Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١ كتاب الجمعة ومالك والليث والثوري والشعبي وأبو حنيفة وسعيد بن عبد العزيز: لا يصلي شيئًا (١). وقال أبو مجلز: هو مخير بين الصلاة وتركها جمعًا بين الأحاديث(٢). وقال الأوزاعي: إن كان صلاهما في بيته جلس، وإلا ركعهما والإمام يخطب عملًا بالرواية السالفة: ((أصليت قبل أن تجيء؟))(٣) واحتج من يرى الصلاة بحديث سليك هذا، وبعموم: ((إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين))(٤) أو بغيره من الأحاديث السالفة، وحمله على غير هذه الحالة بعيد. قَالَ ابن حزم: ولولا البرهان (بأن)(٥) لا فرض غير الخمس، لكانت هاتان فرضًا، ولكنهما في غاية التأكيد، ولا شيء من السنن أوكد منهما؛ التردد أمره وَل﴾(٦) بهما. احتج من منع - ونقل ابن بطال أنه قول جمهور أهل العلم (٧)، وذكره ابن أبي شيبة عن عمر وعثمان وعليٍّ وابن عباس(٨) - بقول ابن شهاب: (١) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٣٧/١، ((عيون المجالس)) ٤١٦/١، ((الأوسط)» ٤ / ٩٥. (٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٤٧ (٥١٦٦). (٣) انظر: ((الأوسط)) ٩٥/٤. (٤) سبق برقم (٤٤٤) كتاب: الصلاة، باب: إذا دخل أحدكم المسجد فلیرکی رکعتين. (٥) كذا في الأصل ، وفي ((المحلى)): ولولا البرهان الذي قد ذكرنا من قبل بأن لا فرض إلا الخمس. (٦) ((المحلى)) ٦٩/٥. (٧) ((شرح ابن بطال)) ٥١٤/٢. (٨) ((المصنف)) ٤٤٧/١ - ٤٤٨ (٥١٦٧)، (٥١٧٣)، (٥١٧٥) كتاب: الصلوات، باب: من كان يقول: إذا خطب الإمامم فلا تصل، وانظر: ((شرح ابن بطال)) ٢/ ٥١٤ - ٥١٥. ٥٨٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = خروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام(١). وروي عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر، أنصتنا فلم يتكلم منا أحد(٢). وفي ((الإكمال)) لعياض أن أبا بكر وعمر وعثمان كانوا يمنعون من الصلاة عند الخطبة(٣)، وقال ابن بزيزة: هو مروي عن الخلفاء الثلاثة: عمر وعثمان وعلي، وفي كتاب ((اللباب)) روى علي بن عاصم عن خالد الحذاء أن أبا قلابة جاء يوم الجمعة والإمام يخطب فجلس ولم يصل، وروي عن عقبة بن عامر: الصلاة والإمام على المنبر معصية (٤). واحتج أيضًا بالحديث الذي فيه أن رجلا جاء يتخطى رقاب الناس، فقال له: ((اجلس فقد آذيت)) فأمره بالجلوس، وقيل دون الصلاة(٥). (١) رواه مالك في ((الموطأ)) ١/ ١٧٠ (٤٤٠) كتاب: الجمعة، باب: في الإنصات يوم الجمعة. (٢) رواه مالك في ((الموطأ)) ١/ ١٧٠ (٤٣٩) كتاب: الجمعة، باب: في الإنصات يوم الجمعة، وابن أبي شيبة ٤٤٨/١ (٥١٧٣)، و٤٥٨/١ (٥٢٩٦) كتاب: الصلوات، باب: في الكلام إذا صعد الإمام المنبر وخطب. (٣) ((إكمال المعلم)) ٢٧٨/٣، وفيه: عمر وعثمان وعلي، وليس فيها أبو بكر. (٤) رواه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١/ ٣٧٠. (٥) رواه أبو داود (١١١٨) كتاب: الصلاة، باب: تخطي رقاب الناس يوم الجمعة، السائي ١٠٣/٣ كتاب: الجمعة، باب: النهي عن تخطي رقاب الناس والإمام على المنبر يوم الجمعة، وأحمد ١٨٨/٤، ١٩٠، ابن الجارود في ((المنتقى)) ١/ ٢٥٦ (٢٩٤) كتاب: الصلاة، باب: الجعة، وابن خزيمة في ((صحيحه)) ١٥٦/٣ (١٨١١) كتاب: الجمعة، باب: النهي عن تخطي الناس يوم الجمعة والإمام يخطب وإباحة زجر الإمام عن ذلك في خطبته، والطحاوي في ((معاني الآثار)) ١/ ٣٦٦، وابن حبان في ((صحيحه)) ٢٩/٧-٣٠ (٢٧٩٠) كتاب: الصلاة، باب: صلاة الجمعة. = ٥٨٣ كتاب الجمعة وذكر سَنَدٌ في كتاب ((الطراز)): وترك الخطباء الركوع إذا خرجوا لحاجة الخطبة، ولم ينقل عن الشارع أنه ركع قبلها في المسجد، فكذا الحاجة للاستماع والإنصات. وقال ابن العربي: الصلاة حين ذاك حرام من ثلاثة أوجه: الآية، فكيف يترك الفرض الذي شرع الإمام فيه إذا دخل عليه فيه، ويشتغل بغير فرض، وصح عنه وَ ﴿ أنه قَالَ: ((إذا قُلْتَ لصاحبك: أنصت فقد لغوت))(١)، فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -الأصلان المفروضان الركنان في الملة- يحرمان حال الخطبة، فالنفل أولى بالتحريم، ولو