Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاَةِ
=
١٥- باب يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إِلَى العَصْرِ إِذَا ارْتَحَلَ
قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ
ـيا الله
فِيهِ: ابن عَبَّاسٍ، عَنِ النَِّّ
١١١١- حَدَّثَنَا حَشَانُ الوَاسِطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا المُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ
ابن شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ إِذَا أَزْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ
تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظَّهْرَ إِلَى وَقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ يَحْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا زَاغَتْ صَلَّى الظُّهْرَ
ثُمَّ رَكِبَ. [١١١٢ - مسلم: ٧٠٤ - فتح: ٥٨٢/٢]
ثم ساق حديث أنس: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا أَرْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ
أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا زَاغَتْ صَلَّى الظُّهْرَ
ثُمَّ رَكِبَ.
الشرح :
حديث ابن عباس الظاهر أنه حديثه السالف(١)، وحديث أنس
أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي أيضًا (٢)، وشيخ البخاري فيه هو
حسان بن عبد الله الواسطي الثقة، روى عنه البخاري، وروى
النسائي، وابن ماجه عن رجل عنه(٣).
(١) سيأتي برقم (١١٠٧) باب: الجمع في السفر بين المغرب والعشاء.
(٢) مسلم برقم (٧٠٤) باب: جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، وأبو داود برقم
(١٢١٨) باب: الجمع بين الصلاتين، والنسائي في ((المجتبى)) ٢٨٤/١ كتاب:
المواقيت.
(٣) انظر: ((تهذيب الكمال)) ٣١/٦.

٥٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٦- باب إِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ مَا زَاغَتِ الشّمْسُ
صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ
١١١٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا المُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ،
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ بَّهِ إِذَا أَزْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ
الظُّهْرَ إِلَىْ وَقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَزْتَجِلَ
صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ. [انظر: ١١١١ - مسلم: ٧٠٤ - فتح: ٥٨٢/٢]
ذکر فیه حديث أنس المذكور.
وأجمع العلماء على أنه إذا أرتحل قبل أن تزيغ الشمس فإنه يؤخر
الظهر إلى العصر كل على أصله من القول بالاشتراك أو يقيم.
واختلفوا في وقت جمع المسافر بين الصلاتين، فذهبت طائفة إلى
أنه يجمع بينهما في وقت إحداهما، هذا قول عطاء بن أبي رباح،
وسالم، وجمهور علماء المدينة: ابن أبي الزناد، وربيعة، وغيرهم.
وحكي عن مالك أيضًا (١)، وبه قَالَ الشافعي، وإسحاق قالوا: إن شاء
جمع بينهما في وقت الأولى، وإن شاء جمع في وقت الآخرة(٢).
وقالت طائفة: إذا أراد المسافر الجمع أخر الظهر وعجل العصر،
وأخر المغرب وعجل العشاء.
روي هذا عن سعد بن أبي وقاص وغيره كما سلف، وإليه ذهب
أحمد، وقال: وجه الجمع أن يؤخر الظهر حَتَّى يدخل وقت العصر،
ثم ينزل فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب كذلك، قَالَ: فأرجو أن لا
یکون به بأس(٣).
(١) ((المدونة)) ١١٠/١.
(٢) انظر: ((التهذيب)) ٣١٣/٢.
(٣) أنظر: ((المغني)) ١٣٩/٣.

٥٢٣
أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاَةِ
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يصلي الظهر في آخر وقتها ثم يمكث
قليلًا، ثم يصلي العصر في أول وقتها، ولا يجوز الجمع بين
الصلاتين في وقت إحداها في غير عرفة ومزدلفة(١) .
وحجة الأولين حديث أنس السالف، فإن معنى (صلى الظهر)،
أي: ثم العصر وركب، فإنه كان يؤخر الظهر إلى العصر إذا لم تزغ،
فلذا يقدمها إذا زاغت، وعلى ذلك تأولوا حديث ابن عباس السالف(٢)
أيضًا أنه كان إذا زاغت الشمس.
ومن حجة أبي حنيفة وأصحابه أنه وَلّ لم يؤخر الجمع إلى وقت
العصر إلا إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس خاصة. وأما إذا أرتحل بعد
أن تزيغ فإنه كان يجمع في أول وقت الظهر ولا يؤخر الجمع إلى
العصر، فهذا خلاف الحديث والآثار، وأثبتها في ذلك حديث معاذ
السالف، فبان أنه كان يجمع بينهما مرة في وقت الظهر، ومرة في
وقت العصر، وكذا المغرب مع العشاء، وكذا قول أنس أنه وَلو كان
إذا ارتحل قبل أن تزيغ أخر الظهر إلى وقت العصر ثم يجمع،
مخالف لهم أيضًا لأنهم لا يجيزون صلاة الظهر في وقت العصر في
الجمع.
ومن طريق النظر لو كان كما قالوا لكان ذلك أشد حرجًا وضيقًا من
الإتيان بكل صلاة في وقتها؛ لأن وقت كل صلاة واسع، ومراعاته أمكن
من مراعاة طرفي الوقتين، ولو كان الجمع كما قالوا لجاز الجمع بين
العصر والمغرب، وبين العشاء والفجر، ولما أجمع العلماء أن الجمع
(١) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٩٢/١.
(٢) حديث (١١٠٧).

