Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
كِتَابُ الجَنَائِزِ
=
ومسلم والأربعة(١)، والكلام عليه من أوجه:
أحدها :
هذا ليس من مراثي الموتى، وإنما هو إشفاق منه من موته بمكة بعد
هجرته منها وكراهة ما حدث عليه، من ذلك يقول القائل للحي: أنا أرئي
لك مما يجري عليك. كأنه يتحزن له، قاله الإسماعيلي، وهو كما قَالَ.
وأما حديث ابن أبي أوفى: كان ◌َّ ينهي عن المراثي. فأخرجه
الحاكم وقال: صحيح غريب(٢).
وقال ابن أبي صفرة: قوله: (يرثي له رسول الله وَل﴿ أن مات بمكة).
من قول سعد في بعض الطرق، وأكثرها أنه من قول الزهري وليس من
قول رسول الله له.
قَالَ القاضي: ويحتمل أن يكون قوله: (أن مات بمكة). و(يرثي له).
من كلام غيره تفسيرًا لمعنى (البائس) إذا روي في رواية: ((لكن سعد ابن
خولة البائس قد ماتَ في الأرض التي قد هاجَرَ منها))(٣).
واختلف في قصة سعد ابن خولة فقيل: لم يهاجر من مكة حَتَّى مات
فيها. وقيل: بل هاجر . -أي: الثانية-، وشهد بدرًا -أي: وغيرها - ثم
أنصرف إلى مكة ومات بها. قاله البخاري، فعلى هذا سبب ترثيه
= الدعوات، باب: الدعاء برفع الوباء والوجع، وبرقم (٦٧٣٣) كتاب: الفرائض،
باب: ميراث البنات.
(١) (صحيح مسلم)) (١٦٢٨) كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث، وأبو داود
(٢٨٦٤) والترمذي (٢١١٦) والنسائي ٦/ ٢٤١، وابن ماجه (٢٧٠٨).
(٢) ((المستدرك)) ٣٨٣/١ كتاب: الجنائز.
ورواه أيضًا ابن ماجه (١٥٩٢).
وضعفه الألباني في ((الضعيفة» (٤٧٢٤).
(٣) ((إكمال المعلم)) ٣٦٧/٥.

٥٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ست
سقوط هجرته لرجوعه مختارًا وموته بها، وعلى الأول سببها موته بمكة
على أي حال وإن لم يكن باختياره؛ لما فاته من الثواب والأجر الكامل
بالموت في دار هجرته.
الثاني :
سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المشهود لهم بالجنة. واسم والده:
مالك، مات سنة خمس وخمسين. وسعد ابن خولة -وقال أبو معشر:
ابن خولي - هو زوج سبيعة الأسلمية(١).
وخولة: قَالَ ابن التين: عند أهل اللغة والعربية ساكن الواو،
وكذلك رواه بعضهم. وقال الشيخ أبو الحسن: ما سمعت قط أحدًا
قرأه إلا بفتحها، والمحدثون على ذلك. وقال الشيخ أبو عمران عكس
ذلك، واختلف فيه: هل هو من بني عامر بن لؤي صلبة أو مولاهم؟
مات بمكة عند زوجته في حجة الوداع(٢). قاله يزيد بن أبي حبيب.
وقال الطبري: وهو من أفراده. كما قَالَ ابن عبد البر: مات في
الهدنة التي كانت بين رسول الله وَلقر عام الحديبية فخرج سعد مختارًا:
لا لحج ولا لجهاد؛ لأنه لم يفرض حجًّا(٣).
وأما سعد بن أبي وقاص فإنه خرج حاجًّا، ولو مات فيها لم يكن في
معنى سعد ابن خولة الذي رثى له الشارع؛ لأن من خرج لفرض وجب
علیه وأدرکه أجله فلا حرج عليه، ولا يقال له: بائس، ولا یسمی: تاركًا
الدار هجرته، وسيأتي أنه رَّل﴿ قَالَ: ((إنَّ مَنْ ماتَ بمكةً فلا يُدفن بها)».
(١) انظر: ((الطبقات الكبرى)) ٣٠٨/٣.
(٢) انظر: ((معجم الصحابة)) ٣/ ٥٠، و((الاستيعاب)) ١٥٣/٢-١٥٤ (٩٣٣)، و(«أسد
الغابة)) ٣٤٣/٢ (١٩٨٣).
(٣) ((الاستيعاب)) ١٥٤/٢ (٩٣٣).

