Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ كِتَابُ الرِّكَاةِ = الطبري: والصواب في ذلك عندنا أن صدقة المتصدق بماله كله في صحته جائزة؛ لإجازته صدقة الصديق بماله كله، وإن كنت لا أرى أن يتصدق بماله كله، ولا يجحف بماله ولا بعياله، ويستعمل في ذلك أدب الرب لنبيه بقوله: ﴿وَلَا تَّجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُفِكَ﴾ الآية [الإسراء: ٢٩] وأن يجعل من ذلك الثلث كما أمر الشارع لكعب بن مالك، وأبي لبابة(١) وأما إجازته للصديق فهو إعلام بالجواز من غير ذم، وما فعل مع كعب وأبي لبابة إعلام بالاستحباب. والدليل على ذلك إجماع الجميع أن لكل مالك مال إنفاق جميعه في حاجاته، فكذا فيما هو قربة وأولى. فإن قلتَ: كيف نعمل بقوله تعالى: ﴿وَبُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] وقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حٍُّ﴾ [الإنسان: ٨] وبحديث أبي ذر: ((أفضل الصدقة جهد من مقل)) (٢). وبحديث الباب. قلتُ: لا معارضة بينهما فإن المعنى في حديث الباب حصول ما تدفع به الحاجات الضرورية كالأكل، وستر العورة، وشبهها، فهذا ونحوه مما لا يجوز الإيثار به، ولا التصدق به بل يحرم، فإذا سقطت هذِه الواجبات صح الإيثار، وكان صدقته هي الأفضل؛ لأجل ما يحمله من مضض الحاجة، وشدة المشقة. وقوله: ((واليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى)). فيه: الندب إلى التعفف عن المسألة، والحض على معالي الأمور وترك دنيئها. والله تعالى يحب معالي الأمور. (١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٤٢٩/٣ - ٤٣٠. (٢) رواه أحمد ١٧٨/٥، والطبراني في ((الكبير)) ٢١٧/٨، والبيهقي في ((السنن الكبرى)» ١٨٠/٤، قال الهيثمي في ((المجمع)) ١٥٩/١: مداره على علي بن يزيد وهو ضعيف. ٣٢٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -= وفيه: حض على الصدقة أيضًا؛ لأن العليا يد المتصدق، والسفلى يد السائل، والمعطي مفضل على المعطى، والمفضل خير من المفضل عليه. ولم يرد ◌ّ ر أن المفضل في الدنيا خير اليدين. وإنما أراد في الإفضال والإعطاء. قَالَ الخطابي: توهم كثير من الناس أن العليا من علو الشيء فوق الشيء، وليس ذلك عندي بالوجه، إنما هو على المجد والكرم. يريد به الترفع عن المسألة والتعفف عنها (١). ورد عليه ابن الجوزي فقال: لا يمتنع أن يحمل على ما أنكره؛ لأنها إذا حملت العليا على المتعففة لم يكن للمنفق ذكر، وقد صحت لفظة: المنفقة، وكان المراد أن هذِه اليد التي علت وقت العطاء على يد السائل هي العالية في باب الفضل. وزعم قوم: أن العُليا هي الآخذة، والسفلى هي المعطية. وهؤلاء قوم أستطابوا السؤال فجنحوا إلى الدناءة. والناس إنما يعلون بالمعروف والعطايا. وقال ابن العربي: إذا قلنا: إنَّ العليا: المعطي؛ فلأنها نائبة عن الله إذ هو خازنه ووكيله في الإعطاء، فأخذها منه كأنه أخذها من الله تعالى. وقد قيل: إن العليا: يد السائل(٢)؛ لقوله وَّهِ: ((إنَّ الصدقةَ لتقع في كفَّ الرَّحمن قَبْل أن تقعَ في كفِّ السَّائلِ)) (٣) والتحقيق فيه أن الله تعالى عبر بالعليا عن يده المعطية إذ هو بأمره، وعبر عن يد السائل بالسفلى؛ لأنه الذي يقبل الصدقات. وكلتاهما ید الله، وكلتاهما یمین وعلیا. فلذلك كان الأقوى أن تكون يد المعطي العليا. ويبقى في السفلى على ظاهره؛ لأنها (١) انظر: ((غريب الحديث)) ٥٩٤/١ - ٥٩٦. (٢) أنظر: ((كتاب القبس)) ٤٥٣/٢. (٣) رواه ابن عبد البر في («تمهيده)) ١٧٤/٢٣. ٣٢٣ كِتَابُ الزَّكَاةِ = تتقبلها، فكانت كالذي تؤخذ بالكف، وتقع في يد السائل فيقضي بها حاجته، ویسد فاقته. قَالَ ابن التين: ويدل على أن المراد بالسفلى السائلة أن عمر قَالَ: يا رسول الله، ألست أخبرتنا