٥٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
بينهما لا يجوز علم أن المعنى في الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب
والعشاء إنما وردت به السنة للرخصة في اشتراك وقتيهما، فإذا صليت كل
صلاة في وقتها فلا يسمى جمعًا. وليس في حديث أنس تقديم العصر إلى
الظهر إذا زاغت وذلك محفوظ في حديث معاذ وهو قاطع للالتباس؛ فإن
الجمع بينهما إذا زاغت نازلًا كان أو سائرًا جد به السير أو لم يجد على
خلاف ما تأوله المخالف، وهو حجة أيضًا على من أجاز الجمع، وإذا
لم يجد به السیر.
وارتكب الداودي مذهب المخالف فقال: هذا هو المعمول به،
يصلي الظهر آخر وقتها، والعصر ليس أول وقتها، وليس ما قيل: إنه
يجمع إذا ارتحل بعد الزوال بينهما حينئذ بشيء. قَالَ: وإنما تعلق من
قاله بجمع عرفة. قَالَ: وتلك سنة لا يقاس عليها، ولا شك أن
الصحابة قصدت برواياتهم الإخبار عن صفة يختص بها السفر، وما
ذكره المخالف يمكن في الحضر مثله، فلا خصوصية إذن، وقد اعتنى
بالصلاة آكد من الوقت، وقد أثر السفر في ترك النقص، فالوقت أولى.

٥٢٥
أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاَةِ
١٧- باب صَلَاةِ القَاعِدِ
١١١٣- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ
عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ نَّهِ فِي بَيْتِهِ وَهْوَ شَاكِ، فَصَلَّى
جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا أَنْصَرَفَ قَالَ: ((إِنَّمَا
جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا)). [انظر: ٦٨٨ -
مسلم: ٤١٢- فتح: ٥٨٤/٢]
١١١٤- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله
عنه قَالَ: سَقَطَ رَسُولُ اللهِ وَِّ مِنْ فَرَسِ فَخُدِشَ - أَوْ فَجُحِشَ - شِقُّهُ الأَيَمَنُ، فَدَخَلْنَا
عَلَيْهِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى قَاعِدًا، فَصَلَّيْنَا قُعُودَا، وَقَالَ: ((إِنَّمَا جُعِلَ
الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا
قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ)). [انظر: ٣٧٨ - مسلم:
٤١١- فتح: ٥٨٤/٢]
١١١٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، أَخْبَرَنَا حُسَيْنٌ،
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه أَنَّهُ سَأَلَ نَبِيَّ اللهِ وَلَ.
أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، عَنِ
ابن بُرَيْدَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ - وَكَانَ مَبْسُورًا- قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ
وَِّ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ قَاعِدًا، فَقَالَ: ((إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَهْوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا
فَلَّهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَاعِدِ)). [١١١٦، ١١١٧-
فتح: ٥٨٤/٢]
ذكر فيه حديث عائشة أنها قالت: صَلَّى رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي بَيْتِهِ وَهْوَ
شَاكٍ .. الحديث.
وحديث أنس: سَقَطَ رَسُولُ اللهِ وَهُ مِنْ فَرَسٍ .. الحديث.
وحديث عمران بن حصين: من حديث رَوْحِ بْنُ عُبَادَةَ، عن حُسَيْنِ،

