ٤٤.
(٢) رواه أبو داود من حديث أبي هريرة برقم (٨٦٤)، والترمذي (٤١٣)، وقال:
حديث أبي هريرة حديث حسن غريب من هذا الوجه، والنسائي ٢٣٣/١ - ٢٣٤،
وابن ماجه (١٤٢٥)، وأحمد ٢٩٠/٢، ٤٢٥، والبخاري في ((التاريخ الكبير)) ٢/
٣٣- ٣٤، والحاكم ٢٦٢/١، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه،
وله شاهد بإسناد صحيح على شرط مسلم، والبيهقي ٣٨٦/٢، وابن عبد البر في
«تمهيده)) ٨٠/٢٤، وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) برقم (٨١٠).

٢٥
ـ كِتَابُ الحَ﴾ّ
غيره قبل نفسه، قال: وأما حديث ابن عباس أن النبي ◌َّ سمع رجلًا
يقول: لبيك عن شبرمة، فقال: ((من شبرمة)) قال: أخ لي -أو قريب
لي- قال: ((أحججت عن نفسك؟)) قال: لا، قال: ((اجعل هذِه عن
نفسك ثم حج عن شبرمة))(١). فلا حجة فيه لمن تعلق به، وهو حديث
معلول.
والصحيح أنه موقوف على ابن عباس، وكذا قال أحمد: الصواب
وقفه عليه، وأعله بعضهم بالإرسال، والذي يصح في هذا المعنى عن
رسول الله وَ﴾ من رواية ابن عباس أنه سئل عن رجل لم يحج، أيحج
عن غيره؟ فقال: ((دين الله جل وعز أحق أن يقضيه)) وليس فيه أنه
لو أحرم عن غيره كان ذَلِكَ الإحرام عن نفسه.
وقال الطرطوسي: وهو حجة على من قال به؛ لأن قوله: ((حج عن
نفسك ثم حج عن شبرمة)) وفي لفظ: ((اجعل هذِه عن نفسك ثم حج عن
شبرمة)) دليل على أنه كان أنعقد عن شبرمة، فلو كان قد وقع هذا عن
نفسه كما زعمتم كيف يقول له: ((حج عن نفسك؟!)) غير أن هذا كان
في عام الفتح(٢)؛ لأنه الَّ فسخ حجهم إلى عمرة، وإن خالف
الشافعي في الفسخ، فقد رده عليه المتقدمون والمتأخرون والفقهاء
(١) رواه أبو داود (١٨١١)، وابن ماجه (٢٩٠٣)، وابن الجارود في ((المنتقى)) ٢/
١١٣ - ١١٤ (٤٩٩)، وأبو يعلى ٣٢٩/٤ (٢٤٤٠)، وابن خزيمة ٣٤٥/٤
(٣٠٣٩)، وابن حبان ٢٩٩/٩ (٣٩٨٨)، والطبراني ٤٢/١٢ - ٤٣ (١٢٤١٩)،
والدارقطني ٢٦٨/٢ - ٢٦٩، والبيهقي ٣٣٦/٤، وقال: هذا إسناد صحيح، ليس
في الباب أصح منه، وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (١٥٨٩) قائلًا:
إسناده صحيح على شرط مسلم.
(٢) في هامش الأصل تعليق نصه: قوله في عام الفتح فيه نظر كبير، وما أظن ذلك وقع
إلا من النساخ وإلا فعالم لا يقول ذلك والله أعلم.

٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
والمحدثون، والجماعة مطبقون على أن هذا كان عام الفتح، فلما جاز
فسخ الحج إلى العمرة جاز فسخه من شخص إلى شخص.
فإن قُلْتَ: أراد بقوله: ((اجعل هذِه عن نفسك)) التلبية لا الإحرام.
قُلْتُ: هذا غلط؛ لأنه قال: ((أحججت عن نفسك؟)) وهو صريح في
الحج دونها.
قُلْتُ: الحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه بإسناد على شرط
الصحيح بلفظ: ((حج عن نفسك)) (١)، ورواية ابن حبان في
(صحيحه)): ((فاجعل هذِه عن نفسك، ثم حج عن شبرمة))(٢) قال
البيهقي: إسناه صحيح ليس في الباب أصح منه(٣)، وصححه ابن
القطان أيضًا عنه (٤) وحمله بعضهم على الندب عملًا بقوله: ((ابدأ
بنفسك ثم بمن تعول)) وفي رواية للدارقطني: وهاهنا بدل شبرمة
نبيشة، والصواب شبرمة(٥).
وما سلف من الجواز هو قول الحسن وإبراهيم وأيوب وجعفر بن
محمد وأبي حنيفة ومالك، وحكي عن أحمد أيضًا مثله. وقال
الأوزاعي والشافعي وإسحاق: لا يجوز، ويقع إحرامه عن حجة
الإسلام، وعن ابن عباس يقع الحج باطلًا ولا يصح عنه ولا عن
غيره، ونقل عن بعض الحنابلة كما في ((المغني)).
(١) سبق تخريجهما.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) ((السنن الكبرى)) ٣٣٦/٤.
(٤) ((بيان الوهم والإيهام)) ٥/ ٤٥٠- ٤٥٢ (٢٥٢٨).
(٥) (سنن الدارقطني)) ٢٦٨/٢.

٢٧
ڪِتَابُ الحَجِّ
=
وقال الشافعي في ((مسنده)): حَدَّثَنَا سعيد بن سالم، عن سفيان بن
سعيد، عن طاوس بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن أبي أوفى قال:
سألته عن الرجل لم يحج أيستقرض الحج؟ قال: لا(١). وقال
الثوري: إن كان يقدر على الحج عن نفسه يحج عن نفسه، وإلا حج
عن غيره، وحكاه النووي عن أبي ثور وداود أيضًا محتجين بأن الحج
مما تدخله النيابة فجاز أن يؤديه عن غيره ممن لم يسقط فرضه عن
نفسه كالزكاة. وروى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن وكيع، عن عمر بن
ذر، عن مجاهد في الرجل يحج عن الرجل ولم يكن حج قط
قال: یجزيء عنه وعن صاحبه الأول. وعن یزید بن هارون، حدثنا
حميد بن الأسود، عن جعفر، عن أبيه أن عليًّا كان لا يرى بأسًا أن
يحج الصرورة عن الرجل. وحَدَّثَنَا يزيد بن هشام، عن الحسن، أنه
كان لا يرى بأسًا أن يحج الصرورة عن الرجل. وعن ابن المسيب
بإسناد جيد إن الله واسع لهما(٢).
فرع :
لو كان عليه قضاء ونذر قدم القضاء ثم النذر، فإن خبّط ترتب، وعند
أبي حنيفة ومالك يقع عما نواه (٣).
(١) ((مسند الشافعي)) ٢٨٤/١ (٧٤٥).
(٢) ((المصنف)) ١٨٨/٣ (١٣٣٧٠ - ١٣٣٧٣).
(٣) وقع في هامش الأصل : آخر ٩ من ٤ من تجزئة المصنف.

٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٢ - باب قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى:
ويأتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْنِينَ مِن كُلِّ فَجّ
عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُواْ مَنَفِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:
﴿فِجَاجًا﴾ [نوح: ٢٠]: الطُّرُقُ الوَاسِعَةُ.
١٥١٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابن وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ،
أَنَّ سَالَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَه
يَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ بِذِي الحَلَيْفَةِ، ثُمَّ يُهِلُّ حَتَّى تَسْتَوِيَ بِهِ قَائِمَةً. [انظر: ١٦٦ - مسلم:
١١٨٧ - فتح: ٣٧٩/٣]
١٥١٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، أَخْبَرَنَا الوَلِيدُ، حَدَّثَنَا الأَفَزَاعِيُّ، سَمِعَ عَطَاءَ يُحَدِّثُ، عَنْ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما، أَنَّ إِهْلَالَ رَسُولِ اللهِ وَلَه مِنْ ذِي الحَلَيْفَةِ حِينَ
أَسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ.
رَوَاهُ أَنَسٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ رضى الله عنهم. [فتح: ٣٧٩/٣]
ذكر فيه عن ابن عمر: قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ بِذِي
الحُلَيْفَةِ، ثُمَّ يُهِلُّ حَتَّى تَسْتَوِيَ بِهِ قَائِمَةً.
وعن عطاء، عن جابر بن عبد الله: أَنَّ إِهْلَالَ رَسُولِ اللهِ وَ مِنْ ذِي
الحُلَيْفَةِ حِينَ أُسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ.
رَوَاهُ أَنَسٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﴿ـ
الشرح:
معنى ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ أي: رجالة كما قاله ابن عباس(١)، وقرأه
عكرمة مشددًا، وقرأ مجاهد رجالًا مخففًا، ويجوز رجلة ورجل
(١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٩/ ١٣٥ - ١٣٦ (٢٥٠٥١ - ٢٥٠٥٤).

