Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاَةِ
وأما القاضي أبو الطيب من أصحابنا فعزاه إلى ((صحيح ابن
خزيمة))، وراجعت ((صحيحه))، وهو عزيز الوجود، فلم أجد فيه(١).
وأما حديث ابن عمر فأخرجه مسلم وأبو داود أيضًا من حديث
عبيد الله، عن نافع، عنه. ومن طريق الضحاك بن عثمان، عن نافع،
عنه، ولفظه: ((لا تسافر مسيرة ثلاث ليال))(٢).
وأخرجه الإسماعيلي من طريق أنس بن عياض، عن عبيد الله.
وأخرجه ابن راهويه، عن أبي أسامة، عن عبيد الله، وأحمد الذي
علق عنه البخاري: هو أحمد بن محمد بن موسى أبو العباس المروزي
المعروف بمردويه، مات سنة خمس وثلاثين، كذا هو بخط الحافظ
الدمياطي، وقال: روى له البخاري، والترمذي، والنسائي، ثم قَالَ:
لا بأس به، ثم قَالَ: وقال الدارقطني: إنه أحمد بن محمد ابن ثابت
ابن عثمان أبو الحسن المروزي المعروف بابن شبويه، مات بطرسوس،
= وكذا قال العظيم آبادي في تعليقه على ((سنن الدار قطني)) ٣٨٧/١. وضعفه الألباني
في ((الإرواء)» (٥٦٥). فهُذِه أقوال من ضعفه.
وأورده شيخ الإسلام -قدس الله روحه ونور قبره وطيب ثراه- في ((مجموع
الفتاوى)) ٣٩/٢٤ وقال: هو من قول ابن عباس ورواية من رواه مرفوعًا إلى النبي
وَ ل* باطل لا شك عند أئمة أهل الحديث. اهـ بتصرف يسير.
وأورده في موضع آخر ١٢٧/٢٤ وقال: وهذا ما يعلم أهل المعرفة بالحديث أنه
كذب على النبي ◌َّر، ولكن هو من كلام ابن عباس.
ونحا الألباني نحوه فأورده في ((الضعيفة)) (٤٣٩). وقال: موضوع.
(١) قلت: عزاه شيخ الإسلام، في ((مجموع الفتاوى)) ١٢٧/٢٤ لابن خزيمة في كتابه
(مختصر المختصر)).
(٢) ((صحيح مسلم)) (١٣٣٨) كتاب: الحج، باب: سفر المرأة مع محرم إلى حج
وغيره، و((سنن أبي داود)) (١٧٢٧) كتاب: المناسك، باب: في المرأة تحج بغير
محرم.

٤٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
سنة ثلاثين ومائتين، روى عنه أبو داود(١).
ونقل شيخنا قطب الدين في ((شرحه)) عن الحاكم أنه الأول. ولم
يذكره الدار قطني أنه في البخاري، ثم ذكر الثاني عن الدارقطني كما
ذكره سواء. ولم يذكر الحاكم، وابن طاهر أنه في البخاري. وذكر
أبو الوليد الباجي في ((رجال البخاري)) ما نصه: وقال ابن عدي:
أحمد ابن محمد يروي عن عبد الله، عن معمر، لا يعرف(٢).
وذكر الدارقطني حديث نافع عن ابن عمر هذا فقال: يرويه عبيد الله،
عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا.
وقال يحيى القطان: ما أنكرت على عبيد الله بن عمر إلا حديثًا
واحدًا، هذا الحديث. قَالَ: ورواه عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن
ابن عمر موقوفًا. وخالفه إبراهيم الصائغ فرواه عن ابن عمر مرفوعًا،
وزاد ألفاظًا لم يأتِ بها غيره.
قلتُ: عبيد الله أجل من يحيى بكثير، وقد روى عنه هذا الحديث
كما أخرجه البخاري وغيره. ورواه ابن أبي شيبة في ((مسنده)) عن ابن
نمير، وأبي أسامة، عن عبد الله، عن نافع به(٣).
وأما حديث أبي هريرة، والمتابعة في آخره، فكذا هو ثابت في أكثر
نسخ البخاري، وفي بعضها عن المقبري بدون أبي هريرة. وقال أبو نعيم
في ((مستخرجه)) أنه في البخاري بإثباته، وهو حديث مختلف في إسناده،
(١) انظر: ((تهذيب الكمال)) ٤٣٣/١ (٩٤).
(٢) نص كلام ابن عدي في كتابه «أسامي من روى عنهم البخاري في جامعه الصحيح))
ص٨٦ (٢٢). ط. دار البشائر الإسلامية.
(٣) أنظر ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣٦٧/٣ (١٥١٦٩) كتاب: الحج، في المرأة تخرج
مع ذي محرم.

