Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ = ڪِتَابُ الجَنَائِزِ والردع: الأثر (١). وفي ((الموطأ)): به مشق أو زعفران(٢). وفيه: الاقتصاد في الكفن، وهذه وصية منه أن يكفن في ثوب لبيس، وهو جائز في الكفن، ولا خلاف في جواز التكفين في خلق الثياب إذا كانت سالمة من القطع وساترة له، ويحتمل أن يكون أوصى أن يكفن فيه؛ لأنه لبسه في مواطن الحرب مع رسول الله وَ ير، وأحرم فيه، وقد قَالَ ابن حبيب: يستحب مثل هذا؛ للحديث أنه ويّ أعطى أم عطية حقوه لأجل ابنته(٣). وهذا يقتضي أن وصية الميت معتبرة في كفنه = وهذا هو الأصل، فإن المتابعة في السنة أبلغ من المتابعة في صورة العمل، ولهذا لما أشتبه على كثير من العلماء جلسة الاستراحة، هل فعلها استحبابًا أو لحاجة عارضة؟ تنازعوا فيها، وكذلك نزوله بالمحصب عند الخروج من منى لما اشتبه، هل فعله كان أسمح لخروجه أو لكونه سنة؟ تنازعوا في ذلك. ومن هذا وضع ابن عمر يده على مقعد النبي ◌َّ، وتعريف ابن عباس بالبصرة وعمرو بن حريث بالكوفة، فإن هذا لما لم يكن مما يفعله سائر الصحابة، ولم يكن النبي ◌َ﴿ شرعه لأمته، لم يمكن أن يقال هذا سنة مستحبة، بل غايته أن يقال: هذا مما ساغ فيه اجتهاد الصحابة، أو مما لا ينكر على فاعله لأنه مما يسوغ فيه الاجتهاد، لا لأنه سنة مستحبة سنها النبي ◌َّر لأمته، أو يقال في التعريف: إنه لا بأس به أحيانًا لعارض إذا لم يجعل سنة راتبة. وهكذا يقول أئمة العلم في هذا وأمثاله: تارة يكرهونه، وتارة يسوغون فيه الاجتهاد، وتارة يرخصون فيه إذا لم يتخذ سنة، ولا يقول عالم بالسنة: إن هذِه سنة مشروعة للمسلمين. فإن ذلك إنما يقال فيما شرعه رسول الله وَ *، إذ ليس لغيره أن يسن ولا أن يشرع، وما سنه خلفاؤه الراشدون فإنما سنوه بأمره فهو من سننه، ولا یکون في الدين واجبًا إلا ما أوجبه، ولا حرامًا إلا ما حرمه، ولا مستحبًا إلا ما استحبه، ولا مكروهًا إلا ما كرهه، ولا مباحًا إلا ما أباحه. ((مجموع الفتاوى)) ٢٨٠/١-٢٨٢. (١) انظر: ((الصحاح)) ١٢١٨/٣، ((لسان العرب)) ١٦٢٣/٣. (٢) ((الموطأ)) ص١٥٦ (٦) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في كفن الميت. (٣) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٥٥٩/١. ١٨٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وغير ذلك من أمره إذا وافق صوابًا، فإن أوصى بسرف، فعن مالك: يكفن بالقصد(١)، فإن لم يوص وتشاح الورثة لم ينقص عن ثلاثة أثواب من جنس لباسه في حياته؛ لأن الزيادة عليهن والنقص منهن خروج عن عادته. وقوله: (أغسلوه). يحتمل أن يكون لشيء علمه فيه، وإلا فإن الثوب اللبيس لا يقتضي لبسه وجوب غسله. قاله سحنون، وربما كان الجديد أحق بالغسل منه، ويحتمل أن يكون أمر بالغسل للردع الذي فيه لما أخبر أن الشارع كفن في ثلاثة أثواب بيض. وقول عائشة: (إن هذا خلق). وقولها في ((الموطأ)): وما هذا؟ تريد أنه لم يصلح عندها لكفنه، وأرادت أن يكفن في جدید، وغيره أفضل، فقال: الحي أحق بالجديد من الميت. يريد: لما يلزمه في طول عمره من اللباس وستر العورة، وأما الميت فتغيره سريع، ولذلك قَالَ: (إنما هو للمهلة) يريد: الصديد والقيح. يعني: إنه ليس بجمال ولا لاستدامة، وإنما يصير عن قريب إلى التغير بالصديد، فلا معنى لكونه جديدًا، هكذا رواه يحيى في ((الموطأ)) بكسر الميم، وروي بضمها(٢)، وضبط في البخاري بالضم والكسر أيضًا، ورويناه بهما جميعًا(٣). وقال ابن الأنباري: لا يقال: للمِهلة بالكسر. ورواه أبو عبيد: وإنما هو للمُهل والتراب. والمهل: الصديد، وقال ابن حبيب: بكسر الميم: الصديد، وبنصبها من التمهل، وبضمها: عكر الزيت الأسود المظلم. ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَآءُ كَأَلْهْلِ ﴾ [المعارج: ٨] وقال أبو عبيد: (١) المصدر السابق ١ / ٥٦٠-٥٦١. (٢) ((الموطأ)) ص١٥٦. (٣) ورد بهامش الأصل: قال في ((المطالع)): رويناه بالحركات الثلاث. ١٨٣ كِتَابُ الجَنَائِزِ = المهل بالضم: الصديد(١)، والمهل أيضًا: عكر الزيت الأسود. وقال ابن دريد في هذا الحديث: إنها صديد الميت، زعموا أن المهلة ضرب من القطران، والمهل: ما يتحات من الخبزة من رماد أو غيره (٢). وقال أبو عبيدة: قوله: الحي أحوج إلى الجديد من الميت. خلاف من يقول: إنهم يتزاورون في أكفانهم فيجب تحسينها، ألا ترى أنه يقول: فإنما هما للمهلة؟ ويشهد لذلك قول حذيفة حين أتى بكفنه ربطتين، قَالَ: لا تغالوا في الكفن؛ الحي أحوج إلى الجديد من الميت، إني لا ألبث إلا يسيرًا حَتَّى أبدل منهما خيرًا منهما أو شرًّا منهما (٣). ومنه قول ابن الحنفية: ليس للميت من الكفن شيء، إنما هو تكرمة للحي. وأما من خالف هذا فرأى تحسين الأكفان، فروي عن عمر أنه قَالَ: أحسنوا أكفان موتاكم، فإنهم يبعثون فيها يوم القيامة. وعن معاذ بن جبل مثله. قلتُ: وأُوَّل الكفن بالعمل؛ لأنه يبلى. وأوصى ابن مسعود أن يكفن في حلة بمائتي درهم(٤). وفي ((صحيح مسلم)) من حديث جابر مرفوعًا: ((إذا كَفَّنَ أحدُكُم أخاهُ فليُحْسِنْ كَفَنَه))(٥) وهو من أفراده. قَالَ ابن المنذر: وبحديث جابر قَالَ الحسن وابن سيرين، وكان إسحاق يقول: يغالي في الكفن إذا كان موسرًا، وإن كان فقيرًا فلا يغالٍ به (٦). (١) ((غريب الحديث)) ٢/ ٧-٨. (٢) ((جمهرة اللغة)) ٩٨٨/٢، وانظر: ((الصحاح)) ١٨٢٢/٥، و((لسان العرب)» ٧/ ٤٢٨٨-٤٢٨٩. (٣) رواه عبد الرزاق ٤٣٢/٣ (٦٢١٠) كتاب: الجنائز، باب: ذكر الكفن والفساطيط. (٤) رواه ابن أبي شيبة ٤٦٨/٢-٤٦٩ كتاب: الجنائز، باب: ما قالوا في تحسين الكفن، وورى عنهم ذلك أيضًا ابن المنذر في ((الأوسط)) ٣٥٩/٥. (٥) ((صحيح مسلم)) (٩٤٣) كتاب: الجنائز، باب: في تحسين كفن الميت. (٦) «الأوسط)) ٣٥٨/٥-٣٥٩. ١٨٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٩٥- باب مَوْتِ الفَجْأَةِ بَغْتَهْ ١٣٨٨- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَزْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَغْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِ هِشَامٌ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ وَّهَ: إِنَّ أُمِّي أَفْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: (نَعَمْ)). [٢٧٦٠ - مسلم: ١٠٠٤- فتح: ٢٥٤/٣] ذكر فيه حديث عائشة: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ وَِّ: إِنَّ أُمِّي أَفْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: (نَعَمْ)). الشرح . كأن البخاري أراد تفسير الفجأة بقوله: بغتة. وهو كما قَالَ، وهو بضم الفاء ممدود، وبفتحها مع إسكان الجيم. وهذا الرجل هو سعد ابن عبادة كما نقله أبو عمر، وقد ذكر البخاري فيما سيأتي من حديث ابن عباس أن سعد بن عبادة أستفتى رسول الله وَّ ر في دين كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه، فقال: ((اقضه عنها))(١). ولأبي داود: إن امرأة قالت: يا رسول الله، إن أمي افتلتت نفسها. الحديث(٢). ولمسلم: إن أمي ماتت وعليها صوم(٣). وللنسائي عن ابن عباس عن سعد بن عبادة أنه قَالَ: قلتُ: يا رسول الله، إن أمي ماتت فأي الصدقة أفضل؟ قَالَ: ((الماء))، جعله من مسند (١) برقم (٢٧٦١) كتاب: الوصايا، باب: ما يستحب لمن توفي فجأة أن يتصدقوا عنه. (٢) ((سنن أبي داود)) (٢٨٨١) كتاب: الوصايا، باب: ما جاء فيمن مات عن غير وصية. (٣) ((صحيح مسلم) (١١٤٨) كتاب: الصيام، باب: قضاء الصيام عن الميت. ١٨٥ كِتَابُ الجَنَائِزِ سعد(١). ولمسلم عن أبي هريرة أن رجلًا قَالَ: يا رسول الله، إن أبي مات وترك مالًا ولم يوص، فهل يُكفِّر ذلك عنه أن أتصدق؟ قَالَ: (نعم)(٢). فالقصة إذن متعددة، وعند ابن أبي الدنيا من حديث عبيد الله بن الوليد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عائشة: سألت رسول الله عن موت الفجأة فقال: ((راحة المؤمن، وأسف على الفاجر)). ومن حديث أبي كرز عن أنس قَالَ: من أشراط الساعة حفز الموت. قيل: يا أبا حمزة، وما حفز الموت؟ قَالَ: موت الفجأة. وفي ((المصنف)) من حديث مجالد عن الشعبي، كان يقال: من أقتراب الساعة موت الفجأة وعن تميم بن سلمة عن رجل من الصحابة: هي أخذة غضب. ومن حديث عبيد بن خالد: هي أخذة أسف. وقال إبراهيم: كانوا يكرهون أخذة كأخذة الأسف. وفي لفظ: كانوا يكرهون موت الفجأة. وعن عائشة وابن مسعود: هي رأفة بالمؤمن وأسف على الفاجر. وقال مجاهد: هي من أشراط الساعة(٣). والافتلات عند العرب: المباغتة، تقول: مات بغتة. وإنما هو مأخوذ من الفلتة (٤). والأسف: الغضب. ويحتمل أن يكون ذلك - والله (١) ((سنن النسائي)) ٢٥٤/٦- ٢٥٥ كتاب: الوصايا، باب: فضل الصدقة عن الميت، ليس عن ابن عباس عن سعد ولكن وجدته عن ابن المسيب عن سعد، وفي أخری عن الحسن عن سعد. (٢) ((صحيح مسلم)) (١٦٣٠) كتاب: الوصية، باب: وصول ثواب الصدقات إلى الميت. (٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣/ ٥٠-٥١ (١٢٠٠٣-١٢٠٠٩) كتاب: الجنائز، باب: ي موت الفجأة. (٤) انظر: ((الصحاح)) ٢٦٠/١، ((لسان العرب)) ٣٤٥٥/٦. ١٨٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = أعلم- لما في موت الفجأة من خوف حرمان الوصية، وترك الإعداد للمعاد، والاغترار بالآمال الكاذبة، والتسويف بالتوبة. وقد روي من حديث يزيد الرقاشي عن أنس: كنا نمشي مع رسول الله وَاليوم فجاء رجل فقال: يا رسول الله، مات فلان. فقال: ((أليس كان معنا آنفًا؟)) قالوا: بلى. قال: ((سبحان الله! كأنه أخذه على غضب، المحروم من حرم وصيته))(١). ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب ((ذكر الموت)). وروي عن عبيد بن عمير: توشك المنايا أن تسبق الوصايا. وقوله: (فهل لها من أجر إن تصدقت عنها؟ قَالَ: ((نعم))) هو كقوله وَّه : ((إذا مات ابن آدم انقطعَ عملُهُ إلا من ثلاثٍ: صدقة جارية .. ))(٢) الحدیث. وقوله: افتلتت. يريد: ماتت فجأة كما سلف، ويجوز ضم (نفسها) ونصبه. (١) رواه ابن ماجه (٢٧٠٠) كتاب: الوصايا، باب: الحث على الوصية، وأبو يعلى في ((مسنده)» ٧/ ١٥٢-١٥٣ (٤١٢٢)، وأورده المنذري فى ((الترغيب والترهيب)) ١٦٩/٤، وقال: رواه أبو يعلى بإسناد حسن، وابن ماجه مختصرًا، وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٤/ ٢٠٩ باب: الحث على الوصية، وقال: رواه ابن ماجه وأبو يعلى، وإسناده حسن. وضعفه الألباني في ((ضعيف الترغيب والترهيب)) برقم (٢٠٣٦). (٢) رواه مسلم برقم (١٦٣١) كتاب: الوصية، باب: ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، والبخاري في ((الأدب المفرد)» ص٢٦ (٣٨) باب: بر الوالدين بعد موتهما. ١٨٧ ـ كِتَابُ الجَنَائِزِ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ٩٦- باب مَا جَاءَ في قَبْرِ النّبِيِّ وَالـ رضى الله عنهما ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] أَقْبَرْتُ الرَّجُلَ: إِذَا جَعَلْتَ لَهُ قَبْرًا، وَقَبَرْتُهُ: دَفَنْتُهُ. ﴿كِفَانًا﴾ [المرسلات: ٢٥] يَكُونُونَ فِيهَا أَحْيَاءً، وَيُدْفَنُونَ فِيهَا أَمْوَاتًا. ١٣٨٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ هِشَامٍ، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَزْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَزْوَانَ يَخْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَهَ لَيَتَعَذَّرُ فِي مَرَضِهِ ((أَيْنَ أَنَا الْيَوْمَ؟ أَيْنَ أَنَا غَدًّا؟)) اسْتِبْطَاءَ لِيَوْمٍ عَائِشَةَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي قَبَضَهُ اللهَ بَيْنَ سَخْرِي وَنَخْرِي، وَدُفِنَ فِي بَيْتِي. [انظر: ٨٩٠ - مسلم: ٢٤٤٣ - فتح: ٢٥٥/٣] ١٣٩٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ هِلَالٍ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ فِي مَرَضِهِ الذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: ((لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارِى، أَتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)). لَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ - أَوْ خُشِيَ - أَنَّ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. وَعَنْ هِلَالٍ قَالَ: كَثَّانٍِ عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَلَمْ يُولَذ لي. [انظر: ٤٣٥- مسلم: ٥٢٩- فتح: ٢٥٥/٣] حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّمَّارِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ رَأَىْ قَبْرَ النَّبِيِّ وَِّ مُسَنَّمًا. حَدَّثَنَا فَزْوَةُ، حَدَّثَنَا عَلِيّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، لَا سَقَطَ عَلَيْهِمُ الحَائِطُ فِي زَمَانِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الَلِكِ أَخَذُوا فِي بِنَائِهِ، فَبَدَتْ لَهُمْ قَدَمٌ فَفَزِعُوا، وَظَنُّوا أَنَّهَا قَدَمُ النَّبِيِّ وََّ، فَمَا وَجَدُوا أَحَدًا يَعْلَمُ ذَلِكَ، حَتَّى قَالَ لَهُمْ عُزْوَةُ: لَا والله مَا هِيَ قَدَمُ النَّبِيِّ بَّهِ مَا هِيَ إِلَّ قَدَمُ عُمَرَ ﴾. ١٣٩١ - وَعَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أنَّهَا أَوْصَتْ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما لَا تَدْفِئِّي مَعَهُمْ، وَافِنِّي مَعَ صَوَاحِبِي بِالْبَقِیعِ، لَا اُزَكَّى بِهِ ١٨٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح أَبَدًا. [٧٣٢٧ - فتح: ٢٥٥/٣] ١٣٩٢- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدٍ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونِ الأَوَدِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الَخَطَّابِ ﴾ قَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، أَذْهَبْ إِلَى أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رضي الله عنها فَقُلْ: يَقْرَأُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَيْكِ السَّلَامَ، ثُمَّ سَلْهَا أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيَّ. قَالَتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي، فَلْأُوْثِرَنَّهُ اليَوْمَ عَلَى نَفْسِي. فَلَمَّا أَقْبَلَ قَالَ لَهُ: مَا لَدَيْكَ؟ قَالَ: أَذِنَتْ لَكَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ. قَالَ : مَا كَانَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَّ مِنْ ذَلِكَ المَصْجَعِ، فَإِذَا قُبِضْتُ فَاخِلُونٍ، ثُمَّ سَلْمُوا، ثُمَّ قُلْ: يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الَخَطَّابِ، فَإِنْ أَذِنَتْ لِي فَادْفِئُونٍ، وَإِلَّ فَرُدُّونٍ إِلَى مَقَابِرِ المسْلِمِينَ، إِّ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَحَقَّ بهذا الأَمْرِ مِنْ هؤلاء النَّفَرِ الذِينَ تُؤُنَّّ رَسُولُ اللهِ نَّهِ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، فَمَنِ اسْتَخْلَفُوا بَعْدِي فَهُوَ الَخَلِيفَةُ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا. فَسَمَّى عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَسَعْدَ بْنَ أَبِ وَقَّاصٍ، وَوَلَجَ عَلَيْهِ شَابٌّ مِنَ الأَنَّصَارِ فَقَالَ: أَبْشِزْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ بِبُشْرىُ اللهِ، كَانَ لَكَ مِنَ القَدَمِ فِي الإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، ثُمَّ أَسْتُخْلِفْتَ فَعَدَلْتَ، ثُمَّ الشَّهَادَةُ بَعْدَ هذا كُلِّهِ. فَقَالَ: لَّيْتَنِي يَا ابْنَ أَخِي، وَذَلِكَ كَفَافًا لَ عَلَّ وَلَا لِ، أُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَغْدِي بِالْهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ خَيْرًا، أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَأَنْ يَحْفَظَ لَهُمْ حُزْمَتَهُمْ، وَأُوْصِيهِ بِالْأَنَّصَارِ خَيْرًا الذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْ نُحْسِنِهِمْ، وَيُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَأُوْصِيهِ بِذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ وَّ أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَأَنْ لَا يُكَلَّقُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ. [٣٠٥٢، ٣١٦٢، ٣٧٠٠، ٤٨٨٨، ٧٢٠٧ - فتح: ٢٥٦/٣] ذكر فيه حديث عائشة: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّه لَيَتَعَذَّرُ فِي مَرَضِهِ (أَيْنَ أَنَا الْيَوْمَ؟ أَيْنَ أَنَا غَدًّا؟)) أَسْتِبْطَاءٌ لِيَوْم عَائِشَةَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي قَبَضَهُ اللهُ بَیْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَدُفِنَ فِي بَيْتِي. وعنها: قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهَ فِي مَرَضِهِ الذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: ((لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارى، آَتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)). لَوْلًا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، ١٨٩ كِتَابُ الجَنَائِزِ غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ - أَوْ خُشِيَ - أَنَّ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. وَعَنْ هِلَالِ الراوي عن عروة قَالَ: كَنَّانِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَلَمْ يُولَدْ لِي. وحديث سُفْيَانَ التَّمَّارِ: أَنَّهُ رَأىْ قَبْرَ النَّبِّ وَلِّ مُسَنَّمًا. وعَنْ عُرْوَةَ(١)، لَمَّا سَقَطَ عَلَيْهِمُ الحَائِطُ فِي زَمَانِ الوَلِيدِ أخذنا فِي بِنَائِهِ، فَبَدَتْ لَهُمْ قَدَمٌ فَفَزِعُوا، وَظَنُّوا أَنَّهَا قَدَمُ رسول الله وَِّ، فَمَا وَجَدُوا أَحَدًا يَعْلَمُ ذَلِكَ، حَتَّى قَالَ لَهُمْ عُرْوَةُ: لَا والله مَا هِيَ قَدَمُ رسول الله ◌َ، مَا هِيَ إِلَّا قَدَمُ عُمَرَ عَ﴾. وَعَنْ هِشَامٌ(٢) بن عروةَ، عَنْ أَبِيهِ، أنَّ عَائِشَةَ أَوْصَتْ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ لَا تَدْفِنِّيَ مَعَهُمْ، وَادْفِنِّي مَعَ صَوَاحِبِي بِالْبَقِيعِ، لَا أُزَكَّى بِهِ أَبَدًا. وحديث عُمر أنَّه قال لابنه عبد الله: أُذْهَبْ إِلَي عَائِشَةَ فَقُلْ: يَقْرَأُ عُمَرُ عَلَيْكِ السَّلَامَ .. الحديث في دفنِهِ مع صاحبيه. الشرح: غرض البخاري في هذا الباب، أن يبينَ فَضْلَ أبي بكر وعُمَر رضي الله عنهما بما لا يشاركهما فيه أحد، وذلك أنهما كانا وزيريه في حال حياته، وصارا ضجيعيه بعد مماته، فضيلة خصهما الله بها، وكرامة حباهما بها لم تحصل لأحد، ألا ترى وصية عائشة إلى ابن الزبير أن لا يدفنها معهم خشية أن تزكى بذلك، وهذا من تواضعها، وإقرارها بالحق لأهله، وإيثارها به على نفسها من هو أفضل منها، ولم تر أن تزكى بدفنها مع رسول الله وَله ورأت عمر لذلك أهلًا، فمجاورتهما مَلْحَده لا يشبهه