Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ = كتاب العمل في الصلاة قال ابن بطال: وهو قول مالك(١). وقوله: (كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةٍ عَائِشَةَ). كذا في أصل الدمياطي بخطه. وقال الشيخ قطب الدين: في سماعنا إسقاط لفظ: (حجرة). وفي الإسماعيلي وأبي نعيم إثباتها. (١) ((شرح ابن بطال)) ١٩٤/٣. ٢٨٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٧- باب إِذَا دَعَتِ الأُّ وَلَدَهَا فِي الصَّلَاةِ ١٢٠٦- وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرْ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُزْمُزَ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﴾: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((نَادَتِ أَمْرَأَةٌ ابنِهَا، وَهْوِ فِي صَوْمَعَةٍ، قَالَتْ: يَا جُرَيْجُ. قَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاِي. قَالَتْ: يَا جُرَيْجُ. قَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي. قَالَتْ: يَا جُرَيْجُ. قَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي. قَالَتِ: اللَّهُمَّ لَا يَمُوتُ جُرَيْجٌ حَتَّى يَنْظُرَ فِي وَجْهِ المَيَامِيسِ. وَكَانَتْ تَأْوِي إِلَي صَوْمَعَتِهِ رَاعِيَةٌ تَرْعَى الغَنَّمَ، فَوَلَدَتْ، فَقِيلَ لَهَا: مِمَّنْ هذا الوَلَدُ؟ قَالَتْ: مِنْ جُرَيْجِ، نَزّلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ. قَالَ جُرَيْجُ: أَيْنَ هذِهِ التِي تَزْعُمُ أَنَّ وَلَدَهَا لِي؟ قَالَ: يَأْ بَابُوسُ مَنْ أَبُوَكَ؟ قَالَ: رَاعِي الغَنَم)). [٢٤٨٢، ٣٤٣٦، ٣٤٦٦ - مسلم: ٢٥٥٠ - فتح: ٧٨/٣] قَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((نَادَتِ آَمْرَأَةٌ ابنهَا، وَهْوِ فِي صَوْمَعَةٍ، قَالَتْ: يَا جُرَيْجُ. قَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي .. )) الحديث. هكذا أخرجه البخاري تعليقًا هنا، وأسنده في كتاب المظالم وأحاديث الأنبياء عن مسلم بن إبراهيم، عن جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة(١). وروى الحديث في ( ... )(٢) من طريق الأعرج عن أبي هريرة(٣). وأخرجه مسلم في الأدب من كتاب البر والصلة، من حديث حميد (١) سيأتي برقم (٢٤٨٢) كتاب: المظالم، باب: إذا هدم حائطًا فليبني مثله. وبرقم (٣٤٣٦) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله: ﴿وَأَذَكُرْ فِ الْكِتَبِ مَرَمَ إِذٍ أَنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾. (٢) بياض بالأصول. (٣) سيأتي برقم (٣٤٦٦) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: حديث الغار. ٢٨٣ كتاب العمل في الصلاة = بن هلال، عن أبي رافع، عن أبي هريرة(١). وأسنده من حديث الليث أبو نعيم من حديث يحيى بن بكير، عن الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج -وهو عبد الرحمن بن هرمز- عن أبي هريرة. بأثر عن النبي ◌َّد. وأسنده الإسماعيلي من حديث عاصم بن علي عن الليث به، وفيه زيادة: ((أن رجلًا يقال له جريج كان راهبًا - وفي: (زواني المدينة) بدل: (المیاميس) - فعرف أن ذلك يصيبه)). وفيه: «فأرسل إليه، فأنزل وانطلق به إلى ملكهم، فلما مروا به نحو بيت الزواني خرجن يضحكن، فتبسم، فقالوا: لم تضحك حين مُر بالزواني؟)) وفيه: ((فقال: أبي والدي، وسماه أباه، فأبرأ الله رَق جريجًا وأعظم أمره)). وبخط الدمياطي على حاشية أصله: روی الليث بن سعد، عن يزيد بن حوشب، عن أبيه قَالَ: سمعت رسول الله وَّ و يقول: ((لو كان جريج الراهب فقيهًا عالمًا لعلم أن إجابة أمه خير من عبادة ربه ﴾﴾)». حوشب هذا هو ابن طخمة - بالميم - الحميري. وأخرج الشيخان من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي مَ ﴿ قَالَ: ((لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى بن مريم، وصاحب جريج، وكان جريج عابدًا فأتته أمه وهو يصلي، فقالت: يا