٤٦٣
أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاَةِ
سعيد
فقيل: عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، وقيل بإسقاط أبيه
كما أخرجه ابن ماجه (١)، وقيل بإسقاط أبي هريرة.
وأما متابعة يحيى بن أبي كثير، فذكر أبو مسعود وخلف في
أطرافهما، وأبو نعيم في ((مستخرجه)) أن البخاري أخرجها عن سعيد،
عن أبي هريرة. وذكر الحميدي فيها وسهيل ومالك بزيادة أبيه. ورواه
سفيان، عن يحيى بإثبات أبيه، وذكره البيهقي(٢).
وأما متابعة مالك فوقع فيها كما وقع في متابعة يحيى، ورواه جماعة
(الموطأ)) عن مالك بإسقاط أبيه(٣). وكان سعيد - فيما يقولون- قد سمع
من أبي هريرة، وسمع من أبيه، عن أبي هريرة، كذا قَالَ ابن معين
وغيره، فجعلها كلها أحيانًا عن أبي هريرة، وروي عن مالك بإثباته،
وكذا أخرجه أبو داود، والترمذي(٤).
وقد روى عن مالك الوليد بن مسلم مثل رواية بشر، أخرجها
الإسماعيلي. وأما متابعة سهيل فوقع فيها كما سلف في المتابعتين
السالفتين. وقد أخرجه أبو داود والبيهقي من طريقه، عن سعيد، عن
أبي هريرة. ولفظه: ((لا تسافر أمرأة بريدًا إلا مع ذي محرم))(٥).
(١) ((سنن ابن ماجه)) (٢٨٩٩) كتاب: المناسك، باب: المرأة تحج بغير ولي.
(٢) ((السنن الكبرى)) للبيهقي ١٣٩/٣ (٥٤٠٩) كتاب: الصلاة، باب: حجة من قال:
لا تقصر الصلاة في أقل من ثلاثة أيام.
(٣) ((الموطأ)» ص ٦٠٥.
(٤) (سنن أبي داود)) (١٧٢٤) كتاب: المناسك، باب: المرأة تحج بغير محرم،
و((سنن الترمذي)) (١١٧٠) كتاب: الرضاع، باب: ما جاء في كراهية أن تسافر
المرأة وحدها.
(٥) ((سنن أبي داود)) (١٧٢٥) كتاب: المناسك، باب: في المرأة تحج بغير محرم،
((السنن الكبرى)) للبيهقي ١٣٩/٣ كتاب: الصلاة، باب: حجة من قال: لا تقصر
الصلاة في أقل من ثلاثة أيام.

٤٦٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قَالَ ابن عبد البر: وحديث سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة مضطرب
إسنادًا ومتنّا (١). وفي رواية: ((مسيرة ليلة)) ذكرها ابن عبد البر(٢).
واستدرك الدارقطني على الشيخين إخراجه عن ابن أبي ذئب، وعلى
مسلم إخراجه عن الليث(٣). وقال: الصواب: عن سعيد، عن أبي
هريرة بإسقاط ذكر أبيه، واحتج بأن مالكًا، ويحيى، وسهيلًا أسقطوه.
قَالَ: والصحيح من حديث مسلم إسقاطه؛ وكذا ذكره ابن مسعود كما
سلف، وكذا رواه معظم رواة ((الموطأ)» عن مالك.
قَالَ الدارقطني: ورواه الزهراني والفروي عن مالك فقالا: عن
سعید، عن أبيه.
وذكر النووي عن خلف في ((أطرافه)) أن مسلمًا رواه بإثبات أبيه (٤)،
وكذا رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حسن صحيح من طريق بشر بن
عمر، عن مالك، عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة(٥). ورواه أبو داود
في الحج عن القعنبي، والنفيلي عن مالك، وجرير، كلاهما عن سهيل
بإسقاط(٦). فحصل اختلاف ظاهر بين الحفاظ في ذكر أبيه. فلعله سمع
من أبيه عن أبي هريرة، ثم سمعه من أبي هريرة نفسه، فرواه تارة
كذا، وتارة كذا، وسماعه من أبي هريرة صحيح.
وقد روى هذا الحديث أيضًا أبو سعيد الخدري، وابن عباس،
وعمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أخرج الأول الشيخان ففي
(١) ((التمهيد)) ٥٥/٢١.
(٢) ((التمهيد)) ٥٥/٢١.
(٣) ((الإلزامات والتتبع)) ص١٣٤.
(٤) (صحيح مسلم بشرح النووي)) ١٠٨/٩.
(٥) سبق تخريجه.
(٦) ((سنن أبي داود)) (١٧٢٤ - ١٧٢٥) المرأة تحج بغير محرم.

٤٦٥
أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاَةِ
-
لفظ: ((لا تسافر المرأة يومين)) (١) وفي لفظ: (ثلاثًا))(٢) وفي لفظ: (لفوق
ثلاث))(٣) وفي لفظ: ((أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا)) (٤). وأخرج
الثاني الشيخان أيضًا بإطلاق السفر(٥).
وأخرج الثالث ابن عبد البر، وقال مثله مقطوعًا على حديث عبيد الله
بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: ((أن تسافر مسيرة ثلاثة
أيام))(٦).
إذا تقرر ذلك، فالكلام على ما في الباب من أوجه:
أحدها:
أربعة برد: ستة عشر فرسخًا. قَالَ صاحب ((المطالع)): البريد: أربعة
فراسخ، والفرسخ: ثلاثة أميال، زاد ابن الأثير في ((غريبه)): والميل:
أربعة آلاف ذراع(٧)، وذكر الفراء أن الفرسخ فارسي معرب، والميل
من الأرض: منتهى مد البصر؛ لأن البصر يميل فيه على وجه الأرض
حتى يفنى إدراكه. وفيه سبعة مذاهب:
(١) سيأتي برقم (١١٩٧) كتاب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب: مسجد
بيت المقدس.
(٢) (صحيح مسلم)) (٨٢٧/ ٤١٧) كتاب: الحج، باب: سفر المرأة مع محرم إلى حج
وغيره.
(٣) ((صحيح مسلم)) (٨٢٧ / ٤١٨).
(صحيح مسلم)) (١٣٤٠/ ٤٢٣) كتاب: الحج، باب: سفر المرأة مع محرم إلى
(٤)
حج وغيره.
سيأتي برقم (١٨٦٢) كتاب: جزاء الصيد، باب: حج النساء، وهو في ((صحيح
(٥)
مسلم)) (١٣٤١ / ٤٢٤) كتاب: الحج، باب: سفر المرأة مع محرم إلى غيره.
(٦)
«التمهيد)» ٥٤/٢١.
((النهاية في غريب الحديث)) ١١٦/١.
(٧)