فضل، وأيضًا لقرب طينتهما من طينته. (١) ورد في الأصل فوق هذِه الكلمة: مسند. (٢) ورد في الأصل فوق هذِه الكلمة: معلق. ١٩٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ففي حديث أبي سعيد الخدري مر رسول الله وله بجنازة عند قبر فقال: ((قَبْرُ من هذا؟)) فقال: فلان الحبشي. فقال ◌َّ: ((لا إله إلا الله، سِيْقَ مِنْ أرضِهِ وسَمائه إلى تربتِه التي منها خُلِقَ)). قَالَ الحاكم: صحيح الإسناد(١)، وله شواهد أكثرها صحيحة. وإنما استأذنها عمر في ذلك ورغب إليها فيه؛ لأن الموضع كان بيتها، ولها فيه حق، ولها أن تُؤثر به نفسها لذلك، فآثرت به عُمر، وقد كانت عائشة رأتْ رؤيا دلتها على ما فعلت، حين رأت ثلاثة أقمار سقطن في حجرها، فقصتها على والدها لما توفي رسول الله وسلم، ودفن في بيتها. فقال لها أبو بكر: هذا أول أقمارك وهو خيرها (٢). ففيه من الفقه: الحرص على مجاورة الموتى الصالحين في القبور، طمعًا أن ينزل عليهم رحمة تصيب جيرانهم، أو رغبة أن ينالهم دعاء من يزور قبورهم من الصالحين. وقول عمر: (إذا قُبِضْت فاحملوني، ثم قل: يستأذن عمر). فيه من الفقه: أن من وعد بعدةٍ أنه يجوز له الرجوع فيها، ولا يُقْضَى عليه بالوفاء بها؛ لأن عمر لو علم أن عائشة لا يجوز لها أن ترجع في عدتها ما قَالَ ذلك، وسيأتي بسط ذلك في الهبة إن شاء الله. (١) ((المستدرك)) ٣٦٦/١-٣٦٧ كتاب: الجنائز، قال الذهبي: صحيح وأنيس ثقة، وله شواهد صحيحة. (٢) رواه مالك في ((الموطأ)) ص ١٦٠ (٣٠) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في دفن الميت، وابن سعد في ((الطبقات)) ٢٩٣/٢، والطبراني ٤٧/٢٣-٤٨، وفي («الأوسط)) ٢٦٦/٦ (٦٣٧٣)، والحاكم في ((المستدرك)» ٦٠/٣، وفي ((الكبير)) ٤/ ٣٩٥، وصححه على شرط الشيخين. وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٣٨/٩: رواه الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط)) ورجال ((الكبير)) رجال الصحيح. ١٩١ كِتَابُ الجَنَائِزِ = وفيه: أن من بعث رسولًا في حاجة مهمة، له أن يسأل الرسول قبل وصوله إليه، وقبل أدائه الرسالة عليه، ولا يعد ذلك من قلة الصبر، ولا يذم فاعله، بل هو من الحرص على الخير؛ لقوله لابنه وهو مقبل: ما لديك؟ وفيه: أن الخليفة مباح له أن لا يستخلف على المسلمين غيره، اقتداء بالشارع صريحًا، وأن للإمام أن يترك الأمر شورى بين الأمة، إذا علم أن في الناس بعده من يحسن الاختيار للأمة. وفيه: إنصاف عمر وإقراره بفضل أصحابه. وفيه: أن المدح في الوجه بالحق لا يذم المادح به؛ لأن عمر لم ينه الأنصاري حين ذكر فضائله، فبان بهذا أن المدح في الوجه المنهي عنه، إنما هو المدح بالباطل. وقوله: (لا أعلم أحدًا أحق بهذا من هؤلاء النفر) إنما لم يذكر أبا عبيدة؛ لأنه كان قد مات، وسعيد بن زيد كان غائبًا. وقال بعضهم: لم يذكره؛ لأنه كان قريبه وصهره، ففعل كما فعل مع عبد الله بن عمر. وفيه: أن الرجل الفاضل ينبغي له أن يخاف على نفسه، ولا يثق بعمله، ويكون الغالب عليه الخشية، ويصغر نفسه؛ لقوله: (ليتني يا ابن أخي وذلك كفافًا). وقد سُئِلَت عائشة عن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْثُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَحِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] فقالت: هم الذين يعملون الأعمال الصالحة، ويخافون أن لا تتقبل منهم(١). وعلى هذا مضى خيار السلف، كانوا من عبادة ربهم بالغاية القصوى ويعدون أنفسهم (١) رواه الطبري في ((تفسيره) ٢٢٥/٩(٢٥٥٥٨)، وذكره البغوي في ((معالم التنزيل)) ٤٢١/٥. ١٩٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - في الغاية السفلى؛ خوفًا على أنفسهم، ويستقلون لربهم ما يستكثره أهل الاغترار. وقد ثبت عن عمر، أنه تناول تبنة من الأرض وقال: يا ليتني هذِه التبنة، يا ليتني لم أك شيئًا، يا ليت أمي لم تلدني، يا ليتني كنت نسيًا منسيا، وقال: لو كانت لي الدنيا لافتديت بها من النار ولم أرها(١). وقال قتادة: قَالَ الصديق وددت أني خضرة أكلتني الدواب (٢). وقالت عائشة عند موتها: وددت أني كنت نسيًا منسيا(٣). وقال أبو عبيدة: وددت أني كبش فيذبحني أهلي، فيأكلون لحمي ويحتسون مرقي. وقال عمران بن حصين: وددت أني رماد على أكمة نسفتني الرياح في يوم عاصف(٤). ذكره أجمع الطبري، ويأتي إن شاء الله تعالى في الزهد في باب الخوف من الله، زيادة فيه. وفيه: أن الرجل الفاضل والعالم ينبغي له نصح الخليفة، وأن يوصيه بالعدل وحسن السيرة في من ولاه الله رقابهم من الأمة، وأن يحضه على مراعاة أمور المسلمين، وتفقد أحوالهم، وأن يعرفَ الحقَّ لأهله. وفيه: أن الرجل الفاضل ينبغي له أن تُقَال عثرته، ويُتَجَاوز عنه؛ (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) ص٧٩ (٢٣٤) باب: تعظيم ذكر الله ، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) ١١٧/٧ (٣٤٤٦٩) كتاب: الزهد، كلام عمر بن الخطاب، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ٤٨٦/١ (٧٨٩). (٢) رواه ابن سعد في ((الطبقات)) ١٩٨/٣. (٣) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٣٠٧/١١ (٢٠٦١٦) باب: أكثر أهل الجنة والنار، والبيهقي في ((الشعب)) ٤٨٦/١ (٧٩١) باب: في الخوف من الله تعالى. (٤) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) ص٨١ (٢٤١) باب: تعظيم ذكر الله 38، وعبد الرزاق في ((المصنف)) ٣٠٧/١١ (٢٠٦١٥)، والبيهقي في ((الشعب)) ٤٨٦/١ (٧٩٠). ١٩٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ لقوله في الأنصار: (أن يعْفى عَنْ مُسِيئِهِمْ)، فيما لم يكن الله فيه حد، ولا للمسلمين حق. ويشبه ذلك قوله وَلير: ((أقيلوا ذَوي الهيئات زلاتهم))(١) فسره أهل العلم أن ذوي الهيئات أهل الصلاح والفضل، الذين يكون من أحدهم الزَّلَّة والفلتة في سب رجل من غير حد مما يجب في مثله الأدب، فيتجاوز له عن ذلك؛ لفضله، ولأن مثل ذلك لم يعهد منه (٢). وفي استبطاء الشارع يوم عائشة من الفقه: أنه يجوز للفاضل الميل في المحبة إلى بعض أهله أكثر من بعض، وأنه لا إثم عليه في ذلك، إذا عدل بينهن في النفقة والقسمة، وقد بينت عائشة العلة في البناء على قبره وتحظيره، وذلك خشية أن يتخذ مسجدًا. وقول سفيان: إنه رأى قبره وَّهِ مسنمًا، قد روي ذلك عن غيره، قَالَ إبراهيم النخعي: أخبرني من رأى قبر رسول الله وَّ ر وصاحبيه مسنمة ناشزة من الأرض، عليها مرمر أبيض. وقال الشعبي: رأيت قبور شهداء أحد مسنمة، وكذا فعل بقبر ابن عمر وابن عباس(٣). (١) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) ٨/ ٣٦٣ (٤٩٥٣)، وابن حبان في (صحيحه)) ٢٩٦/١ (٩٤) كتاب: العلم، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) ٣٣٤/٨ كتاب: الأشربة، باب: الإمام يعفو عن ذوي الهيئات زلاتهم مالم تكن حدًا. (٢) تعليق بهامش الأصل بخط سبط: وقد ذكر الشيخ عز الدين بن عبد السلام في القواعد الكبرى أن الصغيرة إذا حدثت من بعض أولياء الله تعالى لا يجوز للأئمة والحكام تعزیرهم علیھا بل تقال عثرتھم وتُستر زلتھم، وقد جهل أکثر الناس فزعموا أن الولاية تسقط بالصغيرة، ذكر ذلك في أوائل الفصل المعقود لبيان التسميع بالعبادات وهو نحو ثلث الكتاب، وهذا وغيره وارد على ما قال الفقهاء في التعزير أنه مشروع في كل معصية ليس بها حَد ولا كفَّارة. (٣) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٥٠٤/٣-٥٠٥ (٦٤٩٠) كتاب: الجنائز، باب: الحدث والبنيان، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٢٣/٣-٢٤ (١١٧٣٥-١١٧٣٦) كتاب: الجنائز، ما قالوا في القبر يُسنمّ. ١٩٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -= وقال الليث: حَدَّثَني يزيد بن أبي حبيب أنه يستحب أن تسنم القبور ولا ترفع ولا يكون عليه تراب كثير، وهو قول الكوفيين والثوري ومالك وأحمد، واختاره جماعة من أصحابنا، ومنهم المزني، أن القبور تسنم؛ لأنه أمنع من الجلوس عليها، واحتجوا بما سلف(١). وقال أشهب وابن حبيب: أحب إلي أن يسنم القبر، وإن رفع فلا بأس(٢). وقال طاوس: كان يعجبهم أن يرفع القبر شيئًا حَتَّى يعلم أنه قبر. وقال الشافعي: تسطح القبور ولا تبنى ولا ترفع، تكون على وجه الأرض نحوًا من شبر. قَالَ: وبلغنا أن النبي ◌َّ سطح قبر ابنه إبراهيم، وأن مقبرة المهاجرين والأنصار مسطحة قبورهم(٣). وقال أبو مجلز: تسوية القبور من السنة (٤)، واحتج أيضًا بحديث القاسم بن محمد قَالَ: رأيت قبر النبي ◌َّهِ وصاحبيه، لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. رواه أبو داود، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وفي رواية الحاكم: فرأيت رسول الله وله مقدمًا، وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي ◌َّ، وعمر رأسه عن رجل النبي ◌َ﴾(٥). وأجابوا عن خبر سفيان التمار، بأنه أولًا كان مسطحًا، (١) أنظر: ((البناية)) ٣٠١/٣، ((المنتقى)) ٢٢/٢، ((المغني) ٤٣٧/٣، (المجموع» ١٥ ٢٦٥. (٢) وفيما ذكره عن ابن حبيب نظر، فإن ابن حبيب يقول: أحب إليّ أن يُسَنَّم ولا يرفع، أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٦٥٠/١، ((المنتقى)) ٢٢/٢، ((الأخيرة)) ٤٧٩/٢. (٣) ((الأم)) ١/ ٢٤٢. (٤) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٣/ ٣٠ (١١٧٩٧) كتاب: الجنائز، باب: في تسوية القبر وما جاء فيه. (٥) ((سنن أبي داود)) برقم (٣٢٢٠) كتاب: الجنائز، باب: في تسوية القبر، ((المستدرك)) ٣٦٩/١-٣٧٠ كتاب: الجنائز، وضعفه