٥٤٣
كِتَابُ الجَنَائِزِ
=
الثالث :
هُذِهِ الأبنة اسمها: عائشة، كما سيأتي في البخاري(١)، ثم عوفي
سعد بعد ذلك وجاءه عدة أولاد ثمانية.
الرابع: في ألفاظه :
العيادة: الزيارة (٢)، ولا يقال ذلك إلا لزيارة المريض، وعام حجة
الوداع هي السنة العاشرة من الهجرة، وسميت: حجة الوداع؛ لأنه
ودعهم فيها، وتسمى أيضًا: البلاغ؛ لأنه قَالَ: ((هل بلغت))(٣)،
وحجة الإسلام؛ لأنها الحجة التي تتام فيها حج أهل الإسلام ليس
فيها مشرك، هذا قول الزهري.
قَالَ سفيان بن عيينة: كان ذلك يوم فتح مكة، حينئذ عاد التَّا
سعدا(٤). وهو من أفراده، قَالَ البيهقي: خالف سفيان الجماعة فقال:
عام الفتح، والصحيح: في حجة الوداع (٥). والوجع: اسم لكل مرض.
قَالَ أبو موسى: رويناه بضم الواو على ما لم يسم فاعله، والذي في
اللغة وجع على وزن علم (٦)، وكذلك هو في رواية أخرى(٧)، ومعنى
(١) سيأتي برقم (٥٦٥٩) كتاب: المرضى، باب: وضع اليد على المريض، والحديث
في ((صحيح مسلم)) برقم (١٦٢٨) كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث ولم
يصرح فيها بالابنة وإنما ذكر بقوله: عن ثلاثة من ولد سعد.
(٢) انظر: ((الصحاح)) ٥١٤/٢، و((لسان العرب)) ٣١٥٩/٥.
(٣) أنظر ما سيأتي برقم (١٧٤١).
(٤) رواه البيهقي ٢٦٨/٦ - ٢٦٩ كتاب: الوصايا، باب: الوصية بالثلث.
(٥) ((السنن الكبرى)) ٢٦٩/٦.
(٦) انظر: ((الصحاح)) ١٢٩٤/٣، و((لسان العرب)) ٨/ ٤٧٧٢.
(٧) ستأتي برقم (٣٩٣٦) كتاب: مناقب الأنصار، باب: قول النبي ◌َّ: ((اللهم أمض
لأصحابي هجرتهم)».

٥٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -=
اشتد بي: قَوِي، وفي رواية: أشفيت منه على الموت(١). أي: قاربت،
ولا يقال: أشفى إلا في الشر بخلاف أشرف وقارب.
وقوله: (ولا يرثني إلا ابنة). أي: من الولد وخواص الورثة،
وإلا فقد كان له عصبة. وقيل: معناه: لا يرثني من أصحاب الفروض
سواها. وقيل غير ذلك.
وقوله: (فأتصدق -وفي نسخة: أفأ تصدق- بثلثي مالي؟) يحتمل أن
يريد به منجزًا ومعلقًا بما بعد الموت. وفي رواية للبخاري تأتي: فأوصي.
بدل: فأتصدق(٢).
وقوله: (بالشطر). أي: النصف. بدليل رواية البخاري الآتية:
فأوصي بالنصف(٣).
وقوله: ( ((الثلث والثلث كثير)) ) يجوز في الثلث الأول نصبه ورفعه.
وقوله: ((كثير)) أو ((كبير)) أي: بالثاء المثلثة أو بالباء الموحدة.
وقوله: ( ((والثلث كثير)) )، قَالَ الشافعي: يحتمل أن يكون معناه:
كثير أي: (غير) (٤) قليل(٥)، وهذا أولى معانيه كما قَالَ.
وقوله: ( ((أن تذر)) ) بفتح الهمزة وكسرها(٦).
(١) أنظر التخريج السالف.
(٢) سيأتي برقم (٥٦٥٩) كتاب: المرضى، باب: وضع اليد على المريض.
(٣) انظر: التخريج السابق.
في الأصل: عن.
(٤)
(٥)
((الأم)) ٤ / ٣٠.
(٦) ورد بهامش الأصل: قال ابن الجوزي: سمعناه من رواة الحديث بالكسر، وقال
لنا عبد الله بن أحمد النحوي: إنما هو بالفتح ولا يجوز الكسر؛ لأنه لا جواب له.
وكذا قال القرطبي: روايتنا الفتح، ووهم من كسرها من (أن) جعلها شرطًا إذ لا
جواب له، ويبقى خبر لا رافع له. ((المفهم)) ٤/ ٥٤٥.

٥٤٥
= ڪِتّابُ الجَنَائِزِ
والعالة: الفقراء، جمع عائل. وقيل: العيل والعالة: الفاقة، وقيل:
العائل: الكثير العيال(١). وحكاه الكسائي، وليس بالمعروف في اللغة
کما قاله ابن التين.
ومعنى ((يتكففون الناس)): يسألون الصدقة بأكفهم.
وقوله: ( ((لعلك أن تخلَّف)) ) إلى آخره المراد بتخلفه طول عمره،
وكان كذلك، عاش زيادة على أربعين سنة(٢) فانتفع به وضرر به آخرون،
قتل الكفار وسبى وغنم، وقيل: إن عبيد الله بن زياد أمَّر ابنه عمر على
الجيش الذين لقوا الحسين فقتلوه، حكاه ابن التين.
وقال ابن بطال: لما أُمر سعد على العراق أتي بقوم أرتدوا
فاستتابهم، فتاب بعضهم وأصر بعضهم، فقتلهم، فانتفع به من تاب
وتضرر به الآخرون(٣).
وحكى الطحاوي هذا عن بكير بن الأشج، عن أبيه عامر أنه سأله
عن معنى قول النبي ◌َلهم ذلك، وأن المرتدين كانوا يسجعون سجع
مسيلمة، ومثل هذا لا يقال إلا عن توقيف (٤).
قَالَ بعض العلماء من أهل المعرفة: (لعل) معناها الترجي، إلا إذا
وردت عن الله ورسله وأوليائه، فإن معناها: التحقيق، ومعنى إمضاء
هجرتهم: إتمامها لهم من غير إبطال، فيرجعون إلى المدينة.
(١) انظر: ((الفائق)) ٤٠/٣، و((النهاية في غريب الحديث)) ٣٢١/٣، و((لسان العرب))
٣١٧٦/٥.
(٢) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: توفي سعد بن أبي وقاص سنة ٥٥. قاله في
(الكاشف)».
(٣) (شرح ابن بطال)) ١٤٥/٨.
(٤) ((مشكل الآثار)) ١٣/ ٢٢٢.