٤٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -=
أحدها: قاله صاحب ((التنبيهات)): هو عشر غلا، والغلوة: طلق
الفرس وهو مائتا ذراع، فيكون الميل ألفي ذراع. وذكر في ((المعرب))
أن الغلوة ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة. وقال ابن الأثير: الغلوة قدر
(١)
رمية سهم (١).
الثاني: قال أبو عمر: أصح ما فيه أنه ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة.
الثالث: ثلاثة آلاف ذراع، نقله صاحب ((البيان)).
الرابع: أربعة آلاف.
الخامس: مد البصر، ذكره الجوهري(٢).
السادس: ألف خطوة بخطوة الجمل.
السابع: أن ينظر إلى الشخص فلا يعلم أهو آت أو ذاهب، رجل أو
أمرأة.
وذكر ابن قدامة عن الأثرم: قيل لأبي عبد الله: في كم يقصر؟ قَالَ:
في أربعة برد. قيل له: مسيرة يوم تام؟ قَالَ: أربعة برد ستة عشر فرسخًا،
مسيرة يومين، والفرسخ: ثلاثة أميال، والميل - كما قَالَ القاضي - أثنا
عشر ألف قدم. وذلك يومان(٣).
الثاني :
ظاهر الأحاديث الواردة في الباب حرمة ما يسمى سفرًا للمرأة،
إلا مع زوج أو محرم، وفي معنى ذلك النسوة الثقات، وكذا الواحدة
في الجواز على الأصح(٤). فالمحرم إذن شرط في وجوب الحج
(١) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٣٨٣/٣.
(٣) ((المغني)) ١٠٥/٣.
(٢) ((الصحاح)) ١٨٢٣/٥.
(٤) ورد بهامش الأصل: لم يقل الشافعية بجواز النسوة الثقات ولا الواحدة إلا في حج
الفرض.

٤٦٧
أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاَةِ
عليها، وبه قَالَ النخعي، والحسن(١). وهو مذهب أبي حنيفة، وأصحاب
الرأي، وفقهاء أصحاب الحديث وأجلهم الشافعي(٢).
وذهب عطاء، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، والأوزاعي، ومالك،
وعزي إلى الشافعي أيضًا إلى أن ذلك ليس بشرط(٣)، وروي مثله
عن عائشة (٤).
وقال القرطبي: ظاهر قول مالك على اختلاف في تأويل
قوله: تخرج مع رجال أو نساء، هل بمجموع ذلك، أو في جماعة
من أحد الجنسين؟ وأكثر ما نقله عنه أصحابنا من اشتراط النساء.
وسبب هذا الاختلاف مخالفة ظاهر هذه الأحاديث لظاهر السبيل
في الآية(٥).
(١) روى ابن أبي شيبة ٣٦٦/٣ (١٥١٦١، ١٥١٦٣) عن هشيم، عن يونس، عن
الحسن قال: لا تحج المرأة إلا مع ذي محرم، وقال: نا جرير، عن ليث، عن
يحيى بن عباد أبي هبيرة قال: كتبت امرأة من أهل الري إلى إبراهيم أنها موسرة
وليس لها بعل ولا محرم ولم تحج قط، فكتب إليها إبراهيم: إن هذا من السبيل
الذي قال الله وليس لك محرم، فلا تحجي إلا مع بعل أو محرم.
(٢) (المجموع)) ٦٩/٧، ((مختصر الطحاوي)) ص٥٩، ((الهداية)) ١٤٦/١.
(٣) روى ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه قال: تخرج في رفقة فيها رجال ونساء،
وتتخذ سلما تصعد عليه، ولا يقربها الكاري ((المصنف)) ٣٦٦/٣ (١٥١٦٢).
وقال مالك في الصرورة - تقال لمن لم تتزوج- التي لم تحج قط من النساء: إن لم
يكن معها ذو محرم يخرج معها، أو كان فلم يستطع أن يخرج معها : أنها لا تدع
فريضة الله عليها في الحج، وأنها تخرج مع جماعة من النساء. ((الموطأ)) ص ٢٧٤.
وانظر: ((عيون المجالس)) ٧٧٤/٢، ((روضة الطالبين)) ٩/٣.
(٤) روى ابن أبي شيبة عن الزهري قال: ذكر عند عائشة: المرأة لا تسافر إلا مع محرم
فقالت عائشة: ليس كل النساء تجد محرمًا. ((المصنف)) ٣٦٧/٣ (١٥١٧١)
(٥) ((المفهم)) ١٨٢٣/٥.