جريج)). وأتته ثانية وثالثة كذلك .. الحديث بطوله (٢). (١) (صحيح مسلم) برقم (٢٥٥٠) باب: تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها. (٢) سيأتي برقم (٣٤٣٦) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله: ﴿وَأَذَكُرْ فِى الْكِتَبِ﴾، ورواه مسلم برقم (٢٥٥٠). ٢٨٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه: أحدها: ((المياميس)) الزواني، كما سلف، الواحدة: مومسة. والجمع: مومسات -بضم الميم الأولى وكسر الثانية- و(ميامِس)(١)، وجاء هنا: مياميس، وهو جائز. وقال ابن الجوزي: أصحاب الحديث يقولون: مياميس. بزيادة ياء. قَالَ لنا ابن الخشاب: لیس قولهم صحیحًا. وقال صاحب ((المطالع)): المومسات: المجاهرات بالفجور. وبالياء رويناه عن جميعهم، وكذا ذكر أصحاب العربية، وروي: الميأميس. بالهمز. الثاني: قوله: ( ((يا بابوس))) هو اسم ولدها- كما قاله الداودي، وقال القزاز: هو الصغير. ووزنه فاعول، فاؤه وعينه من جنس واحد، وهو قليل. وقيل: اسم عجمي. وبخط الدمياطي: بابوس: الرضيع بالفارسية. وهوما ذكره ابن بطال إثر الحديث(٢). الثالث: الحديث دال على أنه لم يكن الكلام في الصلاة ممنوعًا في شريعة جريج، فلما لم يأت من إجابتها ما هو مباح له استجيبت دعوة أمه فيه، وقد كان الكلام في شريعتنا جائزًا في الصلاة حَتَّى نزلت: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وسيأتي في البخاري من حديث أبي سعيد بن المُعَلَّى قَالَ: كنت أصلي في المسجد فدعاني النبي نَّ فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله، كنت أصلي. قَالَ: ((ألم يقل الله: ﴿أُسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ (١) وقع بالأصل: مياميس. خطأ، ويبينه سياق ما بعده وانظر: ((لسان العرب)) ٨/ ٤٩٢٧. (٢) ((شرح ابن بطال)) ١٩٥/٣. ٢٨٥ - كتاب العمل في الصلاة وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ﴾؟ .. )) الحديث(١). ولا يجوز أن يوبخه الشارع على ترك الإجابة إلا وقت إباحة الكلام في الصلاة، فلما نسخ ذلك لم يجز للمصلي إذا دعت أمه أو غيرها أن يقطع صلاته؛ لقوله ويقول: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق))(٢) وحق الله ◌َك الذي شرع فيه ألزم من حق الأبوين حَتَّى يفرغ منه، لكن العلماء یستحبون أن يخفف صلاته ویجیب أبویه. وصرح أصحابنا فقالوا: من خصائص سيدنا رسول الله وَالي أنه لو دعا إنسانًا وهو في الصلاة وجبت عليه الإجابة، ولا تبطل. وحكى الروياني في ((بحره)) ثلاثة أوجه في إجابة أحد الأبوين: أصحها: لا تجب الإجابة. ثانيها: تجب وتبطل. ثالثها: تجب ولا تبطل. والظاهر: عدم الوجوب إن كانت الصلاة فرضًا وقد ضاق الوقت، وكذا إن لم يضق؛ لأنها تلزم بالشروع، خلافًا للإمام، وإن كانت نافلة أجابهما إن علم تأذيهما بالترك، وهو من إطلاق عبد الملك المالكي أن إجابة الأم في النافلة أفضل، وقاسه على الشارع أن إجابته أفضل من التمادي في النافلة. وذكر القاضي أبو الوليد في قصة ذي اليدين: أن حكم الإجابة مختص بالشارع؛ للآية السالفة، وأنه في الفريضة. (١) سيأتي برقم (٤٧٠٣) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿وَلَقَدْ ءَنَّيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ ﴾. (٢) سيأتي برقم (٧٢٥٧) كتاب: أخبار الآحاد، باب: ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق. ٢٨٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وفي الوجوب في حق الأم دون الأب حديث مرسل يوافق الوجوب، رواه ابن أبي شيبة، عن حفص بن غياث، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن المنكدر، عن النبي وَ﴿ قَالَ: ((إذا دعتك أمك في الصلاة فأجبها، وإذا دعاك أبوك فلا تجبه))(١) وقَالَ مكحول: رواه الأوزاعي عنه(٢)، وقال العوام: سألت مجاهدًا عن الرجل يقام عليه في الصلاة ويدعوه أمه أو والده. قَالَ: يجيبهما(٣). وفي البخاري، فيما سلف: إن منعته أمه شهود العشاء في