دخل والإمام في صلاة لم يركع، والخطبة صلاة؛ إذ يحرم فيها من الكلام والعمل ما يحرم في الصلاة. قَالَ: وأما حديث سليك فلا يعترض على هذه الأصول من أربعة أوجه : أولها: فلأنه خبرُ واحدٍ (تعارضه)(٢) أخبار أقوى منه، وأصول من القرآن والشريعة فوجب تركه. ثانيها: يحتمل أنه كان في وقت كان الكلام مباحًا في الصلاة؛ لأنا لا نعلم تاريخه، فكان مباحًا في الخطبة، فلما حرم بالخطبة الأمر = والحاكم في ((المستدرك)) ٢٨٨/١ كتاب: الجمعة. قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه، ووافقه الذهبي، والبيهقي ٢٣١/٣ كتاب: الجمعة، / باب: لا يتخطى رقاب الناس من حديث عبد الله بن بسر. قال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (١٠٢٤): صحيح على شرط مسلم وقد تقدم تخريج هذا الحديث بأفضل من ذلك. (١) سيأتي برقم (٩٣٤) كتاب: الجمعة، باب: الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب. (٢) في الأصل: (فلا تعارضه)، وفي ((العارضة)) (فلا) غير مثبتة، والسياق يقتضي حذفها. ٥٨٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو آكد فرضية من الاستماع فأولى أن يحرم ما ليس بفرض. الثالث: أن الشارع كلم سليكا وقال له: ((قم فصل) فلما كلمه وأمره سقط عنه فرض الاستماع، إذ لم يكن هنالك قولٌ ذَلِكَ الوقت (إلا)(١) منه ◌َّ إلا مخاطبته له وسؤاله وأمره. الرابع: أن سليكا كان ذا بذاذة وفقر، فأراد ◌َلو أن يشهره؛ ليُرى حاله(٢). وكذا سلف في رواية، وكذا قَالَ الداودي: إنما فعل ذَلِكَ به ليُتَصَدَّقَ عليه، قَالَ: وفي الحديث أنهم كسوه ثوبين فأمر و ◌ّ﴿ بالصدقة، فقام الرجل فألقى أحد الثوبین، فنهاه وأمره بإمساكه. وهذا من الأمور التي يفعلها الإمام في الخطبة؛ ورده ابن التين بالحديث، ولو كان كما ذكره لما سأله: ((هل صليت؟)). وقال الطحاوي: يجوز أنه لما أمره قطع خطبته ثم استأنف، ويجوز أن يكون بنى عليها. قَالَ: ومن الدليل على أن ذَلِكَ كان وقت إباحة الكلام في خطبته أنه ذكر في حديث أبي سعيد الخدري، فذكر ما سلف، قَالَ: ولا نعلم خلافًا أن مثل هذا الكلام محظور في الخطبة لأمره فيها بالإنصات(٣). وعند ابن بزيزة: رأى بعض المالكية أن قصة سليك قضية عين (٤)، وأراد ◌َليّ أن يراه الناس فيتصدقوا عليه. (١) كذا بالأصل وهي زيادة ليست من كلام ابن العربي. (٢) ((عارضة الأحوذي)) ٢٩٩/٢-٣٠٢. (٣) ((شرح معاني الآثار)) ٣٦٦/١. (٤) انظر: ((الذخيرة)) ٣٤٦/٢. ٥٨٥ = كتاب الجمعة قَالَ: وقد قيل: إنَّ ترك الركوع سنة ماضية، وعمل مستفيض في زمن الخلفاء، واستدلوا أيضًا بحديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: ((لا تصلوا والإمام يخطب))(١) قَالَ: وذكر الدارقطني أنه لنَّ قَالَ لسليك: ((اركع ركعتين ولا تعد لمثل هذا))(٢) وقد سلف مع رواية الإمساك أيضًا، واستدلوا أيضًا بواقعة عثمان حين دخل وعمر يخطب، وإنكار عمر عليه في ترك الغسل فقط (٣)، ولم ينقل أمره بالركعتين، ولا نقل أنه (١) هذا الحديث لم أقف عليه بهذا اللفظ مرفوعًا للنبي و له من طريق أبي سعيد الخدري، وما وقفت عليه مرفوعًا للنبي ◌َّ ر من طريق أبي سعيد الخدري مخالف لذلك ولفظه: أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله وقلقه، يخطب فقال: (صلى ركعتين)) ثم جاء الجمعة الثانية، والنبي وهو يخطب فقال: ((صل ركعتين)) الحديث وهذا اللفظ للنسائي رواه أبو داود (١٦٧٥) كتاب: الزكاة، باب: الرجل يخرج من ماله. والترمذي (٥١١) كتاب: الجمعة، باب: ما جاء في الركعتين، وقال: حديث أبي سعيد الخدري حديث حسن صحيح؛ والنسائي ٦٣/٥، كتاب: الزكاة، باب: إذا تصدق وهو محتاج إليه هل يرد عليه. وابن ماجه (١١١٣) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء فيمن دخل المسجد والإمام يخطب، وأحمد ٢٥/٣، وأبو يعلى ٢٧٩/٢ (٩٩٤)، وابن خزيمة ١٥/٣ (٧٩٩) كتاب: الجمعة، باب: أمر الإمام الناس في خطبة يوم الجمعة بالصدقة، إذا رأى حاجة وفقرًا، والبيهقي في ((الكبرى)) ١٩٤/٣ (٥٦٩٣) كتاب: الجمعة، باب: من دخل المسجد يوم الجمعة والإمام على المنبر ولم يركع ركع ركعتين. أما هذا اللفظ فقد عزاه الزيلعي في ((نصب الراية)) ٢٠٤/٢ لأبي سعيد الماليني في كتابه عن محمد بن أبي مطيع عن أبيه عن محمد بن جابر عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي. قال ابن القطان: وأبو سعيد الماليني اسمه: أحمد بن محمد وهو الذي روى عن ابن عدي كتابه ((الكامل)).