٤٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وأجمعت الأمة على أن المرأة يلزمها حجة الإسلام بهذه الآية
وبقوله: ((بني الإسلام على خمس)) (١) وعدّ منها الحج، فتعارضت مع
الأحاديث الواردة في الباب: لا تسافر إلا مع كذا.
واختلف العلماء في تأويل ذلك، فجمع أبو حنيفة ومن قَالَ بقوله
بينهما، بأن جعل الحديث مبينًا للاستطاعة في حق المرأة.
ورأي مالك ومن قَالَ بقوله أن الاستطاعة سنة بنفسها في حق
الرجال والنساء، وأن الأحاديث المذكورة في هذا لم تتعرض للأسفار
الواجبة، وقد خرجت المؤمنات مهاجرات ليس معهن محرم،
وفيهن زينب بنت رسول الله وَّلة. وقد اشترط مالك خروجها للحج
في جماعة الناس المرافقين بألفة الدين في سفر الطاعة لله،
واستشعارهم الخشية له، ولذلك سن وي له بأمير أو سلطان محافظ
وإمام معلم يحفظ الضيعة، ويضم الفاذة، ويرد الشاردة، ولا ينفرد
أحد عن الجماعة، ولا تتفق الأعين كلها على الغفلة، ولا يجمع
على النوم في وقت واحد. فلابد من وجود المراقبة على الجماعة،
فضعف الخوف بحضور الكثرة. واتفق العلماء على أنه ليس لها
أن تخرج في غير الحج والعمرة، إلا مع ذي محرم، إلا لهجرة من
دار الحرب، فاتفقوا على أن عليها أن تهاجر منها بغير محرم،
والفرق لائح، وهو أنها تخشى على نفسها ودينها من الإقامة،
بخلاف تأخير الحج مع أنه هل هو على الفور، أو على التراخي؟
وخص الباجي الحديث بالشابة، ورد عليه بأن المرأة مظنة الطمع،
ولكل ساقطة لاقطة.
(١) سلف برقم (٨) كتاب: الإيمان، باب: ﴿دُعَاؤُكُمْ﴾ إيمانكم.

٤٦٩
أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاَةِ
الثالث :
قوله: (ثَلَاثَةَ أَيَّام))، وفي الرواية الأخرى: ( ((يوم وليلة)))، وفي
أخرى: («فوق ثلاثٌ))، وفي أخرى: ((ثلاث ليال))، وفي أخرى
((يومين))، وفي أخرى: ((يوم))، وفي أخرى: (ليلة))، وفي أخرى:
إطلاق السفر، وفي أخرى لأبي داود: ((بريدًا))(١)، والبريد: نصف
يوم. وهُذِه الألفاظ؛ لاختلاف السائلين والمواطن، وليس في النهي
عن الليلة تصريح بإباحة اليوم أو الليلة أو البريد، فأدى كل ما سمع
وما جاء منها مختلفًا من راوٍ واحد، فسمعه في مواطن، فروى تارة
هُذا، وتارة هذا، وكله صحيح، وليس فيه تحديد لأقل ما يقع عليه
اسم السفر. ولم يرد ◌َ* تحديدًا، بل ما يسمى سفرًا، ولا تعارض،
ولا نسخ، خلافًا لقول الداودي: أحدهما ناسخ للآخر، ولا يعلمه
بعينه فأخذ الأحوط؛ لأن الأصل أن لا تسافر المرأة أصلًا، ولا تخلو
مع غير ذي محرم، خوف الخشية على ناقصات العقل والدين.
وحديث أمر فاطمة أن تعتد عند ابن أم مكتوم(٢) مخصوص بمن علم
صلاحه، كذا قاله ابن التين. وقيل في الجمع بأن اليوم المذكور مفرد،
والليلة المفردة بمعنى: اليوم والليلة المجموعين. فاليوم إشارة إلى مدة
الذهاب، واليوم والليلة إشارة إلى مدة الذهاب والرجوع، والثلاثة
إشارة إلى مدة الذهاب والرجوع واليوم الذي يقضى فيه الحاجة.
وقيل قد يكون هذا كله تمثيلًا لأقل الأعداد، فاليوم الواحد أول
(١) سلف تخريج هذِه الروايات جميعها آنفًا.
(٢) قصة فاطمة بنت قيس وتطليقها من زوجها وأمره و## إياها بأن تنتقل إلى ابن أم
مكتوم رواها مسلم في ((صحيحه)) (١٤٨٠) كتاب: الطلاق، باب: المطلقة ثلاثًا
لا نفقة لها.

٤٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
العدد وأقله، والاثنان أول التكثير وأقله، والثلاث أقل الجمع.
الرابع :
جميع المحارم سواء النسب والسبب كالرضاع والمصاهرة، وكره
مالك سفرها مع ابن زوجها؛ لفساد الناس بعد العصر الأول؛ ولأن
كثيرًا من الناس لا ينفرون من زوجة الأب نفرتهم من محارم النسب،
والزوج أولى من المحرم؛ لاطلاعه على ما لا يطلع عليه، وعدم ذكره
في بعض الروايات خطاب لمن لا زوج لها.
وقال أبو حنيفة: لا تخرج إلا مع ذي محرم، إلا أن يكون بينها وبين
مكة أقل من ثلاثة أيام(١).
الخامس :
قوله: ( ((تُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)) ) هو في موضع خبر؛ لأنه صفة
أمرأة، تقديره: لامرأة مؤمنة بالله.
وفيه: تعريض أنها إذا سافرت بغير محرم تخالف شرط الإيمان بالله
واليوم الآخر؛ لأن التعرض إلى وصفها بذلك إشارة إلى التزام الوقوف
عند ما نهيت عنه، وأن الإيمان بالله واليوم الآخر يقضي لها ذلك.
وقوله: ( ((أَنْ تُسَافِرَ)) ) هو في موضع رفع؛ لأنه فاعل، التقدير:
لا يحل لها السفر، والهاء في ((مسيرة يوم)) للمرة الواحدة، التقدير:
أن تسافر مرة واحدة سفرة واحدة؛ بخصوصية يوم وليلة(٢).
(١) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٥٨/٢.
(٢) ورد بهامش الأصل: آخر الجزء ٨ من ٤ من تجزئة المصنف .