٢٩
كِتَابُ الحَجّ
=
ورجالًا، فهذِه ستة أوجه في جمع راجل، إلا أن ما روي عن مجاهد غير
معروف، قال ابن عباس فيما ذكره ابن المنذر في الآية: هم المشاة
والركبان على كل ضامر من الإبل. وروى محمد بن كعب، عن ابن
عباس قال: ما فاتني من شيء أشد علي إلا أن أكون حججت ماشيًا؛
لأن الله تعالى يقول: ﴿يَأْتُكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ أي: ركبانًا،
فبدأ بالرجال قبل الركبان(١).
وذكر إسماعيل بن إسحاق، عن مجاهد قال: أهبط آدم بالهند فحج
على قدميه البيت أربعين حجة. وعن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أن
إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام حجا ماشيين(٢)، وحج الحسن بن
علي خمسة وعشرين حجة ماشيًا، وإن النجائب لتقاد بين يديه(٣).
وفعله ابن جريج والثوري، وحج رسول الله وَلل راكبًا، وكذلك
حديث ابن عمر وجابر في هذا الباب، وذلك كله مباح لكن الأظهر
عندنا أن الركوب أفضل وفاقًا لمالك للاتباع ولفضل النفقة؛ فإن
النفقة فيه كالنفقة في سبيل الله سبعمائة ضعف، كما أخرجه أحمد من
(٤)
حديث بريدة (٤).
وقال المروذي: قرئ على أبي عبد الله، ثنا وكيع، ثنا فضيل
-يعني: ابن عياض - عن ليث عن طاوس قال: حج الأبرار على الرحال(٥).
(١) ذكره ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٢٤٨٨/٨ (١٣٨٨٥)، ورواه الخطيب في
«تاریخه)) ٤٠٤/٧٤- ٤٠٥.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٤٢٢ (١٥٧٥٤).
(٣) رواه الحاكم في ((المستدرك)) ١٦٩/٣، وذكره البيهقي ٣٣١/٤.
(٤) (مسند أحمد)) ٣٥٤/٥- ٣٥٥.
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٤٢٧/٣ (١٥٧٩٩)، وأحمد في ((الزهد)) ص٤٥١.

٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وصحح جماعة أن المشي أفضل، وبه قال إسحاق؛ لأنه أشق على
النفس، ولذلك بدأ به في الآية. وفي حديث صححه الحاكم من
حديث ابن عباس مرفوعًا: ((من حج إلى مكة ماشيًا حتَّى يرجع كتب
له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم)) فقيل: وما حسنات
الحرم؟ قال: ((كل حسنة بمائة ألف حسنة))(١).
ولأبي موسى المديني بإسناده: «الحاج الراكب له بكل خف يضعه
بعيره حسنة، والماشي له بكل خطوة يخطوها سبعون حسنة من حسنات
الحرم)) وفيه القدامي(٢).
وفي ((مستدرك الحاكم)) من حديث أبي سعيد الخدري قال: حج
رسول الله له وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة فقال: ((اربطوا
على أوساطكم مآزركم وامشوا مشيًا خلط الهرولة)» ثم قال: صحيح
الإسناد(٣).
قُلْتُ: ينظر هذا أو يبدأ بأصحابه (٤).
(١) ((المستدرك)) ٤٦٠/١ - ٤٦١.
ورواه البيهقي ٣٣١/٤ وأشار لضعفه، ٧٨/١٠.
وضعفه العلامة النووي في ((المجموع)) ٧٤/٧، والألباني في ((الضعيفة)) (٤٩٥).
(٢) ورواه الديلمي كما في ((الضعيفة)) ٤٩٦/٧ عن عبد الله بن محمد بن ربيعة: حدثنا
محمد بن مسلم الطائفي عن إبراهيم بن ميسرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس
مرفوعًا والحديث قال عنه الألباني ٧/ ٤٩٦ (٣٤٩٩): ضعيف جدًّا.
والقدامي الذي ذكره المصنف هو عبد الله بن محمد بن ربيعة، ضعيف جدًا؛ قال
الذهبي في ((الميزان)) ٢٠٢/٣ (٤٥٤٤): أحد الضعفاء، أتى عن مالك بمصائب.
(٣) ((المستدرك)) ٤٤٢/١ - ٤٤٣.
والحديث رواه ابن ماجه (٣١١٩) وضعف إسناده البوصيري في ((الزوائد))
(١٠٢٦)، وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٢٧٣٤).
(٤) وقع في هامش الأصل تعليق يُقرأ: يعني أن يكون أصحابه مبتدأ ومنتهاه فسره.؟