اهـ (٢) ((سنن الدار قطني)) ١٦/٢ كتاب: الجمعة، ومن تجب عليه، باب: في الركعتين إذا جاء الرجل والإمام يخطب. (٣) سلفت برقم (٨٨٢) كتاب: الجمعة، باب: فضل الجمعة. ٥٨٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = صلاهما، وأجابوا عن حديث سليك بأنه لا دلالة فيه؛ لأن عندهم فوات التحية بالجلوس، خلافًا لأبي حنيفة. وفي ((المدونة)) أن الإمام إذا دخل قبل أن يحرم المتنفل يجلس لقربه، وخوف الفوت(١). وفي ((المختصر)): الصلاة جائزة إلى أن يجلس على المنبر، وإن دخل بعد جلوسه والمؤذن يؤذن جلس، فإن أحرم ساهيًا أو جاهلًا، ففي الإتمام قولان عن مالك(٢). وفي الحديث حجة لمن أجاز للخطيب يوم الجمعة أن يتكلم في خطبته بما عرض له من كلام من غير جنس الخطبة ما فيه نفع للناس وتعليم لهم، وقد روي عن علي ذَلِكَ حين تخطى الأشعث بن قيس رقاب الناس، ذكره الطبري. وفي ((المدونة)): جائز أن يتكلم الإمام في خطبته لأمرٍ أو نهي ولا يكون لاغيًا، ومن كلمه الإمام فرد عليه لم يكن لا غيًا(٣) (٤). (١) ((المدونة الكبرى)) ١٣٨/١. (٢) أنظر: ((الذخيرة)) ٣٤٦/٢، ((النوادر والزيادات)) ١/ ٤٧٠. (٣) ((المدونة الكبرى)) ١/ ١٤٠. (٤) ورد بهامش الأصل: بلغ في الخامس بعد الثمانين، كتبه مؤلفه غفر الله له. وبعده تعليق على سماع وهو: من أوله إلى هنا سمع الإمام عز الدين الحاضري.اهـ وبعده تعليق آخر: آخر ٤ من ٤ من تجزئة المصنف. ٥٨٧ كتاب الجمعة ٣٤ - باب رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الْخُطْبَةِ ٩٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدْ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ. وَعَنْ يُونُسَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ◌َِّ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَ الْكُرَاعُ، وَهَلَكَ الشَّاءُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ يَسْقِيَنَا. فَمَذَّ يَدَيْهِ وَدَعَا. [٩٣٣، ١٠١٣، ١٠١٤، ١٠١٥، ١٠١٦، ١٠١٧، ١٠١٨، ١٠١٩، ١٠٢١، ١٠٢٩، ١٠٣٣، ٣٥٨٢، ٦٠٩٣، ٦٣٤٢ - مسلم: ٨٩٧ - فتح: ٤١٢/٢] ذكر فيه عن أنس: بَيْنَمَا النَّبِيُّ وَّهِ يَخْطُبُ يَوْمَ جُمُعَةِ .. الحديث. وترجم له: ٥٨٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح === ٣٥- باب الإِسْتِسْقَاءِ فِي الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ٩٣٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ◌َّةِ، فَبَيْنَا النَّبِيُّ ◌َّ يَخْطُبُ فِي يَوْمٍ جُمُعَةٍ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَ المالُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، فَادْعُ اللهَلَنَا. فَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَمَا نَرَى فِ السَّمَاءِ قَزَعَةً، فَوَالَّذِي نَّفْسِي بِيَدِهِ مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ اَمْطَرَيَتَحَادَرُ عَلَى الْخِيَّتِهِ وَّةِ، فَمُطِزْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ، وَمِنَ الْغَدِ، وَبَعْدَ الْغَدِ وَالَّذِي يَلِيهِ، حَتَّى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى، وَقَامَ ذَلِكَ الأَغْرَابِيُّ - أَوْ قَالَ غَيْرُهُ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ وَغَرِقَ الَمَالُ، فَادْعُ اللهَ لَنَا. فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ حَوَ الَيْنَا، وَلاَ عَلَيْنَا)). فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَّةِ مِنَ الشَّحَابِ إِلَّ انْفَرَجَتْ، وَصَارَتِ الْدِينَةُ مِثْلَ الْجَوْبَةِ، وَسَالَ الْوَادِي قَنَاةُ شَهْرًا، وَلَمْ يَجِيءُ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَّةٍ إِلَّ حَدَّثَ بِالجَوْدِ. [انظر: ٩٣٢ - مسلم: ٨٩٧ - فتح: ٤١٣/٢] وزاد فيه: في باب من تمطر بالمطر: حَتَّى سَالَ الْوَادِي -وَادِي قَنَاةَ- شَهْرًا. وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّ حَدَّثَ بِالْجَوْدِ. الشرح : هذا الحديث ذكره البخاري مطولاً ومختصرًا في مواضع هنا، وفي الاستسقاء وعلامات النبوة(١) والاستئذان(٢)، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي أيضًا(٣). (١) سيأتي برقم (١٠١٣) باب: الاستسقاء في المسجد الجامع، وبرقم (٣٥٨٢) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام. (٢) ليس فيه، وإنما هو في الدعوات برقم (٦٣٤٢) باب الدعاء غير مستقبل القبلة، وفي الأدب قبله (٦٠٩٣) باب التبسم والضحك. (٣) رواه مسلم (٨٩٧) كتاب: صلاة الاستسقاء، باب: الدعاء في الاستسقاء، وأبو داود (١١٧٤) كتاب: الصلاة، ب باب: رفع اليدين في الاستسقاء. والنسائي ٣/ ٥٨٩ كتاب الجمعة = و(ثابت) راويه، هو ابن أسلم البناني، وعبد العزيز الراوي عن أنس هو ابن صهيب، وحماد هو ابن زيد، ویونس هو ابن عبيد. والأوزاعي اسمه عبد الرحمن بن عمرو بن محمد، الإمام. قيل: روى عن مالك، وعنه مالك. وقوله: (إِذْ قَامَ رَجُلٌ). وفي رواية الحديث الذي بعده: قَالَ أعرابي. وفي أخرى: فقام بعض المسلمين(١). وفي أخرى: جاء من نحو دار القضاء(٢). وفي أخرى تأتي في الاستسقاء: فقام الناس فصاحوا: يا رسول الله، قحط المطر (٣). وقوله: (هَلَكَ الْكُرَاعُ). هو بضم الكاف، وهو اسم لجميع الخيل، قاله الجوهري(٤). قَالَ ابن قرقول: وضبطه بعضهم عن الأصيلي بكسر الكاف، وهو خطأ. وقوله: (هَلَكَ الشَّاءُ). الشاء: جمع كثرة، وشیاه بالهاء من ثلاث إلى عشر، فإذا جاوز العشر فبالتاء، فإذا كثرت قُلْتَ: شاء كثيرة، وجمع شاء ١٦٦-١٦٧ كتاب: الاستسقاء، باب: رفع الإمام يديه عند مسأله إمساك المطر. (١) رواها النسائي ١٦٥/٣-١٦٦ كتاب: الاستسقاء، باب: مسألة الإمام رفع المطر إذا خاف ضرره، والبخاري في: ((الأدب المفرد)) ص٢٠٩ (٦١٢) باب: رفع الأيدي في الدعاء، وابن حبان في ((صحيحه)) ٧/ ١٠٧ (٢٨٥٩) كتاب: الصلاة، باب: صلاة الاستسقاء. (٢) ستأتي برقم (١٠١٤) كتاب: الاستسقاء، باب: الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة. (٣) ستأتي برقم (١٠٢١) كتاب: الاستسقاء، باب: الدعاء إذا كثر المطر حوالينا لا علینا. (٤) ((الصحاح)) ١٢٧٦/٣. ٥٩٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح شوى، وإنما كان شاء جمع شاة مثل تمرة وتمر؛ لأن أصل شاة: شاهة، ظهرت الهاء في الجمع؛ لأن الجمع يرد الأشياء إلى أصولها، وأبدل من الهاء همزة. وقال ابن الأثير: جمع الشاء: شياه وشياء وشوى، (وجمعها)(١): شويهة وشوية، وعينها واو، وإنما انقلبت في شياه لكسرة الشين. وهلاكها بسبب عدم الرعى(٢). وقوله: (أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ). أي: شدة وجهد وجدب، وهو من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] و(المال) هنا وما بعده: الحيوان كذا فسره في حديث ((الموطأ)): هلكت إذ لم تجد ما ترعى(٣). و(القَزَعة) بفتح القاف والزاي: القطعة من السحاب. وقيل: قطع دقاق متفرقات، ومنه قزعُ الشَّعْرِ المنهي عنه، وهو ما ذكره ابن التين، والجمع: قُزع. قَالَ: وقيل: القطعة الدقيقة من السحاب كأنها ظل يمر من تحت السحاب، والجمع: قزع. كقصبة وقصب. وقال أبو عبيد: وأكثر ما يكون ذَلِكَ في الخريف (٤). وقوله: (ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ). أي: لكثرتها وسيرها وتحادر المطر؛ لأن السقف لم يكن يرده. (١) كذا بالأصول، ولعله يقصد: (وتصغيرها). (٢) ((النهاية في غريب الحديث)) ٥٢١/٢. (٣) ((الموطأ)) ١/ ٢٤٠ (٦١١) كتاب: الجمعة، باب: صلاة الاستسقاء. (٤) ((غريب الحديث)) ١١٥/١. ٥٩١ كتاب الجمعة = وقوله: (وَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ أَوْ قَالَ غَيْرُهُ). قَالَ ابن التين: بَيَّن في حديث أيوب أنه ذكر ذَلِكَ الرجل بعد هذا. وقوله: ((حَوَالَيْنَا)) ) بفتح اللام، ولا يجوز کسرها، وفيه إضمار. أي: أمطر حوالينا. أي: حولنا وما دار بنا. وفي رواية: ((حولنا))(١) وبين بَير الحوالي بقوله: ((على الآكام)) إلى آخره كما ستعلمه في بابه(٢). (الْجَوْبَة) -بفتح الجيم، وإسكان الواو، ثم باء موحدة- الفجوة. وقال أبو عبد الملك: أي: الجيب. وفي حديث آخر: مثل الإكليل(٣). أي: دار بها السحاب، وكذا قَالَ ابن القاسم في معنى حديث مالك: انجابت عن المدينة انجياب الثوب، أي: تدورت كما يدور جيب القميص. وقال ابن وهب: معناه: انقطعت عن المدينة كما يقطع الثوب. وقال ابن شعبان: خرجت عن المدينة كما يخرج الجيب عن الثوب. وقال الداودي: مثل الجوبة. أي: صارت مستديرة كالحوض المستدير، وأحاطت بها المياه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَحِفَانِ كَالْجَوَابِ﴾ [سبأ: ١٣]. قَالَ ابن التين: وهذا عندي وَهَمٌ؛ لأن اشتقاق الجابية من جبا العين، فيكون اسم الفعلة منه: جبوة. وإنما هو من جاب يجوب إذا قطع، من قوله تعالى: ﴿جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر: ٩] فالعين منه واو فتكون الفعلة منه جوبة كما في الحديث. (١) مسلم (٨٩٧) كتاب: صلاة الاستسقاء، باب: الدعاء في الاستسقاء. (٢) ستأتي برقم (١٠١٣) كتاب: الاستسقاء، باب: الاستسقاء في المسجد الجامع. (٣) سيأتي برقم (١٠٢١) كتاب: الاستسقاء، باب: الدعاء إذا كثر المطر حوالينا ولا علینا. ٥٩٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقال الجوهري: (الْجَوْبَةِ): الفرجة من السحاب والجبال(١)، وقد أسلفناه. وقال ابن فارس: الجوبة كالغائط من الأرض(٢). وقال الخطابي: هي الترس(٣)، وفي حديث آخر: فبقيت المدينة كالترس؛ قال: والجوبة أيضًا: الوهدة المنقطعة عمّا علا من الأرض، وهذا نحو ما ذكر ابن فارس(٤). و(قَنَاةُ) بفتح القاف: اسم لواد من أودية المدينة(٥). و(الْجَوْد): المطر الكثير. والقناة: مجمع الماء. وقيل: القناة: اسم الوادي، لم يصرفه؛ لأنه معرفة بدل معرفة. وفي أبواب الاستسقاء: حتى سال وادي قناة (٦) غير مصروف أيضًا؛ لأن قناة معرفة، وهي اسم للبقعة لا ينصرف. وأما أحكام البابين ففيه ما ترجم له، وهو رفع اليدين في الخطبة، وسؤال الغيث، وذلك عند الضراعة إلى الله والتذلل له. ويأتي في الاستسقاء حديث أنس أنه مي كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، فإنه کان یرفع یدیه حتی یری بیاض (٧) إبطيه(٧) . (١) ((الصحاح)) ١٠٤/١. (٢) ((المجمل)) ٢٠٢/١. (٣) ((أعلام الحديث)) ٥٨٥/١. (٤) ((المجمل)) ١٠٢/١. (٥) انظر: ((معجم ما استعجم) ١٠٩٦/٣، و((معجم البلدان)) ٤٠١/٤. (٦) ستأتي برقم (١٠٣٣) باب: من تمطر في المطر حتى يتحادر على لحيته. (٧) سيأتي برقم (١٠٣١) كتاب: الاستسقاء، باب: رفع الإمام يده في الاستسقاء. ٥٩٣ كتاب الجمعة = وليؤول على إرادة الرفع البليغ بحيث يرى بياض إبطيه؛ إلا في هذا الموضع، فإنه قد ثبت رفع يديه في مواطن غيره، ويجوز أن يكون المراد: لم أره يرفع ورآه غيره، فقدم المثبت. وقد استحب جماعة من العلماء الرفع في الدعاء، وعن مالك كراهته، ونقل ابن بطال عنه أنه كان لا يرى الرفع إلا في خطبة الاستسقاء(١). واختلف في كيفية الرفع، فاختار مالك الإشارة بظهر كفيه إلى السماء كما جاء في الحديث في مسلم (٢)، وقيل: ببطنهما، وهو رفع الرغب والطلب(٣). وقال جماعة من العلماء من أصحابنا وغيرهم: السنة في كل دعاءٍ لدفع بلاءٍ كالقحط ونحوه كالأول. فإن كان لنوال شيء وتحصيله فالثاني. وعن أبي يوسف: إن شاء رفع يديه في الدعاء، وإن شاء أشار بإصبعه. وفي ((المحيط)) و((القنية)): بإصبعه السبابة (٤). وفي ((التجريد)): من يده اليمنى. وفيه: الاستسقاء بالدعاء بدون صلاة، وهو أحد أنواعه ولا يستدل به على عدم مشروعية الصلاة(٥)، وإن استدل به جماعة فإنه فعل أحد أنواعه. (١) (شرح ابن بطال)) ٥١٨/٢، وانظر: ((النوادر والزيادات)) ٥١٤/١. (٢) مسلم (٨٩٦) كتاب: صلاة الاستسقاء، باب: رفع اليدين بالدعاء في الاستسقاء. (٣) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٥١٣/١-٥١٤، ((الذخيرة)) ٤٣٥/٢. (٤) انظر: ((المبسوط)) ٧٧/٢، ((بدائع الصنائع)) ٢٨٤/١. (٥) وهو