Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ ـ كِتَابُ الجَنَائِزِ وروى سعيد بن جبير قَالَ: مات رجل يهودي له ابن مسلم، فذكر ذلك لابن عباس فقال: كان ينبغي له أن يمشي معه ويدفنه ويدعو له بالصلاح مادام حيًّا، فإذا مات وكله إلى شأنه ثم قرأ ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْزَهِيمَ لِأَبِهِ﴾ الآية [التوبة: ١١٤](١). وقال النخعي: توفيت أم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وهي نصرانية فاتبعها أصحاب رسول الله وَلو تكرمة للحارث، ولم يصلوا عليها. ثم فرض على جميع الأمة أن لا يدعى لمشرك ولا يستغفر له إذا ماتوا على شركهم. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة: ١١٣] وقد بيّن الله تعالى عذر إبراهيم في استغفاره لأبيه. فقال: ﴿إِلَّا عَنْ قَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فدعا له وهو يرجو إنابته ورجوعه إلى الإيمان، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. ففي هذا من الفقه، أنه جائز أن يدعى لكل من يرجى من الكفار إنابته بالهداية مادام حيًّا؛ لأنه وَل* إذ شمته أحد المنافقين واليهود قَالَ: ((يهديكُم الله ويُصْلِح بالكم))(٢) وقد يعمل الرجل بعمل أهل النار ويختم له بعمل أهل الجنة. وفيه: تصحيح القول بدليل الخطاب لاستعمال النبي وَّر، وذلك أن إخباره تعالى أنه لا يغفر له، ولو أستغفر سبعين مرة، يحتمل أنه (١) رواه ابن أبي شيبة ٣٤/٣-٣٥ (١١٨٤٦)، (١١٨٤٨) كتاب: الجنائز، باب: في الرجل يموت له القرابة المشرك يحضره أم لا؟ وابن المنذر ٣٤٢/٥. (٢) رواه الترمذي (٢٧٣٩) كتاب: الأدب، باب: ما جاء كيف تشميت العاطس، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والطحاوي في (شرح معاني الآثار)) ٣٠٢/٤ كلاهما من حديث أبي موسى، وصححه الألباني في ((صحيح الترمذي)). ١٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - لو زاد عليها أنه يغفر له، لكن لما شهد الله تعالى أنه كافر بقوله ﴿ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله﴾ [التوبة: ٨٠] دلت هذه الآية على تغليب أحد الاحتمالين، وهو أنه لا يغفر له لكفره، فلذلك أمسك وله عن الدعاء له. وفي إقدام عمر على مراجعة رسول الله وَّر في الصلاة عليه من الفقه أن الوزير الفاضل الناصح لا حرج عليه في أن يخبر سلطانه بما عنده من الرأي وإن كان مخالفًا لرأيه، وكان عليه فيه بعض الخفاء إذا علم فضل الوزير وثقته وحسن مذهبه، فإنه لا يلزمه اللوم على ما يؤديه اجتهاده إليه، ولا يتوجه إليه سوء الظن، وأن صبر السلطان على ذلك من تمام فضله، ألا ترى سكوته ب 18 عن عمر، وتركه الإنكار عليه، وفي رسول الله وهي أكبر الأسوة. ١٤٣ كِتَابُ الجَنَائِزِ - ٨٥- باب ثَنَاءِ النَّاسِ عَلَى المَيِّتِ ١٣٦٧- حَدَّثَنَا آدَمُ، حَذَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ ﴿ يَقُولُ: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ وَلَِّ: ((وَجَبَتْ)). ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرِى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: ((وَجَبَتْ)). فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الَخَطَّابِ ﴾: مَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: ((هذا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وهذا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ)). [٢٦٤٢ - مسلم: ٩٤٩ - فتح: ٢٢٨/٣] ١٣٦٨- حَدَّثَنَا عَقَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِ الفُرَاتِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيِ الأَسْوَدِ قَالَ: قَدِمْتُ الَّدِينَةَ وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ، فَجَلَسْتُ إِلَ عُمَرَ بْنِ الَخْطَّابِ هِ، فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ فَأُنْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ ﴾: وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرِىٌ، فَأَثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ ﴾: وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ، فَأَثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ. فَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ: فَقُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرِ أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ)). فَقُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: ((وَثَلَاثَةٌ)). فَقُلْنَا: وَاثَّنَانٍ؟ قَالَ: (وَاثْنَانٍ)). ثُمَّ لَمْ نَسْأَلَّهُ عَنِ الوَاحِدِ. [٢٦٤٣ - فتح: ٢٢٩/٣] ذكر فيه حديث أنس: مَرُوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا .. الحديث. وحديث عمر: ((أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرِ أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ)). فَقُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: ((وَثَلَاثَةٌ))ً. فَقُلْنَا: وَاثْنَانٍ؟ قَالَّ: ((وَاثْنَانِ)). ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الوَاحِدِ. أما حديث أنس فأخرجه مسلم(١) أيضًا، وسيأتي في البخاري في الشهادات في باب: تعديل كم يجوز؟(٢). وحديث عمر من أفراد (١) ((صحيح مسلم)) (٩٤٩) الجنائز، باب: فيمن يثنى عليه خير أو شر من الموتى. (٢) برقم (٢٦٤٢). ١٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح البخاري وذكره مسندًا عن شيخه عفان بن مسلم، ووقع في البيهقي أنه رواه معلقًا عنه (١)، وأسنده الإسماعيلي أيضًا وأبو نعيم من طريق ابن أبي شيبة عنه، وأسنده البيهقي من حديث الصغاني عن عفان(٢)، ولأحمد: ((فيشهد له أربعة أثبات من جيرانه الأدنين إلا قَالَ الله تعالى: قد قبلت علمهم فيه وغفرت له ما لا يعلمون))(٣). إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه: أحدها : قوله في حديث عمر: (فأثنى على صاحبها خيرًا) كذا هو في أصل الدمياطي: (خيرًا) في الموضعين، (ثم مُرَّ بثالثة فأثنى على صاحبها شرًّا)، بالألف في الثلاثة، وهو أصح إذا قرئ فأثنى بفتح الألف. وقال ابن التين: قوله: (خيرًا) صوابه: خيرٌ. قَالَ: وكذلك هو في بعض الروايات، وشرٌ مثله، وكأنه أراد إذا قرئ مبنيًّا. قَالَ: وفي نصبه بعدٌ في اللسان. ثانیھا : عارض بعضهم قوله: (فأثنى على صاحبها شرًّا). بالحديث الآخر: ((أمسكوا عن ذي قبر)). أي: من أهل الإيمان، وجوابه من أوجه: أحدها: على تقدير صحته ولا نعلمها، يحتمل أن يكون مجاهرًا. ثانيها: لم يقبر فيكون ذا قبر، ويرده قوله بعد هذا: ((لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا)) وسيأتي قريبًا في البخاري(٤). (١) ((السنن الكبرى)) ٧٥/٤ كتاب: الجنائز، باب: الثناء على الميت وذكره بما كان فيه من الخير. (٢) المصدر السابق. (٣) (مسند أحمد» ٢٤٢/٣. من حديث أنس. (٤) برقم (١٣٩٣) كتاب: الجنائز، باب: ما ينهى من سب الأموات. ١٤٥ كِتَابُ الجَنَائِزِ ثالثها: أنه كان في زمانه ◌َله وأصحابه؛ لأنه كان زمان ينطقهم الله فيه بالحكمة ويجريها على ألسنتهم، وأما الآن فلا، إلا أن يثني أهل العدالة. وقيل: إن حديث أنس يجري مجرى الغيبة في الأحياء، وإن كان الرجل أغلب أحواله الخير وقد يكون منه الغلبة، فالاغتياب له محرم، وإن كان فاسقًا معلنًا فلا غيبة فيه، فكذلك الميت، إذا كان أغلب أحواله الخير لم يجز ذكر ما فيه من شرِّ ولا سبه به، وإن كان أغلب أحواله الشر فيباح ذكره منه، وليس ذلك مما نهي عنه من سب الأموات، ويؤيد ذلك إجماع أهل العلم من ذكر الكذابين وتجريح المجروحين. وقيل: إن حديث: ((لا تسبوا الأموات)) عام وحديث: ((أمسكوا عن ذي قبر)) يحتمل أن يكون أباح ذكر الميت بما فيه من غالب الشر عند موته خاصة؛ ليتعظ بذلك فُسَّاق الأحياء، فإذا صار في قبره أمسك عنه، لإفضائه إلى ما قدم، فإن أعترض على التجريح بأن الضرورة دعت إلى ذلك حياطة لحديثه، فيقال له: هو مثل الذي غلب عليه الفسق، فوجب ذكر فسقه تحذيرًا من حاله، وهو من هذا الباب ومثله مما لا أعتراض له فيه ذكره و 18 للذي لم يعمل حسنة قط وهو مؤمن فبذلك غفر له، فذكره بقبيح عمله إذ كان الغالب على عمله الشر، لكنه أنتفع بخشية الله تعالى. وهل يشترط أن يكون ثناؤهم مطابقًا لأفعاله، فيه احتمالان. وقال القرطبي: يحتمل أن يكون النهي عن سب الموتى متأخرًا عن هذا الحديث فيكون ناسخًا (١). (١) ((المفهم)) ٦٠٨/٢. ١٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح سي ثالثها : قَالَ الداودي: معنى هذا الحديث عند الفقهاء: إذا أثنى عليه أهل الفضل والصدق؛ لأن الفسقة قد يثنون على الفاسق فلا يدخلون في معنى هذا الحديث، والمراد -والله أعلم -: إذا كان المثني بالشر ممن ليس له بعدو؛ لأنه قد يكون للرجل الصالح العدو، فإذا مات عدوه ذكر عند ذلك الرجل