٣١
ـ كِتَابُ الحَجِّ
قال ابن القصار: في قوله: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ دليل قاطع لمالك أن
الراحلة ليست من شرط السبيل، والمخالفون يزعمون أن الحج لا يجب
على الرجالة، وهذا خلاف الآية. ولا نسلم له ما ذكره وأين القطع.
وقول البخاري: (﴿فِجَاجًا﴾: الطرق الواسعة) أعترض عليه الإسماعيلي
فقال: الفج: الطريق في الجبل بين الجبلين، فإذا لم يكن كذلك لم يسم
الطريق فجًا. وليس بجيد منه؛ فقد قال ابن سيده: الفج: الطريق الواسع
في جبل أو قبل جبل، وهو أوسع من الشعب، وقال ثعلب: هو
ما أنخفض من الطرق، وجمعه فجاج، وأفجة نادرة(١). وقال صاحب
(المنتهى)): فجاج الأرض: نواحيها. وقال القزاز، وابن فارس(٢)،
والفارسي في ((مجمعه)): الفج: الطريق الواسع.
وفي ((التهذيب)): ﴿مِنْ كُلِّ فَجّ عَمِيقٍ﴾ أي: واسع غامض(٣). وكذا
ذكره أبو عبيد.
وقال الطبري: يأتين من كل طريق ومكان ومسلك بعيد، وقال: ابن
عباس، وقتادة: من كل مكان بعيد(٤)، والعميق في اللغة: البعيد، بئر
عميق أي: بعيدة القعر.
وقال الزجاج: ﴿يَأْتِينَ﴾ على معنى الإبل وعلى كل بعير ﴿ضَامِرٍ﴾
يعني : الجماعة.
وقال الفراء: وقرئ (يأتون) فذهب إلى الركبان(٥).
(١) ((المحكم)) ٧/ ١٦١.
(٢) انظر: ((المجمل)) ٧٠١/٣.
(٣) أنظر: ((تهذيب اللغة)) للأزهري ٢٧٤٢/٣ - ٢٧٤٣.
(٤) روى عنهما الطبري في ((تفسيره)) ١٣٦/٩ (٢٥٠٥٨ - ٢٥٠٦١).
(٥) ((معاني القرآن)) للفراء ٢٢٤/٢.

٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وعزيت إلى ابن مسعود، وذكر بعضهم أنه يقال: ناقة ضامر فيجيء
﴿يَأْتِينَ﴾ مستقيمًا عليه وقيل: الضامرة: ما أتصف بذلك من جمل وناقة
وغير ذَلِكَ، وهو الأظهر لكنه يتضمن معنى الجماعات أو الرفاق،
فيحسن لذلك قوله: ﴿يَأْتِينَ﴾ وذكر أن العميق البعيد في المسافة،
وذكر عن الفراء.
وأما في الحفير في الأرض وشبهه، فهو بغين معجمة.
وقوله: ﴿لَّشْهَدُواْ مَنَفِعَ لَهُمْ﴾ فقال ابن عباس وسعيد بن جبير:
التجارة (١). زاد مجاهد وعطاء: ما يرضي الله من أمر الدنيا والآخرة(٢).
وقال أبو جعفر: المغفرة (٣)، واختاره إسماعيل بن إسحاق.
وسيأتي الاختلاف في بدءٍ إهلال رسول الله وَّ بعد في موضعه إن
شاء الله.
وأحمد بن عيسى شيخ البخاري في حديث ابن عمر هو: التستري،
وأخرجه البخاري عن شيخه هذا، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن
شهاب، عن سالم، عن أخيه.
والذي في ((مسند ابن وهب)) عبد الله، رواية يونس بن عبد الأعلى
عنه، أنا يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه قال: سمعت رسول
الله ◌َّ يهل ملبدًا. وعطاء في حديث جابر هو ابن أبي رباح، وإن كان
أيضًا ابن يسار روى عن جابر، لكن الأوزاعي لم يرو إلا عن ابن
أبي رباح. والحديث من رواية الأوزاعي عنه.
(١) رواه الطبري ٩/ ١٣٦ - ١٣٧ (٢٥٠٦٣)، (٢٥٠٦٥ - ٢٥٠٦٧).
(٢) رواه الطبري عن مجاهد ٩/ ١٣٧ (٢٥٠٦٩ - ٢٥٠٧١).
(٣) رواه الطبري ٩/ ١٣٧ (٢٥٠٧٤).