الألباني كما في ((ضعيف أبي داود)). ١٩٥ ـ كِتَابُ الجَنّائِرِ كما قَالَ القاسم، ثم لما سقط الجدار في زمن الوليد بن عبد الملك -وقيل: عمر بن عبد العزيز- جعل مسنمًا. قَالَ البيهقي: حديث القاسم أصح وأولى أن يكون محفوظًا (١)، وأما قول علي : أمرني رسول الله وَالقر أن لا أدع قبرًا مشرفًا إلا سويته. أخرجه مسلم (٢)، فالمراد بالتسوية: التسطيح، جمعًا بين الأحاديث. وما ذكره البخاري في (أقبرت)، هو بالألف وهو كذلك في اللغة. وفي رواية أبي الحسن بحذفها، وما ذكره في تفسير ﴿كِفَانًا﴾ [المرسلات: ٢٥] فهو ما ذكره أهل اللغة، نص عليه الفراء وغيره(٣). وقال ابن التين: هو قول قتادة. وقال مجاهد: تكفت إذا هم أحياء ويقبرون فيها(٤). وقال ابن سيده: عندي أن الكفات في الآية مصدر من کفت(٥). ومعنى (لتعذر)، في حديث عائشة، هو كالتمنع والتعسر، ولأبي الحسن بالقاف. قَالَ الداودي: معناه: يسأل عن قدر ما بقي إلى يومها؛ ليهون عليه بعض ما يجد؛ لأن المريض يجد عند بعض أهله ما لا يجده عند غيره من الأنس والسكون. والسَحَر - بفتح السين والحاء، وبإسكانها، وبضم السين وإسكان الحاء- ما التزم بالحلقوم والمريء من أعلى البطن. والسحر أيضًا: الرئة، والجمع سحور، ذكره ابن سيده(٦) . (١) ((السنن الكبرى)) ٣/٤-٤ كتاب: الجنائز، باب: من قال بتسنيم القبور. (٢) ((صحيح مسلم)) (٩٦٩) كتاب: الجنائز، باب: الأمر بتسوية القبر. (٣) («معانى القرآن» ٢٢٤/٣. (٤) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٣٨٥/١٢-٣٨٦ (٣٥٩٥٠-٣٥٩٥١). (٥) ((المحكم)» ٦/ ٤٨١. (٦) ((المحكم)) ١٣٣/٣. ١٩٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وفي ((غريب ابن قتيبة)): بلغني عن ابن عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير أنه قَالَ: إنما هو شجري -بالشين والجيم-، فسئل عن ذلك فشبك بين أصابعه، وقدمها من صدره، كأنه يضم شيئًا إليه، أراد أنه قبض، وقد ضمته بيديها إلى نحرها وصدرها(١). والشجر: التشبيك، وفي ((المخصص)): الشجر: طرف اللحيين. وقيل: هو الذقن بعينه، حيث اشتجر طرفا اللحيين من أسفل. وقيل: هو مؤخر الفم. وفي حديث آخر: مات بين حاقنتي وذاقنتي(١)، وهو نحوه. وقولها: (ودفن في بيتي) نسبت البيت إليها لقوله تعالى: ﴿وقرن في بُيُوتِكِنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣]؛ لأن البيوت كانت لرسول الله وَليّة، وهذا كله من فضلها، وكان هذا الكلام خرج منها في موطن هضمت فيه من حقها لو سئلت فأتت بالحديث على وجهه. و(هلال) المذكور في حديث عائشة هو ابن أبي حميد ويقال: ابن حميد، وفي الترمذي ابن مقلاص الجهني (٣) . وقيل: ابن عبد الله، وقيل: ابن عبد الرحمن، يكنى أبا عمرو، ويقال: أبو أمية، ويقال: أبو الحمراء، الوزان الصيرفي. وقوله: (كناني عروة بن الزبير ولم يولد لي) فعله تبجيلًا وتفاؤلًا ، وقد كنى الشارع عائشة بابن أختها عبد الله بن الزبير. وأثر سفيان التمار من أفراد البخاري، زاد ابن أبي شيبة: وقبر أبي (١) ((غريب الحديث)) ٢/ ٤٥٧. (٢) سيأتي برقم (٤٤٣٨) كتاب: المغازي، باب: مرض النبي وَّرٍ ووفاته. (٣) كذا بالأصل، وعند الترمذي (٢٥٢٠): الصيرفي. ١٩٧ كِتَابُ الجَنَائِزِ بكر وعمر مسنمين (١). وكذا أخرجه أبو نعيم عن سفيان بن دينار التمار قَالَ: دخلت ... فذكره، وفي ((تاريخ البخاري)): سفيان بن زياد ويقال: ابن دینار التمار العصفري، وفرق بعضهم بین ابن زیاد، وابن دینار، كما ذكره الباجي وزعم أنه هو المذكور عند البخاري في الصحيح. وقال بعضهم: ابن عبدالملك. ووقع في ابن التين: حذيفة التمار في موضعين، وهو سهو، وكأن البخاري أراد بهذا الأثر بيان مذهبه في ذلك، أو أراد مخالفة حديث علي السالف. وفي ((أخبار المدينة)) لابن النجار الحافظ، أن قبره وَّيه وقبر صاحبيه في صفة بيت عائشة. قَالَ: وفي البيت موضع قبر في السهوة الشرقية. قَالَ سعيد بن المسيب: فيه يدفن عيسى بن مريم وَل﴾ (٢)، وعن عبد الله بن سلام قال: يدفن عيسى مع رسول الله وَّر، فيكون قبره رابعًا (٣). وعن عثمان بن نسطاس قَالَ: رأيت قبر النبي ◌َّ لما هدمه عمر بن عبد العزيز مرتفعًا نحو أربعة أصابع، ورأيت قبر أبي بكر وراء قبر رسول الله وَ﴾، وقبر عمر أسفل. وعن عمرة، عن عائشة قالت: رأس النبي وَّر مما يلي الغرب، (١) ((المصنف)) ٢٣/٣ (١٧٣٣) كتاب: الجنائز، ما قالوا في القبر يسنم. (٢) ذكره ابن حجر في ((الفتح)) ٦٦/٧، وعزاه إلى ((أخبار المدينة)) من وجه ضعيف عن سعيد بن المسيب قال: إن قبور الثلاثة في صفة بيت عائشة، وهناك موضع قبر یدفن فيه عیسی الشێ. (٣) رواه الترمذي (٣٦١٧) كتاب: المناقب، باب: في فضل النبي وَّر، وقال: هذا حديث حسن غريب، وذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد)) ٢٠٦/٨، وقال: رواه الطبراني، وفيه: عثمان بن الضحاك، وثقه ابن حبان، وضعفه أبو داود، وقد ذکر المزي هذا في ترجمته وعزاه إلى الترمذي وقال: حسن، ولم أجده في الأطراف والله أعلم. وضعفه الألباني في «ضعيف الترمذي)». ١٩٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ورأس أبي بكر عند رجليه، وعمر خلف ظهره. وعن نافع بن أبي نعيم: قبر النبي ◌َّر أمامهما إلى القبلة مقدمًا، ثم قبر أبي بكر حذاء منكبي رسول الله وَالر، وقبر عمر حذاء منكبي أبي بكر. وعن محمد بن المنكدر قَالَ: قبر النبي ◌َّ ر هكذا وأبو بكر خلفه، وقبر عمر عند رجلي رسول الله وَّيه. وقال ابن عقيل: قبر أبي بكر عند رجليه ، وقبر عمر عند رجلي أبي بكر . وقال ابن التين: يقال: إن أبا بكر خلف رسول الله وَ له قد جاوز مَلْحَدُهُ مَلحَدَ رسول الله وَّته، ورأس عمر عند رجلي أبي بكر قد (جازت)(١) رجلاه رجلي رسول الله اليه. وقد ذكر في صفة قبورهم أقوال: وقيل : هكذا فالأکثر وقيل: هكذا النبي النبي النبي أبو بكر عمر أبو بكر أبو بكر عمر عمر وقوله: (عن هشام، عن أبيه، عن عائشة) ذكر خلف وأبو نعيم الحافظ أن البخاري رواه عن فروة، كالحديث قبله في سقط الجدار، وأخرجه البخاري أيضًا في الاعتصام مسندًا عن عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن هشام. بزيادة: وعن هشام، عن أبيه: أن عمر أرسل إلى عائشة، أئذني لي أن أدفن مع صاحبي(٢)، وفي ((الإكليل)) عن وردان، وهو الذي بني بيت عائشة لما سقط شقه الشرقي أيام (١) في الأصل: جاءت. (٢) سيأتي برقم (٧٣٢٨) باب: ما ذكر النبي ◌َّ وحض على أتفاق أهل العلم. ١٩٩ كِتَابُ الجَنَائِزِ عمر بن عبد العزيز: وأن القدمين لما بدتا، قَالَ سالم بن عبد الله: أيها الأمير هذان قدما جدي وجدك عمر. فتحصلنا على قولين: أحدهما: أن قائل ذلك عروة، وذا في البخاري. ثانيهما: أنه سالم، وذا هنا. وقال أبو الفرج الأموي في ((تاريخه)): وردان هذا أبو امرأة أشعب الطامع. وفي ((الطبقات)) قَالَ مالك: قسم بيت عائشة ثلثين، قسم فيه القبر، وقسم كان يكون فيه عائشة، وبينهما حائط فكانت عائشة ربما دخلت جنب القبر فضلًا، فلما دفن عمر لم تدخله إلا وهي جامعة عليها ثيابها. قَالَ عمرو بن دينار، وعبيد الله بن أبي يزيد: لم يكن على عهد رسول الله ﴿ على بيت النبي حائط، فكان أول من بنى عليه جدارًا عمر بن الخطاب. قَالَ عبيد الله: كان جداره قصيرًا، ثم بناه عبد الله ابن الزبير، وزاد فيه(١). (وقال ابن النجار)(٢): سقط جدار الحجرة مما يلي موضع الجنائز، في زمان عمر، فظهرت القبور، فما رئي باكيًا أكثر من يومئذ. فأمر عمر بقباطي يستر بها الموضع، وأمر ابن وردان أن يكشف عن الأساس، فلما بدت القدمان قام عمر فزعًا فقال له عبيد الله بن عبد الله بن عمر - وكان حاضرًا- أيها الأمير لا ترع، فهما قدما جدك عمر، ضاق البيت عنه، فحفر له في الأساس. فقال عمر: يا ابن وردان، غط ما رأيت. ففعل. (١) ((الطبقات الكبرى)) ٢٩٤/٢. (٢) في الأصل: وقال النجار. ٢٠٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وفي رواية أن عمر أمر أبا حفصة مولى عائشة وناسًا معه، فبنوا الجدار وجعلوا فيه كوة، فلما فرغوا منه ورفعوه دخل مزاحم مولى عمر، فقم ما سقط على القبر من التراب، وبنى عمر على الحجرة حاجزًا في سقف المسجد إلى الأرض، وصارت الحجرة في وسطه، وهو على دورانها، فلما ولي المتوكل آزرها بالرخام من حولها، فلما كان في خلافة المقتفي بعد الخمسمائة. جدد التأزير، وجُعِل قامة وبسطة، وعُمِل لها شباك من الصندل والأبنوس وأداره حولها مما يلي السقف. ثم إن الحسن بن أبي الهيجاء صهر الصالح وزير المصريين، عمل لها ستارة من الديبقي الأبيض، مرقومة بالإبريسم الأصفر والأحمر، ثم جاءت من المستضيء بأمر الله ستارة من الأبريسم البنفسجي، وعلى دوران جاماتها مرقوم الخلفاء الأربعة، ثم سلت تلك ونفذت إلى مشهد علي بن أبي طالب وعلقت هذِه، ثم إن الناصر لدين الله نفذ ستارة من الإبريسم الأسود وطرزها، وجاماتها أبيض، فعلقت فوق تلك، ثم لما حجت الجهة الخليفية عملت ستارة على شكل المذكورة، ونفذتها، فعلقت. وقول عائشة: (لا تدفني معهم) ذاك كما قَالَ ابن التين، على أنه بقي في البيت موضع ليس فيه أحد. ويعارضه قولها لما طلب منها أن يدفن عمر معهما: أردته لنفسي؛ لأن ظاهره أن البيت ليس فيه غير موضع عمر. وقيل: كان ظنًّا من عائشة. وفي ((التكملة)) لابن الأبار من حديث محمد بن عبد الله العمري، ثنا سعيد بن طلحة من ولد أبي بكر، عن أبيه، عن جده، عن عائشة قالت: قلتُ للنبي وَّر، إني لا أراني إلا سأكون بعدك، فتأذن لي أن أدفن إلى جانبك؟ قَالَ: ((وأنى لك ذلك الموضع، ما فيه إلا قبري، وقبر أبي بكر