الصالح شرًّا، فلا يدخل الميت في معنى هذا الحديث؛ لأن شهادته كانت لا تجوز عليه في الدنيا وإن كان عدلًا للعداوة؛ والبشر غير معصومين. رابعها : حديث أنس لم يشترط في الذين أثنوا عددًا من الناس لا يجزئ أقل منهم، بخلاف حديث عمر، وأحال في ذلك ◌َلهو ما يغلب على الرجل بعد موته عند جملة من الناس من ثناء الخير والشر، وأنه المحكوم له به في الآخرة، وقد جاء بيان هذا في حديث آخر: ((إن الله رَّ إِذَا أَحَبَّ غَبْدًا أمر الملائكةَ أن تُناديَ في السماء: ألا أنَّ الله يُحِبُّ فُلَانًا فأحبوه. فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُجعلُ لَهُ القَبُولُ فِي أهلِ الأَرْضِ، وإذا أبغض عبدًا كذلك))(١) فهذا معنى قوله: ((أنتم شهداء الله في الأرض))؛ لأن المحبة والبغضة من عنده تعالى، ويشهد لصحة هذا قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةٌ مِّنِّى﴾ [طه: ٣٩] فإن قلت: فهذا المعنى مخالف لحديث عمر؛ لأنه شرط فيه أربعة شهداء أو ثلاثة أو أثنين بخلاف الأول. قيل: ليس كما توهمت، وإنما أختلف العددان؛ لاختلاف المعنيين وذلك أن الثناء قد يكون بالسماع (١) سيأتي برقم (٣٢٠٩) كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة. ١٤٧ - كِتَابُ الجَنَائِزِ المتصل على الألسنة، فاستحب في ذلك التواتر والكثرة، والشهادة لا تكون إلا بالمعرفة والعلم بأحوال المشهود له، فناب في ذلك أربعة شهداء وذلك أعلى ما يكون من الشهادة؛ لأن الله تعالى جعل في الزنا أربعة شهداء، فإن قصروا ناب فيه ثلاثة(١)، فإن قصروا عن ذلك ناب فيه شاهدان، وذلك أقل ما يجزئ من الشهادة على سائر الحقوق رحمة من الله لعباده المؤمنين وتجاوزًا عنهم حين أجرى أمورهم في الآخرة على ما أجراه في الدنيا، وقبل شهادة رجلين من عباده المؤمنين بعضهم على بعض في أحكام الآخرة. وقال أبو سليمان: هذا من ظاهر العلم الذي تقدم أنه أمارة محيلة على الباطن. وقال البيهقي: فيه دلالة على جواز ذكر المرء بما يعلمه إذا وقعت الحاجة إليه نحو سؤال القاضي المزكي ونحوه(٢). فائدة : الثناء: ممدود يستعمل في الخير ولا يستعمل في الشر، وقيل: يستعمل فيهما، وأما النَثَأ بتقديم النون وبالقصر ففي الشر خاصة، وقد يستعمل في الخير أيضًا، واستعمل الثناء هنا بالمد في الشر، بناء على اللغة الشاذة أو للتجانس كقوله: ﴿وَحَزَّوُاْ سِئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾. [الشورى: ٤٠]. (١) ورد في هامش الأصل: وهو وجه عند الشافعي في الاعتبار أنه لا يقبل فيه إلا ثلاثة. قال به الفوراني. (٢) ((السنن الكبرى)) ٧٥/٤-٧٦ كتاب: الجنائز، باب: النهي عن سب الأموات والأمر بالكف عن مساوئهم إذا كان مستغنيًا عن ذكرها. ١٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٨٦- باب مَا جَاءَ في عَذَابِ القَيْ وَقَوْلُهُ رَتْ: ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ فِى غَمَرَتِ اٌلْمَوْتِ وَالْمَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوَاْ أَنفُسَحِكُمِّ الْيَوْمَ تُّجْزَوْنَ عَذَابَ اُلْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣] والهُون الهَوَانُ، وَالْهَوْنُ: الرِّفْقُ، وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١] وَقَوْلُهُ: ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ فِ غَمَرَتِ الْوَّتِ وَالْمَلَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكِكُمِّ الْيَوْمَ تُّجْزَوْنَ عَذَابَ أَلْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَّكُنْتُمْ عَنْ ءَايَنِهِ، تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣]، وقوله: ﴿فَوَقَلَهُ اللّهُ سَيِّئَاتٍ مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِقَالٍ فِرْعَوْنَ سُوَءُ الْعَذَابِ ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اُلْعَذَابِ ٤٦ [غافر: ٤٥-٤٦] ١٣٦٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَزْثَدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ وََّ قَالَ: ((إِذَا أُقْعِدَ المُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أَتِيَ، ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لَا إله إِلَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾)) [إبراهيم: ٢٧]. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بهذا، وَزَادَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [إبراهيم: ٢٧] نَزَّلَتْ فِي عَذَابِ القَبْرِ. [٤٦٩٩ - مسلم: ٢٨٧١ - فتح: ٣/ ٢٣١] ١٣٧٠- حَدَّثَنَا عَلَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي أَبِ، عَنْ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي نَافِعْ، أَنَّ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ قَالَ: أَطَّلَعَ النَّبِيُّ ◌َّهِ عَلَى أَهْلِ القَلِيبِ فَقَالَ: ((وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟)). فَقِيلَ لَهُ: تَدْعُو أَمْوَاتًا؟! فَقَالَ: ((مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ، ولكن لَا يُجِيبُونَ)). [٣٩٨٠، ٤٠٢٦ - فتح: ٣/ ٢٣٢] ١٣٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، ١٤٩ = كِتَابُ الجَنَائِزِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الآنَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ حَقٌّ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تُشْمِعُ الْمَوْنَى﴾)). [النمل: ٨٠] [٣٩٧٨، ٣٩٧٩، ٣٩٨١ - مسلم: ٩٣٢ - فتح: ٢٣٢/٣] ١٣٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، سَمِعْتُ الأَشْعَثَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ بَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا، فَذَكَرَتْ عَذَابَ القَبْرِ، فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللهِ وََّ عَنْ عَذَابِ القَبْرِ، فَقَالَ: ((نَعَمْ عَذَابُ القَبْرِ)). قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَل بَعْدُ صَلَّى صَلَاةَ إِلَّ تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. زَادَ غُنْدَرُ: ((عَذَابُ القَبْرِ [حَقٌّ])). [انظر: ١٠٤٩ - مسلم: ٥٨٦، ٩٠٣ - فتح: ٢٣٢/٣] ١٣٧٣ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ابن وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما تَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللهِوََّ خَطِيبًا فَذَكَرَ فِتْنَةَ القَبْرِ التِي يَفْتَِنُ فِيهَا الَمَرْءُ، فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ ضَجَّ اُسْلِمُونَ ضَجَّةً. [انظر: ٨٦ - مسلم: ٩٠٥ - فتح: ٢٣٢/٣] ١٣٧٤ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَغَلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ◌َّهِ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَ قَالَ: ((إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانٍ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ بَّرَ؟ فَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ. فَيُقَالُ لَهُ: أَنْظُرْ إِلَى مَفْعَدَِ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَفْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا)). قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ فِي قَبْرِهِ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: ((وَأَمَّا المُنَافِقُ وَالْكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هذا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ. فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ. وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ)). [انظر: ١٣٣٨ - مسلم: ٢٨٧٠ - فتح: ٢٣٢/٣] ١٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ذكر فيه ستة أحاديث: أحدها : حديث البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: (إِذَا أُقْعِدَ المُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أُنِّيَ، ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لا إله إِلَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ الآية)) وقال شُعْبَةُ: نَزَلَتْ فِي عَذَابِ القَبْرِ. ثانيها : حديث ابن عمر: أَطَّلَعَ النَّبِيُّ بِّهِ عَلَى أَهْلِ القَلِيبِ .. الحديث. ثالثها : حديث عائشة: إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الآنَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لهم حَقٌّ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْنَ﴾)». رابعها : حديثها أيضا: أَنَّ يَهُودِيَّةٌ دَخَلَتْ عَلَيْهَا، فَذَكَرَتْ عَذَابَ القَبْرِ، فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللهِ وَ ه عَنْ عَذَابِ القَبْرِ، فَقَالَ: (نَعَمْ عَذَابُ القَبْرِ)). قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ بَعْدُ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. زَادَ غُنْدَرٌ: (عَذَابُ القَبْرِ حَقٌّ)). خامسها : حديث أسماء: قَامَ رَسُولُ اللهِ وَلَهُ خَطِيبًا فَذَكَرَ فِتْنَةَ القَبْرِ التِي يَفْتَيِّنُ فِيهَا المَرْءُ، .. الحديث. سادسها : حديث أنس: (إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، .. الحدیث بطوله. ١٥١ - كِتَابُ الجَنَائِزِ الشرح : هُذِه الأحاديث سلفت أو أكثرها، والأخير سلف في باب الميت يسمع خفق النعال(١). و﴿غَمَرَتِ الْوَّتِ﴾ شدائده. ﴿وَالْمَلَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي بالعذاب. و﴿ اَلْهُونِ﴾ الهوان، كما سلف . قَالَ ابن جريج: عذاب الهون في الآخرة. وقال غيره: لما بعثوا صاروا إلى النار، قالت الملائكة: ﴿اَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ أَلْهُونِ﴾ قَالَ: الهوان. وقول الملائكة: ﴿أَخْرِجُوَاْ أَنْفُسَكُمٌ﴾ على معنى التوبيخ، أي: أنتم تفارقون أنفسكم، والهَوْن - بفتح الهاء- السكينة والوقار . وقوله: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَّرَّتَيْنِ﴾ الآية [التوبة: ١٠١] قيل: عذاب يوم بدر بالقتل، ثم في القبر، ثم يردون إلى عذاب جهنم، وقيل: بالسباء ثم بالقتل ثم بجهنم. وقال مجاهد: بالجوع والقتل ثم بجهنم(٢). وقيل: بالزکاة تؤخذ منھم کرھًا. ﴿وَحَاقَ﴾: نزل. وقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ قَالَ ابن مسعود: إن أرواح آل فرعون في أجواف طير سود، تعرض على النار مرتين، يقال لهم: هذِه داركم (٣). وعن أبي هريرة أنه كان إذا أصبح قَالَ: أصبحنا والحمد لله، وعرض آل فرعون على النار. وكذلك إذا أمسى فلا يسمعه أحد إلا تعوذ بالله من (١) برقم (١٣٣٨) كتاب: الجنائز. (٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٦/ ٤٥٧ (١٧١٤٠). (٣) رواه البزار في ((البحر الزخار)) ٢٨٤/٤ (١٤٥٤)، وذكره ابن كثير في تفسيره)) ١٩٦/١٢-١٩٧. ١٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح النار(١). وقال مجاهد: ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾: من أيام الدنيا(٢). وقال الفراء: ليس في القيامة غدو ولا عشي، لكن مقدار ذلك(٣). ويرد عليه قوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾﴾ [غافر: ٤٦] فدل على أن الأول بمنزلة عذاب القبر. وحديث البراء مفسر للآية، وقد اختلف في قوله: ﴿فِي الْحَيَوْةِ الذُّنْيَا﴾ [إبراهيم: ٢٧] فقَالَ طاوس: قول: لا إله إلا الله(٤). وقال قتادة: يثيبهم بالخير والعمل الصالح(٥)، وقيل: الحياة حياتان: دنيا وهي التي نحن فيها؛ لأنها تقدمت ودنت، والثانية الآخرة؛ لأنها تأخرت. وحديث ابن عمر في أهل القليب قد يكون هو المحفوظ؛ لأنه لا يكلم من لا يسمع كلامه، وإذا أراد الله إسماع شيء أسمعه، ألا تراه أنه عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال، وأن النار اشتكت إلى ربها تعالى، ويكون معنى قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ اٌلْمَوْنَى﴾ الآية [النمل: ٨٠] مثل قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحَْبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] ويعني بالموتى وأهل القبور من سبق في علم الله أنه لا يسلم، ويكون قول عائشة إنما حملته على التأويل، وإن كانت ما قالته عائشة محفوظًا فإنما حمله ابن عمر على التأويل. (١) ذكره القرطبي في ((تفسيره)) ٣١٩/١٥. (٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٦٧/١١ (٣٠٣٧٣). (٣) ((معاني القرآن)) ٩/٣. (٤) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٧/ ٤٥٠-٤٥١ (٢٠٧٧٥). (٥) المصدر السابق برقم (٢٠٧٧٦). ١٥٣ كِتَابُ الجَنَائِزِ واحتج بعض الفقهاء بقوله وَله: ((ما أنتم بأسمع منهم)) فإن العموم لا يصح في الأفعال، وهو مذهب المحققين قالوا: لأنها قضية عين لا يجب أن يلحق بها غيرها، وكذلك قوله ﴿ للمرأة التي رفعت إليه صبيًّا، ثم قالت: ألهذا حج؟ قَالَ: ((نعم، ولك أجر))(١) فظن بعض من لم يحقق الكلام أن غير هذِه الأشياء يحمل عليها. وحديث عائشة مع اليهودية فيه أن يتحدث عن أهل الكتاب إذا وافق قول الرسول وَلهر، وأن يوقف عن خبرهم حَتَّى يعرف أصدق هو أم كذب. وفيه: أن المؤمن يتذكر إذا سمع شيئًا، فرب كلمة ينتفع بها سامعها دون قائلها. وقوله: ((ويضرب بمطارق من حديد ضربة))) أي: من رجل حنق شديد الغضب، قَالَه الشيخ أبو الحسن. واحتجَّ لأهل السنَّةِ القائلين أنَّ الأرواحَ كلَّها باقيةٌ، أرواح السعداء منعمة، وأرواح الأشقياء معذبة بالآية السالفة: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]، وبقوله: ﴿وَاُلْمَلَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوَاْ أَنفُسَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٣] ولم يقل: إنهم يميتون أنفسهم، وقيل في قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]: إنه قول الروح. وقوله تعالى: ﴿أَخْرِجُوَاْ أَنفُسَكُمْ﴾ اختلف في النفس والروح، فقال القاضي أبو بكر وأصحابه: إنهما آسمان لشيء واحد. وقال ابن حبيب: (١) رواه مسلم من حديث ابن عباس برقم (١٣٣٦) كتاب: الحج، باب: صحة حج الصبي وأجر من حج به، وأبو داود (١٧٣٦) كتاب: المناسك، باب: في الصبي يحج، والترمذي (٩٢٤) كتاب: الحج، باب: ما جاء في حج الصبي، والنسائي ١٢٠/٥ كتاب: مناسك الحج، باب: الحج بالصغير، وابن ماجه (٢٩١٠) كتاب: المناسك، باب: حج الصبي. ١٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == الروح هو النفس الجاري يدخل ويخرج لا حياة للنفس إلا به، والنفس تألم وتلذ، والروح لا تألم ولا تلذ. وعن ابن القاسم، عن عبد الرحيم بن خالد: بلغني أن الروح له جسد ويدان ورجلان ورأس وعينان يسل من الجسد سلًا. وعنه أيضًا: أن النفس هي التي لها جسد مجسد. قَالَ ابن حبيب: وهي في الجسد تحلق في جوف حلق تخرج من الجسد عند الوفاة، ويبقى الجسد حيًّا، ونحوه حكى ابن شعبان، عن ابن القاسم وزاد قَالَ: الروح كالماء الجاري. قَالَ أبو بكر بن مجاهد: أجمع أهل السنة على أن عذاب القبر حق، وأن الناس يفتنون في قبورهم بعد أن يحيوا فيها، ويسألون ويثبت الله من أحب تثبيته منهم. وقال أبو عثمان بن الحداد: وإنما أنكر عذاب القبر بشر المريسي والأصم وضرار، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا اَلْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْنَةَ الْأُولَىّ﴾ [الدخان: ٥٦] وبمعارضة عائشة لابن عمر. قَالَ القاضي أبو بكر بن الطيب وغيره: قد ورد القرآن بتصديق الأخبار الواردة في عذاب القبر قَالَ تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] وقام الاتفاق على أنه لا غدو ولا عشي في الآخرة، وإنما هما في الدنيا، وقد سلف ذلك، فهم يعرضون بعد مماتهم على النار قبل يوم القيامة، ويوم القيامة يدخلون أشد العذاب. قَالَ تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدِْظُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اُلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] فإذا جاز أن يكون المكلف بعد موته معروضًا على النار غدوًّا وعشيًّا، جاز أن يسمع الكلام، ويُمنع الجواب؛ لأن اللذة والعذاب (تجيء بالإحساس)(١)، فإذا كان ذلك وجب اعتقاد رد (١) خَلْط بالأصل والمثبت من ((شرح ابن بطال)) ٣٥٩/٣. ١٥٥ = = كِتَابُ الجَنَائِزِ الحياة في تلك الأجسام، وسماعهم للكلام، والعقل لا يدفع هذا ولا يوجب حاجة إلى بلل ورطوبة، وإنما يقتضي حاجتها إلى المحل فقط، فإذا صحَّ رد الحياة إلى أجسامهم مع ما هم عليه من نقصٍ البنية وتقطيع الأوصال، صحَّ أن يوجد منهم سماع الكلام والعجز عن رد الجواب. وقد ذكر البخاري في غزوة بدر بعد قوله وَ ليه: ((ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) قَالَ قتادة: أحياهم الله حَتَّى أسمعهم توبيخًا ونقمة وحسرة وندمًا (١). وعلى تأويل قتادة فقهاء الأمة وجماعة أهل السنة، وعلى ذلك تأوله عبد الله بن عمر، وهو راوي الحديث. قَالَ القاضي: وليس في قول عائشة ما يعارض رواية ابن عمر؛ لأنه يمكن أن يكون قد قَالَ في قتلى بدر القولين جميعًا، ولم تحفظ عائشة إلا أحدهما؛ لأن القولين غير متنافيين أي: ما دُعوا إليه حَتَّى لا يبقى رد الحياة إلى أجسامهم وسماعهم النداء بعد موتهم إذا عادوا أحياء. وقال الطبري في معنى قوله: ((ما أنتم بأسمع منهم ولكنهم لا يجيبون)»: اختلف السلف من العلماء في تأويله، فقال جماعة: يكثر تعدادها بعموم الحديث. وقالت: إن الميت يسمع كلام الأحياء، ولذلك قَالَ ﴿ لأهل القليب ما قَالَ. وقال: ((ما أنتم بأسمع منهم)). واحتجوا بأحاديث في معنى قوله وَّر في الميت ((إنه ليسمع قرع