٥٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =-=
ومعنى ((ولا تردهم على أعقابهم)) أي: بترك هجرتهم ورجوعهم عن
مستقيم حالهم المرضية، فيخيب قصدهم ويسوء حالهم، ويقال لكل من
رجع إلى حال دون ما كان عليه: رجع على عقبه وحار، ومنه الحديث:
((أعوذ بك من الحور بعد الكور)) (١) أي: من النقصان بعد الزيادة.
والبائس: الذي عليه أثر البؤس، وهو الفقر والقلة. قَالَ الأصيلي:
البائس: الذي ناله البؤس، وقد يكون بمعنى: مفعول كقوله: ﴿عِيشَةٍ
رَاضِيَةٍ﴾ أي: مرضية.
ومعنى: يرثي: يتوجع ويسوؤه ما فعل بنفسه، وذلك أنها دار
هجروها لله، فأحب أن يكون محياهم ومماتهم بغيرها؛ لئلا يكون
ذلك عودًا فيما تركوه لله، وقد جرت السنة أن يحفظ على الميت
شعار القرب كما قلنا في الشهيد والمحرم، ولو كان نقل الميت من
موضع إلى موضع جائزًا لنقله إلى موضع هجرته، وقد روى الطبراني
في (معجمه الكبير)) أنه ◌َ لّ أمر إن مات سعد في مرضه هذا أن يخرج
من مكة وأن يدفن في طريق المدينة(٢).
وفي ((مسند أحمد)) أنه رَّهِ قَالَ: ((يا عمرو (القاري)(٣): إنْ مات
سعد بعدي فهاهنا فادفنه نحو طريق المدينة)). وأشار بيده هكذا (٤)،
وقد أسلفنا أنه إنما رثى له؛ لأنه مات ولم يهاجر، وهو غلط، بل
(١) رواه مسلم من حديث عبد الله بن سرجس رقم (١٣٤٣) كتاب: الحج، باب: ما
يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره.
(٢) أورده الهيثمي في ((المجمع)) ٢١٢/٤-٢١٣، وقال: رواه أحمد والطبراني، وفيه:
عياض بن عمرو القاري، لم يجرحه أحد ولم يوثقه. ولم أقف عليه في المطبوع من
((المعجم الكبير)) فلعله من المفقود.
(٣) في الأصل: الداري، والمثبت من ((مسند أحمد)).
(٤) ((مسند أحمد)» ٦٠/٤.

٥٤٧
كِتَابُ الجَنَائِزِ
أسلم وهاجر، وهو بدري كما عده البخاري فيهم(١)، وشهد أيضًا أُحدًا
والخندق والحديبية، وإنما رثى له؛ لأنه هاجر ولم يصبر على هجرته
حَتَّى يموت في البلد الذي هاجر إليه، ولكنه مات في البلد الذي
هاجر منه لغير ضرورة، ولهذا قَالَ عمر: اللهم ارزقني شهادة في
سبيلك ووفاة ببلد رسولك (٢)؛ لأنه حرم على المهاجر الرجوع إلى
وطنه الذي هجره لله؛ ولذلك قَالَ وَلّ: ((يمكث المهاجر بعد قضاء
نسكه ثلاثا)»(٣)، وكان عثمان وغيره لا يطوف طواف الوداع(٤)
إلا ورواحلهم قد رحلت. وقيل: إنما مات بمكة في حجة الوداع
ورثى له؛ لأن من هاجر من بلده يكون له نور الهجرة من الأرض
التي هاجر منها إلى الأرض التي هاجر إليها إلى يوم القيامة، فحرم
ذلك النور لما مات بمكة.
الخامس: في فوائده:
وقد وصلتها في ((شرح العمدة)»(٥) زيادة على عشرين ونذكرها هنا
ملخصة.
فيه: استحباب عيادة المريض، وعيادة الإمام أصحابه وأنها مستحبة
في السفر كالحضر وأولى، وجواز ذكر المريض ما يجده من شدة
(١) أنظر ما ذكره البخاري بعد حديث (٤٠٢٧) باب: تسمية من سمي من أهل بدر. من
كتاب: المغازي.
(٢) سيأتي برقم (١٨٩٠) باب: كراهية النبي أن تعرى المدينة.
(٣) سيأتي برقم (٣٩٣٣) كتاب: مناقب الأنصار، باب: إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء
نسكه.
(٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: وفي بعض طرق هذا الصحيح وفي حجة الوداع
فاعلمه.
(٥) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٢١/٨ - ٤٦.