٤٧١
أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاَةِ
٥- باب يَقْصُرُ إِذَا خَرَجَ مِنْ مَوْضِعِهِ
وَخَرَجَ عَلِيٍّ فَقَصَرَ وَهْوَ يَرِى الْبُيُوتَ، فَلَمَّا رَجَعَ قِيلَ لَهُ:
هذِهِ الكُوفَةُ. قَالَ: لَا، حَتَّى نَدْخُلَهَا.
١٠٨٩- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثْنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، وَإِرَاهِيمَ بْنِ
مَيْسَرَةَ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: صَلَّيْتُ الظُّهْرَ مَعَ النَّبِيِّ وََّ بِالْدِينَةِ أَزْبَعًا،
وَبِذِي الحَلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ. [١٥٤٦، ١٥٤٧، ١٥٥١، ١٧١٢، ١٧١٤، ١٧١٥، ٢٩٥١، ٢٩٨٦ - مسلم:
٦٩٠ - فتح: ٥٦٩/٢]
١٠٩٠- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ،
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتِ: الصَّلَاةُ أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ
الشَّفَرِ، وَأُمَّتْ صَلَاةُ الَحَضَرِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ لِعُزْوَةَ: مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ؟ قَالَ:
تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ. [انظر: ٣٥٠ - مسلم: ٦٨٥ - فتح: ٥٦٩/٢]
ثم ذكر فيه حديث أنس: صَلَّيْتُ الظَّهْرَ مَعَ النَّبِّ وَّهِ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا،
وَبِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ.
وحديث عائشة: الصَّلَاةُ أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنٍ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ
السَّفَرِ، وَأَتِمَّتْ صَلَاةُ الحَضَرِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ: مَا بَالُ
عَائِشَةَ تُتِمُّ؟ قَالَ: تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ.
الشرح:
أما أثر علي فأخرجه البيهقي من حديث علي بن ربيعة، قَالَ: خرجنا
مع علي فقصر ونحن نرى البيوت، ثم رجعنا فقصرنا ونحن نرى البيوت،
فقلنا له، فقال علي: نقصر حَتَّى ندخلها(١).
(١) ((السنن الكبرى)) للبيهقي ١٤٦/٣ (٥٤٤٩) كتاب: الصلاة، باب: لا يقصر الذي
يريد السفر حتى يخرج من بيوت القرية.

٤٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وأخرجه ابن المغلس في ((موضحه)) أيضًا. ورواه البيهقي مرة بلفظ:
عن علي بن ربيعة قَالَ: خرجنا مع علي متوجهين هاهنا، وأشار بيده إلى
الشام، يصلي ركعتين ركعتين، حَتَّى إذا رجعنا ونظرنا إلى الكوفة
حضرت الصلاة، فقال: أيا أمير المؤمنين هذِه الكوفة، نتم الصلاة؟
قَالَ: لا، حَتَّى ندخلها(١).
وحديث أنس أخرجه مسلم أيضًا، وأبو داود، والنسائي، والترمذي
وقال: صحيح(٢)، ويأتي في الحج مكررًا إن شاء الله(٣).
وحديث عائشة أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي أيضًا(٤).
وسفيان المذكور في إسناده هو ابن عيينة كما صرح به الطرقي.
ورواه البخاري أيضًا في علامات النبوة، من حديث يزيد، عن
معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: فرضت الصلاة
ركعتين، ثم هاجر النبي ◌َّله ففرضت أربعًا، وتركت صلاة السفر على
الأولى. تابعه عبد الرزاق عن معمر (٥).
وروى ابن أبي نجيح من حديث سماك، عن عون بن أبي جحيفة،
(١) السابق ١٤٦/٣ (٥٤٤٨).
(٢) ((صحيح مسلم)) (٦٩٠) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة المسافرين وقصرها،
و((سنن أبي داود)) (١٢٠٢) كتاب: صلاة السفر، باب: متى يقصر المسافر؟، و((سنن
الترمذي)) (٥٤٦) أبواب: الصلاة، باب: ما جاء في التقصير في السفر، و((سنن
النسائي)) ٢٣٥/١ كتاب: الصلاة، باب: عدد صلاة الظهر في الحضر.
(٣) برقم (١٥٤٦ - ١٥٤٧) باب: من بات بذي الحليفة حتى أصبح، و(١٥٤٨) باب:
رفع الصوت بالإهلال، و(١٥٥١) باب: التحميد والتسبيح والتكبير.
(٤) (صحيح مسلم)) (٦٨٥) كتاب: صلاة المسافرين باب: صلاة المسافر وقصرها،
و ((سنن النسائي)) ٢٢٥/١-٢٢٦ كتاب: الصلاة، باب: كيف فرضت الصلاة؟.
(٥) برقم (٣٩٣٥) كتاب: مناقب الأنصار، باب: التاريخ، من أين أرخوا التاريخ؟