نعالهم))(٢) ثم روى أنهم يسمعون كلام الأحياء ويتكلمون عن أبي هريرة. ثم روى عن ابن وهب، عن العطاف بن خالد، عن خالته (١) برقم (٣٩٧٦) كتاب: المغازي، باب: قتل أبي جهل. (٢) سبق برقم (١٨٣٨) كتاب: الجنائز، باب: الميت يسمع خفق النعال، من حديث أُنس. ١٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == -وكانت من الغوابر- أنها كانت تأتي قبور الشهداء، قالت: صليت يومًا عند قبر حمزة بن عبد المطلب، فلما قمت قلتُ: السلام عليكم، فسمعت أذناي رد السلام يخرج من تحت الأرض، أعرفه كما أعرف أن الله خلقني، وما في الوادي داع ولا مجيب، فاقشعرت كل شعرة مني. وعن عامر بن سعد أنه كان إذا خرج إلى قبور الشهداء يقول لأصحابه: ألا تسلمون على الشهداء فيردون عليكم؟(١) وقال آخرون: معناه، ما أنتم بأعلم أنه حق منهم، ورووا ذلك عن النبي ◌َّو، وذكروا قول عائشة حين أنكرت على ابن عمر وقالت: إنما قَالَ وَّر: ((إنهم ليعلمون الآن أن ما كنت أقول لهم حق)). قالوا: فخبر عائشة يبين ما قلنا من التأويل، إلا أنه أخبر أنهم يسمعون أصوات بني آدم وكلامهم. قالوا: ولو كانوا يسمعون كلام الناس وهم موتى لم يكن لقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَى﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وَمَآ أَنْتَ بِمُسْمِعِ مَّن فِ الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] معنى. وصوب الطبري تصحيح كل من الروايتين، والواجب الإيمان بها والإقرار بأن الله يسمع من يشاء من خلقه ما شاء من كلام خلقه، ويفهم من يشاء منهم ما يشاء، وينعم من أحب منهم ويعذب في قبره الكافر، ومن أستحق العذاب كيف أراد، على ما صحت به الروايات عن سيد البشر، وليس في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَآ أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن فِ اُلْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] حجة في دفع ما صحت به الآثار في قرع النعال وقصة القليب، إذ كان قوله: ﴿وَمَآ أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِ اُلْقُبُورِ﴾ ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْنَى﴾ (١) رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٢٨/٣-٢٩ (١١٧٨٧) كتاب: الجنائز، باب: التسليم على القبور إذا مر بها. ١٥٧ =ِ كِتَابُ الجَنَائِزِ محتملًا لأن يكون معناه، فإنك لا تسمع الموتى بقدرتك إذ خالق السمع غيرك، ونظيره ﴿وَمَآ أَنْتَ بِهَدِى الْعُمِ عَنْ ضَلَلَتِهِمْ﴾ [النمل: ٨١] وذلك بالتوفيق، والهداية بيد الله، فنفى الرب عن نبيه القدرة أن يسمع الموتى إلا بمشيئته، كما في الهداية، وإنما أنت نذير مبلغ ما أرسلت به. ويحتمل أن يكون المراد: إنَّك لا تُسمع الموتى إسماعًا ينتفعون به؛ لانقطاع أعمالهم وانتقلوا إلى دار الجزاء فلا ينفع الدعاء إذًا؛ لأن الله ختم عليهم أن لا يؤمنوا، وكذا قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَآ أَنْتَ بِمُسْمِعِ مَّن فِى الْقُورِ﴾ يريد: إنك لا تقدر على إسماع من جعله الله أصم عن الهدى، وفي صدر الآية ما يدل على هذا؛ لأنه تعالى قَالَ: ﴿َوَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ١٩ [فاطر: ١٩] يعني بالأعمى: الكافر، [فاطر: ٢٠] يعني وبالبصير: المؤمن ﴿وَلَ الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ بالظلمات: الكفر، وبالنور: نور الإيمان ﴿وَلَا اُلِظِّلُ﴾ [فاطر: ٢١] أي الحَرُورُ﴾ أي النار. ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَّحَْةُ﴾: العقلاء ﴿وَلَ الجنة ﴿وَلَا اُلْأَمَوَتُ﴾: الجهال ثم قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ﴾ يعني: إنك لا ج تسمع الجهال الذين كأنهم موتى في القبور، ولم يرد بالموتى الذين ضربهم مثلًا للجهال شهداء بدر المؤمنين فيحتج بهم، أولئك أحياء كما نطق به التنزيل، ولا يعارض ما يثبت في عذاب القبر الآية السالفة ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا اُلْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَىّ﴾ [الدخان: ٥٦] لأن الله تعالى قد أخبر في كتابه بحياة الشهداء قبل يوم القيامة فقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءُ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩] ولما كانت حياتهم قبل محشرهم ليست رادة لهُذِه الآية كانت حياة المقبورين في قبورهم من قبل محشر الناس