٥٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عنه أَنَّهُ سَأَنَ رسولَ اللهِ وَله
وفي لفظ عن عَبْدِ الصَّمَدِ، عن أبيه، عن الحُسَيْنِ به، عن عِمْرَانَ
- وَكَانَ مَبْسُورًا- قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ لَّهِ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ قَاعِدًا،
فَقَالَ: ((إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَهْوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرٍ
القَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَاعِدِ».
ثم ترجم على حديث عمران:

٥٢٧
أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاَةِ
=
١٨- باب صَلَاةِ القَاعِدِ بِالإِيمَاءِ
١١١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ -وَكَانَ رَجُلًا مَبْسُورًا، وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ مَرَّةً:
عَنْ عِمْرَانَ - قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ وََّ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ: (مَنْ صَلَّى
قَائِمًا فَهْوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا
فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَاعِدِ)). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: نَائِمًا عِنْدِي مُضْطَجِعًا هَا هُنَا. [انظر:
١١١٥- فتح: ٢/ ٥٨٦]
ثم ساقه باللفظ المذكور من حديث عبد الوارث عن حسين. ثم ترجم
عليه :

٥٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
١٩- باب إِذَا لَمْ يُطِقْ أن يصلي فَاعِدًا
صَلَّى عَلَى جَنْبٍ
وَقَالَ عَطَاءٌ: إِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى القِبْلَةِ صَلَّى حَيْثُ
كَانَ وَجْهُهُ.
١١١٧- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنْ إِنْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي
الْحُسَيْنُ الْمُكْتِبُ، عَنِ ابن بُرَيْدَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَیْنٍ رضي الله عنه قَالَ: گانَت بِي
بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيّ ◌َّهَ عَنِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: ((صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا،
فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ)). [انظر: ١١١٥- فتح: ٥٨٧/٢].
ثم ساقه من حديث إبراهيم بن طهمان عن الحسين به، بلفظ: كانت
بي بواسير، فسألت النبي ◌َّله عن الصلاة فقال: صل قائمًا فإن لم تستطع
فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب.
وحديث عمران هذا من أفراد البخاري، وأخرجه الأربعة أيضًا(١).
وقال الترمذي حديث حسن صحيح. ولا نعلم أحدًا روى عن الحسين
المعلم نحو رواية إبراهيم بن طهمان، وقد روى أبو أسامة، وغير
واحد عن الحسين المعلم نحو رواية عيسى بن يونس(٢).
وکما رواه أبو حاتم ابن حبان في ((صحیحه)). وقد رواه عن أبي
أسامة، عن حسين المعلم، عن ابن بريدة، عن عمران، قال: هذا
(١) أبو داود برقم (٩٥٢) باب: في صلاة القاعد، والترمذي برقم (٣٧٢) باب: ما
جاء أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، والنسائي في ((المجتبى)) ٣/
٢٢٣-٢٢٤ كتاب: قيام الليل، وابن ماجه برقم (١٢٣١) باب: صلاة القاعد على
النصف من صلاة القائم.
(٢) (سنن الترمذي)) ٢٠٨/٢.

٥٢٩
آبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاَةِ
إسناد قد یتوهم من لا معرفة عنده أنه منفصل غير متصل، وليس كذلك،
فإن عبد الله بن بريدة ولد في الثالثة من خلافة عمر سنة خمس عشرة هو
وسليمان بن بريدة أخوه توأم، فلما وقعت فتنة عثمان بالمدينة خرج مدة
عنها وسكن البصرة وبها عمران بن حصين فسمع منه(١).
إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه من أوجه:
أحدها :
البخاري روى الأول عن إسحاق بن منصور، عن روح بن عبادة،
عن الحسين، ثم قَالَ: وحَدَّثَنَا إسحاق أنا عبد الصمد، سمعت أبي:
ثنا الحسين.
وإسحاق هذا الظاهر أنه ابن منصور. وذكر الكلاباذي أن إسحاق بن
منصور، وإسحاق بن إبراهيم يرويان عن عبد الصمد.
وروى مسلم في كتابه، عن إسحاق بن منصور، عن عبد الصمد بن
عبد الوارث(٢).
قَالَ الجياني: قَالَ البخاري: حَدَّثَنَا عبدان، عن ابن المبارك، عن
إبراهيم بن طهمان: حَدَّثَني حسين المعلم، عن ابن بريدة. الحدیث.
قَالَ: سقط ذكر ابن المبارك من نسخة أبي زيد في هذا الإسناد،
والصواب: عبدان، عن ابن المبارك، عن ابن طهمان(٣).
(١) ((صحيح ابن حبان)) ٢٥٨/٦ - ٢٥٩ (٢٥١٣).
(٢) تقدم ذكر ذلك وأنه في كتاب الحج في موضعين (١٣٢١/ ٣٦٨)، (٤٧٦/١٣٧٤)
ومواضع أخر.
(٣) ((تقييد المهمل)) للجيانى ٥٩٨/٢- ٥٩٩.
٠٠