٣٣
كِتَابُ الحَجّ
=
واعترض الإسماعيلي فقال: ليس في الحديثين شيء مما ترجم
الباب به.
قُلْتُ: قد أسلفنا مناسبته، ولا شك أن ذا الحليفة فج عميق، وركوبه
تفسير للضامر في الآية، وحديث أنس يأتي مسندًا في باب: من بات بذي
الحليفة (١). وحديث ابن عباس أسنده في باب ما يلبس المحرم(٢).
(١) برقم (١٥٤٦).
(٢) برقم (١٥٤٥).

٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٣ - باب الحَجِّ عَلَى الرَّحْلِ
١٥١٦ - وَقَالَ أَبَانُ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةً
رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ بَّ بَعَثَ مَعَهَا أَخَاهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْمَرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ،
وَحَلَهَا عَلَىْ قَتَبٍ.
وَقَالَ عُمَرُ ◌َ﴾: شُدُّوا الرَّحَالَ فِي الحَجِّ، فَإِنَّهُ أَحَدُ الجِهَادَيْنِ. [انظر: ٢٩٤ - مسلم:
١٢١١ - فتح: ٣٨٠/٣]
١٥١٧ - وَقَالَ نُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَبِعٍ، حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ،
عَنْ تَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: حَجَّ أَنَسْ عَلَى رَحْلٍ، وَلْ يَكُنْ شَحِيحًا، وَحَدَّثَ
أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَّهَ حَجَّ عَلَى رَخلٍ وَكَانَتْ زَامِلَتَهُ. [فتح: ٣٨٠/٣]
١٥١٨ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَليٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَذَّثَنَا أَيْمَنُ بْنُ نَابِلٍ، حَدَّثَنَا
القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَّتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، اعْتَمَرْتُمْ وَلَمْ
أَعْتَمِزِ. فَقَالَ: ((يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، أَذْهَبْ بِأُخْتِكَ فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ)). فَأَخِقَبَهَا
عَلَى نَاقَةٍ، فَاعْتَمَرَتْ. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣ /٣٨٠]
وَقَالَ أَبَانُ: ثَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ
النَّبِيِّ نَّ بَعَثَ مَعَهَا أَخَاهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْمَّرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ، وَحَمَلَهَا
عَلَى قَتَبِ.
وَقَالَ عُمَرُ ﴾: شُدُّوا الرِّحَالَ فِي الحَجِّ، فَإِنَّهُ أَحَدُ الجِهَادَيْنِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، ثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ
ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: حَيَّ أَنَسٌ عَلَىَ رَحْلٍ، وَلَمْ يَكُنْ شَحِيحًا،
وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ بِّهِ حَجَّ عَلَى رَحْلٍ وَكَانَتْ زَامِلَتَهُ.
ثم قال: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، ثَنَا أَبُوَ عَاصِمٍ، ثَنَا أَيْمَنُ بْنُ نَابِلٍ وهو
بالباء الموحدة قبل اللام، ثَنَا القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ:
يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْتَمَرْتُمْ وَلَمْ أَعْتَمِرْ. فَقَالَ: ((يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، أَذْهَبْ بِأُخْتِكَ