أن خيرًا لأحدنا أن لا يأخذ من أحد شيئًا. فقال ◌َّه: ((إنَّما ذلك عن مسألة، فأما ما كان عن غَيْرِ مسألة فإنَّما هو رزق رزقه الله تعالى))(١)، وقال: ((لأن يأخُذَ أحدُكُم حَبْلَه فیحتطب، خیرٌ له مِنْ أنْ يأْتِيَ رجُلًا أعطاه الله من فضله فيسأله، أعطاهُ أو مَنَعَهُ)) (٢). فتحصلنا على أقوال : أصحها: العليا: المنفقة، والسفلى: السائلة، كما هو مصرح به في الحديث كما سلف. ثانيها: أن العليا: المتعففة، وجعله ابن التين الأشبه. ثالثها: أن العليا: المعطية، والسفلى: المانعة، قاله الحسن. رابعها: أن العليا: الآخذة، وقد سلف ما فيه. وفي مراسيل سعيد وعروة أنه وسي لما قَالَ: ((اليد العُليا خيرٌ مِنَ اليد السُّفلى)) قَالَ حكيم: ومنك يا رسول الله؟ قَالَ: ((ومني)) قَالَ: والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا. فلم يقبل عطاءً ولا ديوانًا حَتَّى مات. فلو كانت اليد المعطية لكان حكيم قد توهم أن يدًا خير من (١) رواه أبو يعلى ١٥٦/١ (١٦٧)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ٢٧٩/٣ - ٢٨٠ (٣٥٤٦)، وابن عبد البر في («تمهيده)) ٨٥/٥، وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٣/ ١٠٠، وقال: هو في الصحيح باختصارٍ، ورواه أبو يعلى ورجاله موثقون. وصححه الألباني في ((صحيح الترغيب)) (٨٤٦) قائلًا: صحيح لغيره. (٢) سيأتي برقم (١٧٤٠) كتاب: الزكاة، باب: الاستعفاف عن المسألة من حديث أبي هريرة. ٣٢٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = يد رسول الله ﴾ لقوله: ومنك؟ يريد أن المتعفف عن مسألتك كهو من مسألة غيرك؟ فقال: ((نعم)) فكان بعد ذلك لا يقبل العطاء من أحد. فائدة: في النفقة آداب: فرائض وسنن خمس. فمن الأول: الزكوات، والكفارات، والنذور، والنفقات الواجبات للآباء، والأبناء، والزوجات، والرقيق. ومن الثاني: الأضاحي عند من لم يوجبها، وصدقة الفطر عند من جعلها سنة، وغير ذلك. والتطوع كله آداب. وكل معروف صدقة. فرع : ينعطف على ما سبق أول الباب تقدم الدين العتق أو الصدقة رُدَّ لأجله عند المالكية. فإن كانا دينين: أحدهما قبلهما، والآخر بعدهما. رد من الدين بقدر الأول بلا خلاف. فإن فضلت فضلة من الصدقة أو من العبد المعتق. فقال ابن القاسم: يُمضي نفقته للموهوب، ويمضي من العتق بما فيه، ويدخل صاحب الدين الآخر على الأول، فيخاصمه فيما رد، يأخذ كل واحد بقدر دينه، وقال أشهب: إذا أخذ من يد صاحب الدين الأول شيء فرجع واستكمله من بقية الصدقة والمعتق حَتَّى تنفد الصدقة والعتق، أو يستوفيا جميعًا الدينين. وهذه المسألة يعبرون عنها بمسألة الدور كما قال ابن التين. فرع : قد تقدم تفسير السفلى، وأنها السائلة ليست المعطاة بغير مسألة. وقد تأوله حكيم على عمومه. قَالَ مالك: كان يبلدنا من أهل الفضل والعبادة يردون العطية يُعطونها. قيل له: فالحديث: ((ما أتاك من غير مسألة)) (١) (١) سيأتي برقم (٦٦٢٢) كتاب: الأيمان والنذور. ٣٢٥ كِتَابُ الزَّكَاةِ = أفيه رخصة؟ قَالَ: نعم. وليس كل سائلة تكون المسئولة خيرًا منها، إنما هو أن يسأل وبه غنى، أو يظهر من الفقر فوق ما به. وقد استطعم موسى والخضر أهل القرية عند الضرورة. وقال و لهر في لحم بريرة: ((هو عليها صدقة ولنا هدية))(١). (١) سيأتي برقم (١٤٩٣) باب: الصدقة على موالي أزواج النبي ◌َّ. ٣٢٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ١٩- باب المَنَّانِ بِمَا أَعْطَى لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواْ مَنَّا وَلَا أَذْىٌ﴾ [البقرة: ٢٦٢] الآيَةَ. [فتح ٢٩٨/٣] هُذِهِ الآية نزلت - فيما ذكره الواحدي عن الكلبي - في عثمان، وعبد الرحمن بن عوف: جاء عبد الرحمن إلى رسول الله وي ليه بأربعة آلاف درهم نصف