٥٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ثانیھا :
قَالَ الإسماعيلي: ترجم الباب بصلاة القاعد بالإيماء، وذكر حديث
عبد الوارث. قَالَ: وهذا تصحيف؛ وذلك أنا روينا عن القاسم، عن
الزعفراني، عن عفان، عن عبد الوارث هذا الحديث نائمًا، وقال
فيه: قَالَ عبد الوارث: والنائم: المضطجع فوقع التصحيف في نائمًا
فقال: قائمًا.
قَالَ الإسماعيلي: والمعنى على جنب، وسائر الأحاديث تفسره،
وتفسير عبد الوارث يوضح الأمر، وهذا في التطوع منهما. وفي بعض
نسخ البخاري: قَالَ أبو عبد الله: نائمًا عندي: مضطجعًا عندي هاهنا.
قَالَ ابن بطال: وقد غلط النسائي في هذا الحديث، وترجم له:
باب: صلاة النائم(١). فظن قوله: بإيماء نائمًا، والغلط ظاهر؛ لأنه قد
ثبت عن الشارع قطع الصلاة عند غلبة النوم، وهي مباحة له، وله
عليها نصف أجر القاعد.
قَالَ: وحديث عمران إنما ورد في صلاة النافلة؛ لأن المصلي فرضه
جالسًا لا يخلو أن يكون مطيقًا على القيام أو عاجزًا، فإن كان مطيقًا
وصلى جالسًا فلا تجزئه صلاته، فكيف يكون له نصف فرض مصلٍ،
فإذا عجز عن القيام فقد سقط عنه فرضه، وانتقل فرضه إلى الجلوس،
فإذا صلى جالسًا، فليس المصلي قائمًا أفضل منه، وأما قوله: (من
صلى نائمًا فله نصف أجر صلاة القاعد))، فلا يصح معناه عند
العلماء؛ لأنهم مجمعون أن النافلة لا يصليها القادر على القيام إيماءً.
قلتُ: لا إجماع؛ فهو عندنا وجه أنه يجوز مضطجعًا مومئًا.
(١) ((المجتبى)) ٢٢٣/٣- ٢٢٤. قال: فضل صلاة القاعد على صلاة النائم.

٥٣١
أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاَةِ
ثم قَالَ: وإنما دخل الوهم على ناقل هذا الحديث فأدخل معنى
الفرض في لفظ النافلة، ألا ترى قوله: (كان مبسورًا). وهذا يدل على
أنه لم يكن يقدر على أكثر مما أدى به فرضه، وهذه صفة صلاة
الفرض. ولا خلاف أنه لا يقال لمن لا يقدر على الشيء: لك نصف
أجر القادر عليه. بل الآثار الثابتة عن الشارع أنه من منعه الله، وحبسه
عن عمله بمرض أو غيره، فإنه يكتب له أجر عمله وهو صحيح،
ورواية عبد الوارث، وروح بن عبادة عن حسين هذا تدفعه الأصول،
والذي يصح فيه رواية إبراهيم بن طهمان، عن حسين، وهو في
الفرض هذا لفظه. وبخط الدمياطي حديث ابن طهمان أصح من هذا؛
لأن من صلى على جنب في الفرض أجره تام لعذر المرض، ومن
صلى على جنب في النافلة مع القدرة على القعود أو القيام لا يجوز.
أدخل معنى الفرض في التنفل فوهم.
قلتُ: قوله: لا يجوز. هو وجه عندنا، والأصح جوازه.
وقال ابن بطال في الباب بعده: حديث عمران هذا تعضده
الأصول، ولا يختلف الفقهاء في معناه، وهو أصح معنى من حديث
روح، وعبد الوارث، عن حسين(١).
وأغرب ابن التين فقال: قوله: ((ومن صلى نائمًا فله نصف أجر
القاعد)). ذكره بالنون.
قَالَ: وفي رواية الأصيلي: ((بإيماء)»، ويدل عليه تبويب البخاري
بذلك، فيكون معناه: ومن صلى قاعدًا بإيماء كان نصف أجر من
صلی قاعدًا یرکع ويسجد.
(١) (شرح ابن بطال)) ١٠٢/٣- ١٠٤.