٥٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
المرض لا في معرض السخط والشكوى، بل لمداواة وعلاج أو دعاء
صالح أو وصية، أو استفتاء عن حاله، ولا يكون ذلك قادحًا في
خيره وأجر مرضه، وإباحة جمع المال. وفي رواية لمسلم: إن لي
مالاً كثيرًا(١).
واستحباب الصدقة لذوي الأموال، ومراعاة الوارث في الوصية
وتخصيص جواز الوصية بالثلث، خلافًا لأهل الظاهر، وشذ من قَالَ:
إن الثلث إنما هو لمن ليس له وارث يستوفي تركته. ومن قَالَ: إنه إذا
لم يكن له ورثة يضع جميع ماله حيث شاء، وإليه ذهب إسحاق،
وحكي عن ابن مسعود (٢). وذهب بعضهم إلى أنه ينقص عن الثلث،
وهو الأحسن في الرافعي و((الروضة))(٣).
قَالَ ابن عباس: الثلث حيف، والربع حيف. وقال الحسن: السدس
أو الخمس أو الربع(٤). وقال إسحاق: الربع، إلا أن يكون في ماله شبهة
فله استغراق الثلث. وقال الشافعي: إذا ترك ورثته أغنياء لم يكن له أن
يستوعب الثلث، وإذا لم يدعهم أغنياء اخترتُ له أن لا يستوعبه(٥).
وأوصى أنس بمثل نصيب أحد ولده، وأوصى عمر بالربع(٦)، والصديق
بالخمس، وقال: رضيت لنفسي بما رضي الله لنفسه. يعني: خمس الغنيمة(٧).
(١) ((صحيح مسلم)) (١٦٢٨) كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٢٢٧/٦ (٣٠٨٩٤) كتاب: الوصايا، باب: من
رخص أن یوصي بماله کله.
(٣) ((العزيز)) ٤١/٧، ((روضة الطالبين)) ١٢٢/٦.
(٤) انظر ((الاستذكار)) ٣٤/٢٣.
(٥) ((الأم)) ٣٠/٤.
(٦) رواه عبد الرزاق ٦٦/٩-٦٧ (١٦٣٦٣) كتاب: الوصايا، باب: كم يوصي الرجل
من ماله، وابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) ٣٥٧/٣.
(٧) رواه عبد الرزاق ٦٦/٩-٦٧ (١٦٣٦٣).

٥٤٩
كِتَابُ الجَنَائِزِ
وفيه: أن الثلث في الوصايا في حد الكثرة.
وقد أختلفت المالكية في مسائل، ففي بعضها جعلوه داخلاً في حد
الكثرة بالوصية لقوله الظّهر: (لوالثلث كثير)) وفيه بحث، وقد أجمع العلماء
في الأعصار المتأخرة على أن من له وارث لا تنفذ وصيته بما زاد على
الثلث إلا بإجازته(١)، وشذ بعض السلف في ذلك، وهو قول أهل
الظاهر، فمنعوها وإن أجازها الورثة (٢)، وأما من لا وارث له فمذهبنا
ومذهب الجمهور أنه لا تصح وصيته فيما زاد على الثلث(٣)، وجوزه
أبو حنيفة وأصحابه وإسحاق، وأحمد في رواية (٤).
وفيه: أن طلب الغنى للورثة راجح على تركهم عالة، ومن هذا
الوجه أخذ ترجيح الغني على الفقير. وحديث: («ثلاث كيات
للذي خلف ثلاثة دنانير)»(٥) لابد من تأويله، وأوله أبو حاتم بن حبان
بأنه كان يسأل الناس إلحافًا وتكثرًا، ومن هنا اُستحب النقص من
الثلث (٦).
وفيه: الحث على صلة الأرحام والإحسان إلى الأقارب، وأن صلة
(١) انظر: (الإجماع لابن المنذر)) ص ١٠٠.
(٢)
«المحلى) ٣١٧/٩.
انظر: ((المعونة)) ٥٠٨/٢، ((البيان)) ١٥٦/٨، ((الشرح الكبير)) ٢١٧/١٧.
(٤) انظر: ((أحكام القرآن للجصاص)) ١١٢/٢، ((الشرح الكبير)) ٢١٦/١٧-٢١٧.
(٣)
(٥) سيأتي برقم (٢٢٨٩) كتاب: الحوالات، باب: إن أحال دين الميت على رجل
جاز، مختصرًا دون لفظ: (ثلاث كيات))، وروى هذا الحديث بتمامه النسائي ٤/
٦٥ كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على من عليه دين، وأحمد ٤٧/٤، وابن حبان
في ((صحيحه)) ٥٤/٨-٥٥ (٣٢٦٤) كتاب: الزكاة، باب: الوعيد لمانع الزكاة،
والطبراني ٣١/٧-٣٢ (٦٢٩٠)، والبيهقي ٦/ ٧٢ كتاب: الضمان، باب: وجوب
الحق بالضمان، كلهم من حديث سلمة بن الأكوع.
(٦) ((صحيح ابن حبان)) ٨/ ٥٥.