٤٧٣
أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ
عن أبيه أن النبي ◌َّ صلى بمكة سجدتين.
ورواه عن سفيان أيضا محمد بن عباد، وفي روايته بعد عثمان: وإني
اتخذت أهلًا ومالًا.
قَالَ ابن عبد البر: وكل من رواه قَالَ فيه -عن عائشة -: فرضت
الصلاة، ولا يقول فرض الله، ولا فرض رسوله، إلا ما حدَّث به أبو
إسحاق الحربي بإسناده إليها: فرض رسول الله وَّ﴾، وغيره يقول:
فرضت الصلاة(١).
قلتُ: قد سلف في رواية البخاري في أول كتاب الصلاة بلفظ:
فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر،
فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر (٢)، وسيأتي في باب
إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه، كما ستعلمه إن شاء الله (٣).
إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه من أوجه:
أحدها :
ذو الحليفة بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، وذكر ابن حزم
أربعة (٤). وقوله: الظهر بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة ركعتين، كذا هو
هنا، وكذا رواه أبو نعيم عن سفيان، وكذا أبو نعيم والبيهقي (٥).
قَالَ ابن حزم: والمراد بركعتين هي العصر، كما جاء مبينًا في رواية
(١) ((التمهيد)) ٢٩٣/١٦.
(٢) برقم (٣٥٠) باب: كيف فرضت الصلاة في الإسراء.
(٣) برقم (٣٩٣٥) كتاب: مناقب الأنصار، باب: التاريخ، من أين أرخوا التاريخ؟.
(٤) ((المحلى)) ٧٠/٧، وانظر: ((معجم ما استعجم)) ٢/ ٤٦٤، ((معجم البلدان)) ٢٩٥/٢.
(٥) (السنن الكبرى)) للبيهقي ١٠/٥ (٨٨٣٢) كتاب: الحج، باب: من اختار القرآن
وزعم أن النبي وَلو كان قارنًا.

٤٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
أخرى. قَالَ ابن حزم: وذلك من يومه.
قَالَ: وكان ذلك يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة. وابن سعد
يقول: يوم السبت لخمس ليال بقين من ذي القعدة (١). وفي ((صحيح
مسلم)): لخمس بقين من ذي القعدة، وذلك سنة عشر؛ للحج (٢).
الثاني:
أورد الشافعي هذا الحديث مستدلا على أن من أراد سفرًا وصلى
قبل خروجه فإنه يتم كما فعل الشارع في الظهر بالمدينة، وقد نوى
السفر ثم صلى العصر بذي الحليفة ركعتين(٣).
والحاصل أن من نوى السفر فلا يقصر حتَّى يفارق سور تلك البلدة
إن كان لها، فإن كان وراءه عمارة لم يشترط مجاوزتها في الأصح، وقيل
بالاشتراط(٤)، وبه قَالَ أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وإسحاق(٥). وعن
قتادة: إذا فارق الجسر والخندق قصر(٦). وعن الحارث بن أبي ربيعة أنه
إذا أراد سفرًا صلى بهم ركعتين في منزله، فيهم الأسود بن يزيد، وغير
واحد من أصحاب ابن مسعود(٧).
(١) ((الطبقات الكبرى)) ١٧٣/٢.
(٢) (صحيح مسلم)) (١٢١١/ ١٢٥) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام.
((الأم)) ١٨٠/١.
(٣)
(٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: هذا على ما صححه النووي، فأما الرافعي فصحح
الاشتراط في ((المحرر)) وذكر ما يخالفه في ((الشرح الصغير))، ولفظه: لا يشترط
مجاوزة ذلك على ما نقله كثير من الأئمة، وفي كلام بعضهم ما يدل على اشتراطه، قال
الأسنوي: وبالجملة فالفتوى على عدم الاشتراط؛ لذهاب الجمهور إليه كما تقدم.
(٥) انظر: ((الأصل)) ٣٦٦/١، ((المدونة)) ١١٢/١، ((الأوسط)) ٣٥٣/٤، ((المغني))
١١١/٣.
(٦) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) ٥٣١/٢ (٤٣٢٧).
(٧) أورده ابن المنذر في ((الأوسط)) ٤/ ٣٥٣.

٤٧٥
أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاَةِ
=
وعن عطاء: إذا حضرت الصلاة ولم يخرج من بيوت القرية، فإن
شاء قصر، وإن شاء أتم(١).
وعن مجاهد: إذا خرج نهارًا فلا يقصر إلى الليل، وإن خرج ليلًا
فلا يقصر إلى النهار(٢).
ورواية عن مالك أنه لا يقصر حَتَّى يجاوز ثلاثة أميال.
وفي ((مبسوط)) الحنفية: يقصر حين يخلف عمران المصر (٣).
ويقول عطاء بقول سليمان بن موسى في إباحة القصر في البلد لمن
يرى السفر (٤).
وقام الإجماع على أن المسافر لا يقصر الصلاة حَتَّى يبرز عن بيوت
القرية التي يخرج منها(٥)، واختلفت الرواية عن مالك في صفة ذلك،
ففي ((المدونة)) وكتاب ابن عبد الحكم عنه - وهو كما قَالَ ابن التين -:
لا يقصر حَتَّى يبرز من بيوت القرية، ثم لا يزال يقصر حَتَّى يدنو منها
راجعًا كقول الجماعة(٦).
وروى ابن وهب عنه: لا أرى أن يقصر من حد ما تجب فيه
الجمعة، وذلك ثلاثة أميال، وعنه أنه استحب ذلك؛ لأن ثلاثة أميال
مع المصر كقرار واحد، وإذا رجع قصر إلى حده ذلك. وإن كانت
قرية لا يجمعون أهلها قصر إذا جاوز بيوتها المنفصلة. وفي
(١) رواه عبد الرزاق ٥٣١/٢ (٤٣٢٩).
(٢) أورده ابن المنذر في ((الأوسط)) ٣٥٤/٤.
(٣) ((المبسوط)) ٢٣٦/١.
(٤) أثر سليمان بن موسى رواه عبد الرزاق ٥٣١/٢ - ٥٣٢ (٤٣٣٠).
(٥) انظر: ((الإجماع)) لابن المنذر ص٤٧.
(٦) ((المدونة الكبرى)) ١١٢/١.