٣٥
-- كِتَابُ الحَجِّ
فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيم)». فَأَحْقَبَهَا عَلَى نَاقَةٍ، فَاعْتَمَرَتْ.
الشرح :
التعليق الأول أخرجه أبو نعيم في ((مستخرجه)) من حديث عبدة بن
عبد الله، نا حَرَمي بن عمارة، ثنا أبان، يعني: ابن يزيد العطار فذكره.
والتعليق الثاني: وهو قوله. وقال محمد بن أبي بكر -وهو: المقدمي
شيخ البخاري- ووقع في بعض النسخ: حَدَّثَنَا محمد بن أبي بكر، وقد
وصله أيضًا الإسماعيلي فرواه عن يوسف القاضي وغيره عنه. وقال
أبو نعيم: حَدَّثَنَا علي بن هارون وأبو الفرج النسائي، ثنا يوسف
القاضي، ثنا محمد فذكره، ورَوى حجَّه على رَحْلِ ابن أبي شيبة، ثنا
وكيع، ثنا روح، عن يزيد بن أبان، عن أنس قال: حج رسول الله
30 على رحل وقطيفة لتساويان - أو قال لا تسوي- إلا أربعة دراهم(١).
زاد ابن ماجه ((اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة)»(٢) قال ابن
أبي شيبة: وحَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان، عن أبي سنان، عن عبد الله بن
الحارث أن النبي لم حج على رحل فاهتز -وقال مرة: فاجتيح-
فقال: ((لا عيش إلا عيش الآخرة))(٣).
وحديث عائشة أخرجه الإسماعيلي أيضًا، ومستخرجه عن القاسم بن
زكريا، عن محمد بن عبد الأعلى، ثنا المعتمر، عن أيمن به، وصريح
إيراد البخاري أنه أخرج لأيمن استقلالًا كما قال المزي أنه متابعة.
والرحل: مركب للبعير لا غير، والرحال جمع رحل(٤).
(١) ((المصنف)) ٤٢٧/٣ (١٥٨٠٠).
(٢) ((سنن ابن ماجه)) (٢٨٩٠).
(٣) ((المصنف)) ٤٢٧/٣ (١٥٨٠١).
(٤) انظر: ((الصحاح)) ١٧٠٧/٤، ((لسان العرب)» ١٦٠٨/٣.

٣٦
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
والقتب -بالتحريك- رحل صغير على قدر السنام، قاله في
((المنتهى))، والجمع أقتاب، ويجوز تأنيثه عند الخليل(١)، وغيره يرى
أن قتيبة تصغير قتب وهو المعاء، وحكى ابن سيده كسر القاف
وإسكان التاء أيضًا وقال هو أكاف البعير قال: وقيل: هو الأكاف
الصغير على قدر سنام البعير (٢)، وقال في ((المخصص)): وقيل:
القَتَب لبعير الحمل، والقِتب لبعير السانية(٣).
والزاملة: الدابة التي يحمل عليها من الإبل وغيرها (٤). قال القزاز:
وهي بعير يستظهر به أي يحمل متاعه وطعامه عليه. وجزم به ابن التين
وهذا الباب معقود لفضل الحج على الرواحل، وفعله الشارع تواضعًا
لربه تعالى وإتعابًا لنفسه وضنًا لبدنه شكرًا ويضحي يصيبه الحر والبرد
ولئلا يتعجل شيئًا من حسناته وتتأسئ به أمته.
ومعنى أحقبها: أردفها(٥). والتنعيم: موضع بقرب مكة من جهة
المدينة، وهو أول الحل(٦).
وقول عمر: (فإنه أحد الجهادين) يعني: الحج سماه جهادًا؛ لأنه
يجاهد فيه نفسه بالصبر على مشقة السفر، وترك الملاذ، ودرء
الشيطان عن الشهوات.
(١) ((العين)) ١٣١/٥.
(٢) ((المحكم)) ٢٠٩/٦.
(٣) ((المخصص)) ٢٠٩/٢.
(٤) انظر: ((الصحاح)) ١٧١٨/٤، ((النهاية في غريب الحديث)) ٣١٣/٢، ((لسان.
العرب)» ١٨٦٤/٣.
(٥) أنظر: ((الصحاح)) ١١٤/١، ((النهاية في غريب الحديث)) ٤١٢/١، ((لسان العرب))
٩٣٧/٢.
(٦) انظر: ((معجم ما استعجم)) ٣٢١/١، ((معجم البلدان)) ٤٩/٢.