ماذهب إليه أبو حنيفة قال الكاساني رحمه الله: ظاهر الرواية عن أبي حنيفة أنه قال لا صلاة في الاستسقاء وإنما فيه الدعاء وأراد بقوله لا صلاة في الاستسقاء = ٥٩٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح قَالَ ابن بطال: رفع اليدين في الخطبة في معنى الضراعة إلى الجليل، والتذلل له، وقد أخبر النبي وَ ر أن العبد إذا دعى الله تعالى وبسط كفيه أنه لا يردهما خائبتين من فضله، فلذلك رفع الشارع يديه، وقد أنكر بعضهم ذَلِكَ، فروي عن مسروق أن الإمام رفع يوم الجمعة يديه على المنبر، فرفع الناس أيديهم. فقال مسروق: ما لهم قطع الله أيديهم(١). = الصلاة بجماعة أي: لا صلاة فيه بجماعة بدليل ما روى عن أبي يوسف أنه قال سألت أبا حنيفة عن الاستسقاء هل فيه صلاة أو دعاء موقت أو خطبة؟ فقال: أما صلاة بجماعة فلا ولكن الدعاء والاستغفار وإن صلوا وحدانا فلا بأس به؛ وهذا مذهب أبي حنيفة: وقال محمد: يصلي الإمام أو نائبه في الاستسقاء ركعتين بجماعة كما في الجمعة، ولم يذكر في ظاهر الرواية قول أبي يوسف وبذكر في بعض المواضع قوله مع قول أبي حنيفة وذكر الطحاوي قوله مع قول محمد وهو الأصح، ((بدائع الصنائع)) ٢٨٢/١، وقال بدر الدين العيني رحمه الله: قال أبو حنيفة: ليس في الاستسقاء صلاة مسنونة في جماعة؛ وبه قال إبراهيم النخعي وأبو یوسف في رواية. وقال النووي: لم يقل أحد غير أبي حنيفة هذا القول. قلت: هذا ليس بصحيح، وقد روى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) بسند صحيح وقال: حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم أنه خرج مع المغيرة بن عبد الله الثقفي ليستسقي قال فصلى المغيرة فرجع إبراهيم حيث رآه يصلي، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب ﴾ قال ابن أبي شيبة ثنا وكيع عن عيسى بن حفص بن عاصم عن عطاء بن أبي مروان الأسلمي عن أبيه قال خرجنا مع عمر بن الخطاب # ليستسقي فما زاد على الإستغفار وقد تحرى بعض المتعصبين بمن لا يبالى بما لا يترتب عليه في تعصبه بالباطل فقال، قال أبو حنيفة إن صلاة الاستسقاء بدعة لما قال ليست بسنة، ولا يلزم من نفي السنة إثبات البدعة، لأن عدم السنة يحتمل الجواز ويحتمل الإستحباب، وفي المنافع مطلق الفعل لا يدل على كونه سنة. ((البناية)) ١٧/٣ - ١٧٥ (١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٧٥ (٥٤٩٤) كتاب: الصلوات، باب: في رفع الأيدي في الدعاء يوم الجمعة. ٥٩٥ = كتاب الجمعة وقال الزهري: رفع الأيدي يوم الجمعة محدث. وقال ابن سيرين: أول من رفع يديه في الجمعة عبيد الله بن عبد الله بن معمر(١). وفيه: الاستسقاء بالدعاء يوم الجمعة. وفيه: الاكتفاء بدعاء الإمام، ولم يذكر فيه تحويل الرداء. وفيه: إباحة أن يكلم الإمام في الخطبة عند الحاجة، ولا يكون من يكلمه لاغيًا (٢). وكلام الداخل مع الخطيب في حال الخطبة، ويحتمل أن يكون إنما كلمه في حال سكتةٍ كانت منه؛ إما لاستراحة في النطق، وإما حال الجلوس، لكن يُبْعِدُهُ قولُه: قائم يخطب. وفيه: قيام الواحد بأمر العامة. (١) رواهما ابن أبي شيبة ٤٧٥/١ (٥٤٩١)، (٥٤٩٢) كتاب: الصلوات، باب: في رفع الأيدي في الدعاء يوم الجمعة. وانظر: ((شرح ابن بطال)) ٢/ ٥١٧. فائدة: سئل فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله؛ عن رفع اليدين في الدعاء فقال: لا يُشرع رفعهما في المواضع التي وجدت في عهد النبي ◌َّ ولم يرفع فيها كأدبار الصلوات الخمس وبين السجدتين وقبل التسليم من الصلاة وحين خطبة الجمعة والعيدين. لأن النبي ◌َّرَ لم يرفع في هذِه المواضع وهو عليه الصلاة والسلام الأسوة الحسنة فيما يأتي ويذر لكن إذا استسقى في خطبة الجمعة أو خطبة العيدين شرع له رفع اليدين كما فعل النبي ◌َّر. ((مجموع فتاوى ومقالات متنوعة)) ١٨١/١١ (٢) انظر: ((المدونة)) ١/ ١٤٠ قال أبو اليد الباجي رحمه الله: وقد قال ابن القاسم في ((المدونة)) من كلمه الإمام فرد عليه لم أره لاغيا ووجه ذلك أن الانصات إنما هو للإمام والإصغاء إليه وإلى كلامه فإذا سأله عن أمر فقد أذن في الجواب عنه فليس بمفتات عليه ولا