٥٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح مست
القريب الأقرب والإحسان إليه أفضل من الأبعد، وأن الإخلاص شرط
في الثواب والإنفاق في وجوه الخير، وأن المباح بالنية يصير قربة، فإن
وضع اللقمة في فم الزوجة إنما يكون عادة عند ملاعبتها وتسلية من كره
حالة يخالف ظاهرها الشرع ولا سبب له فيها، وأن الإنسان قد يكون له
مقاصد دينية فيقع في مكاره تمنعه منها فيخلص منها بالرجاء وسؤال الرب
جل جلاله إتمام العمل على وجه لا يدخله نقص، وفضيلة طول العمر
للازدياد من العمل الصالح، وجواز تخصيص عموم الوصية المذكورة في
القرآن بالسنة، وهو قول الجمهور.
وفيه: معجزات ظاهرة لرسول الله وَيقر في قوله لسعد من طول عمره
وفتح البلاد وانتفاع أقوام وضر آخرين ومنقبة ظاهرة لسعد، وفضائل
عديدة منها: مبادرته إلى الخيرات، وكمال شفقته بَّليه، وتعظيم أمر
الهجرة.
وفيه: أنه 19 لم يأمر سعدًا بالوصية للأقريين بعد أن أخبره أنه لا يرثه
إلا ابنة، ولو كانت آية الوصية للأقربين غير منسوخة لأمره به، فدل على
أنها لا تجب، والذي عليه عامة العلماء أنها منسوخة. وقال الشعبي
والنخعي: إنما كانت على وجه الندب؛ لأن الشارع مات ولم یوص،
ودخل عليُّ على مريض فأراد أن يوصي، فنهاه، وقال: الله تعالى
يقول: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] وأنت لم تدع مالاً فدع مالك
لأهلك وغير ذلك(١).
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٦/ ٢٣٠ (٣٠٩٣٦)، كتاب الوصايا، باب: في
الرجل یکون له المال الجدید القليل، أیوصي فیه؟، والحاکم ٢٧٣/٢ -٢٧٤
كتاب: التفسير.

٥٥١
كِتَابُ الجَنَائِزِ
=
وهذه خواتم نختمه بها:
الأولى: هذا الحديث في مسلم: إني خفت أن أموت بالأرض التي هاجرت
منها. فقال: ((اللهم اشف سعدًا)). ذكره ثلاثًا، وفيه: ((إن صدقتك من مالك
صدقة، وإن نفقتك على عيالك صدقة، وإن ما تأكل أمرأتك من مالك
صدقة))(١) وللحاكم وقال: على شرط الشيخين، فوضع يده على جبهتي ثم
مسح صدري وبطني، ثم قَالَ: ((اللهم اشف سعدًا وأتمم له هجرته))(٢).
الثانية: هذا الحديث رواه البخاري هنا من طريق مالك عن
الزهري، وأخرجه الأربعة من طريق ابن عيينة عن الزهري(٣). قَالَ
الطحاوي: روى عن ابن عيينة هذا الحديث بما يقضي له على مالك (٤).
ثالثها: قَالَ ابن عبد البر: وهو حديث أتفق أهل العلم على صحة سنده،
وجعله جمهور الفقهاء أصلاً في مقدار الوصية، وأنه لا يتجاوز بها الثلث، إلا
أن في بعض ألفاظه اختلافًا عند نقلته، فمن ذلك ابن عيينة قَالَ فيه عن
الزهري: عام الفتح. أنفرد بذلك عن ابن شهاب فيما علمت، وقد رويناه
من طريق معمر وجماعات عددهم، عن ابن شهاب: عام حجة الوداع.
قَالَ ابن المديني: الذين قالوا: حجة الوداع. أصوب (٥).
(١) (صحيح مسلم)) (١٦٢٨) كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث.
(٢) ((المستدرك)) ٣٤٢/١ كتاب: الجنائز، باب: ثواب عيادة المريض.
(٣) ((سنن أبي داود)) (٢٨٦٤) كتاب: الوصايا، باب: ما جاء فيما يجوز للموصي في
ماله و((سنن الترمذي)) (٢١١٦) كتاب: الوصايا، باب: ما جاء في الوصية بالثلث،
و((سنن النسائي)) ٢٤١/٦-٢٤٢ كتاب: الوصايا، باب: الوصية بالثلث، و ((سنن
ابن ماجه)) (٢٧٠٨) كتاب: الوصايا، باب: الوصية بالثلث.
(٤) ((تحفة الأخيار بترتيب مشكل الآثار)) ٦/ ١٦١ كتاب: المواريث والوصية والهبة،
باب: بيان مشكل ما روي عن رسول الله ◌َّله من قوله لسعد لما عاده في مرضه.
(٥) ((التمهيد)» ٣٧٥/٨ - ٣٧٦.