جماعة لم يطعها (٤). وقاله مالك، وإن منعته الجهاد أطاعها، والفرق بينهما وإن كانا سنة أن الخروج إلى الصلاة الغالب فيه الأمن بخلاف الجهاد، كذا فرق ابن التين بينهما. وفي كتاب ((البر والصلة)) عن الحسن في الرجل تقول له أمه: أفطر. قَالَ: يفطر وليس عليه قضاء، وله أجر الصوم والبر، وإذا قالت له أمه: لا تخرج إلى الصلاة. فليس لها في هذا طاعة، هذا فريضة(٥)، فدل هذا أن قياس قوله: إذا دعته في الصلاة. أن لا يجيبها. فأما مرسل ابن المنكدر فالفقهاء على خلافه ولا أعلم به قائلًا غير مكحول، ويحتمل أن يكون معناه إذا دعته أمه فليجبها، يعني: بالتسبيح، وبما أبيح للمصلي الاستجابة به، كما ذكر ابن حبيب قَالَ: من أتاه أبوه ليكلمه وهو في نافلة فليخفف ويسلم ویکلمه، وإذا نادته أمه فليبتدرها بالتسبيح، وليخفف وليسلم. (١) (المصنف)) ١٩٣/٢ (٨٠١٣) باب: في الرجل يدعوه والده وهوفي الصلاة. (٣) ابن أبي شيبة ١٩٤/٢ (٨٠١٥). (٢) ابن أبي شيبة ١٩٣/٢ (٨٠١٤). (٤) معلقًا قبل الرواية (٦٤٤) عن الحسن. (٥) أنظر: كتاب ((البر والصلة)) للمروزي ص ٣٤ (٦٤). ٢٨٧ = كتاب العمل في الصلاة وأما قول مجاهد: إذا أقيمت عليه الصلاة ودعاه أبوه وأمه فليجبهما(١). فيحتمل أن يكون أمره بإجابتهما إذا كان الوقت واسعًا ولم يدخل في الصلاة، فيجتمع له إجابة أبويه وقضاء الصلاة في وقتها، والحاصل إجابة دعوة الوالدة في السراء والضراء. وقوله: ( ((اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي)) ) إنما سأل أن يلقي في قلبه الأفضل، ويحمله على أولَى الأمرين به، فحمله على التزام مراعاة حق الله تعالى على حق أمه، وقد یمکن أن یکون جریج نبيًّا؛ لأنه كان في زمن يمكن فيه النبوة، قاله ابن بطال(٢). فإن قلتَ: يحتمل أن يكون حديث أبي سعيد بن المعلى السالف قبل تحريم الكلام في الصلاة كما قلت، فكيف جاز له ترك مجاوبة النبي وَل إذا كان الكلام مباحًا؟ فالجواب: أنه يمكن أن يتأول أبو سعيد قوله: ﴿أُسْتَجِيبُوا﴾ [الأنفال: ٢٤] إذا كنتم في غير صلاة، فعذره #1 بذلك حين رأى التزام السكوت في الصلاة تعظيمًا لشأنها، كما تأول أصحابه يوم الحديبية حين أمرهم بالحلاق أن لا يحلقوا لما لم يبلغ الهدي محله. فإن قلتَ: فيحتمل أن يدعوه وقت تحريم الكلام في الصلاة؟. فالجواب أنه يحتمل ذلك، ويكون استجابته له بالتسبيح، فيوجز في صلاته، فتجتمع طاعة الله بإتمام الصلاة وطاعة الرسول بالاستجابة له. وأظهر التأويلين أن يدعوه ◌َّيه وقت إباحة الكلام في الصلاة. (١) رواه عنه هناد في ((الزهد)) ٤٧٨/٢ (٩٧٣). (٢) ((شرح ابن بطال)) ١٩٧/٣. ٢٨٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقد احتج قوم من أهل الظاهر بحديث أبي سعيد، وزعموا أن كلامه عليه الصلاة والسلام يوم ذي اليدين خصوص له، وقالوا: لا يجوز لأحد أن يفعل ذلك بعد النبي وَله؛ لأن الله تعالى قَالَ: ﴿أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] فلا يتكلم أحد ولا يجيب غير الرسول (وهذا ما عليه جمهور أصحابنا)(١). وقال ابن بطال: لا حجة فيه؛ لأن معنى الآية: استجيبوا بما استجاب به المصلي من قول: سبحان الله، وإشارة تفهم عنه كما كان وَيو يرد السلام على الأنصار بالإشارة حين دخلوا عليه في مسجد قباء وهو يصلي(٢). وكذلك قَالَ: ((من نابه شيء في صلاته فليسبح))(٣). وفي الحديث أيضًا دلالة على أن من أخذ بالشدة في أمور العبادات كان أفضل إذا علم من نفسه قوة على ذلك؛ لأن جريجًا دعا الله في التزام الخشوع له في صلاته وفضله على الاستجابة لأمه، فعاقبه الله على ترك الاستجابة لها، بما ابتلاه من دعوة أمه عليه، ثم أراه فضل ما آثره من مناجاة ربه والتزام الخشوع له أن جعل له آية معجزة في كلام الطفل، فخلصه بها من محنة دعوة أمه عليه. وفيه أيضًا: أن من دعته أمه في صلاة لا يخشى فواتها أن يجيبها، (١) عليها في الأصل علامة (لا .. إلى). (٢) روى هذا الحديث أبوداود (٩٢٧) في الصلاة، باب: رد السلام في الصلاة، والترمذي (٣٦٨) باب: ما جاء في الإشارة في الصلاة، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي ٥/٣ في السهو، باب: رد السلام بالإشارة في الصلاة، وابن ماجه (١٠١٧) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: المصلي يسلم عليه كيف يرد. عن ابن عمر. وقال الألباني في ((صحيح أبي داود)) برقم (٨٦٠): إسناده حسن صحیح. (٣) سبق برقم (٦٨٤) كتاب: الأذان، باب: من دخل ليؤم الناس .. ٢٨٩ كتاب العمل في الصلاة = ثم يعود إليها، وقد أسلفنا ما فيه. وقال عبد الملك: إن كانت صلاته نافلة، فإجابة الأم أفضل من صلاة النافلة. فإن قلتَ: كيف قَالَ: من أبوك، والزاني لا يلحق به الولد؟ فالجواب إما أن يكون لاحقًا في شرعهم، أو المراد: مِنْ ماء مَنْ أنت؟ وسماه أبًا مجازًا. قَالَ القرطبي: وقد يتمسك به من قَالَ: إن الزنا يحرم كالحلال. وهو رواية ابن القاسم عن مالك في ((المدونة))، وفي ((الموطأ)): أن الزنا لا يحرم حلالً(١). قَالَ: ويستدل به أيضًا أن المخلوقة من زناه لا تحل للزاني بأمها، وهو المشهور خلافًا لابن الماجشون، وهو - أعني: قول ابن الماجشون- الأصح عند الشافعية، ووجه التمسك على المسألتين أنه وَل﴿ حكى عن جريج أنه نسب ابن الزنا للزاني، وصدق الله نسبته بما خرق له من العادة في نطق الصبي بشهادته له بذلك، فكانت تلك النسبة صحيحة، فيلزم على هذا أن تجري بينهما أحكام الأبوة والبنوة من التوارث والولايات وغير ذلك. وقد أتفق(٢) المسلمون على ألا توارث بينهما، فلم تصح تلك النسبة؛ لأنا نجيب عن ذلك بأن ذلك موجب ما ذكرنا، وقد ظهر ذلك في الأم من الزنا، فإن أحكام الأمومة والبنوة جارية عليهما، فما أنعقد على الإجماع من الأحكام أنه لا يجوز بينهما استثنيناه، وبقي (١) ((الموطأ)) ٥٨١/١ (١٥٠٥) كتاب: النكاح، باب: ما جاء في تزوج الرجل المرأة قد مسها على ما يكره. (٢) وقع بهامش الأصل: حكى ابن قيم الجوزية في (الهدي)) في استلحاق ولد الزنا وتوريثه عن إسحاق ومن وافقه أنه يلحق به إذا ادعاه الزاني ويرثه. اهـ. ٢٩٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - الباقي على أصل ذلك الدليل(١). وفيه أيضًا: وقوع كرامات الأولياء، وهو قول جمهور أهل السنة (٢) والعلماء، وقد نسب لبعض العلماء إنكارها، والظن بهم أنهم ما أنكروا أصلها؛ لتجويز العقل لها، ولما وقع في الكتاب والسنة، وإخبار صالحي هذِه الأمة مما يدل على وقوعها، وإنما محل الإنكار ادعاء وقوعها فيمن ليس موصوفًا بشروطها، ولا هو أهل لها. وفيه: أن كرامات الأولياء قد تقع باختيارهم وطلبهم، وهو الصحيح عند أصحابنا المتكلمين، ومنهم من قَالَ: لا تقع باختيارهم وطلبهم. وفيه: أن الكرامات قد تكون بخوارق العادات على جميع أنواعها، ومنعه بعضهم وادعى أنها تختص بمثل إجابة دعاء ونحوه، وهذا غلط من قائله وإنكار للحس، بل الصواب جريانها بقلب الأعيان، وإحضار الشيء من المعدوم ونحوه. وروى عمارة أن جريجًا سأله وهو في بطنها(٣) فأجابه ثم أجابه حين ولد، وهذا من تفضل الرب جل جلاله على من أطاعه. قَالَ أبو عبد الملك: وهذا من عجائب بني إسرائيل، وهو من أخبار الآحاد. فائدة : تكلم أيضًا في المهد: شاهد يوسف، كما ذكره القرطبي عن (١) انظر: ((المفهم)) ٥١٤/٦. (٢) وقع بهامش الأصل: من خط الشيخ: كذا عبر به القرطبي، وعبارة النووي أنه مذهب أهل السنة خلافا للمعتزلة. (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال صاحب ((المطالع)): روي ذلك من طريق غير ثابت أنه ناداه في بطن أمه قبل أن يخرج، ثم قال: وقد جاء في ((الصحيح)): ((من أبوك يا غلام؟)) وهذا يدل على أنه كان مولودًا. ملخص. ٢٩١ كتاب العمل في الصلاة ابن عباس(١)، ويحيى بن زكريا عن الضحاك. ورضيع التي تقاعست عن الأخدود، رواه صهيب. والحديث: ((لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة))(٢)، وذكر الأولين ظاهره الحصر، ولا شك أن الأوائل لا خلاف فيهم والباقون مختلف فيهم، أو أن الله أطلع نبيه ثانيًا زيادة