٥٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قَالَ: وقوله: ((بإيماء))، يريد مضطجعًا، قاله البخاري. وقال
الخطابي: لا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه رخص في صلاة التطوع
نائمًا كما رخصوا فيها قاعدًا. فإن صحت هذِه اللفظة عن الشارع ولم
يكن من كلام بعض الرواة أدرجه في الحديث، وقاسه على صلاة
القاعد إذا أعتبره بصلاة المريض نائمًا إذا لم يقدر على القعود، فإن
التطوع مضطجعًا للقادر على القعود جائز، كما يجوز للمسافر أن
يتطوع على راحلته. وأما من جهة القياس فلا يجوز أن يصلي
مضطجعًا، كما يجوز أن يصلي قاعدًا؛ لأن القعود شكل من أشكال
الصلاة، وليس الاضطجاع شي ءمن أشكال الصلاة(١).
وقال الخطابي: كنت تأولت هذا الحديث على أن المراد به
التطوع، وعليه تأوله أبو عبيد وغيره، إلا أن قوله: ((من صلى نائمًا))
يفسد هذا التأويل؛ لأن المضطجع لا يصلي تطوعًا كما يصلي
القاعد، فرأيت الآن أن المراد المريض المفترض الذي عليه أن
يتحامل فيقوم مع مشقة، فجعل أجر القاعد على النصف من أجر
القائم، ترغيبًا له في القيام مع جواز قعوده وكذا المضطجع الذي لو
تحامل لأمكنه القعود مع شدة المشقة، والمراد بالنوم: الاضطجاع
كما قال: (فإن لم تستطع فعلى جنب))(٢).
وقَالَ الترمذي: معنى الحديث عند بعض أهل العلم في صلاة
التطوع. وساق بسنده إلى الحسن قَالَ: إن شاء الرجل صلى صلاته
للتطوع قائمًا، وجالسًا، ومضطجعًا.
(١) (معالم السنن)) ١٩٤/١.
(٢) ((أعلام الحديث)) ٦٣٠/١ -٦٣١.

٥٣٣
أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ
قَالَ: واختلف أهل العلم في صلاة المريض إذا لم يستطع أن يصلي
جالسًا، فقال بعض أهل العلم: يصلي على جنبه الأيمن. وقال بعضهم:
يصلي مستلقيًا على قفاه ورجلاه إلى القبلة. وقال الثوري: إنه في
الصحيح ولمن لا عذر له. فأما من كان له عذر من مرض أو غيره
فصلى جالسًا فله مثل أجر القائم، وقد روي في بعض الحديث مثل
قول سفيان(١).
ثالثها : في فقه الباب:
أما حديث عائشة ففيه: أنه من لم يقدر على صلاة الفريضة لعلة
نزلت به، فإن فرضه الجلوس؛ ألا ترى قولها: (وهو شاك)، وكذا
في حديث أنس أنه سقط من الفرس، فأراد البخاري أن الفريضة
لا يصليها أحد جالسًا إلا من شكوى تمنعه من القيام. والعلماء
مجمعون على أن فرض من لا يطيق القيام أن يصلي الفريضة جالسًا
ثم مضطجعًا، وقد سلف في أبواب الإمامة في باب: إنما جُعل
الإمام ليؤتم به(٢)، اختلافهم في إمامة القاعد، فأغنى عن إعادته.
ولخص ابن التين الاختلاف السابق فقال: اختلف في هذا الحديث
في موضعين :
أحدهما: هل المراد به النافلة، أو الفريضة، أو هما؟
والثاني: هل هو في الصحيح، أو فيه والمريض؟
فأكثر أهل تفسير الحديث منهم القاضي إسماعيل، والداودي،
وأبو عبيد، وأبو عبد الملك على أنه محمولٌ على النافلة.
(١) ((سنن الترمذي)) ٢٠٩/٢-٢١٠.
(٢) راجع شرح حديث (٦٨٩).