ليست رادة لقوله: ﴿لا يذوقون﴾. ١٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ومن أنكر حياة الشهداء قبل المحشر وادعى أن قوله: ﴿أحياء﴾ أنه في يوم القيامة، أبطل ما اقتضاه قوله: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٠]؛ لأن الشهداء وغيرهم من جميع البشر يتوافون يوم القيامة، ويستحيل فيمن وافاه غيره أن يقال في الذي وافاه إنه سيلحقه، أو يقال فيه بأنه خلفه، والأخبار إذًا في عذاب القبر صحيحة متواترة لا يصح عليها التواطؤ، وإن لم تصح مثلها لم يصح شيء من أمر الدين. ١٥٩ كِتَابُ الجَنَائِزِ ٨٧- باب التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ القَبْ ١٣٧٥- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَخْيَى، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَوْنُ ابْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازٍِ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﴾ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ وَلُِّ وَقَدْ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، فَسَمِعَ صَوْتًا فَقَالَ: ((يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا)). وَقَالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شُغْبَةُ، حَدَّثَنَا عَوْنٌ، سَمِعْتُ أَبي، سَمِعْتُ البَرَاءَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّةِ. [مسلم: ٢٨٦٩ - فتح: ٢٤١/٣] ١٣٧٦- حَدَّثَنَا مُعَلِّى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: حَدَّثَتْنِي ابنةُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ وََِّّ وَهُوَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. [٦٣٦٤ - فتح: ٣ / ٢٤١] ١٣٧٧- حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَهِ يَدْعُو: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ)). [مسلم: ٥٨٨ (١٣١) - فتح: ٢٤١/٣] ذكر فيه حديث يَحْيَى -هو ابن سعيد - ثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ وَلَّهِ وَقَدْ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، فَسَمِعَ صَوْتًا فَقَالَ: ((يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا)). وَقَالَ النَّضْرُ: أَنَا شُعْبَةُ، ثَنَا عَوْنٌ، سَمِعْتُ أَبِي، سَمِعْتُ الْبَرَاءَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنِ النَّبِيِّ وَلِّل. وحديث مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: حَدَّثَتْنِي ابنةُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيِّ بَّهِ وَهُوَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ القَّبْرِ. وحديث أبي هريرة: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّه يَدْعُو: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدََّّالِ». ١٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح الشرح : تقدمت هذه الأحاديث في مواضعها، وتعليق النضر أتى به مسلم ليحيى بن سعيد(١)؛ لأن فيها كل واحد صرح بالسماع ممن فوقه وقد وصله الإسماعيلي، حدثنا مكي، ثنا زاج، ثنا النضر، ثنا شعبة وهو حديث فيه ثلاثة صحابيون يروي بعضهم عن بعض أولهم أبو جحيفة، وهذه الأحاديث شاهدة للأحاديث التي في الباب السابق، أن عذاب القبر حق على ما ذهب إليه أهل السنة، ألا ترى أن الشارع استعاذ منه، وهو معصوم مطهر مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! فينبغي لك يا من أنتفت عصمته وطهارته أن تكثر منه تأسيًا بسيد السادات، وإنما استعاذ مع غفرانه تعليمًا لك وتنبيهًا على الاقتداء به، واتباع هديه ثم كل الخلق في مقام الافتقار والخشوع والانكسار، والإقرار بشكر النعم واجب، وخشية كل أحد على قدر مقامه «أفلا أكونُ عبدًا شَكُورا))(٢) وقد قَالَ تعالى له: ﴿يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ أَتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] أي: دُمْ على تقواه، فكان إذا قام في الصلاة يسمع لصدره أزيز. وفتنة المحيا: من خروجه، وفتنة الممات: فتنة القبر، وفتنة المسيح الدجال أي: الذي يخرج في آخر الزمان أعاذنا الله منه. (١) (صحيح مسلم)) (٢٨٦٩) كتاب: الجنة ونعيمها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه. (٢) سلف برقم (١١٣٠) كتاب: التهجد، باب: قيام النبي ◌َّ الليل حتى ترم قدماه.