٣٧
كِتَابُ الحَجّ
=
٤ - باب فَضْلِ الحَجِّ المَبُورِ
١٥١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِنْرَاهِيمُ بْنُ سَغدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: سُئِلَ رسول اللهِ وَّةَ: أَيُّ الأَعْمَالِ
أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((إِيمَانٌ باللهِ وَرَسُولِهِ)). قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللهِ)).
قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجِّ مَبْرُورٌ)).
١٥٢٠ - حَذَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، أَخْبَرَنَا حَبِيبُ بنُ أَبِي
عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ:
يَا رَسُولَ اللهِ، نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ، أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: ((لَا، لكن أَفْضَلَ الجِهَادِ
حَجٌّ مَبْرُورٌ)). [١٨٦١، ٢٧٨٤، ٢٨٧٥، ٢٨٧٦ - فتح: ٣٨١/٣]
١٥٢١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ أَبُو الحَكَمِ قَالَ: سَمِغْتُ أَبَا
حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَِّّ يَقُولُ: ((مَنْ حَجَّ لله،
فَلَمْ يَرْفُْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمٍ وَلَدَتْهُ أَمُّهُ)). [١٨١٩، ١٨٢٠ - مسلم: ١٣٥٠ - فتح:
٣/ ٣٨٢]
ذکر فیه ثلاثة أحاديث:
أحدها: حديث أبي هريرة: قَالَ: سُئِلَ رسول الله بَّهِ: أَيُّ الأَعْمَالِ
أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ)). قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((جِهَادٌ فِي سَبِيلِ
اللهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((حَجْ مَبْرُورٌ)).
وهذا الحديث سلف واضحًا في باب من قال: إن الإيمان هو:
العمل، ((والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة))(١)، كما أخرجاه من
حديث أبي هريرة بزيادة في أوله: ((العمرة إلى العمرة كفارة لما
(١) برقم (٢٦) كتاب: الإيمان.

٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =-=
بينهما))(١) ولأحمد من حديث جابر قالوا: يا رسول الله، ما الحج
المبرور؟ قال: ((إطعام الطعام، وإفشاء السلام)) (٢) علقه محمد بن
ثابت، قال أبو حاتم: حديث منكر شبه الموضوع(٣).
وفي رواية للجُوزي: ما بره؟ قال: ((العج والثج)) قال: فإن لم يكن.
قال: ((طيب الكلام))، وللحاكم: ((طيب الكلام)) بدل ((إفشاء السلام)) ثم
قال: صحيح الإسناد ولم يحتجا بأيوب بن سويد، لكن له شواهد
كثيرة (٤)، وروى سعيد بن المسيب مرفوعًا: ((ما من عمل بين السماء
والأرض بعد الجهاد أفضل من حجة مبرورة، لا رفث فيها ولا فسوق
ولا جدال)).
وقوله: ((مبرور)) قال ابن التين: يحتمل أن صاحبه أوقعه على وجه
البر، وأصله أن لا يتعدى بغير حرف جر، ونقل عن بعضهم أنه قال:
لعله یرید بمبرور وصف المصدر فتعدی إلیه بغير حرف فجعله متعدیًا ،
قال: وحديث: ((المبرور ليس له جزاء إلا الجنة))(٥) قيل: يريد به
النافلة؛ لأنه سبق على الحج الجهاد، وليس فرضه كفرض الحج فيدل
ذَلِكَ على أن هذا الحج نافلة.
ثانيها: حديث عائشة: يَا رَسُولَ اللهِ، نَرى الجِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ،
أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: ((لَا، لكن أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجِّ مَبْرُورٌ)».
(١) سيأتي برقم (١٧٧٣) كتاب: العمرة، باب: وجوب العمرة وفضلها، ورواه مسلم
(١٣٤٩) كتاب: الحج، باب: في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة.
(٢) «مسند أحمد» ٣٢٥/٣.
(٣) ((علل ابن أبي حاتم)) ١١٨/٢ - ١١٩ (٨٩٢).
(٤) ((المستدرك)) ٤٨٣/١.
(٥) سيأتي برقم (١٧٧٣).