٥٥٢
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
رابعها: قَالَ القرطبي: وقوله: ( ((ورثتك))) دلالة على أنه كان له
ورثة غير الأبنة المذكورة(١). قلتُ: لیس صريحًا فيه.
خامسها: جاء في ((الصحيح)): أخلف بعد أصحابي(٢). أي: أخلف
بمكة بعد أصحابي المهاجرين المنصرفين معك. قاله أبو عمر. قَالَ:
ويحتمل أن يكون لما سمع الشارع يقول: ((إنك لن تنفق نفقة))
وتنفق: فعل مستقبل، أيقن أنه لا يموت من مرضه ذاك أو ظنه
فاستفهمه، هل يبقى بعد أصحابه؟ فأجابه بضرب من قوله: ((لن تنفق
نفقة تبتغي بها وجه الله)).
وقوله: ( ((إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلاً .. ))) إلى آخره(٣). وقال
القرطبي: هذا الاستفهام إنما صدر من سعد مخافة المقام بمكة إلى
الوفاة فيكون قادحًا في هجرته، كما جاء في بعض الروايات: خشيت
أن أموت بالأرض التي هاجرت منها. فأجابه وص له بأن ذلك لا يكون
وإن طال عمره(٤). وقال القاضي عياض: حكم الهجرة باق بعد الفتح
لهذا الحديث(٥).
وقيل: إنما كان ذلك لمن كان هاجر قبل الفتح، فأما من هاجر بعده
فلا، وأبعد من قَالَ: إن وجوب الهجرة واستدامتها قد ارتفع يوم الفتح،
وإنما لزم المهاجرون المقام بالمدينة بعد الهجرة؛ لنصرته وص له والأخذ
(١) ((المفهم)) ٥٤٥/٤.
(٢) سيأتي برقم (٣٩٣٦) كتاب: مناقب الأنصار، باب: قول النبي ◌َّر: ((اللهم أمض
لأصحابي هجرتهم)).
(٣) ((التمهيد)) ٣٨٧/٨.
«المفهم)) ٥٤٧/٤.
(٤)
((إكمال المعلم)) ٣٦٥/٥.
(٥)

٥٥٣
كِتَابُ الجَنّائِزِ
=
عنه، فلما مات ارتحل أكثرهم عنها، وتأولوا بما تقدم؛ لأن ذلك إنما
كان مخافة نقص أجورهم، وقد يجاب بأن خروجهم لأجل الجهاد
وإظهار الدين.
وقيل: لا يحبط أجر هجرة المهاجر بقاؤه بمكة - شرفها الله- إذا كان
لضرورة دون الاختيار، وقال قوم: المهاجر بمكة يحبط هجرته كيفما
كان.
وقيل: لم تفرض الهجرة إلا على أهل مكة خاصة. وقال القرطبي:
من نقض الهجرة خاف المهاجرون حيث تحرجوا من مقامهم بمكة
- شرفها الله - في حجة الوداع، وهذا هو الذي نقمه الحجاج على أبي ذر
لما ترك المدينة ونزل الربذة وقال: تغربت يا أبا ذر، فأجابه بأن قَالَ: إن
النبي 18 أذن لي في البدو(١). انتهى.
وقوله: (أبو ذر). صوابه سلمة بن الأكوع، فإن أبا ذر مات قبل أن
يولد الحجاج بدهر، وعلى تقدير صحته فنزول الربذة لا يقدح؛ لأنه لم
یهاجر منها.
(١) ((المفهم)) ٥٤٨/٤.

٥٥٤
٣٧- باب مَا يُنْهَى مِنَ الحَلْقِ عِنْدَ المُصِيبَةِ
١٢٩٦- وَقَالَ الَحَكَمُ بنُ مُوسَى: ثنا يَخْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابٍِ،
أَنَّ القَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ حَدَّثَهُ: حَدَّثَنِي أَبُو بُزْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى قَالَ: وَجِعَ أَبُو مُوسَى
وَجَعًا فَغُشِيَ عَلَيْهِ، وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِ آمْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَسْتَطِغْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا،
فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَهَ بَرِئَ مِنَ
الصَّالِقَةِ وَالْخَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ. [مسلم: ١٠٤- فتح: ١٦٥/٣]
هذا التعليق أسنده مسلم إلى الحكم بن موسى . ورواه عنه أبو
يعلى في ((مسنده)) والحسن بن سفيان، واعتذر ابن التين عن
البخاري كونه لم يسنده بأنه لا يخرج للقاسم بن مخيمرة، وزعم
بعضهم أنه لا يخرج للحكم أيضًا إلا هذا غير محتج بهما، وإن كان
الدارقطني ذكرهما فيمن خرج له البخاري، فإن غيره قيد، وكأنه
الصواب، وامرأة أبي موسى: هي أم عبد الله (م. د. س) بنت أبي
دومة، كذا ذكر في كتاب النسائي .
وخرجه مسلم أيضًا عن الحلواني، عن عبد الصمد، عن شعبة، عن
عبد الملك بن عمير، عن ربعي، عن أبي موسى مرفوعًا .
قَالَ القاضي عياض: يرويه عن شعبة موقوفًا ولم يرفعه عن عبد
الصمد .
((صحيح مسلم)) (١٠٤) كتاب: الإيمان، باب: تحريم ضرب الخدود وشق
الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية.
رواه من طريق أبي يعلى ابن حبان في ((صحيحه)) ٧/ ٤٢٣.
(سنن النسائي)) ٢١/٤ كتاب: الجنائز، باب: شق الجيوب.
(صحيح مسلم)) (١٠٤) كتاب: الإيمان، باب: تحريم ضرب الخدود وشق
الجيوب.
((إكمال المعلم)) ٣٧٦/١.