على ما أطلعه الله عليه أولًا(٣). وقال ابن عباس وعكرمة: كان صاحب يوسف رجلًا ذا لحية(٤). وقال مجاهد: الشاهد هو القميص(٥). (١) ((المفهم)) ٦/ ٥١٢. (٢) سيأتي برقم (٣٤٣٦)، ورواه مسلم (٢٥٥٠). (٣) في هامش الأصل ما نصه: من خط الشيخ: وتكلم أيضا في المهد مبارك اليمامة كلمه رسول الله ذكره في ((الدلائل)) [((دلائل النبوة)) البيهقي ٥٩/٦]. (٤) رواه الطبري ٧/ ١٩٢- ١٩٣ (١٩١٢١، ١٩١٢٩، ١٩١٣١ - ١٩١٣٢). وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٢١٢٨/٧ (١١٥٠٤). (٥) روى ذلك الطبري في تفسيره)) ١٩٣/٧ (١٩١٣٩ - ١٩١٤١). ٢٩٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٨- باب مَسْحِ الحَصَى فِي الصَّلَاةِ ١٢٠٧- حَدَّثَنَا أَبُونُعَيْمِ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَخْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَّةً قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَيْقِيبٌ أَنَّ النَّبِيَّ نَلِ﴿ قَالَّ فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ قَالَ: ((إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً)). [مسلم: ٥٤٦- فتح: ٧٩/٣] ذكر فيه حديث مُعَيْقِيب أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ قَالَ: ((إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً). هذا الحديث أخرجه مسلم، والأربعة أيضًا (١)، وليس لمعيقيب في الصحيحين غيره، وقيل: إنه ابن أبي فاطمة الدوسي، لم يكن في الصحابة أجزم غيره، حكاه ابن التين. وكان عمر جعله على بيت المال، وکان یأکل معه ويقول له: كل مما يليك. وقوله: ( ((إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا)) ) يدل على أن ترك الواحدة أفضل يعني: وهو في الصلاة؛ لأنه إذا كثر صار عملًا، وترك الواحدة أفضل إن لم يؤذه ما بالمكان. وفي ((الموطأ)) عن أبي ذر: مسح الحصى مسحة واحدة، وتركها خير من حمر النعم(٢). أي: يتصدق بها، قاله سحنون، والأوزاعي، وغيرهما. أو يستديم ملكها ويقتنيها، كما ذكره أبو عبد الملك. ولا شك في العفو عن العمل القليل، وإليه الإشارة بقوله: ((فواحدة)). وروي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يمسحون الحصى لموضع (١) (صحيح مسلم) برقم (٥٤٦) كتاب: المساجد، باب: كراهية مسح الحصى وتسوية التراب في الصلاة، وأبو داود (٩٤٦)، والترمذي (٣٨٠)، والنسائي ٣/ ٧، وابن ماجه (١٠٢٦). (٢) ((الموطأ)) ١٦٣/١ (٤٢١) كتاب: الصلاة، باب: مسح الحصباء في الصلاة. ٢٩٣ = كتاب العمل في الصلاة سجودهم مرة واحدة، وكرهوا ما زاد عليها، روي ذلك عن ابن مسعود، وأبي ذر، وأبي هريرة (١)، وهو قول الأوزاعي، والكوفيين(٢). وروي عن ابن عمر أنه كان إذا أهوى ليسجد مسح الحصى مسحًا خفيفًا (٣)، وكان مالك لا يرى بالشيء الخفيف منه بأسًا (٤). وقال ابن جريج: قلتُ (العطاء)(٥) : أكانوا يشددون في مسح الحصى لموضع الجبين ما لا يشددون في مسح الوجه من التراب؟ قَالَ: أجل، وإنما أبيح مسح الحصى مرة وهو يسير؛ لأن المصلي لا يعمل بجوارحه في غير الصلاة، ومسح الحصى ليس من الصلاة، فلا ينبغي له ذلك، ولا أن يأخذ شيئًا ولا أن يضعه، فإن فعل لم تبطل ولا سهو عليه. (١) رواها عنهم ابن أبي شيبة ١٧٩/٢ (٧٨٢٨ - ٧٨٢٩، ٧٨٣٢) كتاب: الصلوات، باب: من رخص في ذلك. وابن المنذر في ((الأوسط)) ٢٥٨/٣ - ٢٥٩. (٢) ((المبسوط)) ٢٦/١، ((الأوسط)) ٢٥٩/٣. (٣) رواه عنه ابن المنذر في ((الأوسط)) ٢٥٨/٣، والبيهقي ٢٨٥/٢ كتاب: الصلاة، باب: كراهية مسح .. (٤) وقد کرهه في رواية أخرى. انظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٣٧/١. (٥) من (ج). ٢٩٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ٩- باب بَسْطِ النّوْبِ فِي الصَّلَاةِ لِلشُّجُودِ ١٢٠٨- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، حَدَّثَنَا غَالِبُ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ﴾ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ نَّهِ فِ شِدَّةِ الحَرِّ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ وَجْهَهُ مِنَ الأَرَضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ. [انظر: ٣٨٥ - مسلم: ٦٢٠ - فتح ٨٠/٣] ذكر فيه حديث أنس: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ وَّهِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ .. الحدیث. هذا الحديث سلف في باب السجود على الثوب في شدة الحر(١)، وكانوا لا يصلون على الثياب إلا عند الضرورة، وذلك أن السجود في الصلاة موضع خشوع وتواضع، فإذا ألصق وجهه بالأرض كان آكد ما يفعله من التواضع وحكم ما أنبتته الأرض -وكان باقيًا على صفته الأصلية مثل: الخمرة والحصير وشبهها - حكم الأرض لا كراهة في ذلك، وأما ما أنبتته الأرض وانتقل عن صفته الأصلية كثياب القطن والكتان مشهور مذهب مالك كراهة ذلك إلا في حر أو برد. وأجاز ابن مسلمة أن يسجد على ثياب القطن والكتان. وجه الأول حديث الباب، ووجه الثاني مراعاة الأصل، وذلك أن نباته من الأرض، ومنها خرج، فلا يراعى ما طرأ عليه بعد. وأما الطنافس وثياب الصوف وشبه ذلك مما لم تنبته الأرض فيكره السجود عليه عندهم قطعًا، إلا أن یکون من حر أو برد. وهذا الباب أيضًا من العمل اليسير في الصلاة، وهو مستجاز؛ لأنه من أمور الصلاة، وقد أمر الشارع بالإبراد من الحر؛ ولئلا يتعذب الناس (١) برقم (٣٨٥) كتاب: الصلاة. ٢٩٥ كتاب العمل في الصلاة بفيح جهنم، ولا يتمكن من السجود، ولا المبالغة فيه في زمن الحر، إلا أن يتقيه بثوبه لشدة حر الحجارة. وقد ترجم لحديث أنس في البابين أيضًا. ٢٩٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ١٠- باب مّا يَجُوزُ مِنَ العَمَلِ فِي الصَّلَاةِ ١٢٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّصْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةً، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ كُنْتُ أَمُدُّ رِجْلِي فِي قِبْلَةِ النَّبِيِّ نَّهِ وَهُو يُصَلِي، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَرَفَعْتُهَا، فَإِذَا قَامَ مَدَدْتُهَا. [انظر: ٣٨٢ - مسلم: ٥١٢، ٧٤٤ - فتح: ٨٠/٣] ١٢١٠- حَدَّثَنَا مَحمُودٌ، حَذَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عُ، عَنِ النَّبِيِّ بَّرِ أَنَّهُ صَلَّى صَلَةً قَالَ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي، فَشَدَّ عَلَيَّ لِيَقْطَعَ الصَّلَاةَ عَلَيَّ، فَأَمْكَتَنِي اللهُ مِنْهُ، فَذَعَتُهُ، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُوثِقَهُ إِلَي سَارِيَةٍ حَتَّى تُصْبِحُوا فَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ سُلَيْمَانَ الَيْهِ: رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فَرَدَّهُ اللهَ خَاسِيًّ)). ثُمَّ قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: ((فَذَعَتُّهُ)) بِالذَّالِ أَيْ: خَنَقْتُهُ، وَ(فَدَعَّتُّهُ)) مِنْ قَوْلِ اللهِ: ﴿يَوْمَ يُدَغُونَ﴾ [الطور: ١٣] أَني: يُدْفَعُونَ وَالصَّوَابُ: فَدَعَتُّهُ، إِلَّ أَنَّهُ كَذَا قَالَ بِتَشْدِيدِ العَيْنِ وَالتَّاءِ. [انظر: ٤٦١- مسلم: ٥٤١- فتح: ٨٠/٣] ذكر فيه حديث عائشة قَالَتْ: كُنْتُ أَمُدُّ رِجْلِي فِي قِبْلَةِ رسول الله وَل وَهُو يُصَلِّي .. الحديث. وقد سلف في باب الصلاة على الفراش(١). وحديث أبي هريرة: عَنِ النَّبِيِّ وَلِ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةً فقال: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي، فَشَدَّ عَلَيَّ لِيَقْطَعَ الصَّلَاةَ عَلَيَّ، فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ، فَذَعَتُهُ .. )) الحديث. وقد سلف في باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد(٢). وقوله هنا: ((فذعتُّه)) أي خنقته، وهو بالدال. والذال: الدفع العنيف. (١) برقم (٣٨٢) كتاب: الصلاة. (٢) برقم (٤٦١) كتاب: الصلاة. ٢٩٧ كتاب العمل في الصلاة - قيل: هما سواء، وقيل: هو بالمعجمة لا غير. قَالَ صاحب ((المطالع)): وعند ابن الحذاء في حديث ابن أبي شيبة بذال وغین معجمتین. وفي بعض نسخ البخاري هنا إثر الحديث عن النضر بن شميل: فذعته بالذال خنقته، وفدعته من قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَُّونَ﴾ [الطور: ١٣] أي يدفعون، والصواب: فذعته. أي بالمعجمة إلا أنه كذا قَالَ بتشديد العين والتاء وفي حاشيته: فدععته، بتكرار العين. وقال ابن التين عن الخطابي: الذعت: شدة الخنق، بالذال المعجمة(١). وذكر عن الخليل أنه الضرب بالأرض والتلويث. وقال الداودي عن النضر: فذعته بالذال: خنقته. وفدعته من قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُونَ﴾ [الطور: ١٣] أي: يدفعون. قَالَ: والصواب: فذعته، إلا أنه بتشديد العين والتاء. ثم قَالَ: فقوله: والصواب: فذعته. إنما يجوز ذلك إذا كانت الرواية بالغين، وأما بالعين من ﴿يَدْعُونَ﴾ فلا يجوز إلا التشديد؛ لأنه إنما يقال في التخفيف: ودع يدع. مع أن الفعل الماضي منها قلما تستعمله العرب. قَالَ: ومنه قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبِّكَ﴾ [الضحى: ٣]. وقوله: (هو من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُّدَقُونَ﴾) [الطور: ١٣] ليس بصحیح، ولو کان کذلك لکان: دعوته. قَالَ ابن التين: وقول الداودي أيضًا غير صحيح؛ لأن فاء الفعل الذي ذكره واو فكان يقول: فودَّعته. بتشديد الدال وتخفيفها، وفيه روايات كثيرة. فدعته وفدعّتّه بتشديد العين والتاء، ولا يصح إلا على (١) ((أعلام الحديث)) ٦٥١/١. ٢٩٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == التكثير من دعت. والصحيح منها ما ذكرناه فيما تقدم أنها ذال معجمة، وعين غير معجمة مخففة، والتاء مشددة. وقوله: ((فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ)) ) قَالَ الداودي: لما احتمل قول سليمان ﴿لَّ يَتْبَغِى﴾ [ص: ٣٥] لشيء منه أو جميعه كفَّ رسول الله ◌َل عن الفعل. وقوله: ( (فَرَدَّهُ اللهُ خاسئا)) ) أي: مبعدًا. وقد أسلفنا غير مرة اغتفار العمل اليسير في الصلاة دون الكثير، والإجماع قائم على أنه غير جائز، والمرجع فيه إلى العرف، وغمزهُ وَ ﴿ رِجْلَ الصِّدِّيقَةِ في الصلاة هو من العمل اليسير، ولا يلحق مكرره بالكثير؛ لأجل تفرقه. وروى عبد الرزاق مفسرًا صورة الشيطان فقال: ((عرض لي في صورة هر). فهذا معنى قوله: ((فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ)) أي: صوره لي في صورة هرِّ شخصًا يمكنه أخذه، فأراد ربطه، فهو من العمل اليسير في الصلاة، وربطه بسارية قد يحتاج إلى عمل كثير، لكن قد هم به الشارع، ولا يهم إلا بجائز، ومما استخف العلماء من العمل في الصلاة أخذ البرغوث والقملة، ودفع المار بين يدي المصلي، والإشارة، والالتفات الخفيف، والمشي الخفيف، وقتل الحية والعقرب، وقد أمر بهما الشارع، وهذا كله إذا لم يقصد المصلي بذلك العبث في صلاته ولا التهاون بها. وممن أجاز أخذ القملة في الصلاة وقتلها الكوفيون والأوزاعي. وقال أبو يوسف: قد أساء، وصلاته تامة. وكره الليث قتلها في المسجد، ولو قتلها لم يكن عليه شيء. وقال مالك: لا يقتلها في المسجد، ولا يطرحها فيه، ولا يدفنها في الصلاة. ٢٩٩ كتاب العمل في الصلاة وقال الطحاوي: لو حك بدنه لم يكره، كذلك أخذ القملة وطرحها(١). ورخص في قتل العقرب في الصلاة ابن عمر والحسن(٢) والأوزاعي، واختلف قول مالك فيه: فمرة كرهه ومرة أجازه، وقال: لا بأس بقتلها إذا آذته. وخففه، وكذلك الحية والطير يرميه بحجر يتناوله من الأرض، فإن لم يطل ذلك لم تبطل صلاته (٣). وأجاز قتل الحية والعقرب في الصلاة الكوفيون والشافعى وأحمد وإسحاق(٤)، وكره قتل العقرب في الصلاة إبراهيم النخعي(٥). وسئل مالك عمن يمسك عنان فرسه في الصلاة ولا يتمكن من وضع يديه بالأرض. قَالَ: أرجو أن يكون خفيفًا ولا يتعمد