٥٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال الخطابي: هو محمولٌ على الفريضة(١). وقال أبو الوليد: هو
محمول عليهما، وعلى النافلة. واختلف في صفة حمله عليها، فقال
الخطابي: هو في المريض المستطيع القيام بمشقة(٢).
وقال أبو الوليد: هو من لا يستطيع القيام في الفريضة.
وأمَّا الثاني: فقال جماعة منهم عبد الملك بن الماجشون: إنه في
المستطيع القيام أما غيره فالمكتوبة وغيرها سواء.
وقال أبو الوليد: صلاةُ القاعد على النصف في موضعين :
من صلَّى الفريضةَ غير مستطيع للقيام.
ومن صلَّى النافلة مستطيعًا أو غير مستطيع.
فرع :
لا شك في جواز النافلة جالسًا؛ ودليله من السنة أيضًا حديث عائشة
الآتي عقب هذا الباب: كان رسول الله وَ﴿ يصلي جالسًا فيقرأ وهو
جالس، فإذا بقي عليه من السورة نحو من ثلاثين أو أربعين آيةً ...
الحديث(٣) فخصت بذلك الآية في قوله: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:
٢٣٨] على قول من يقول: إنها تتناول الفرض والنفل.
فرع:
اختلف عنها في جواز النافلة مضطجعًا على وجهين: أصحهما :
نعم؛ لحديث الباب.
وهل يجوز بالإيماء؟ فيه وجهان: أصحهما: لا.
(١) ((معالم السنن)) ١٩٥/١.
(٢) ((أعلام الحديث)) ٦٣١/١.
(٣) يأتي برقم (١١١٩) باب: إذا صلَّى قاعدًا ثمَّ صحَّ أو وجد خفة تمم ما بقي.

٥٣٥
أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاَةِ
وفي جوازها مستلقيًا وجهان: أصحهما: المنع.
ومشهور مذهب مالك جواز النافلة مضطجعًا للمريض، ومنعه
للصحيح (١).
وفي ((النوادر)): منع المريض(٢).
وأجاز ذلك الأبهري للصحيح، واحتج بحديث عمران هذا.
قال فإذا قلنا: يصلي مضطجعًا فعلى جنبه لقوله: ( (فَعَلَى جَنْبٍ)) )
ففيه منع الاستلقاء وليس الباسور المذكور في الحديث علة جواز هذا،
ولكنه بتصادف الحال.
قَالَ: ورخص في الحديث الإيماء بغير علة، وهذا مثل قول ابن
حبيب، وابن القاسم لا يجيز ذلك.
قَالَ: ومن لم يستطع الجلوس صلَّى على جنبه الأيمن كما يجعل في
سجوده، وحكى ابن حبيب عن ابن القاسم: يبتدأ بالظهر قبل الجنب.
قال: وهو وهم.
دليل الأول حديث عمران هذا: (فعلى جنب)) يريد: الأيمن. وفي
((المدونة)) قَالَ: إن لم يستطع الجلوس جلس على جنبه أو ظهره (٣)،
فإذا قلنا: يبدأ بالأيمن، فإن لم يقدر عليه فعلى الأيسر كما قاله
محمد، فإن لم يقدره فعلى ظهره، ورجلاه إلى القبلة.
وقال سحنون: إن لم يقدر على الأيمن فعلى ظهره، وإن قلنا: يبدأ
بظهره، فإن لم يقدره فعلى جنبه الأيمن، فإن لم يقدر فعلى الأيسر(٤).
(١) ((المدونة)) ٧٨/١.
(٢) ((النوادر والزيادات)) ٢٥١/١.
(«المدونة» ٧٨/١.
(٣)
أنظر: ((الذخيرة)) ٢/ ١٦٢.
(٤)

٥٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
فائدة :
البواسير -بالباء- واحدها باسور، وهو علة تحدث في المقعدة،
وفي داخل الأنف أيضًا، والناسور بالنون قريب منه، إلا أنه لا يسمى
ناسورًا إلا إذا جرى وتفتحت أفواه عروقه من داخل المخرج، وحكي
فيه الصاد أيضًا مع النون.