ماله. وقال عثمان: عليّ جهاز من لا جهاز له في غزوة تبوك، فجهز المسلمين بألف بعير بأقتابها وأحلاسها، فنزلت هذه الآية(١) . وقال ابن بطال: ذكر أهل التفسير أنها نزلت في الذي يعطي ماله المجاهدين في سبيل الله؛ معونة لهم على جهاد العدو، ثم يمن عليهم بأنه قد صنع إليهم معروفًا إما بلسان أو بفعل. والأذى: أن يقول لهم أن يقوموا بالواجب عليهم في الجهاد، وشبه ذلك من القول. ومن أخرج شيئًا لله لم ينبغ له أن يمن به على أحد؛ لأن ثوابه على الله (٢). وفي مسلم من حديث أبي ذر: (ثلاثةٌ لا يكلمهم الله يومَ القيامة: المنَّان: الذي لا يعطي شيئًا إلا مَنَّهُ، والمنفق سِلعتَه بالحلفِ، والمسبل إزاره))(٣). وفي الباب أيضًا عن ابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي أمامة بن ثعلبة، وعمران بن حصين، ومعقل بن يسار. ولا شك أن الامتنان بالعطاء يحبط (١) ((أسباب نزول القرآن)) ص٨٩ (١٧٠). (٢) ((شرح ابن بطال)) ٤٣٢/٣- ٤٣٣. (٣) (صحيح مسلم)) (١٠٦) كتاب: الإيمان، باب: بيان غلظ تحريم إسبال الإزار والمن بالعطية ... ٣٢٧ كِتَابُ الزِّكَاةِ أجر الصدقة. قَالَ تعالى: ﴿لَا نُطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنّ وَاُلْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] قَالَ القرطبي: ولا يكون المن غالبًا إلا من البخل والكبر والعجب ونسيان منة الله تعالى فيما أنعم عليه. فالبخيل يعظم في نفسه العطية، وإن كانت حقيرة في نفسها. والعجب يحمله على النظر لنفسه بعين العظمة، وأنه منعم بماله على المعطى، والكبر يحمله على أن يحقر المعطى له، وإن كان في نفسه فاضلًا. وموجب ذلك كله الجهل، ونسيان منة الله تعالى فيما أنعم عليه. ولو نظر مصيره لعلم أن المنة للآخذ لما يزيل عن المعطي من إثم المنع وذم المانع، ولما يحصل له من الأجر الجزيل والثناء الجميل. وقيل: المنان في حديث أبي ذر من المن، وهو القطع، كما قَالَ تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيِّرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] أي: غير منقطع. فيكون معناه البخيل بقطعه عطاء ما يجب عليه للمستحق كما جاء في حديث آخر: ((البخيل المنَّان))(١) فنعته به. والأول أظهر (٢). (١) قطعة من حديث رواه أحمد ١٥١/٥، ١٧٦، والبزار في ((البحر الزخار)) ٣٤٨/٩ (٣٩٠٨)، والحاكم ٨٩/٢، والبيهقي ٩/ ١٦٠ من حديث أبي ذر. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وصححه الألباني في ((صحيح الجامع» (٣٠٧٤). (٢) «المفهم)، ٣٠٤/١ - ٣٠٥. ٣٢٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٢٠- باب مَنْ أَحَبَّ تَعْجِيلَ الصَّدَقَةِ مِنْ يَوْمِهَا ١٤٣٠- حَدَّثْنَا أَبُو عَاصِم، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْن أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ الَحَارِثِ ﴿ حَدَّثَهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ وَِّ العَصْرَ، فَأَسْرَعَ ثُمَّ دَخَلَ البَيْتَ، فَلَمْ يَلْبَتْ أَنْ خَرَجَ، فَقُلْتُ - أَوْ قِيلَ- لَهُ، فَقَالَ: ((كُنْتُ خَلَّفْتُ فِي البَيْتِ تِبْرًا مِنَ الصَّدَقَةِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَهُ فَقَسَمْتُه)). [انظر: ٨٥١ - فتح: ٢٩٩/٣] ذكر فيه حديث عقبة بن الحارث: في التِيْرِ. وقد سلف في الصلاة في باب: من صلى بالناس فذكر حاجة (١). والتبر جمع تبرة، وهي القطعة من الذهب، أو الفضة غير مصنوعة. وقيل: قطع الذهب فقط كما سلف هناك. وفيه: الحض على تعجيل الصدقة، وأفعال البر كلها إذا وجبت، وإنما عجلها؛ لأنه خشي أن يكون محتاجًا من وجب له حق في ذلك التبر. فيحبس عنه حقه، وقد كان بالمؤمنين رحيمًا، فبين لأمته الاقتداء به. (١) برقم (٨٥١) كتاب: الأذان. ٣٢٩ كِتَابُ الرِّكَاةِ - ٢١- باب التَّحْرِيضِ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالشَّفَاعَةِ فِيهَا ١٤٣١- حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعبَةُ، حَدَّثَنَا عَدِيٌّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ◌َّهَ يَوْمَ العيدِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ، ثُمَّ مَالَ عَلَى النِّسَاءِ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ، فَجَعَلَتِ الَزْأَةُ تُلْقِي القُلْبَ وَالْخَرْصَ. [انظر: ٩٨- مسلم: ٨٨٤ - فتح: ٢٩٩/٣] ١٤٣٢- حَذَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا أَبُو بُزْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُزْدَةً، حَدَّثَنَا أَبُو بُزْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِهِ ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ رََّ إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ، أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ: ((اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِّهِ وَّهِ مَا شَاءَ)). [٦٠٢٧، ٦٠٢٨، ٧٤٧٦ - مسلم: ٢٦٢٧ - فتح: ٢٩٩/٣] ١٤٣٣- حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ لِي النَّبِيُّ وََِّّ: ((لَا تُوكِي فَيُوَّكَىْ عَلَيْكِ)). حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدَةَ، وَقَالَ: ((لَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللهُ عَلَيْكِ)). [١٤٣٤، ٢٥٩٠، ٢٥٩١ - مسلم: ١٠٢٩ - فتح: ٢٩٩/٣] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث ابن عباس: خَرَجَ النَّبِيُّ وَلِّ يَوْمَ العيد فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ .. الحديث. وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي القُلْبَ وَالْخُرْصَ. ثانيها: حديث أبي موسى: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ، أَوْ طَلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ: ((اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِّهِ وَّ مَا شَاءَ)). ثالثها: حديث أسماء: (لَا تُوكِي فَيُوكَى عَلَيْكِ)). وفي لفظ: ((لَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللهُ عَلَيْكِ)). ٣٣٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - الشرح : حديث ابن عباس سلف في باب الخطبة بعد العيد(١) بشرحه واضحًا، وأما حديث أبي موسى فلا شك أن الشفاعة في الصدقة وسائر أفعال البر مرغب فيها مندوب إليها. فندب أمته إلى السعي في حوائج الناس، وشرط الأجر على ذلك، ودل قوله وَلٍّ: ((وَيَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِّهِ مَا شَاءَ)) أنَّ الساعي مأجور على كل حال، وإن خاب سعيه، ولم تنجح طلبته لهُذِه الأمة. فإنه قَالَ: من يشفع، ولم يقل: من يُشفَّع. بضم أوله، وتشديد ثالثه، والمراد بـ ((وَيَقْضِي اللهُ عَلَىْ لِسَانٍ نَبِّهِ مَا شَاءَ)). ييسره لما يأمر به من العطاء، وقد قال ◌َّ: ((والله في عونِ العَبْد ما كان العبدُ في عون أخيه))(٢). ولأبي الحسن: ((شفعوا)) بحذف الألف، وإنما أمرهم بالشفاعة لما فيه من الأجر لقوله تعالى: ﴿مَّنْ يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَةٌ﴾ [النساء: ٨٥] الآية. ولأنهم إذا شفعوا، واجتمعت عليه المسألة كان أنجح، ولا يتأبى كبير أن يشفع عند صغير. فإن شفع عنده، ولم يقضها لا ينبغي له أن يتأذى الشافع. فقد شفع الشارع عند بريرة أن ترد زوجها فأبت(٣). وقد أحتج أبو حنيفة والثوري بحديث ابن عباس السالف، وأوجبوا الزكاة (١) برقم (٩٦٢) كتاب: العيدين. (٢) رواه مسلم (٢٦٩٩) كتاب: الذكر