ذلك. وروى علي بن زياد عن مالك في المصلي يخاف على صبي بقرب نارٍ فذهب ينحيه. قَالَ: إن أنحرف عن القبلة ابتدأ، وإن لم ينحرف بنى. وسئل أحمد عن رجل أمامه سترة فسقطت فأخذها فأركزها. قَالَ: أرجو أن لا يكون به بأس. فذكر له عن ابن المبارك أنه أمر رجلًا صنع ذلك بالإعادة قَالَ: لا آمره بالإعادة، وأرجو أن يكون خفيفًا. وأجاز مالك والشافعي حمل الصبي في الصلاة المكتوبة، وهو قول أبي ثور(٦). (١) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣١٦/١- ٣١٧، ((المدونة)) ١٠٠/١. (٢) رواه عنهما ابن أبي شيبة ١/ ٤٣٢ (٤٩٧١، ٤٩٧٤) كتاب: الصلوات، باب: في قتل العقرب في الصلاة، وانظر: ((الأوسط)) ٢٧٠/٣ - ٢٧١. (٣) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٣٧/١. (٤) انظر: ((الأصل)) ١٩٩/١، ((المجموع)) ٣٧/٤، ((المغني)) ٣٩٩/٢. (٥) انظر: ((الأوسط)) ٢٧١/٣، ((شرح السنة)) ٢٦٨/٣. (٦) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٣٦/١، ((الأوسط)) ٢٧٧/٣. ٣٠٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١١- باب إِذَا انْفَلَتَتِ الذَّاتَّةُ فِي الصَّلَاةِ وَقَالَ قَتَادَةُ: إِنْ أُخِذَ ثَوْبُهُ يَتْبَعُ السَّارِقَ وَيَدَعُ الصَّلَاةَ. ١٢١١ - حَذَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، حَدَّثَنَا الأَزْرَقُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ: كُنَّا بِالأَهْوَازِ نُقَاتِلُ الحَرُورِيَّةَ، فَبَيْنَا أَنَا عَلَى جُرُفِ نَهَرِ إِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي، وَإِذَا لِجَامُ دَابَّتِهِ بِيَدِهِ، فَجَعَلَتِ الذَّابَّةُ تُتَازِعُهُ، وَجَعَلَ يَتْبَعُهَا - قَالَ شُغْبَةُ: هُو أَبُوبَزْزَةَ الأَسْلَمِيُّ - فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنَ الَخَوَارِجِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ افْعَلْ بهذا الشَّيْخِ. فَلَمَّا أَنْصَرَفَ الشَّيْخُ قَالَ: إِّ سَمِعْتُ قَوْلَكُمْ، وَإِّ غَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ سِثَ غَزَوَاتٍ أَوَسَبْعَ غَزَوَاتٍ وَثَانَ، وَشَهِدْتُ تَيْسِيرَهُ، وَإِّ إِنْ كُنْتُ أَنْ أُرَاجِعَ مَعَ دَابَّتِي، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَدَعَهَا تَرْجِعُ إِلَى مَأْلَفِهَا فَيَشُقَّ عَلَّيّ. [٦١٢٧ - فتح: ٨١/٣] ١٢١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزوَةَ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ وَ فَقَرَأَ سُورَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ أَسْتَفْتَحَ بِسُورَةٍ أُخْرِىُ، ثُمَّ رَكَعَ حَثَّى قَضَاهَا وَسَجَدَ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الثَّانِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى يُفْرَجَ عَنْكُمْ، لَقَدْ رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هذا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُهُ، حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُ أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنَ الجَنَّةِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أَتَقَدَّمُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ، وَرَأَيْتُ فِيهَا عَمْرَوبْنَ لُحَيٍّ وَهُو الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ)). [انظر: ١٠٤٤- مسلم: ٩٠١- فتح: ٨١/٣] وذكر فيه عن الأزرق(١) بن قيس قَالَ: كُنَّا بِالأَهْوَازِ نُقَاتِلُ الحَرُورِيَّةَ، فَبَيْنَا أَنَا عَلَى جُرُفِ نَهَرٍ إِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي، وَإِذَا لِجَامُ دَابَّتِهِ بِيَدِهِ، فَجَعَلَتِ الدَّابَّةُ تُنَازِعُهُ، وَجَعَلَ يَتْبَعُهَا. قَالَ شُعْبَةُ: هُوَأَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ .. الحديث. (١) كتب فوقها في الأصل: مسندًا.