٥٣٧
أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاَةِ
٢٠- باب إِذَا صَلّى قَاعِدًا [ثُمَّ صَمَّ)(١)
أَوْ وَجَدَ خِفَّةً تَقَّمَ مَا بَقِيَ
وَقَالَ الحَسَنُ إِنْ شَاءَ المَرِيضُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَائِمًا وَرَكْعَتَيْنِ
قَاعِدًا.
١١١٨- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا لَمْ تَ رَسُولَ اللهِ وَهِ يُصَلِّي
صَلَاةَ اللَّيْلِ قَاعِدًا قَطُّ حَتَّى أَسَنَّ، فَكَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ، فَقَرَأَ
نَحْوًا مِنْ ثَلاثِينَ آيَةً أَوْ أَزْبَعِينَ آيَةً، ثُمَّ رَكَعَ. [١١١٩، ١١٤٨، ٤٨٣٧- مسلم: ٧٣١ - فتح:
٥٨٩/٢]
١١١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ يَزِيدَ، وَأَبِي
النَّضْرِ -مَؤْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ- عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمّ
الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا
بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ نَحْوٌّ مِنْ ثَلاثِينَ أَوْ أَزْبَعِينَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَهَا وَهْوَ قَائِمٌ، ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ سَجَدَ،
يَفْعَلُ فِي الزَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَضَى صَلَاتَهُ نَظَرَ، فَإِنْ كُنْتُ يَقْظَىْ تَحَذَّثَ
مَعِي، وَإِنْ كُنْتُ نَائِمَةً أَضْطَجَعَ. [انظر: ١١١٨ - مسلم: ٧٣١ - فتح: ٥٨٩/٢]
وذكر فيه حديث عائشة: أَنَّهَا لَمْ تَرَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يُصَلِّي صَلَاةَ اللَّيْلِ
قَاعِدًا قَطْ حَتَّى أَسَنَّ، فَكَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ، فَقَرَأَ
نَحْوًا مِنْ ثَلاثِينَ آيَةً أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً، ثُمَّ رَکَعَ.
وحديثها: أنه التَّ كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا فَيَقْرَأُ وَهْوَ جَالِسٌ .. الحديث.
الشرح:
هذا الحديث أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه
(١) غير موجودة بالأصل ومثبت من الصحيح.

٥٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أيضًا(١)، وقول الحسن: أخرجه ابن أبي شيبة، عن هشيم، عن مغيرة،
وعن يونس، عن الحسن أنهما قالا: يصلي المريض على الحالة التي هو
عليها (٢). وفي الترمذي عن الحسن: إن شاء الرجل صلى التطوع قائما
وجالسًا ومضطجعًا(٣).
وقال ابن التين: إنه لا وجه له؛ لأنه قَالَ: إن شاء وفرض القيام
لا يسقط عمن قدر عليه، إلا أن يريد إن شاء بكلفة كبيرة.
قَالَ الحميدي: وليس لعلقمة عن عائشة في ((صحيح مسلم)) غير هذا (٤).
قلتُ: علقمة أحد الأربعة الذين حدث عنهم الزهري حديث الإفك
عن عائشة(٥).
واعترض ابن بطال فقال: ترجم للفرض، وذكر النافلة ووجه
استنباط البخاري منه الفرض أنه لما جاز في النافلة القعود لغير علة
مانعة من القيام، وكان ◌ّي يقوم فيها قبل الركوع، كانت الفريضة التي
لا يجوز فيها إلا بعدم القدرة على القيام أولى أن يلزم القيام فيها إذا
ارتفعت العلة المانعة منه(٦).
(١) مسلم برقم (٧٣١) باب: جواز النافلة قائمًا وقاعدًا، وأبو داود برقم (٩٥٣) باب:
في صلاة القاعد، والنسائي في ((المجتبى)) ٣/ ٢٢٠ كتاب: قيام الليل، وابن ماجه
برقم (١٢٢٧) باب: في صلاة النافلة قاعدًا.
(٢) ((المصنف)) ٢٤٥/١ (٢٨١٤) من قال: المريض يومئ إيماءً.
(٣) ((سنن الترمذي)) ٢٠٩/٢.
(٤) ((الجمع بين الصحيحين)) ٩٦/٤.
ورواية علقمة عن عائشة رواها مسلم برقم (١١٤/٧٣١).
(٥) مسلم (٢٧٧٠) في التوبة، باب: في حديث الإفك وقبول توبة القاذف.
والأربعة هم: علقمة بن وقاص وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعبيد الله بن
عبد الله بن عتبة بن مسعود. والحديث سيأتي برقم (٢٦٦١) عنهم.
(٦) (شرح ابن بطال)) ١٠٤/٣-١٠٥.