والدعاء، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، وأبو داود (٤٩٤٦) كتاب: الأدب، باب: المعونة للمسلم، والترمذي (١٤٢٥) كتاب: الحدود، باب: ما جاء في الستر على المسلم، وابن ماجه (٢٢٥) كتاب: المقدمة، باب: فضل العلماء والحث على طلب العلم، وابن حبان في ((صحيحه)) ٢٩٢/٢- ٢٩٣ (٥٣٤) كتاب: البر والإحسان، باب: فضل البر والإحسان. (٣) يشير إلى حديث مغيث وبريرة المشهور الآتي (٥٢٨٠ - ٥٢٨٣). ٣٣١ كِتَابُ الزَّكَاةِ في الحلي المتخذ للنساء(١)، وقال مالك: لا زكاة فيه، وهو مذهب ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأنس، وعائشة، وأسماء(٢)، وهو أظهر قولي الشافعي(٣)، ولا حجة في الحديث الأول؛ لأنه ( * إنما حضهن على صدقة التطوع. فقال: ((تصدقوا)) ولو كان ذلك واجبًا لما قال: ((ولو مِنْ حُليّكن))(٤)، ومما يرد قوله أنه لو كان ذلك من باب الزكاة لأعطينه بوزن ومقدار، فدل أنه تطوع. وأيضًا هو كالأثاث، وليس كالرقة. وهذا إجماع أهل المدينة، وذكر مالك عن عائشة أنها كانت تحلي بنات أخيها -يتامى كن في حجرها- لهن الحلي ولا تخرج منه الزكاة، وکان یفعله ابن عمر (٥). وأما حديث أسماء قد أخرجه مسلم أيضًا(٦). فإنما سألته عن الصدقة، وقالت يا رسول الله: ما لي إلا ما أدخل عليّ الزبير. أفأتصدق؟ قَالَ: ((تصدقي ولا تُوكِي فَيُوكِي الله عَلَيْكِ)). والمعنى: لا توكي مالكِ عن الصدقة، ولا تتصدقين خشية نفاده، وتدخريه فيوكي الله عليك أي: يمنعكِ. ويقطع مادة الرزق عنكِ، و(توكي) بالتاء لأنه خطاب للمؤنث، فسقطت النون للنهي فدل الحديث على أن الصدقة تنمي المال، وتكون سببًا إلى البركة والزيادة فيه، وأن من شح ولم يتصدق فإن الله يوكي عليه، ويمنعه من البركة في ماله، والنماء فيه. (١) انظر: ((مختصر الطحاوي)) ص٤٩، ((مختصر اختلاف العلماء)» ٤٢٩/١. (٢) أنظر: ((عيون المجالس)) ٢/ ٥٦٢. (٣) أنظر: ((المجموع)) ٥١٩/٥. (٤) سيأتي برقم (١٤٦٦) كتاب: الزكاة، باب: الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر. (٥) ((الموطأ)) ص ١٧٠ - ١٧١. (٦) ((صحيح مسلم)) (١٠٢٩) كتاب: الزكاة، باب: الحث في الإنفاق وكراهة الإحصاء. ٣٣٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - والإيكاء: شد رأس الوعاء بالوكاء، وهو الرباط الذي يربط به (١). قَالَ ابن فارس: وهو البخل(٢). وهذا محمول على ما إذا أعطاه صاحب البيت نصيبًا لها. وقيل: إنَّ صاحب البيت إذا دخل بالشيء بيته كان ذلك في العرف مفوضًا إلى ربة المنزل، فهي تنفق منه بقدر الحاجة في الوقت. فكأنه قال: إذا كان الشيء مفوضًا إليكِ فاقتصري على قدر الحاجة للنفقة، وتصدقي بالباقي منه. وقوله: ((ولا تُحصي)) الإحصاء للشيء معرفة قدره، أو وزنه، أو عدده، وهذا مقابلة اللفظ باللفظ، وتجنيس الكلام بمثله في جوابه، أي: يمنعكِ كما منعتِ. كقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَعَرَ اَللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وقيل: معناه لا تحصي ما تعطين فتستكثريه. فيكون سببًا لانقطاعه، ويحتمل أن يراد بالإحصاء ونحوه عدده، خوف أن تزول البركة منه. كما قالت عائشة: حَتَّى كِلناه ففني. ورجحه بعضهم، وقيل عددت ما أنفقته، فنهاها عن ذلك، وجاء أيضًا النفح وهو العطاء ويجوز أن يكون من نفح الطيب إذا تحركت رائحته، إذ العطية تستطاب كما تستطاب الرائحة الطيبة. أو من نفحت الريح إذا هبت باردة. (١) انظر: ((لسان العرب)) ٤٩١١/٨. (٢) ((المجمل)) ٩٣٥/٢. ٣٣٣ كِتَابُ الزَّكَاةِ ٢٢- باب الصَّدَقَةِ فِيهَا اسْتَطَاعَ ١٤٣٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، عَنِ ابن جُرَيْجٍ. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابن جُرَنْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما أنَّهَا جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ وََّ، فَقَالَ: ((لَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيْكِ، أَرْضَخِي مَا أَسْتَطَعْتِ)). [انظر: ١٤٣٣- مسلم: ١٠٢٩- فتح: ٣٠١/٣] ذكر فيه حديث أسماء السالف في الباب قبلَه، وفيه: ((لَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيْكِ، أَرْضَخِي مَا أُسْتَطَعْتِ)). ومعنى ((تُوعِي)»: تُمْسكي، والوعاء: الظرف يخبأ فيه، يقال منه: أوعيت المتاع في الوعاء أوعيه، قَالَ: والشرُّ أخبثُ ما أوعيتَ في زادٍ وقوله ( ((ارْضَخِي))) يقال: رضَخ -بفتح الضاد- يرضخُ رضخًا، وهو العطاء اليسير وقيل: هو أن يعطي يسيرًا من كثير. ٣٣٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢٣- باب: الصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ ١٤٣٥- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةً مُه قَالَ: قَالَ عُمَرُ هُ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ وَ لَّه عَنِ الفِتْنَةِ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَنَّا أَحْفَظُهُ كَمَا قَالَ. قَالَ: إِنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرِيٌ، فَكَيْفَ قَالَ؟ قُلْتُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْغْرُوفُ. قَالَ سُلَيْمَانُ: قَدْ كَانَ يَقُولُ: ((الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ)). قَالَ: لَيْسَ هَذِه أُرِيدُ، وَلَكِنِّي أُرِيدُ التِي تُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ. قَالَ: قُلْتُ: لَيْسَ عَلَيْكَ بِهَا يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ بَأْسٌ، بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابٌ مُغْلَقٌ. قَالَ: فَيُكْسَرُ البَابُ أَوْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. بَلْ يُكْسَرُ. قَالَ: فَإِنَّهُ إِذَا كُسِرَ لَمْ يُغْلَقْ أَبَدًا. قَالَ: قُلْتُ: أَجَلْ. فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ مَنِ البَابُ، فَقُلْنَا لَمِشْرُوقِ: سَلْهُ. قَالَ: فَسَأَلَهُ. فَقَالَ: عُمَرُ ◌َّ قَالَ: قُلْنَا: فَعَلِمَ عُمَرُ مَنْ تَغْنِي؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمَا أَنَّ دُونَ غَدِ لَيْلَةً، وَذَلِكَ أَّ حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ. [انظر: ٥٢٥- مسلم: ١٤٤ - فتح: ٣٠١/٣] ذكر فيه حديث حذيفة، وقد سلف بطوله في باب الصلاة كفارة (١)، ويأتي في الصوم أيضًا(٢)، ونذكر نبذة من الكلام عليه لطول العهد به فـ(فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ) يريد: ما يفتن به من صغار الذنوب التي تكفرها الصلاة والصدقة، وما جانسها. وفي ضرب الأمثال في العلم. وفيه: حجة لسد الذرائع، ويعبر عنه بغلق الباب وفتحه كما عبر عنه حذيفة وعمر، وأن ذلك من المتعارف في الكلام. وفيه: أنه قد يكون عند الصغير من العلم ما ليس عند المعلم المبرز. (١) برقم (٥٢٥) كتاب: مواقيت الصلاة. (٢) برقم (١٨٩٥) باب: الصوم كفارة. ٣٣٥ كِتَابُ الرِّكَاةِ - وفیه: أن العالم قد یرمز رمزًا لیفهم المرموز له دون غيره؛ لأنه ليس كل العلم تجب إباحته إلى من ليس متفهم له، ولا عالم بمعناه. وفيه: أن الكلام في الحدثان مباح إذا كان في ذلك أثر عن النبوة، وما سوى ذلك ممنوع؛ لأنه لا يصدق منه إلا أقل من عشر العشر، وذلك الجزء إنما هو على غلبة الظن لقوله ◌َله: ((تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ، يَخْطَفُهَا الجِنِّيّ، فيضيفُ إليها أكْثَرَ مِنْ مِائَة كَذْبَةٍ))(١). وقوله في آخره (حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ) الأغلوطة: ما يغلط به عن الشارع، ونَهَى الشارع عن الأغلوطات، وهذا منه. (١) سيأتي برقم (٥٧٦٢) كتاب: الطب، باب: الكهانة. ٣٣٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٢٤- باب مَنْ تَصَدَّقَ في الشِّرْكِ ثُمَّ أَسْلَمَ ١٤٣٦- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامِ عَ ه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ وَصِلَةِ رَحِم، فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَخْرٍ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ وَله: ((أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرِ)). [٢٢٢٠، ٢٥٣٨، ٥٩٩٢ - مسلم: ١٢٣ - فتح: ٣/ ٣٠١] ذكر فيه حديث حَكِيم بْنِ حِزَامٍ: قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِيَ الجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ أَوَصِلَةٍ، فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَجْرٍ؟ فَقَالَ: ((أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ)). الشرح: قالَ ((صاحب المطالع)): رواه المروزي(١) أَتَحَنَّتُ بتاء مثناة، وهو غلط من جهة المعنى دون الرواية، والوهم قبل شيوخ البخاري(٢) بدليل قوله في باب: من وصل رحمه: ويقال أيضًا عن أبي اليمان: أتحنث أو أتحنت على الشك، والصحيح الذي رواه الكافةُ بثاء مثلثة. وعن عياض: بالتاء المثناة غلط من جهة المعنى، ويحتمل أن يكون معناه الحانوت؛ لأن العرب تسمي بيوت الخمارين الحوانيت، يعني: كنت أتجنب حوانیتهم. وقال ابن التين: أتَحَنَّث. أي: أتقربُ: إلى الله، وأصلُه إطراح الحنث عن النفس كما تقول: يتأثم. أي: يلقي الإثم عن نفسه، (١) في هامش الأصل بخط سِبط: الذي رواه المروزي بالمثناة ليس في هذا الباب، إنما رواه في باب: مَنْ وَصَل رحمَه، وهذا فرع عبارة ((المطالع)) لا في كل باب فاعلمه. (٢) في هامش الأصل بخط سِبط: عبارة ((المطالع)): والوهم فيه من شيوخ البخاري. ٣٣٧ كِتَابُ الزَّكَاةِ وكذلك يتحرج. وقوله: (عتاقة) وذلك أنه أعتق مائة رقبة في الجاهلية، وحمل على مائة بعير، وفي رواية قَالَ: يا رسول الله لا أدع شيئًا صنعته في الجاهلية إلا فعلت في الإسلام مثله(١). ففعل ذلك. وقوله: ( ((أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أسلف مِنْ خَيْرِ)) ) قَالَ المازري: ظاهره خلاف ما تقتضيه الأصول؛ لأن الكافر لا تصح منه قربة فيكون مُثابًا على طاعاته، ويصح أن يكون مطيعًا غير متقرب كنظيره في الإيمان، فإنه مطيع من حيث كان موافقًا للأمر، والطاعة عندنا موافقة الأمر، لكنه لا يكون متقربًا؛ لأن من شرط التقرب أن يكون عارفًا بالمتقرب إليه، وهو في حين كفره لم يحصل له العلم بالله بعد. فإذا (قرب)(٢) هذا علم أن الحديث متأول، وهو محتمل وجوهًا: أحدها: أن يكون المعنى: أنك اكتسبت طباعًا جميلة، وأنت تنتفع بتلك الطباع في الإسلام، وتكون العادة تمهيدًا لك، ومعونة على فعل الخير والطاعات. ثانيها: معناه: اكتسبت بذلك (شيئًا)(٣) جميلًا، فهو باقٍ في الإسلام، ويكثر أجره لما تقدم لك من الأفعال الجميلة. وقد تأولوا في الكافر أنه إذا كان يفعل الخير فإنه يخفف عنه به، ولا يبعد أن يزاد هذا في الأجور(٤). وقال عياض: ببركة ما سبق لك من خير هداك الله إلى الإسلام، فإن (١) رواه مسلم (١٩٥/١٢٣) كتاب: الإيمان، باب: بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده. (٢) في (م): قررت، وعند المازري: تقرَّر. (٣) كذا بالأصل: وعند المازري: ثناءً. (٤) ((المعلم بفوائد مسلم)) ٧٦/١. ٣٣٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - من ظهر فيه خير في أول أمره فهو دليل على سعادة أخراه، وحسن (١) عاقبته(١). وزعم ابن بطال وغيره أنه على ظاهره، وأنه إذا أسلم الكافر، ومات على إسلامه يثاب على ما فعله من الخير في حالة الكفر، وقال عن بعض أهل العلم: معنی الحدیث أن کل مشرك أسلم أنه یکتب له خیر عمله مثل إسلامه ولا يكتب عليه شيء من سيئاته؛ لأن الإسلام يهدم ما قبله من الشرك، وإنما كتب له الخير؛ لأنه أراد به وجه الله؛ لأنهم كانوا مقرين بالله تعالى إلا أنهم كان عملهم مردودًا عليهم لو ماتوا على شركهم، فلما أسلموا تفضل الله عليهم فكتب لهم الحسنات، ومحا عنهم السيئات كما قَالَ وَّهِ: ((ثلاثة يُؤْتَونَ أُجرَهم مَرَّتين))(٢) أحدهم: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، وآمن بنبينا(٣). ومما يدل على ذلك أن حديث أبي سعيد الخدري السالف في باب: حسن إسلام المرء من كتاب الإيمان معلقًا عن مالك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عنه(٤). ورواه عبد الله بن وهب عن مالك به(٥). وذكره الدارقطني في غريب حديث مالك من تسع طرق، وثبت فيها كلها أن الكافر إذا حسن إسلامه كتب له في الإسلام كل حسنة عملها في الشرك، ولعل حكيمًا لو مات على جاهليته أن يكون ممن يخفف عنه من عذاب النار كما جاء في أبي طالب، وأبي لهب بعتاقته ثويبة . (١) ((إكمال المعلم)) ٤١٦/١. (٢) سيأتي برقم (٩٧) من حديث أبي موسى كتاب: العلم، باب: تعليم الرجل أمته وأهله. (١٣) ((شرح ابن بطال)) ٤٣٧/٣ - ٤٣٨. (٤) برقم (٤١). (٥) رواه ابن حجر في ((تغليق التعليق)) ٤٥/٢. ٣٣٩ كِتَابُ الزَّكَاةِ = قلتُ: لا يقاس. وقيل: إنه بَّه ورؤَّى عن جوابه، فإنه سأله: هل لي فيها أجر؟ يريد ثواب الآخرة، ومعلوم نفيه عنه، فقال له ذلك. والعتق فعل خير، فأراد إنك فعلت خيرًا، والخير يمدح فاعله، وقد يجازى عليه في الدنيا. حكاه ابن الجوزي. وفي مسلم من حديث أنس: ((أما الكافِرُ فيُطْعَم بحسناتِهِ في الدنيا، فإذا لقي الله لم يكن له حسنة)) (١)، وروي أن حسنات الكافر إذا أسلم محسوبة له مقبولة، فإن مات على كفره كانت هدرًا. ذكره الخطابي. قَالَ ابن الجوزي: فإن صح هذا كان المعنى: أسلمت على قبول ما سلف لك من خير. قلتُ: ومراد الفقهاء: لا يصح من الكافر عبادة ولو أسلم لم يعتد بها المراد في أحكام الدنيا، وليس فيه تعرض لثواب الآخرة وإن أقدم قائل على التصريح بأنه إذا أسلم لا يثاب عليها في الآخرة رد قوله بهذِه السنة الصحيحة، وقد يعتد ببعض أفعال الكفار في أحكام الدنيا، فقد قَالَ الفقهاء: إذا وجب على الكافر كفارة ظهار أو غيرها، فكفَّر في حال كفره أجزأه ذلك، وإذا أسلم لم يجب عليه إعادته، وسيأتي إن شاء الله في كتاب العتق أختلاف أهل العلم في عتق المشرك. واختلف أصحابنا في من أجنب ثم أغتسل ثم أسلم هل يجب عليه إعادة الغسل أم لا؟ وبالغ بعضهم فقال يصح من كل كافر كل طهارة من غسل ووضوء وتيمم. فإذا أسلم صلى بها، وقال القرطبي: الإسلام إذا حسن هدم ما قبله من الآثام، وأحرز ما قبله من البر. وقال الحربي: (١) (صحيح مسلم)) (٢٨٠٨) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة، وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا. ٣٤٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = معنى الحديث: ما تقدم لك من الخير الذي عملته هو لك. كما تقول : أسلمت على ألف درهم على أن أحوزها لنفسي. قَالَ القرطبي: وهُذا الذي قاله الحربي: هو أشبهها وأولاها (١). فرع : طلق امرأته أو أعتق عبده ولم يبن عن مدة، فلا يلزمه ذلك في المشهور من مذهب مالك، وقال المغيرة: يلزمه، فإن حلف بذلك وهو نصراني ثم أسلم فحنث. قال مالك: لا يلزمه، وقال أشهب: نعم. ورُدَّ هُذا بقوله: ﴿إِن يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. (١) ((المفهم)) ٣٣٢/١.