٣٩
= ڪِتَابُ الحَجِّ
وهو من أفراده وأخرجه في موضع آخر بلفظ: استأذنت رسول الله
وَّر في الجهاد فقال: ((جهادكن الحج))(١) وله عنها: ((لكن أحسن الجهاد
وأجمله الحج حج مبرور)) قالت: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من
رسول الله ◌َاليه(٢).
وذكره في الجهاد عنها بلفظ: سأله نساؤه عن الجهاد، قال: ((نعم
الجهاد الحج)»(٣) وفي آخر: واستأذنته عائشة، فقال: ((جهادكن
الحج))(٤) ولابن ماجه بإسناد على شرط الصحيح عنها قُلْتُ: يا رسول
الله، على النساء جهاد؟ قال: ((نعم جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة))(٥).
وضبطه(٦) الأصيلي بضم الكاف وتشديد النون، وكذا في أصل
الدمياطي أيضًا، قال الشيخ أبو الحسن: وهو الذي تميل إليه نفسي،
وسماه جهادًا لما أسلفنا في الباب قبله.
قال ابن بطال: وإنما جعل الجهاد في حديث أبي هريرة أفضل من
الحج؛ لأن ذَلِكَ كان في أول الإسلام، وقلت: وكان الجهاد فرضًا
متعينًا على كل أحد، فأما إذا ظهر الإسلام وفشئ، صار الجهاد من
فروض الكفاية على من قام به، فالحج حينئذ أفضل ألا ترى قوله القليل
لعائشة: ((أفضل جهادكن الحج)) لما لم تكن من أهل (القتال)(٧) والجهاد
(١) سيأتي برقم (٢٨٧٥) كتاب: الجهاد والسير، باب: جهاد النساء.
(٢) سيأتي برقم (١٨٦١) كتاب: جزاء الصيد، باب: حج النساء.
(٣) سيأتي برقم (٢٨٧٦).
(٤) سبق تخريجه برقم (١٨٧٥).
(٥) (سنن ابن ماجه)) (٢٩٠١)، وصححه الألباني في ((صحيح ابن ماجه)).
(٦) كتب فوقها في الأصل: أي ضبط لكنَّ.
(٧) في الأصل يقارب رسمها: الفنا، والمثبت من ابن بطال، وفي إحدى نسخه كما
في الأصل، على ما أشار محققوه.

٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
للمشركين، فإن حل العدو ببلدة واحتيج إلى دفعه وكان له ظهور وقوة
وخيف منه توجه فرض الجهاد على الأعيان وصار أفضل من الحج (١).
وكذا قال ابن التين الحج أفضل، وقال المهلب: وقوله: ((لكن
أفضل الجهاد حج مبرور)) يفسر قوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾
الآية [الأحزاب: ٣٣] أنه ليس على الفرض لملازمة البيوت، كما زعم
من أراد تنقيص أم المؤمنين في خروجها إلى العراق للإصلاح بين
المسلمين، وهذا الحديث يخرج الآية عما تأولوها؛ لأنه قال: ((لكن
أفضل الجهاد حج مبرور)) فدل أن لهن جهادًا غير الحج، والحج
أفضل منه، فإن قيل: النساء لا يحل لهن الجهاد قيل: قالت حفصة:
قدمت علينا امرأة غزت مع رسول الله وَلفور ست غزوات، وقالت: كنا
نداوي الكلمى ونقوم على المرضى. وهو في الصحيح (٢)، وكان العلي
إذا أراد الغزو أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها غزا بها (٣).
قال: في هذا وفي إذن عمر لهن بالحج إيطال إفك المشغبين،
وكذب الرافضة فيما اختلقوه من الكذب من أنه القذيفة قال لأزواجه:
((هذِه ثم ظهور الحصر)) (٤)، وهذا ظاهر لا خلاف؛ لأنه حضهن على
الحج وبشرهن أنه أفضل جهادهن، وأذن عمر لهن، وسير عثمان
معهن. يعني الحديث المذكور آخر كتاب الحج حجة قاطعة على
(١) (شرح ابن بطال)) ١٩٠/٤.
(٢) سيأتي برقم (١٦٥٢) كتاب: الحج، باب: تقصير الحائض المناسك كلها
إلا الطواف.
(٣) سيأتي برقم (٢٦٦١) كتاب: الشهادة، باب: تعديل النساء بعضهن بعضًا، ورواه
مسلم برقم (٢٧٧٠) كتاب: التوبة، باب: في حديث الإفك، وقبول توبة القاذف.
وانظر: ((شرح ابن بطال)) ١٩١/٤.
(٤) سيأتي تخريجه قريبًا.