٤٧٦
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
((المجموعة)) عن مالك في البحر: إذا جاوز البيوت ورفع(١).
واختار قوم من السلف: تقصر الصلاة قبل الخروج من بيوت القرية.
قَالَ ابن المنذر: روينا عن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفرًا
فصلى بهم ركعتين في منزله، وفيهم الأسود بن يزيد، وغير واحد من
أصحاب عبد الله. وروينا معنى هذا القول عن عطاء، وسليمان بن
موسى. وشذ مجاهد فقال: إذا خرجت مسافرًا فلا تقصر لو مكثت
حَتَّى الليل، وإذا خرجت ليلًا فحتى تصبح(٢).
ولا أعلم أحدًا وافقه عليه، وهو مردود بالضرب في الأرض(٣)،
وبفعله ◌َو حين أتم الظهر بالمدينة، وقصر العصر بذي الحليفة(٤)،
وإنما قصر إذا خرج من بيوت القرية، لا قبل ذلك؛ لأن السفر يحتاج
إلى عمل ونية، وليس كالإقامة التي تصح بالنية دون العمل.
ولا شك أن المشقة حاصلة من ابتداء السفر إلى حين رجوعه،
وسبب القصر في حديث أنس توجهه يطير إلى مكة كما ذكره البخاري
في بعض طرقه(٥)، لا أنه كان سفره إلى ذي الحليفة فقط، وبين
المدينة وذي الحليفة من ستة أميال إلى سبعة. فلا حجة لمن أجاز
القصر في قليل السفر، ولمن خرج إلى بستانه؛ لأن الحجة في السنة
لا فيما خالفها، وإنما لم يترك عليّ القصر وهو يرى الكوفة حَتَّى
يدخلها؛ لأنه كان حكمه حكم المسافر في ذلك الوقت. فلو أراد أن
((النوادر والزيادات)) ٤٢٠/١.
(١)
«الأوسط)» ٤/ ٣٥٣- ٣٥٤.
(٢)
يومئ المصنف -رحمه الله- إلى آية [النساء: ١٠١] ﴿وَإِذَا ضَرَيْتُمْ فِى الْأَرْضِ﴾.
(٣)
هو حديث أنس في الباب.
(٤)
(٥) سيأتي برقم (١٧١٤) كتاب: الحج، باب: نحر البدن قائمة.

٤٧٧
أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاَةِ
-
يصلي حينئذٍ لصلى صلاة سفر، وكان له تأخير الصلاة إلى الكوفة إذا
كان في سعة من الوقت، فيصليها صلاة حضر، فاختار ذلك؛ أخذًا
بالأفضل واحتياطًا للإتمام حين طمع به وأمكنه.
الثالث:
حديث عائشة أسلفنا الكلام عليه في أول الصلاة(١)، كما أسلفنا
الإشارة إليه.
قَالَ الدولابي فيما نقله ابن التين: قدم الشارع المدينة وهو يصلي
ركعتين، ثم نزل إتمام صلاة المقيم في الظهر يوم الثلاثاء لاثنتي
عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر، بعد مقدمه بشهر، وأقرت صلاة
المسافر.
وقَالَ أبو محمد: فرضت الصلاة خمسًا بمكة ليلة الإثنين، وأتمت
بالمدينة.
وقال الأصيلي: أول ما فرضت الصلاة أربعًا في الظهر والعصر على
هيئتها اليوم. وأنكر على من قَالَ: كانت ركعتين ثم أتمت بالمدينة،
وقال: لا يقبل في هذا خبر الآحاد، وأنكر حديث عائشة.
وقال ابن عبد البر: حديث عائشة صحيح الإسناد لا يختلف أهل
الحديث في صحة إسناده، إلا أن الأوزاعي قَالَ فيه: عن الزهري،
عن عروة، عنها، وهشام بن عروة، عن عروة، عنها، ولم يروه مالك
عن الزهري، ولا عن هشام. إلا أن شيخًا يسمى محمد بن يحيى بن
عباد بن هانئ، رواه عن مالك، وابن أخي الزهري جميعًا، عن
الزهري، عن عروة، عن عائشة، وهذا لا يصح عن مالك، والصحيح
(١) راجع شرح حديث (٣٥٠).