معرض عنه وليس لغيرهم أن يتكلم حينئذ لأن ما يأمر الإمام به وينهى عنه ويسأل بسببه ويجاب عنه حكمه حكم الخطبة فإن المقصود منه تبليغه إلى الجماعة وإعلامهم به فلا يجوز الأعراض عنه بالتكلم كما لا يجوز ذلك في نفس الخطبة، ((المنتقى)) ١٨٤/١-١٨٥. ٥٩٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وفيه: إتمام الخطبة في المطر. وفيه: الدعاء برفع المطر إذا كثر، لما فيه: من الأذى. وفيه: سؤال رفعه عن موضع البناء وبقاؤه في موضع النبات وغير ذَلِكَ. فرع : قَالَ ابن حبيب المالكي: إذا دعا الإمام في خطبته المرة بعد المرة أمَّن الناس وجهروا جهرًا ليس بالعالي. قَالَ: وذلك فيما ينوب الناس من قحط وغيره كعدو يخشى، ولا بأس أن يأمرهم فيه بالدعاء ورفع اليدين بعد فراغ الخطبة. فأما أن يجعل ذَلِكَ حدًّا بعد كل خطبة فهو بدعة(١). قيل: وأول من أبدعه من الخلفاء عبد الملك بن مروان، وإذا كان لأمرٍ نزل فذلك جائزٌ، وكذا إذا قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فلا خلاف في إجابته، وإنما الخلاف في صفة النطق به سرًّا أو جهرًا، ذكره القاضي أبو الوليد(٢). وذكر ابن حارث عن محمد بن عبد الحكم: بل ينصت ولا يحرك لسانه، ويكفيه الضمير من ذَلِكَ. فرع: هذا الدعاء كان منه ( 8* بعد الزوال، وكذلك الاستسقاء الذي لا يجتمع بسببه ليس له وقت محدود؛ ولأنه دعاء مجرد، فيفعل في كل وقت. (١) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٤٧٥/١، ((عقد الجواهر الثمينة)) ١٦٧/١. (٢) ((المنتقى)) ١٨٨/١، ((عقد الجواهر)) ١٦٧/١. ٥٩٧ كتاب الجمعة = وأما الدعاء للاستسقاء الذي (يبرز)(١) له، فوقته ضحوة(٢) كما قاله ابن التين. والأصح عندنا: أنه لا يختص بوقت العيد(٣). (١) في الأصل: (ينزو) والمثبت من ((المنتقى)) ٣٣٣/١. (٢) أنظر: ((المتقى)) ٣٣٣/١. (٣) قال النووي رحمه الله: وهو الصحيح بل الصواب أنها لا تختص بوقت بل تجوز وتصح في كل وقت من ليل ونهار، إلا أوقات الكراهة على أصح الوجهين، وهذا هو المنصوص للشافعي، وبه قطع الجمهور وصححه المحققون، ممن قطع به صاحبا ((الحاوي)) و(الشامل)) وصاحب ((التتمة)) وآخرون، وصححه الرافعي في ((المحرر)) وغيره، ونقله صاحب ((الشامل)) وصاحب ((جمع الجوامع)) في نصوص الشافعي عن نص الشافعي، واستصوبه إمام الحرمين وقال: لم أر التخصيص بوقت لغير الشيخ أبي على السنجي، واستدلوا له بأنها لا تختص بيوم فلا تختص كصلاة الاستخارة وركعتي الأحرام وغيرهما، وليس لتخصيصها بوقت صلاة العيد وجه أصلا فلا يغتر بوجوده في الكتب التي أضفته إليها ، فإنه مخالف للدليل ولنص الشافعي ولأكثر الأصحاب. فإن قيل: فقد قال الشافعي في ((الأم)) في آخر باب: كيف صلاة الاستسقاء قبل الزوال يصليها بعد الظهر وقبل العصر، هذا نصه، وظاهره مخالف للأصح. (والجواب) أن هذا صريح في أنها لا تختص بوقت صلاة العيد، ومراد الشافعي أنه يصليها بعد الظهر ولا يصليها بعد العصر لأنه ووقت كراهة الصلاة، وقد سبق أن صلاة الاستسقاء لا تصلى في وقت النهى على الأصح فنصه موافق للصحيح وهو أنها لا تختص بوقت أصلًا، ((المجموع)) ٧٧/٥ -٧٨. ٥٩٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٣٦- باب الإِنْصَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ وَإِذَا قَالَ لِصَاحِبِهِ: أَنْصِتْ. فَقَدْ لَغَا. وَقَالَ سَلْمَانُ، عَنِ النَّبِّ وَلِهِ: يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ. ٩٣٤ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَبِي سَعِيدُ بْنُ الْسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهَِّ قَالَ: ((إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ. وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ)). [مسلم: ٨٥١ - فتح: ٤١٤/٢] ثم ساق بإسناده من حديث عقيل عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: أَنْصِتْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ)). الشرح : أما حديث سلمان فسلف في باب: لا يفرق بين اثنين يوم الجمعة(١)، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم والأربعة(٢). قَالَ الترمذي: وفي الباب عن ابن أبي أوفى وجابر بن عبد الله(٣). قَالَ الدارقطني: تفرد به الزهري، ثم طرقه، قَالَ: والمحفوظ ما في البخاري (٤). (١) سلف برقم (٩١٠) كتاب: الجمعة. (٢) مسلم (٨٥١) كتاب: الجمعة، باب: في الإنصات يوم الجمعة في الخطبة، وأبو داود (١١١٢)، والترمذي (٥١٢)، والنسائي ١٠٤/٣، وابن ماجه (١١١٠). (٣) (سنن الترمذي)) عقب حديث (٥١٢) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في كراهية الكلام والإمام يخطب. (٤) ((علل الدارقطني)) ٢٦٦/٧-٢٦٨. ٥٩٩ كتاب الجمعة = وذكر الاختلاف فيه أيضًا عبد الغني المقدسي وتابع سعيدًا إبراهيمُ ابن قارظ، وعبد الله بن إبراهيم بن قارظ، أخرجهما مسلم (١)، وذكره الحميدي من طريق إبراهيم بن عبد الله بن قارط (٢). ولأحمد وأبي داود: من دنا من الإمام فلغا ولم يستمع ولم ينصت كان عليه كفل من الوزر، ومن قَالَ: صه. فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له(٣). ورواية سفيان ابن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: (فَقَدْ لَغَيت)) قال ابن عيينة: (لغيت) لغة أبي هريرة. ولأحمد من حديث ابن عباس مرفوعًا: ((من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا، والذي يقول له: أنصت. ليس له جمعة)) (٤) أي: كاملة مثل المنصت. وذكره ابن بطال عن ابن أبي شيبة مرفوعًا، وعن عمر وابنه كذلك(٥). وإنما أولناه بذلك؛ لأن جماعة الفقهاء يجمعون على أن جمعته مجزئة عنه، ولا يصلي أربعًا. (١) مسلم (١/٨٥١)؛ وفيه: عن عمر بن عبدالعزيز عن عبدالله بن إبراهيم بن قارظ .. إلخ؛ ثم ساقه من طريق ابن جريج، وقال: غير أن ابن جريج قال: إبراهيم بن عبدالله بن قارظ.اهـ قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) ١/ ٧٢: والحق أنهما واحد، والاختلاف فيه على الزهري، وغيره. وقال ابن معين: كان الزهري يلغط فيه.اهـ (٢) ((الجمع بين الصحيحين)) للحميدي ٢٩/٣ - ٣٠ (٢٢٠٥). (٣) (سنن أبي داود)) (١٠٥١) كتاب: الصلاة، باب: فضل الجمعة، وأحمد ٩٣/١، قال الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (١٩٤): إسناده ضعيف. (٤) (امسند أحمد) ١/ ٢٣٠ وتقدم تخريجه. (٥) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٥٨/١ (٥٣٠٣ - ٥٣٠٥) كتاب: الصلوات، باب: في الكلام إذا صعد الإمام المنبر وخطب. ٦٠٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - قَالَ ابن وهب: من لغا کانت صلاته ظهرًا ولم تكن له جمعة، وحرم فضلها(١). وقال عطاء: لا يقطعها شيء. ولابن ماجه لما قَالَ أَبي لأَبِي الدرداء وسأله: متى أنزلت هذه السورة؟ والنبي وَّهُ يقرأ ﴿تَبَارَكَ﴾ على المنبر، فلما انصرفنا قَالَ له أُبيّ: ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت، فقال النبي وَلّ: ((صدق أُبِيُ))(٢). وفي ((مسند أحمد)): براءة (٣). ولابن أبي شيبة أن عمر بن الخطاب هو المقول فيه: صدق عمر (٤). وهو مرسل. وفي رواية له ضعيفة أن سعد بن أبي وقاص سمع رجلاً يتكلم فقال له: لا جمعة لك، فأخبر ول# بذلك فقال: ((صدق سعد))(٥) وللبيهقي بإسنادٍ جيدٍ أن أبا ذر هو السائل لأَبيِّ بن كعب قَالَ: وقيل: إن جابرًا هو السائل لابن مسعود. قَالَ: وهذا الاختلاف إنما هو في اسم صاحب القصة، واتفقت الرواة على تصديق النبي وَلهو قائله(٦). (١) ((شرح ابن بطال)) ٥١٩/٢، وانظر: ((الاستذكار)) ٢٢/٢. (٢) (سنن ابن ماجة)) (١١١١) وليس فيه ذكر لأبي الدرداء، إنما هو مسند أبي، وقد تقدم تخريجه. وحديث أبي الدرداء رواه البيهقي في ((المعرفة)) ٣٧٨/٤ (٦٥٢٢). وصححه النووي في ((المجموع)» ٤ /٣٩٥. (٣) ((مسند أحمد)) ١٤٣/٥. (٤) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٥٨/١ (٥٣٠٤) كتاب: الصلوات، باب: في الكلام إذا صعد الإمام المنبر وخطب. (٥) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٥٩/١ (٥٣٠٦) كتاب: الصلوات، باب: في الكلام إذا صعد الإمام المنبر وخطب. (٦) ((السنن الكبرى)) ٢١٩/٣-٢٢٠ كتاب: الجمعة، باب: الإنصات للخطبة. وتقدم تخريج هذا الحديث.