٥٥٥
كِتَابُ الجَنَائِزِ
-
قلتُ: ذكر الدارقطني أن البخاري رفعه أيضًا عن عبد الملك، قَالَ
ذلك أبو ظفر عن البخاري. قَالَ: والموقوف عن عبد الملك أثبت.
والحجر: بفتح الحاء وكسرها، ذكره ابن سيده في ((مثلثه))(١).
و الصَّالِقَة - بالصاد والسين- التي ترفع صوتها عند المصيبة
بالولولة(٢).
والْحَالِقَة: التي تحلق رأسها عند المصيبة(٣).
والشَّاقَّة: التي تشق ثوبها وجيبها عندها. وأصل البراء: الانفصال،
وهو يحتمل أن يراد به ظاهره، وهو البراءة من فاعل هذه الأمور. وقال
المهلب: (برئ منه). أي: لم یرض بفعله، فهو منه بريء في وقت ذلك
الفعل لا أنه بريء من الإسلام.
أما حكم الباب: فالحلق عند المصيبة حرام، كالندب والنياحة،
ولطم الخدود، وشق الجيب، وخمش الوجه، ونشر الشعر، والدعاء
بالويل والثبور، ومن وقع في لفظ الكراهة فالمراد بها التحريم.
وقوله: (أنا بريء ممن بَرئ منه رسول الله وَّة). يعني: بريء من
فعلها كما قَالَ حين بلغه قتل خالد قومًا قالوا: صبأنا، صبأنا،
(أبرأ إليك مما صَنَعَ خالد))(٤)، والمؤمن لا تجب البراءة منه بالذنوب
إلا أن يرتد، والعياذ بالله.
(١) كذا في الأصل، ولعله ابن السيد البطليوسي صاحب ((المثلث)) انظر ((المثلث)) ١/
٤٣٨.
(٢) انظر: ((لسان العرب)) ٢٤٨٤/٤.
(٣) انظر: ((لسان العرب)) ٩٦٦/٢.
(٤) سيأتي برقم (٤٣٣٩) كتاب: المغازي، باب: بعث النبي ◌ّر خالد بن الوليد إلى
بني جذيمة.

٥٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣٨- باب لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ
١٢٩٧- حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَغَمَشِ،
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((لَيْسَ مِنَّا
مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوى الجَاهِلِيَّةِ)). [انظر: ١٢٩٤-
مسلم: ١٠٣ - فتح: ١٦٦/٣]
فيه حديث: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ).
وقد سلف(١)، وكذا الباب بعده.
(١) برقم (١٢٩٤) كتاب: الجنائز، باب: ليس منا من شق الجيوب.

٥٥٧
كِتَابُ الجَنَائِزِ
=
٣٩ - باب مَا يُنْھی
مِنَ الوَيْلِ وَدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ عِنْدَ المُصِيبَةِ
١٢٩٨ - حَذَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﴾ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ بَهَ: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ
الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوى الجَاهِلِيَّةِ)). [انظر: ١٢٩٤ - مسلم: ١٠٣ -
فتح: ١٦٦/٣]
ذكر فيه الحديث المذكور، وقد عرفته. وفي بعض نسخ البخاري:
قَالَ أبو عبد الله: ليس من سنتنا. وقد تقدم التأويل بذلك.

٥٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٤٠- باب مَنْ جَلَسَ عِنْدَ المُصِيبَةِ يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ
١٢٩٩- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَخْيَى قَالَ:
أَخْبَرَتْتِي عَمْرَةُ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: لَمَا جَاءَ النَّبِيَّ وَِّ قَتْلُ
ابن حَارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وَابْنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ يُغْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ، وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ البَابِ -
شَقِّ البَابِ - فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ. وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ،
فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، لَمْ يُطِعْنَهُ فَقَالَ: أَنْهَهُنَّ. فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ قَالَ: والله غَلَبْنَنَا يَا رَسُولَ
اللهِ، فَزَعَمَتْ أَنَّهُ قَالَ: ((فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ)). فَقُلْتُ: أَزْغَمَ اللهُ أَنْفَكَ، لَمْ
تَفْعَلْ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللهِنِّهِ، وَلَمْ تَتْرُكْ رَسُولَ اللهِ نَّهِ مِنَ العَنَاءِ. [١٣٠٥، ٤٢٦٣-
مسلم: ٩٣٥ - فتح: ١٦٦/٣]
١٣٠٠- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَليّ، حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ الأَخْوَلُ،
عَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: قَنَتَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ شَهْرًا حِينَ قُتِلَ القُرَّاءُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ
وَ﴿ حَزِنَ حُزْنًا قَطَّ أَشَدَّ مِنْهُ. [انظر: ١٠٠١- مسلم: ٦٧٧ - فتح: ١٦٧/٣]
ذكر فيه حديث عائشة: لَمَّا جَاءَ النَّبِيِّ وَّرِ قَتْلُ زِيد بْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٍ
وَابْنِ رَوَاحَةً جَلَسَ يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ، وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ، شَقِّ
البَابِ .. الحديث.
وحديث أنس: قَنَتَ رَسُولُ اللهِ بَّهِ شَهْرًا حِينَ قُتِلَ القُرَّاءُ، فَمَا رَأَيْتُ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ حَزِنَ حُزْنًا قَطْ أَشَدَّ مِنْهُ.
حديث أنس سلف في القنوت(١)، وحديث عائشة أخرجه مسلم
أيضًا(٢)، وقتل زيد بن حارثة وصاحباه في غزوة مؤتة -بالهمز وتركه-
بالبلقاء من أرض الشام في جمادى الأولى، وقيل: الآخرة سنة ثمان.
(١) برقم (١٠٠١) كتاب: الوتر.
(٢) ((صحيح مسلم)) (٩٣٥) كتاب: الجنائز، باب: التشديد في النياحة.