٤٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
في إسناده عن مالك ما في ((الموطأ))(١)، وطرقه عن عائشة متواترة، وهو
عنها صحيح ليس في إسناده مقال، إلا أن أهل العلم اختلفوا في معناه،
فذهب جماعة منهم إلى ظاهره، وعمومه، وما يوجبه لفظه، فأوجبوا
القصر في السفر فرضًا في كل رباعية.
وأما الصبح والمغرب فلا يقصران إجماعًا (٢)، وإن حكي أن الصبح
يقصر في الخوف إلى ركعة فهو شاذ(٣). وهذا يدل على أن قول عائشة
ظاهره العموم، والمراد به الخصوص، ألا ترى خروج المغرب والصبح
من ذلك، وهذا الحديث واضح في الفريضة، ألا ترى أن المصلي في
الحضر لا تجوز الزيادة في صلاته بالإجماع، وكذا المسافر. وممن ذهب
إلى هذا عمر بن عبد العزيز - إن صح عنه- وحماد بن أبي سليمان، وهو
قول أبي حنيفة، وأصحابه، وقول بعض أصحاب مالك، وقد روي عن
مالك أيضًا، وهو المشهور عنه أنه قَالَ: من أتم في السفر أعاد في
الوقت(٤)، واستدلوا بحديث عمر بن الخطاب قَالَ: صلاة السفر
ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم وَئه(٥). رواه أحمد،
والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي بإسناد صحيح(١)، وعن ابن عمر
(١) ((الموطأ)) ص ١٠٩.
(٢) انظر: ((الإجماع)) لابن المنذر ص٤٦.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال به جماعة من الصحابة والتابعين، ومحمد بن
نصر المروزي الشافعي، وفيه حديث في ((صحيح مسلم))، وأما المغرب فيقال: إن
ابن دحية ذكر في قصرها حديثًا.
(٤) انظر: ((المبسوط)) ٢٣٩/١، ((بدائع الصنائع)) ٩١/١، ((الأخيرة)) ٣٦٩/٢،
((المدونة الكبرى)) ١١٥/١.
(٥) ((التمهيد)» ١٦/ ٢٩٣ - ٢٩٥.
(٦) (مسند أحمد)) ٣/١، ((سنن النسائي)) ١١١/٣، ١١٨، ١٨٣، ((سنن ابن ماجه))
(١٠٦٣)، ((سنن البيهقي)) ١٩٩/٣ - ٢٠٠ من طريق زبيد الإيامي عن عبد الرحمن =

٤٧٩
أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ
=
قَالَ: صحبت رسول الله سي فكان لا يزيد على ركعتين في السفر،
وأبا بكر، وعمر، وعثمان. أخرجاه(١).
وعن ابن عباس: إن الله فرض الصلاة على نبيكم ◌َّ في الحضر
أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة. أخرجه مسلم (٢).
وممن قَالَ بفرض القصر المتعين: عمر، وعلي، وابن مسعود،
وجابر، وابن عباس، وابن عمر، والثوري، وعن عمر بن عبد
العزيز: الصلاة في السفر ركعتان لا يصلح غيرهما(٣).
وقال الأوزاعي: إن قام إلى الثالثة وصلاها فإنه يلغيها، ويسجد
للسهو (٤).
وقال الحسن بن حي: إذا صلى أربعًا متعمدًا أعادها إن
كان ذلك منه الشيء اليسير، فإن طال ذلك منه وكثر في سفره
ابن أبي ليلى، عن عمر وصححه ابن حبان ٢٢/٧-٢٣ (٢٧٨٣)، وحسنه النووي
=
في ((المجموع)) ٤/ ٤٠٢، ٢١/٥، وصححه شيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوي))
٥٤٢/٢٢، ٢٠/٢٤، والألباني في ((الإرواء)) (٦٣٨).
ورواه ابن ماجه (١٠٦٤)، والبيهقي ١٩٩/٣ من طريق زبيد عن عبد الرحمن بن
أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن عمر. فزيد في هذا الإسناد كعب بن عجرة.
وبنحوه صححه ابن خزيمة ٢/ ٣٤٠ (١٤٢٥). وقال النووي في ((المجموع)) ٤/
٢٢٣ : إسناد صحيح.
(١) سيأتي برقم (١١٠٢) كتاب: تقصير الصلاة، باب: من لم يتطوع في السفر دبر
الصلاة وقبلها، ورواه مسلم (٦٨٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة
المسافرين وقصرها.
(٢) (صحيح مسلم)) (٦٨٧) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة المسافرين
وقصرها.
(٣) أورده ابن المنذر في ((الأوسط)) ٤/ ٣٣٤.
(٤) ذكره ابن عبد البر في ((التمهيد)» ١١/ ١٧٧.

٤٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
لم يعد (١). وعن الحسن البصري في متعمد الأربع: بئس ما صنع،
وقضيت عنه، ثم قَالَ للسائل: لا أبالك. أترى أصحاب رسول الله
وَ لو تركوها؛ لأنها تغلب عليهم (٢)؟!
وقال الأثرم: قلتُ لأحمد: للرجل أن يصلي أربعًا في السفر؟ قَالَ:
ما يعجبني.
وقال البغوي: إنه قول أكثر العلماء(٣).
وقال الخطابي: الأولى القصر؛ ليخرج من الخلاف(٤).
وقال الترمذي: العمل على ما فعله الشارع، وأبو بكر، وعمر، وهو
(٥)
القصر (٥).
وهو قول محمد بن سحنون، وأجازه القاضي إسماعيل المالكي،
وهو رواية عن مالك، وأحمد، حكاه عنهما ابن المنذر (٦). وفي
((الذخيرة)) رواية أشهب أن القصر فرض (٧). وقال ابن المواز: لو
افتتح على ركعتين فأتمها أربعًا تعمدًا أعاد أبدًا، وإن كان سهوًا سجد
للسهو وأجزاه.
وقال سحنون: بل يعيد أبدًا؛ لكثرة السهو (٨).
(١) ذكره ابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٧٧/١١.
(٢) أورده ابن المنذر في ((الأوسط)) ٣٣٥/٤، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ١٧٧/١١.
(٣) ((التهذيب)) ٢٩٧/٢.
(٤) ((معالم السنن)) ٢٢٥/١.
(٥) ((سنن الترمذي)) ٤٣٠/٢.
(٦) («الأوسط)» ٣٣٤/٤.
(٧) ((الذخيرة)) ٣٦٨/٢.
(٨) ((المدونة)) ١١٥.