٥٣٩
أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ
وقال ابن المنير بعد أن سأل: ما وجه دخول الترجمة في الفقه؟ ومن
المعلوم ضرورة أن القيام إنما سقط لمانع منه، فإذا جاءت الصحة وزال
المانع وجب الإتمام قائما.
فإنما أراد دفع خيال من تخيل أن الصلاة لا تتبعض فإما (أنها)(١)
كلها تُستأنف إذا صح القيام، وإما جالسًا كلها إذا استصحب العلة،
فبين بهذا الحديث أنه * كان يحتفظ على القيام في النافلة ما
أمكنه، ولمَّا أسن تعذر عليه استيعابها بالقيام فبقَّضها، فكذلك
الفريضة إذا زال المانع لما يستأنفها بطريق الأولى(٢).
وقال ابن التين: مراد النافلة ( ... )(٣) تتم للفريضة وجاء بحديث
النفل.
وقولها: بالليل ونبهت بالليل على فعله من الفريضة التي هي آكد،
وقصدت أيضًا الإخبار عن فعله باللفظ الخاص؛ لأنها لو قالت: يصلِّي
قائمًا لجاز أن يكون في الفرض دون النفل فلا يحصل في ذلك الحث
والتأكيد في قيام النافلة ثم قالت: (حَتَّى أسن فكان يصلي قاعدًا).
فأخبرت عن عذره بالسن؛ إبقاء على نفسه؛ ليستديم الصلاة، ثم
قالت: (حَتَّى إذا أرادَ أنْ يركعَ قام فقرأ). فأخبرت بمواظبته على
القيام وأنه كان لا يجلس عما يطيقه من ذلك.
وفيه: أنَّ من لم يطق القيام في جميع صلاته قام ما يطيقه منها،
ولا خلاف فيه في النافلة، ثم هذا لمن افتتح النافلة قاعدًا، فإن
(١) كذا بالأصل، وفي ((المتواري)): قائمًا.
(٢) ((المتواري)) ص١١٦.
(٣) كلمة غير واضحة بالأصل.

٥٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
افتتحها قائمًا ثم أراد أن يجلس فذلك له عند ابن القاسم (١) وأباه أشهب،
إتمامًا لما أفتتح به.
وقولها: (فَكَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا .. ) إلى آخره. ظاهره تكرار ذلك منه وإن
فعله لضعف عن القيام في جميعها، ولم يكن ذلك لأمر طرأ له في بعض
الصلاة، وإلا لخرج عن حد الجواز في النافلة، لما ذكرناه.
وأمَّا الفرض فإن افتتحها قاعدًا؛ لعجزه عن القيام، ثم أطاقه لزمه،
ولو افتتح قائمًا ثم عجز أتمها قاعدًا. وبه قَالَ أبو حنيفة، والثوري،
(٢)
والشافعي(٢).
وقال محمد بن الحسن: يستأنف الصلاة إلا أن يتمادى قائمًا. وكذا
قَالَ أبو يوسف، وكذا نقله ابن بطال عنهما: والذي في البداية عدم
التفرقة. ولا شك أن طرءان العجز بعد القدرة لعلة، والعجز عن الركن
لا يبطل حكم الركن المقدور عليه، كما أنَّ القدرة إذا طرأت لم تبطل
حكم ما مضى(٣).
وقال ابن القاسم في المريض: يصلّي مضطجعًا أو قاعدًا، ثم يخف
عنه المرض فيجد قوةً أنه يقوم في الباقي(٤)، وهو قول زفر، والشافعي.
وقال أبو حنيفة وصاحباه: إن صلى ركعةً مضطجعًا، ثم صح أنه
يستقبل الصلاة ولو كان قاعدًا يركع ويسجد بنى في قول أبي حنيفة،
ولم يبن في قول محمد بن الحسن، ووجه البناء أن قدرته على القعود
بعد الإيماء توجب البناء، فكذا قدرته على القيام؛ لأنه أصل كالقعود(٥).
(١) انظر: ((الذخيرة)) ١٦٤/٢.
(٢) انظر: ((المبسوط)) ٢١٢/١.
(٣) (شرح ابن بطال)) ١٠٥/٣.
(٥) انظر: ((فتح القدير)) ٦/٢-٧، ٨.
(٤) ((المدونة)) ١/ ٨٠.