٥٥٩
كِتَابُ الجَنَائِزِ
فالتقوا مع هرقل على القرية المذكورة في جموعه. يقال: مائة ألف غير
من أنضم إليهم من المستنفرة، فقتل هؤلاء، ثم أتفق المسلمون على
خالد ففتح الله له فقتلهم، وقدم البشير إلى رسول الله صله، وكان الخيول
أخبرهم بذلك قبل قدومه. وكان هؤلاء الثلاثة من أحب الناس إليه.
قَالَ لجعفر: ((أشبهت خلقي وخلقي)) (١) وقال أخرى: (لا أدري أفرح
بقدوم جعفر أو بفتح خيبر»(٢).
وقال لزيد: ((أنت أخونا ومولانا))(٣) ((وإنه لمن أحب الناس إليَّ ولقد
كان خليقًا للإمارة)» (٤)، وكان ابن رواحة أحد النقباء وأحد شعراء رسول
الله ◌َ ﴿﴿ الذين يدافعون عنه. وقال فيه: ((أن أخًا لكم لا يقول الرفث))(٥).
وقوله: (صائر). قيل: صوابه: صير -بكسر أوله وإسكان ثانيه-
أي: شقه-بفتح الشين- وهو الموضع الذي ينظر منه كالكوة (٦)،
(١) سيأتي برقم (٢٦٩٩) كتاب: الصلح، باب: كيف يكتب: هذا ما صالح فلان بن فلان.
(٢) رواه بن أبي شيبة عن الشعبي ٦/ ٣٨٤ (٣٢١٩٦) كتاب: الفضائل، باب: ما ذكر
في جعفر بن أبي طالب، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢٨١/٤، وله شاهد
من حديث عمر بن علي، رواه الحاكم ٢٠٨/٣ كتاب: معرفة الصحابة، وله شاهد
من حديث أبي جحيفة عن أبيه، رواه الطبراني ٢٢/ ١٠٠ (٢٤٤)، ورواه أيضًا في
((المعجم الأوسط)) ٢٨٧/٢ (٢٠٠٣) وقال: لا يروي هذا الحديث عن مسعر إلا
مخلد، تفرد به: الوليد بن عبد الملك، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٧١/٩ -
٢٧٢: رواه الطبراني في الثلاثة وفي رجال ((الكبير)) أنس بن سالم، ولم أعرفه،
وبقية رجاله ثقات.
(٣) سيأتي برقم (٢٦٩٩).
سيأتي برقم (٣٧٣٠) كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب زيد بن حارثة مولى
(٤)
النبي ێ.
(٥) سلف برقم (١١٥٥) كتاب: التهجد، باب: فضل من تعار من الليل فصلى.
(٦) انظر: ((لسان العرب)) ٢٣٠٠/٤، ٢٥٣٦.

٥٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وليس يريد: (أنظر من شق الباب) بالكسر؛ لأن الشق: الناحية ولم يرد
ذلك، وكون نساء جعفر لم يطعن الناهي؛ إما لأنهن لم يصرح لهن بنهي
الشارع، فظنن أنه كالمحتسب في ذلك؛ أو لأنهن غلبن على أنفسهن
لحرارة المصيبة.
وقوله: ( ((فاحث)) ) روي بكثر الثاء وضمها؛ لأنه من حتى يحثي
ویحثو(١). وتأوله بعضھم علی أن البکاء کان معه نوح، فلذلك نهاهن.
وقال بعضهم: كان من غير نوح؛ لأنه يبعد أن الصحابيات يتمادين
على محرم، والنهي عن البكاء المجرد للتنزيه أو للأدب لا للتحريم.
والعناء -بالمد- المشقة والتعب. وللعذري عند مسلم: من الغي
-بغين معجمة وياء مشددة- وهو ضد الرشد. وللطبري مثله إلا أنه بالعين
المهملة المفتوحة، ولبعضهم بكسرها وكلاهما وهم، والصواب الأول،
ولم ترد عائشة الاعتراض على رسول الله وَ له، وإنما أرادت: إنك
لا تقدر على فعل ما أمرك به، وما تركته من التعب. قَالَ القرطبي:
ولم يكن أمره للرجل بذلك ليفعله بهن، ولكن على طريق أن هذا
یسکنهن إن فعلته، فافعله إن أمكنك وهو لا يمكنك. وفيه دليل على
أن المنهي عن المنكر إن لم ينته عوقب وأدب إن أمكن(٢).
وقوله: (جلس يعرف فيه الحزن)، إنما هو لما جعل الله تعالى فيه
من الرحمة بأمته وحزن عليهم؛ لأنهم أئمة المسلمين، وهذا الحديث
أسهل ما جاء في معنى البكاء(٣).
(١) انظر: ((الفائق في غريب الحديث)) ٢٦٠/١.
(٢)
((المفهم)) ٥٨٩/٢.
(٣) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ خامسًا كتبه مؤلفه غفر الله له.